«لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ» أيْ: مَهزُولٍ، قال الشَّاعر:
فأمسَتْ قُريشٌ قدُ أغثَّ سمِينُها (^٣)
و«الغَثُّ» أيضًا: الفَاسِدُ من الطَّعامِ، ومِنه: الغَثِيثة: وهي المِّدَّة (^٤) التي تجتمع في الجُرحِ (^٥). ويقالُ: غثَّ الطَّعامُ يَغِثُّ، وأغَثَّ.
_________________
(١) في المطبوع: «ومنه».
(٢) في المطبوع: «بشيء».
(٣) عجز البيت للفرزدق، وهو من الطويل، وهي الأبيات التي قالَها في خالد بن عبد الله القسري: سَلُوا خالدًا، لا قدّس اللهُ خالدًا ** متى وليت قسرٌ قريشًا تدينها؟ أقبلَ رسولِ اللهِ أم بعد عهدِه؟ ** فتلك قريشٌ قد أغثّ سمينُها ينظر: «ديوان الفرزدق» (ص: ٦٣٢)، و«العقد الفريد» (٥/ ١٧٦)، و«الأغاني» (٢٥/ ٧٨١٦ - ٧٨١٧) ط الشعب، و«تاريخ دمشق» (٢٩/ ١٧٥).
(٤) في المطبوع: «المادة».
(٥) ينظر: «غريب الحديث» للقاسم بن سلام (٣/ ٢٣٥)، و«تهذيب اللغة» (غ ث) (٨/ ١٤)، و«مقاييس اللغة» (غث) (٤/ ٣٧٩).
[ ١٢٥ ]
والأصلُ (^١) أنْ يكونِ هُنا: الهَزيلُ؛ لِقولِهَا بعدُ: «لاسَمِينٌ فيُنْتَقَى».
ومَنْ رواهُ «قَحْرٌ» فمعناهُ: هَرِمٌ قَلِيلُ اللَّحمِ، صِفَةٌ للبعيرِ. يُقالُ: جَمَلٌ قَحْرٌ وقَحَارِيَّة (^٢).
قال ابنُ الأنباريِّ (^٣): تُريدُ: لحمَ جملٍ مَهزولٍ. يريدُ / ابنُ الأنبارِيِّ أنَّ المُسنَّةَ الغالبُ عليها الهُزالُ.
وقولُها: «عَلى رَأسِ جَبلٍ وَعْرٍ» / أي: حزنٍ غلِيظٍ.
والقَوْزُ: مثلُ الجبلِ منَ الرَّمْلِ، والجمعُ: أقُوازٌ، وقِيزانٌ، وأقاوِزُ (^٤).
ومَنْ رواهُ: «وَعْثٍ»، فمعناهُ: ذُو وَعْثٍ، والوَعْثُ: الدَّهْسُ، وهُو مِمَّا يشتدُّ فيه المشيُ ويَشقُّ، فاستُعمِلَ لكلِّ مَا شَقَّ، ومِنه: وَعْثاءُ السَّفرِ (^٥)، أي شدَّتُهُ
_________________
(١) في المطبوع: «والأصح».
(٢) ينظر: «العين» (٣/ ٤٣)، و«الكنز اللغوي» (ص: ١٦٢)، و«جمهرة اللغة» (١/ ٥٢٠)، «الصحاح» (٢/ ٧٨٦).
(٣) ينظر: «تفسير غريب ما في الصحيحين» (ص: ٥١٧)، و«المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث» (٢/ ٥٤٠)، و«غريب الحديث» لابن الجوزي (٢/ ١٤٦)، و«النهاية» (٣/ ٣٤٢).
(٤) ينظر: «غريب الحديث» لابن الجوزي (٢/ ٢٧٠)، و«النهاية» (٤/ ١٢١)، و«لسان العرب» (قوز) (١٢/ ٢١٧).
(٥) أخرج مسلم (١٣٤٢/ ٤٢٥) من حديث ابن عمر - ﵄ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قال: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ في سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ في الْأَهْلِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ في الْمَالِ وَالْأَهْلِ»، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فيهِنَّ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ». وأخرج مسلم (١٣٤) من حديث عبد الله بن سرجس - ﵁ - قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ في الْأَهْلِ وَالْمَالِ».
[ ١٢٦ ]
ومشقَّتُهُ (^١).
وقولُهَا: «ليسَ بِلبدٍ فَيُتَوَقَّلُ»، أي ليسَ بِمُسْتمسكٍ فيَسهُل صُعودهُ. يُقالُ: لَبَدَ بالشَّيء يَلْبُدُ لُبُودًا، إذا لزَقَ به. ولَبَدَ الغيثُ الأرضَ: أي ألزَقَ بعضَها بِبعضٍ وجعَلَهَا لا تسُوخُ فيها الأرجُلُ (^٢).
والتَّوَقُّلُ: إسراعُ المشيِ، قالَهُ ابنُ الأنباريِّ (^٣)، وقال غيرُه: هو الإسراعُ في الصُّعودِ، وقال ابنُ دُرَيْدٍ في «الجمهرة» (^٤): توقَّلَ في الجبلِ توَقُّلًا فهو مُتَوَقِّلٌ، وكلُّ صاعدٍ في شيءٍ مُتوقِّلٌ، والاسمُ منه: الوَقُل / والوَقَل.
وقولُها: «لا سَهْلٌ فيُرتَقَى»، أي (^٥) يُطلعُ إليه، تَعْنِي الجبلَ؛ لِحُزُونتِهِ / وَوَعَرِهِ (^٦).
_________________
(١) ينظر: «غريب الحديث» للقاسم بن سلام (وعث) (١/ ٢٢٠)، و«جمهرة اللغة» (وعث) (١/ ٤٢٧)، و«تهذيب اللغة» باب (العين، والثاء) (٣/ ٩٧)، و«غريب الحديث» لابن الجوزي باب (الواو، والعين) (٢/ ٤٧٦)، و«النهاية» (٥/ ٢٠٦).
(٢) ينظر: العين (٨/ ٤٤)، و«جمهرة اللغة» (دلب) (١/ ٣٠١)، و«النهاية» (٤/ ٢٢٤).
(٣) ينظر: «غريب الحديث» لابن الجوزي باب (الواو، والقاف) (٢/ ٤٨٠)، و«النهاية» (٥/ ٢١٦).
(٤) «الجمهرة» (قلو) (٢/ ٩٧٦).
(٥) زاد في (ع): «لا».
(٦) ينظر: «تهذيب اللغة (٣/ ١١١)، و«تفسير غريب ما في الصحيحين» (ص: ٥١٧)، و«لسان العرب» (١٥/ ٢٤٢).
[ ١٢٧ ]
«وَلَا سمينٌ فَيُنتَقَى»، تَعنِي اللَّحمَ، أي ليسَ بسمينٍ له نِقْيٌ- أي مخٌّ- فيُخرَجُ، هذا نحو لفظِ الهرويِّ (^١)، وفيه تجاوُزٌ؛ إذْ ليسَ يَستبِينُ مِنه المعنى، وقريبٌ منه قولُ أبي عُبيدٍ، ويعقوبَ (^٢).
وبيانُ معنى ما وقعَ هاهُنا أنْ يُقال: ليسَ بسمينٍ لهُ نِقْيٌ، فيُطلبُ لأجْلِ نِقْيِهِ؛ فلذلك قال: «يُنتَقَى»، أي يُطلبُ طيبُهُ لأجلِ ما فيه مِنَ النِّقْيِ، لا أنَّه أرادَ استخراجَ نِقْيَهُ -وهو مُخُّهُ- وذلك أنَّ الجملَ إذا هزَلَ فلابُدَّ أنْ يَبقى (^٣) فيه نِقْيُ عِظامِهِ.
قالَ الخَلِيلُ (^٤): النِّقْيُ مُخُّ العظامِ، وشحمُ العينِ. قالوا: وآخرُ ما يَبقَى في الجملِ (^٥) إذا هزَلَ مُخُّ السُّلامَى ومُخُّ العَينِ (^٦)، فإذا لمْ يكنْ / فيهِ ذلِك فلمْ يبقَ فيه شيءٌ من خيرٍ ولا يُنتفعُ به، بدليلِ قولِهِ:
لا يَشْتَكِينَ عَمَلًا مَا أَنْقَيْنَ مَا دَامَ مُخٌّ في سُلامَى أوْ عَيْنْ (^٧)
_________________
(١) «الغريبين» (نقى) (٦/ ١٨٨٢).
(٢) «غريب الحديث» للقاسم بن سلام (غث) (٢/ ٢٨٩)، و«الألفاظ» ليعقوب بن السكيت (ص: ٩٩).
(٣) في (ت)، (ك): «ينتقى»، وما أثبته أشبه.
(٤) «العين» باب (الخاء، والميم) (٤/ ١٤٧)، وينظر: «غريب الحديث» للقاسم بن سلام (٣/ ١٠)، و«جمهرة اللغة» (١/ ٥٦٥)، و«تهذيب اللغة» (١٢/ ٣١٢).
(٥) كذا في جميع النسخ، وفي «العين» (٤/ ١٤٧): «الجسد».
(٦) في المطبوع: «للعين».
(٧) الأبيات من بحر الرجز، وهي لأبي ميمون العجلي النّضر بن سلمة. ينظر: «عيون الأخبار» (١/ ٢٤٦)، و«المعاني الكبير (١/ ٦٢)، و«شرح القصائد السبع» للأنباري (ص: ٣٣٣).
[ ١٢٨ ]
/ ومَنْ رَواهُ: «فَيُنتَقَلُ»، أي: ينتقِلُهُ النَّاسُ إلى بيوتِهِم فيأكلونَهُ، ولكنَّهم يزهدون فيه.
قالَ أبُو سعيدٍ النَّيْسَابوريُّ (^١): ليس شيءٌ أخبثَ غثاثةً مِنَ (^٢) الأنعامِ مِنَ الجملِ؛ لأنَّه يجمعُ خُبْثَ الرِّيحِ وخُبثَ الطَّعمِ (^٣). يريدُ: فلذلك ضَرَبَتْ به / المثلَ.
* * *