إنْ قيلَ: كيفَ يَصحُّ ما تأوَّلتَهُ مِنْ هذِهِ الأحاديثِ أنَّ خُلُقَ نبِيِّنَا - ﷺ - مُوافِقَةٌ لقولِها: «وَلَا يَسْألُ عَمَّا عَهِدَ» / على التَّفسيرِ / الَّذي ذكرتَه؛ وفي الصَّحيحِ (^٤) عنه - ﷺ - وقد أُتِيَ بِأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ البَيتِ- فقال: «أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيها لَحْمٌ؟» فَقيلَ: لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ على بَرِيرَةَ، فقال: «هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ»؟ /
فالجوابُ: أنَّ ما تأوَّلتُه ظاهرٌ بَيِّنٌ من الأحاديثِ المذكورةِ، ونُصَّ بلفظِهِ في حديثِ عليٍّ كما قدَّمناه.
أمَّا قصةُ برِيرَةَ: فليسَ مِنْ هذا؛ فإنَّ السؤالَ / عمَّا عَهِدَ قَبْلُ والاستقصاءَ عنه، والمناقشةَ في حيثُ ذَهَبَ هو المَذمُومُ.
وأمَّا استدعاءُ الشَّيءِ الحاضِرِ العتيدِ كلَحمِ بَرِيرَةَ، فليس مِنْ هذا، فكيفَ وقد يُمكنُ أنْ يكونَ سؤالُهُ عن لحمِ بَرِيرَةَ واستدعاؤه لِيُبَيِّنَ لهم هذِه السُّنَّةِ التي هي أحَدُ سُنَنِ الحديثِ؟ وفَهِمَ / عنهُمْ - ﷺ - إذ قدَّمُوا له أُدُمَ البيتِ وتَرَكوا سيِّدَ
_________________
(١) كذا نسبه للنابغة الذبياني، وهو منسوب أيضًا لأوس بن حجر والبيت من الوافر التام، ينظر: «ديوان النابغة الذبياني» (ص: ١٣٢)، و«ديوان أوس بن حجر» (ص: ٤٦)، و«جمهرة أشعار العرب» (ص: ٧٨)، و«عيون الأخبار» (٢/ ٤٠٠)، و«شرح القصائد السبع» لأبي بكر (ص: ٤٧٤).
(٢) في «ديوان النابغة الذبياني» «بذاخر»، وروي: «بحابس»، «بخازن».
(٣) كذا في جميع النسخ، وفي مصادر التخريج: «طعامًا».
(٤) أخرجه البخاري (٥٢٧٩، ٥٤٣٠)، ومسلم (١٥٠٤/ ١٤) من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ١٦٥ ]
الأُدُمِ -اللَّحَمَ- وهو حاضِرٌ، أنَّهم حملُوا إخبارَهُ بتحريمِ الصَّدقةِ عليهم عامًّا في مِثلِ هذا، ودَلَّ أنَّ هذا قصدَهُم: احتجاجُهم عليه بأنَّه صدقةٌ، فبيَّنَ لهم - ﷺ - سنَّتَه لذلك.
وقد يُحتملُ أن يكونَ قولُها: «وَلَا يَرْفَعُ اليومَ لِغَدٍ»: كِنايةً عن الحِزامَةِ والأخذِ بالجَدِّ في أمره، وتركِ التَّوانِي فيما يَهِمُّ به، ووصفَتْهُ على التَّأويلِ الآخَرِ بالاكتسابِ والاستفادَةِ والوفرِ والتَّوسعةِ على أهلِ منزِلِهِ، ثمَّ وصَفَتْهُ أيضًا بالشَّجاعةِ إذا خرجَ للنَّاسِ وباشَرَ الحربَ، فكأنَّه الأسدُ الذي يخافُهُ كلُّ سَبُعٍ، وبقولِها: «إذَا خَرَجَ أَسِدَ»، ثمَّ مدحِها لهُ بقولِها: / «إذَا دَخَلَ فَهِدَ» على التَّأويلِ المشهورِ؛ إذ قد كانَ يُظنُّ أنَّ ذلك مِن تَغافُلِهِ وإغضائِه وتَنَاوُمِهِ غَرِيزَةُ ضعفٍ وطبيعةُ مَهانَةٍ وفُسُولَةٍ (^١)، ولكنْ لمَّا أبانَتْ أنَّه / خارِجًا (^٢) بخلافِ هذه الصِّفةِ، بانَ أنَّ ذلك منه سَجِيَّةُ كرمٍ، وشمائلُ نزَاهَةِ هِمَّةٍ، وحُسنُ عِشْرَةٍ.
وأمَّا روايةُ مَن رواهُ: «إذَا خَرَجَ فَهِدَ، وإذَا دَخَلَ أَسِدَ» (^٣)،
فهوَ وَهْمٌ بخلافِ سائرِ الرِّواياتِ المشهورةِ الصَّحيحةِ لذلك، وانقلابِ المعنى الَّذي فسَّرَهُ به مَن
_________________
(١) الفسولة: الفتور في الأمر «لسان العرب» (فسل) (١١/ ١٨٢).
(٢) في (ب): «خارج».
(٣) كذا أخرجه أبو يعلى (٤٧٠١) عن أحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن هشام بإسناده، وأخرجه مسلم (٢٤٤٨/ ٩٢) عن علي بن حجر السعدي، وأحمد بن جناب، كلاهما عن عيسى بن يونس به، وساق لفظ علي بن حجر على الصواب، وأحمد بن جناب صدوق ولعله وهم في لفظه. وأخرجه الخطيب في «الأسماء المبهمة» (٥٢٩ - ٥٣٠)، من طريق أحمد بن محمد بن شبيب، عن الزبير بن بكار بإسناده، ولم أجد أحدًا ذكر هذا اللفظ عن الزبير إلا أحمد بن محمد بن شبيب، وقد وثقه الدارقطني.
[ ١٦٦ ]
تقدَّمَ، إلَّا أنَّه قد يظهرُ لي فيه وجهٌ، وهو أنْ يكونَ معنى: «إذَا خَرَجَ فَهِدَ»، تصفُهُ في (النَّادِي) (^١) بالرَّزانَةِ والسَّمْتِ والحياءِ والحِلْمِ والإغْضاءِ تشبيهًا بالفهدِ؛ وذلك أنَّه حيوانٌ ثقيلٌ كثيرُ النَّومِ، على أنَّه سريعُ الوثبِ، موصوفٌ بالحياءِ، وقِلَّةِ الشَّرهِ، أو أنَّها وصفتْهُ إذا خرجَ بالكسبِ والنَّجعةِ كما قدَّمناه في صفاتِ الفهدِ، ويكونُ تأويلُ: «وإذَا دَخَلَ أَسِدَ»: أنْ تكونَ وصفَتْهُ / بالكرمِ في بيتِهِ وبين أقارِبِهِ (^٢)، والتَّفضُّلِ والمُواساةِ، والأسدُ يوصفُ بذلك.
وقالوا في المثلِ: «أَكرَمَ مِنْ أَسَدٍ» (^٣)، وذكرَ أصحابُ الحيوانِ (^٤) أنَّ الأسدَ إذا افترسَ، أكلَ بعضَ فرِيسَتِهِ وتركَ لِمنْ يجتمعُ حولَه من الوُحُوشِ، ولم يُهَاوِشْهُم عليها، ولا دَافَعَهُم عنها، / وأنَّه قلَّما يعرضُ لِصَبِيٍّ ولا امرأةٍ ولا نائمٍ، كَرَمَ طِباعٍ، ونَزَاهَةَ نَفْسٍ، فتقولُ على هذِه الرِّوايةِ: إنَّه داخلًا كالأسدِ كَرَمَ
_________________
(١) كذا رسمت في (ل)، وفي باقي النسخ: «الندى»، وضبطت في (ت)، (ع): «الندِيّ»، ولم تضبط في (ك)، (ب)، ولعل ما أثبته هو الأشبه، وقد لخّص ابنُ حجر كلام القاضي عياض فقال: «قال عياض: وقد قلب الوصف بعض الرواة- يعني كما وقع في رواية الزبير بن بكار- فقال: إذا دخل أسد وإذا خرج فهد، فإن كان محفوظًا فمعناه: أنه إذا خرج إلى مجلسه كان على غاية الرزانة والوقار وحسن السمت أو على الغاية من تحصيل الكسب، وإذا دخل منزله كان متفضّلًا مواسيًا لأن الأسد يوصف بأنه إذا افترس أكل من فريسته بعضا وترك الباقي لمن حوله من الوحوش ولم يهاوشهم عليها». اهـ «فتح الباري» (٩/ ٢٦٢).
(٢) طمس في (ت)، والاستدراك من باقي النسخ.
(٣) «مجمع الأمثال» (٢/ ٤٨، ١٧١)، و«المستقصى في أمثال العرب» (١/ ٢٩٤)، و«حياة الحيوان الكبرى» (١/ ١٩).
(٤) ينظر: «الإمتاع والمؤانسة» (ص: ١٥٧)، و«حياة الحيوان الكبرى» (١/ ١٠)، و«صبح الأعشى» (٢/ ٣٩)، و«المستطرف في كل فن مستظرف» (ص: ٣٤٦).
[ ١٦٧ ]
أخلاقٍ ونَزَاهَةَ نَفْسٍ، وإنَّه خارجًا كالفهدِ تغافُلًا / وإغضاءً / وسمتًا وحياءً، أو جمعًا للمالِ وكسبًا، وهذه مادِحَةٌ زوجَها على رأيِ الجماعةِ، وهو ظاهِرُ مذهبِ عُروةَ بنِ الزُّبيرِ في سردِ الذَّامَّاتِ بجهَتِهِ، وقد / حملَ ابنُ الأنبارِيِّ بعضَ تفسيرِ ابنِ أبي أُوَيْسٍ على الذَّمِّ وبعضَهُ على المَدحِ، وهو مُحتملٌ أنْ يكونَ مدحًا كلَّه أو ذمًّا كلَّه أو منقسمًا بينهما؛ فإنَّ تفسيرَهُ: «فَهِدَ» بوثوبِهِ وثُوبَ الفهدِ عليها مُحتَمَلٌ كما ذكرناه.
وتفسيرَهَ: «أَسِدَ» بالجرأةِ على النَّاسِ والإقدامِ، مُحتمِلٌ للمدحِ والثَّناءِ إنْ أرادَتْ به الدِّفاعَ وحَضْرَةَ الهَيْجاءِ، ومقتضي الذَّمِّ (^١)، إن كان أرادَتْ بهِ الظُّلمَ، وإنْ كانَ مِنَ العَرَبِ مَنْ يَمْدحُ أيضًا بهذا الوصفِ؛ إذْ هو دليلُ عِزَّةِ الجانِبِ وعدمِ الخوفِ.
* * *