«زَوجِي إنْ دَخَلَ فَهِدَ»، قال أبُو عُبيدٍ (^١): تصِفُهُ بكثرَةِ النَّومِ والغَفلةِ، على وجهِ المدحِ لهُ.
وقولُها: «إنْ خرجَ أَسِدَ»، تمدَحُهُ بالشَّجاعةِ، أي صارَ كالأسدِ، يُقالُ: أَسِدَ الرَّجلُ واسْتأسَدَ إذا صارَ كذلك.
وقولُها: «عمَّا عَهِدَ»، أي: رَأَى في البيتِ وعرَفَ، قال أبُو عُبيدٍ (^٢): لا يتفَقَّدُ ما ذهبَ من مالِهِ، ولا يلتفِتُ إلى معايِبَ البيتِ وما فيه، فكأنَّه ساهٍ عن ذلك.
وقولُه هذا يقتضِي تفسيرَيْنِ لـ «عَهِدَ»:
أحدُهُمَا: عهِدَ قَبْلُ، فهو يَرجِعُ إلى تَفَقُّدِ المالِ.
والثَّانِي: عَهِدَ الآنَ، فهو بمعنى الإغْضَاءِ عن المَعَايِبِ (^٣) / والاحتِمَالِ.
وقال ابنُ أبِي أُويسٍ (^٤): تقولُ: إنْ دَخَلَ وَثَبَ عليَّ وُثُوبَ الفهْدِ، وإنْ خَرَجَ
_________________
(١) «غريب الحديث» (٢/ ٢٩٥).
(٢) «غريب الحديث» (٢/ ٢٩٦).
(٣) في (ت)، (ك): «الغائب».
(٤) «جزء فيه حديث ابن ديزيل» (ص: ٧٢).
[ ١٥٢ ]
كانَ كالأسدِ جُرْأةً وإقدامًا.
فقولُه: وَثَبَ عليَّ، يُحتمَلُ أنْ تُريدَ به البطشَ بِهَا، والضَّربَ لها، أو تُريدُ به المُبادَرَةَ إلى جِماعِهَا، وكثرَةِ الحظِّ من استمتاعِها، أو سُوءَ تناوُلِهِ ذلك دُونَ مُلاعَبَتِهَا وتقدِيمِ الإيناسِ قَبْلَ الإبْسَاسِ بمواقَعَتِهَا.
قال ابنُ حَبِيبٍ (^١): «وصفَتْهُ بأنَّهُ في اللِّين والدَّعَةِ والغَفْلةِ عندها كالفهدِ، فإذَا خَرَجَ كانَ كالأسدِ في شجاعَتِهِ، ولمْ تُرِدْ النَّومَ كما قال شارِحُ العِراقِيين (^٢)، قال: وقد وَرَدَ للنبيِّ - ﷺ - مثلُ هذا في وصْفِ عليٍّ وذَمِّ مَنْ كانَ بِخلافِهِ، فرُوِيَ عنه / أنَّه - ﷺ - قال: / «إنَّ اللهَ يُبغِضُ الذَّواقَ المِطْلاقَ، الذِي أَرَاهُ لَا يَأكلُ مَا وَجَدَ، ويَسألُ عمَّا فَقَدَ، وهو عِندَ أهلِهِ كالأسَدِ، وكانَ خَاِرجًا كالثَّعلبِ، لكنْ عليُّ لِفاطِمةَ: يأكلُ مَا وَجَدَ، ولا يسألُ عمَّا فَقَدَ، وهوَ عِندَها كالثَّعلبِ وخَارِجًا كالأسَدِ» (^٣).
قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَيَّدَهُ اللهُ:
والأَوْلى أنْ يكونَ ذِكرُ: «فَهِدَ» هذا (^٤) على معنى الاستِعارةِ؛ جعلتْ كثرةَ
_________________
(١) ينظر: «التوضيح» لابن الملقن (٢٤/ ٥٧٧).
(٢) يقصد: أبا عبيد القاسم بن سلَّام، فقد قال القاضي عياض في ترجمة ابن حبيب: «وانتحل كثيرًا من كلام أبي عبيد، وكثيرًا ما يقول فيه: أخطأ شارح العراقيين». اهـ ينظر: «ترتيب المدارك» (٤/ ١٢٧).
(٣) ذكره عبد الملك بن حبيب في «أدب النساء» (ص: ٢٥٤)، قال: وعن العلاء بن حارث، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إني لأبغض الذواق الطلاق »، ولم أهتد إلى العلاء بن حارث هذا، وكذا لم أهتد إلى تخريج الحديث بهذا اللفظ، وذكر السخاوي حديث: «إِنَّ اللَّه يَكْرَهُ الرَّجُلَ الْمِطْلاقَ الذَّوَّاقَ»، وقال: لا أعرفه. اهـ ينظر: «المقاصد الحسنة» (ص: ٢١٠)، «إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على ألسن الناس» (٣٨٧)، و«كشف الخفاء» (١/ ٢٥١).
(٤) كذا في جميع النسخ، وفي المطبوع: «هاهنا»، وهو أشبه.
[ ١٥٣ ]
تغافُلِهِ كالنَّومِ، واللهُ أعلمُ، لاسِيَّما وقد وُصِفَ الفهدُ بالحياءِ وقِلَّةِ الشَّرَهِ، وهذه كلُّها خلقُ مدحٍ، وهي راجِعةٌ إلى ما أشارَ إليهِ أبُو عُبَيْدٍ، ومِمَّا يُبيِّنُه: قولُها: «ولَا يسألُ عمَّا عَهِدَ»، وكثيرًا ما وصفَتْ العربُ الكرماءَ والسَّادةَ بالتَّغافُلِ والحياءِ في بيوتِها وأندِيَتِها؛ / قالَتْ لَيلَى الأَخْيَلِيَّةُ (^١):
تَخَالُهُ وَسْطَ البُيُوتِ مِنَ الحَيَاءِ سَقِيمَا
/ وقال الآخَرُ (^٢):
نَزَرُ الكَلامَ مِنَ الحَيَاءِ تَخَالُهُ ضِمْنًا وَلَيْسَ بِجِسْمِهِ (سُقْمُ) (^٣)
وقال آخر (^٤):
كَرِيمٌ يَغُضُّ الطَّرفَ (دُونَ) (^٥) حَيَائِهِ وَيَدْنُو وَأَطْرَافُ الرِّمَاحِ دَوَانِ (^٦)
وأمَّا كثرَةُ النوَّمِ فمَذْمُومٌ، وقِلَّتُهُ مَحمُودَةٌ، دَالَّةٌ على اليقظةِ والذَّكَاءِ،
_________________
(١) البيت من الكامل، وتمامه: ومخرّق عنه القميص تخاله ** وسط البيوت من الحياء سقيما ينظر: «ديوان ليلى الأخيلية» (ص: ١١٠) ط وزارة الثقافة والإرشاد بغداد، و«ديوان الحماسة» (ص: ١٧٧).
(٢) البيت من الكامل، وهو لأبي دهبل الجمحي: ينظر: «ديوان أبي دهبل» (ص: ٦٦) مطبعة القضاء في النجف الأشرف ت: عبد العظيم عبد المحسن، و«ديوان الحماسة» (ص: ١٧٧).
(٣) مكانها طمس في (ت)، والاستدراك من باقي النسخ.
(٤) البيت من الطويل، وهو لأبي الشيص الخزاعي، ينظر: «ديوانه» (ص: ٦٤) ط المكتب الإسلامي، و«ديوان الحماسة» (ص: ١٧٨).
(٥) كذا في جميع النسخ، وفي مصادر التخريج: «فضل»، وفي بعضها: «فرط».
(٦) في المطبوع: «دوائر».
[ ١٥٤ ]
قال الهُذَلِيُّ (^١):
فَأَتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّنًا سُهُدًا إذَا مَا نَامَ لَيلُ الهَوْجَلِ (^٢)
وقال الآخرُ (^٣):
وأَفْضَلُ أبْنَاءِ الرِّجَالِ المُسَهَّد
وقال عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ لِمُعلِّمِ بَنِيهِ: عَلِّمْهُم العَوْمَ، وخُذْهُم / بِقِلَّةِ النَّومِ. /
قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي - ﵁ -:
وقد يَظهرُ لِي فيه وجْهٌ آخر- مع صِحَّةِ ما ذكروه- وبَيَانه:
وذلك أنَّهم بنَوا قولَها: «فَهِدَ» على الاشتِقاقِ مِنْ خُلُقِ الفَهْدِ، والمَثَلِ المضروبِ به في النَّوم، وفي الفهْدِ أيضًا مثلٌ آخر ذكرَهُ أصحابُ الأمثالِ كما ذكرُوا / الأوَّلَ، وهو قولُهُم: أَكْسَبُ مِنْ فَهْدٍ، قال أبُو عبدِ اللهِ حَمْزةُ
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لأبي كبير الهذلي، ينظر: «ديوان الهذليين» (٢/ ٩٣)، و«ديوان الحماسة» (ص: ١٤).
(٢) في حاشية (ت): الهوجل: الثقيل.
(٣) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة وتمامه في «الكامل» (١/ ١١١) فجاءت به حوش الفؤاد مسهدًا ** وأفضل أولاد الرجال المسهد وفي «البصائر والذخائر» (٥/ ٥٢): قال ابن الأعرابي: إذا أردت أن يخرج ولدك ذكيًّا فأغضب أمه ثم واقعها، وأنشد: يجامعها غضبى فجاء مسهدًا ** وأنفع أولاد الرجال المسهد وفي «خزانة الأدب» للبغدادي (٨/ ٢٠١): تسنَّمتها غَضبى فجَاء مسهدًا ** وأنفع أَوْلَاد الرِّجَال المسهد
[ ١٥٥ ]
الأصبهانيُّ (^١) في «شرحِ الأمثالِ» (^٢): وذلِك أنَّ الفُهودَ الهَرِمةَ التي تَعجزُ عن الصَّيدِ تجتمِعُ على فهدٍ فتًى، فَيَصِيدُ عليها كلَّ يومٍ / شبعَهَا.
قُلْتُ: فلا يمتنعُ أنْ يكونَ قولُها: «إذَا دَخَلَ فَهِدَ»، أي إذا جاءِ المنزلَ جاءَهُ بالكسبِ والخيرِ والفوائدِ، كما يفعلُ الفهدُ في كسبِهِ، ولا فَرقَ بين هذا في التَّأويلِ وبين الأوَّلِ؛ إذ كلُّ واحدٍ إنَّما اشتُقَّ من خُلقِ الفهدِ، وكانتْ العربُ تتمادَحُ بالكسبِ والاستفادَةِ، وفي حديثِ أبي بكرٍ: «إنَّك تَكْسِبُ المعدُومَ» (^٣)، ومثلهُ في وصفِ ورقةَ للنَّبيِّ - ﷺ - (^٤)، وهذا أحدُ التَّأويلينِ في هَذين (^٥) الحديثَينِ.
وقال المُساوِرُ بنُ هِنْدٍ من أناشيد أبي تمَّامِ (^٦):
تَجَرَّدَ فِيهَا مُتْلِفُ المَالِ كَاسِبُهْ
_________________
(١) حمزة بن الحسن الأصفهاني أبو عبد الله قال ياقوت: مشهور بالفضل، شائع الذكر، له تصانيف جيدة، إلا أنه وكان مع ذلك رقيعا ناقص العقل، غير ثبت، وله مصنفات كثيرة منها: كتاب «تاريخ أصفهان»، كتاب «الأمثال على أفعل»، كتاب «أصبهان وأخبارها»، كتاب «التشبيهات»، كتاب «الأمثال الصادرة عن بيوت الشعر» (ت: ٣٦٠ هـ). ينظر: «أخبار أصبهان» لأبي نعيم (١/ ٣٥٢)، و«معجم الأدباء» (٣/ ١٢٢٠)، و«إنباه الرواة» (١/ ٣٧٠)، و«الدر الثمين في أسماء المصنفين» (ص: ٣٦٤)، و«الأعلام» للزركلي (٢/ ٢٧٧).
(٢) ينظر: «جمهرة الأمثال» (٢/ ١٧٥)، و«مجمع الأمثال» (٢/ ١٦٩)، و«حياة الحيوان الكبرى» (٢/ ٣٠٨).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٩٧، ٣٩٠٥) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٤) أخرجه البخاري (٣، ٤٩٥٣)، ومسلم (١٦٠/ ٢٥٢) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٥) طمس في (ت)، والاستدراك من باقي النسخ.
(٦) «ديوان الحماسة» (ص: ١٨٤)، والبيت من الطويل، وتمامه: إذا أخَذتْ بُزْلُ المَخَاضِ سِلاحَها ** تَجرَّدَ فيها مُتْلِفُ المَال كاسِبُه.
[ ١٥٦ ]
فلا يَبعُدُ هذا التَّأويلُ عِندِي، وإنْ كانَ الأوَّلُ أظهرَ وأليَقَ بالكلامِ؛ لِمطابقةِ لفظِهِ ومعناهُ قولَها: «وإذَا خَرَجَ أَسِدَ»، كمَا سنُبَيِّنُهُ عند الكلامِ على ما فيهِ مِن البلاغةِ وأبوابِ الفصاحةِ، إن شاء اللهُ تعالى.
كما أنَّ -أيضًا- قولَها: «ولَا يَسْألُ عمَّا عَهِدَ»، مِنْ معنى: «إذا دَخَلَ فَهِدَ» على التَّأويلِ الأوَّلِ، وفيه مُطابقَةٌ ومُمَاثَلةٌ للتَّأويلِ الثَّاني، فحَمْلُ كُلِّ فِقرةٍ / على معنًى مفردٍ، أولى بالكلامِ الفَصِيحِ وأسعَدُ.