قولُها هذَا، اعلمْ أنَّه يجوزُ في «غَثّ» الرَّفعُ؛ وصْفًا لِلَّحمِ، والكسرُ؛ وصفًا للجملِ، ورُوي بالوجهين؛ لأنَّ الوصفَ بالهُزالِ فيهما معًا صحيحٌ.
ومن رواه: «لحم غَثّ» فالرَّفعُ على ما تقدَّمَ، والكسرُ على الإضافةِ بتقديرِ حذفِ: «جمل» وإقامةِ وصفِهِ مقامَهُ. /
وأمَّا مَنْ رواهُ: «قحرٌ»، فلا يجوزُ فيه إلَّا الكسرُ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا وصفًا للجملِ.
وقولُها: «لا سَهلٌ فيُرتَقَى»، يجوزُ فيه ثلاثةُ وجوهٍ -كلّها مرويَّةٌ-: نصبُ لامِ «سهلَ» دونَ تنوين، (ورفعُهُما، وخفضُهُما) (^١) منوَّنةً.
وأعْرَبُها (^٢) عِندي هاهُنا: الرَّفعُ في الكلمتين؛ ووجْهُهُ: أنْ يكونَ خبرًا لمبتدإٍ محذوفٍ، تقديرُهُ: لَا هُوَ سَهْلٌ، (أوْ لَا) (^٣) هذَا سَهْلٌ، وَلَا ذَاكَ سَمِينٌ، أَوْ لَا الجبلُ سهلٌ، ولَا اللَّحمُ سَمِينٌ، فتكونُ (^٤) كلُّ واحدةٍ مِنَ الكلِمتين خبرًا لمبتدإٍ محذوفٍ، / كما قال:
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، وفي المطبوع: «ورفعها، وخفضها»، والمثبت من النسخ أشبه؛ فضمير التثنية هنا عائد على الكلمتين: «سهل، وسمين»، ويبينه الكلام بعده.
(٢) في المطبوع: «وإعرابها».
(٣) في المطبوع: «أولا».
(٤) في (ت)، (ك): «فيكون».
[ ١٣٠ ]
فأَصْبَحَ اليَومَ لَا مُعْطٍ وَلَا قَارِ (^١)
أيْ لَا هو مُعطٍ ولَا هُو قارٍ.
ويصحُّ أن / يكونَ «سهلٌ» (^٢) مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ مقدَّرٌ، أي: لَا سهلٌ في هذا مُرتقى، ولا سَمينٌ مِنْ هذا منتقى، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، قُرِئ بالوجهين، الرَّفعُ والنَّصبُ، وتكونُ: «لا» هاهُنا بمعنى ليس، كما قال:
فأنَا ابنُ قَيْسٍ لَا براحُ (^٣)
وأما وجهُ نصبِ «سهلَ»: فعلى إعمالِ «لَا» وجعلِها ناقصةً محذوفةَ الخبرِ، فتنصبُ بِهَا، والتَّقديرُ: لَا سهلَ فيه أو مِنه، مثل قولِهم: لا بأسَ، ولا خوفَ، / ومنه قولُهم: لَا حَولَ ولَا قوَّةَ إلَّا باللهِ.
وأمَّا الخفضُ فعلى وجهين: على النَّعتِ للجبلِ، وتركِ إعمالِ «لا» وتقديرُها مُلغاةً زائدة في اللَّفظِ لا في المعنى، وهذا أحدُ وجوهِهَا عند النُّحاةِ، كقولِهِم: سِرتُ بِلا زادٍ، وعجِبتُ مِنْ لا شيءٍ. فإنَّ «لا» مُلغاةُ العملِ زائدةٌ في اللَّفظِ / لا في المعنى.
_________________
(١) عجز بيت من البسيط، وهو لإياس بن الأرت، وتمامه: كم من لئيم رأينا كان ذا إبل ** فأصبح اليوم لا معط ولا قاري ينظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (٤/ ١١٨٣) ط دار الكتب العلمية.
(٢) في (ت)، (ل)، (ك): «سهلا».
(٣) عجز بيت من الكامل لسعد بن مالك بن ضبيعة، وتمامه: من صدّ عن نيرانها ** فأنا ابن قيس لا براح ينظر «حماسة الخالديين» (ص ٤٩)، و«شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٢٧)، و«أمالي ابن الشجري» (١/ ٤٣١).
[ ١٣١ ]
ومنه قولُه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]، وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣، ٤٤]، فـ ﴿مَقْطُوعَةٍ﴾، و﴿مَمْنُوعَةٍ﴾: نعتٌ للـ ﴿فاكِهَةٍ﴾، و﴿بَارِدٍ﴾، و﴿كَرِيمٍ﴾: نعتٌ للـ ﴿ظِلّ﴾، ولكنْ بتقديرِ: «لا» في المعنى وإلغائِها في العملِ؛ / لأنَّك لو لم تُلغِهَا، لَعملتْ عملَها، وحالتْ بين العاملِ في النَّعتِ والمنعوتِ، فكأنَّها في التَّقديرِ، ولو أَبْطلتَ أيضًا حكمَها في المعنى لَبطلَ المعنى، وكانَ ما بعدَها إثباتًا من حيث كان نفيًا، فهي مُلغاةٌ في العملِ زائدةٌ، غيرُ فاصلةٍ بين العاملِ والمعمولِ فيه، فكذلك قولُها: «لا سهلٌ»، «ولا سمينٌ».
وقد يكونُ له أيضًا وجهٌ آخر: وهو أنْ تُقدَّرَ: «لا» بمعنى: «غير»، فيكونُ: «سهلٍ» خفضًا (^١) بالإضافةِ إليها.
فإذا تقرَّرَ هذا في قولِها: «لا سهلٌ»: فَلَكَ أنْ تَرُدَّ قولَهَا بعدَ ذلك «ولا سَمِين» على ذلِك كُلِّه، وتُجرِيَه على / إعرابِ ما قبلَه مِنَ الوجوهِ الثَّلاثةِ عطفًا عليه، وإنْ شئتَ نوَّنْتَ: «سَمِينًا» في حالِ النَّصبِ، وإن شئتَ قلتَ: «لا سهلٌ، ولا سمينٌ» فأبقيتَ الأوَّلَ على حالِه ورفعتَ الآخرَ على الوجهين اللذَين ذكرناهما قبلُ في رفعِ الحرفَين معًا، وإنْ شئتَ قلتَ: «لا سهلٌ ولا سَمِينَ»، فرفعتَ الأوَّلَ ونصبتَ الثَّانِي، كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] في قراءَةِ أبِي عمروٍ (^٢)، وكقولِ أُميَّةَ بنِ أبي الصَّلتِ: /
_________________
(١) في المطبوع: «خفض».
(٢) قرأ أبو جعفر، وابن كثير وأبو عمرو، ويعقوب: ﴿فَلا رَفَثٌ وَلا فُسُوقٌ﴾ برفع الثاء والقاف وتنوينهما، وقرأ غيرهما بفتح الثاء والقاف وترك التنوين فيهما، ولا خلاف في ﴿جِدالَ﴾ أنه بالفتح من غير تنوين. «الكنز في القراءات العشر» (٢/ ٤٢٣)، و«شرح طيبة النشر» لابن الجزري (ص: ١٧٢)، و«الوافي في شرح الشاطبية» (ص: ٢١٨).
[ ١٣٢ ]
فَلا لَغْوٌ وِلا تأْثِيمَ فِيها وَمَا فاهُوا بِهِ لَهُمُ (^١) مُقِيمُ
* * *