٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ -، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى حَرْمَلَةَ، أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ: "أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ ابْنَةَ (٢) الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا،
===
٢٣٣١ - (حدثنا أحمد بن عبد الواحد) بن واقد التميمي المعروف بابن عبود، قال ابن عساكر: ذكره محمد بن يحيى بن أحمد الفقيه فقال: هو ثقة، وقال النسائي: صالح لا بأس به، وقال العقيلي وابن أبي عاصم وغيرهما: ثقة، (نا أبو مسهر قال) أبو مسهر: (كان سعيد - يعني ابن عبد العزيز- يقول: سره أوله)، وهذا التفسير الذي حكاه عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز يناسب التأويل الثاني، أي صوموا رمضان وقبله من شعبان، وأطلق عليه كونه أول رمضان لقربه منه، والله أعلم.
(٩) (بَابٌ: إِذَا رُؤيَ الهَلَالُ في بَلَدٍ قَبْلَ الآخَرِين بِلَيْلَةٍ)
فهل يعتبر رؤية ذلك البلد للآخرين أم لا؟
٢٣٣٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا إسماعيل - يعني ابن جعفر-، أخبرني محمد بن أبي حرملة، أخبرني كريب) مولى ابن عباس، (أن أم الفضل) والدة ابن عباس (ابنة الحارث بعثته) أي كريبًا (إلى معاوية بالشام) في زمان إمارته، (قال) كريب: (فقدمت الشام) عند معاوية (فقضيت حاجتها) وبلغت
_________________
(١) في نسخة: "قال أبو داود: وقال بعضهم: سره وسطه، وقالوا: آخره".
(٢) في نسخة: "بنت".
[ ٨ / ٤٦٢ ]
فَاسْتُهِلَّ (١) رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِى آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُهُ حَتَّى نُكْمِلَ الثَّلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ.
فَقُلْتُ (٢): أَفَلَا تَكْتَفِى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-" (٣). [م ١٠٨٧، ت ٦٩٣، ن ٢١١١، حم ١/ ٣٠٦، خزيمة ١٩١٦، ق ٤/ ٢٥١، قط ٢/ ١٧١]
===
رسالتها إلى معاوية (فاستهل) بصيغة المجهول، هلال (رمضان، وأنا بالشام، فرأينا)، هكذا في رواية الترمذي بضمير الجمع المتكلم، وأما في لفظ مسلم والنسائي والدارقطني بلفظ "فرأيت الهلال" بضمير الواحد المتكلم (الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر) أي شهر رمضان.
(فسألني ابن عباس) أي عن حال السفر وحال معاوية وغيره (ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيته)، ولفظ مسلم والنسائي والدارقطني والترمذي: "رأيناه" (ليلة الجمعة، قال) ابن عباس: (أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس)، هكذا لفظ مسلم والنسائي والدارقطني، أما لفظ الترمذي: "فقلت: رآه الناس"، والظاهر أن في سياق الترمذي سقوطًا سقط عنه "نعم رأيته" (وصاموا وصام معاوية، قال) ابن عباس: (لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصومه حتى نكمل الثلاثين) من رؤيتنا إذا لم نره (أو نراه) قبل الثلاثين فنفطر.
(فقلت: أفلا تكتفي برؤبة معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -).
_________________
(١) زاد في نسخة: "عليه".
(٢) في نسخة: "قلت".
(٣) ذكر في النسخ المطبوعة أثر عن الحسن البصري بعد هذا الحديث، وذكره أيضًا المزي في "تحفة الأشراف" (١٢/ ٢٧٠) رقم (١٨٤٩٢)، وقال: "في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسه"، نصه: =
[ ٨ / ٤٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث حجة لمن قال باعتبار اختلاف المطالع، فلا يلزم الصوم برؤية أهل بلد على أهل بلد آخر.
قال الشوكاني (١) في جوابه (٢) عن هذا الحديث: واعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس، لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله: "هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -، وهو قوله: "فلا نزال نصومه حتى نكمل ثلاثين".
والأمر الكائن من رسول الله - ﷺ - هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (٣)، وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم.
ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر لكان (٤) عدم اللزوم مقيدًا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين
_________________
(١) = ٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَني أبَي، حَدَّثنَا الأَشْعَثُ، عَنِ الحَسَنِ، في رَجُلٍ كَانَ بِمصْر مِنَ الأمْصَارِ، فَصَامَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهما رَأَيَا الهِلَالَ لَيْلَةَ الأَحَدِ فَقَالَ: لَا يَقْضِي ذَلكَ اليَوْمَ الرَجُلُ وَلَا أَهْلُ مِصْرِه، إلا أنْ يَعْلَمُوا أَنَّ أَهْلَ مِصْرٍ مِنَ أمْصَار المُسْلِمينَ قَدْ صَامُوا يَوْمَ الأَحَدِ فَيَقْضُوه.
(٢) "نيل الأوطار" (٣/ ١٦١، ١٦٢).
(٣) وأجاب الطحاوي في "مشكل الآثار" (١/ ٤٢٥)، بأنه إخبار في وقت قد فات استعمال الصيام بتلك الرؤية. (ش).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٠٦)، ومسلم (٨/ ١٠٨٠)، والنسائي (٢١٢١)، وابن ماجه (١٦٥٤)، وأحمد (٢/ ١٤٥)، والبيهقي (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥).
(٥) وفي الأصل: "مكان"، وهو تحريف.
[ ٨ / ٤٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، وليس بحجة.
ولو سُلِّم عدم لزوم التقييد بالعقل، فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية، والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا، فلا يقبل التخصيص إلَّا بدليل.
ولو سلِّم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص، فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص، إن كان النص معلومًا، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلومًا لوروده على خلاف القياس، ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي - ﷺ - ولا بمعنى لفظه، حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملةٍ، أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصًا لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس، وعدم الإلحاق به، فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها.
ولو نسلم صحة الإلحاق وتخصيص العموم به، فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام، أو أكثر، وأما في أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر، فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل بالرؤية؟
والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية وجماعة من الزيدية، واختاره المهدي منهم، وحكاه القرطبي عن شيوخه: أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها، ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر [من] أن هذا القول خلاف الإجماع، قال: لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُدَ من البلدان كخراسان والأندلس، وذلك لأن الإجماع لا يتم، والمخالف مثل هؤلاء الجماعة، قاله الشوكاني في "النيل".
[ ٨ / ٤٦٥ ]