قولُها: «مَالِكٌ! ومَا مَالِكٌ؟»، ما هاهنا استفهامٌ فيه معنى التَّعظيمِ والتَّهويلِ والتَّعجُّبِ، وهذا كله من معاني «ما»، كما قيلِ: لِأَمرٍ مَا تُدُرِّعَتْ الدُّرُوعُ.
وحقيقةُ الكلامِ: ما مالك؟ وما هو؟ أي: أي شيء هو؟ ما أعظمَه وأجلَّه وأكرمَه! ومثلُه قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، و﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ - ٢]، أي: الحاقة، أو القارعة، أي شيء هي؟ ما أعظمَها وأهولَها! وكذلك قوله: ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، / و﴿مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وشبهه. أي: مَا أعجبَ أمرَهَم وأهولَه وأعظمَه في النَّعيمِ أو العذابِ! ولكنْ تَكريرُ الاسمِ أدخلُ مِنَ الكنايةِ في بابِ التَّعظيمِ والتَّهويلِ، كما أنَّ اللَّفظَ المبهمَ واستعمالَه هنا أعمُّ وأفخمُ منَ التَّصريحِ والتَّفصيلِ، ومنه قولُ الشَّاعرِ (^٣):
_________________
(١) «تهذيب اللغة» (٦/ ٩٠)، و«الصحاح» (٢/ ٦٧٥)، و«النهاية» (٤/ ٣٢٥).
(٢) «مشارق الأنوار» (٢/ ٢١٢) و«النهاية» (٢/ ٣٥٧).
(٣) البيت من السريع، وهو للسفاح بن بكير اليربوعي، واسمه معدان، ونسب لرجل من قريع، ينظر: «المفضليات» (ص: ٣٢٣)، و«البديع في نقد الشعر» (ص: ٢٥١)، و«خزانة الأدب» (١/ ٢٩٠).
[ ٢٠٤ ]
يَا سَيِّدًا مَا أَنْتَ مِنْ سَيِّدٍ مَوَطَّإِ الأَكْنَافِ رحبِ الذِّرَاعْ
وإعرابُ قولِها: إنَّ «مالكًا» مبتدأٌ أوَّل، و«ما» في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ أيضًا، و«مالكٌ» الثَّانِي خبرُه، والثَّالثُ مبتدأٌ ثالثٌ، وما بعدَه خبرُهُ، وعليه تُعربُ الآيات المتقدِّمةُ، إلَّا أنَّ الجملةَ الثَّانيةَ فيها في موضعِ خبرِ المبتدإِ الأولِ، وجاز ذلك وليس في الجملةِ ما يعودُ على المبتدإِ / الأولِ؛ لأنَّ المعنى: ما هم؟ أو أي شيء هم؟ فـ «هم» يعود على المبتدإِ، فهو كلامٌ محمولٌ (^١) على معنى: «ما»، لا على لفظِه.
وقولُها: «مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِك» زيادةٌ في الإعظامِ، وتفسيرٌ لبعضِ الإبْهَامِ (^٢)، وأنَّه خيرٌ مِمَّا أُشير إليه / منْ ثناءٍ وطيبِ ذكرٍ، أو فوقَ ما / أعتقِدُه (^٣) فيه مِنْ سُؤدَدٍ وفَخْرٍ، وأنَّ قدرَهُ يُربِي على كلِّ قدرٍ، وكَنَّتْ بذلك؛ إذ كانَ كالحاضرِ منْ قولِها أو عقدِها.
ويحتملُ أنْ تعنِي بـ «خَيرٌ مِنْ ذَلِكَ»، أي المُثْنَى عليه قبلُ، وأنَّه أجمعُ منه لخصالِ السِّيادةِ والفضلِ.