قولُها: «إذَا أَكَلَ لَفَّ»، اللَّفُّ في الأكلِ: الإكثارُ منه، والتَّخلِيطُ من صُنوفِهِ، واستقصاؤه حتى لا يُبقِي منه شيئًا (^٢).
ومَن رَوى: «رَفَّ»، فمعناه: الإكثارُ من الأكلِ، حكاه الهَرَوِيُّ (^٣)، يقالُ: مِنهُ: رَفَّ يَرُّفُّ (^٤)، ومن رَوَى: «اقْتَفَّ»، فمعناهُ قَرِيبٌ من هذا، قال صَاحِبُ
_________________
(١) في (ب)، والمطبوع: «ومقتض للذم».
(٢) في المطبوع: «شيء».
(٣) «الغريبين» (رفف) (٢/ ٧٦٣).
(٤) يقال: رفَّ يَرُفُّ: إذا أكل، ورفَّ يرِفُّ: إذا بَرَقَ، ووَرَفَ يَرِفُ: إذا اتسع. ينظر: «الزاهر في معاني كلمات الناس» (٢/ ٢٢٨)، و«تهذيب اللغة» باب الراء والفاء (١٥/ ١٢٥)، و«المخصص» (١/ ٢٠٦).
[ ١٦٨ ]
«العَيْنِ» (^١): القَفَّانُ: الجماعةُ، وقَفَّانُ كُلِّ شيءٍ: جِمَاعُهَ واستِقْصاؤه.
قالَ الفَقَيهُ القَاضِي أَدَامَ اللهُ عِزَّهُ:
ومِنْ هذَا سُمِّيَتْ: / القُفَّةُ؛ لِجمعِها ما جُعِلَ فيها وضَمِّهِ، قال صاحبُ «الجمهرة» (^٢): القُفَّةُ: وِعَاءٌ تَجعلُ فيهِ المَرْأةُ غزلَها وشَبَهَهُ. ومنه -والله أعلم- سُمِّي القَفَّافُ الذي يسرِقُ بِكَفِّهِ؛ لأنَّه يجمعُ ويضُمُّ (^٣)، قال الشَّاعر (^٤):
/
فَقَفَّ بِكَفِّهِ سَبْعِينَ مِنْهَا
«والاشْتِفَافُ» في الشُّربِ: استقصاءُ ما في الإناءِ، مأخُوذٌ مِنَ الشَّفافةِ، وهي البَقِيَّةُ تبقى في / الإناءِ، فإذا شرِبَها صاحبُها، قيلَ: اشتَفَّهَا، ومَن رَوى: «اسْتَفَّ» (^٥) بالسِّينِ المُهملةِ، فمعناه قريبٌ منَ الأوَّلِ في الاستقصاءِ والإكثارِ.
_________________
(١) «العين» باب القاف والنون والفاء معهما (٥/ ١٧٦)، ووقع فيه: «قَفّان كل شيء جماعته واستقصاء عمله».
(٢) «جمهرة اللغة» (١/ ١٦١).
(٣) القَفَّافُ: الذي يسرق الدراهم بين أصابعه. «الصحاح» (قفف) (٤/ ١٤١٨)، «غريب الحديث» لابن الجوزي باب القاف مع الفاء (٢/ ٢٥٨).
(٤) البيت من الوافر، وهو منسوب للأعمش؛ فقد أخرج ابن الأنباري في «الأضداد» (ص: ٣٤٩)، والمعافى في «الجليس الصالح» (ص: ٣٨)، من طريق عبد الله بن إدريس، قال: سُئِل الأَعمش عن حديث، فأَبى أَن يحدِّث به، فلم يزل أَصحابُ الحديث يُداوِرُونَه، حتَّى استخرجوه منه، فضرب لهم مَثَلًا، فقال: جاءَ قَفَّاف بدراهمَ إِلى صَيْرَفي يُريه إِيَّاها، فقفَّ منها الصَّيرفيّ سبعين درهمًا، فلمَّا وزنها عرف النقصان، فقال: عَجِبْتُ عَجيبةَ من ذِئْبِ سُوءٍ ** أَصابَ فَريسةً من لَيْثِ غَابِ وَقَفَّ بكَفِّه سَبْعِينَ منها ** تنقَّاها من السُّودِ الصِّلابِ فإِنْ أُخْدَعْ فقد يُخْدَعْ ويُؤخذ ** عَتِيق الطَّيرِ مِنْ جَوِّ السَّحابِ
(٥) هي رواية ابن أبي أويس كما أخرجه ابن ديزيل (١٨)، وقد سبق الكلام عليها.
[ ١٦٩ ]
وقولها: «وإذَا اضْطجَعَ الْتَفَّ»، تَعنِي: رَقَدَ ناحِيَةً ولم يباشرْها، ويُروى: «رَقَدَ» (^١)، و«هَجَعَ» (^٢)، وهُما بِمعنى واحدٍ.
وقولُها: «يُولِجُ الكَفَّ»: أي يُدخِلُ يَدَهُ.
«لِيَعْلَمَ البَثَّ»، أصلُ البَثِّ (^٣): الحزنُ، أي فيعلمُ ما أهتمُّ به ويحزِنُنِي أمرُهُ، وسنُبيِّنُ معناه بعدُ، قال ثابتٌ (^٤): والبثُّ أيضًا: الأمرُ الذي لا يُصبرُ عليه، والبثُّ: الشكوى، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
وفيه لُغتان: بثثتُ وأبثثتُ، ومنه قولُ بعضِ العربيَّاتِ (^٥): لقد أَبْثَثْتُكَ مَكْتُومِي، وأطْعَمْتُكَ مَأْدُومِي (^٦)، أي أخبرتُك بسِرِّي.
ومن رواه: «اللَّبْثَ» (^٧)، فمعناه- إنْ لمْ يكنْ وهْمًا- الإقامةُ والصَّبرُ عليه.
وقولُها «وإذا ذَبَحَ اغْتَثَّ» (^٨): فمعناه عندي: إذا / ذَبَحَ للضِّيفانِ اختارَ الهزيلَ من نِعَمِهِ، وقد فسَّرْنا أنَّ الغَثَّ: الهزيلُ.
_________________
(١) هي رواية سعيد بن سلمة، أخرجه ابن المديني في «تسمية من روي له من أبناء العشرة» (ص: ١٧٤)، والطبراني (٢٣/ ١٦٤ - ١٦٥) رقم (٢٦٥)، والحنائي في «الحنائيات» (٢٣)، والخطيب في «الفصل للوصل المدرج» (١/ ٢٣٩)، وقد سبق الكلام عليها.
(٢) هي رواية عقبة بن خالد، أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩٠٩٠)، وقد سبق الكلام عليها.
(٣) «أصل البث» ليس في المطبوع.
(٤) «الدلائل في غريب الحديث» لثابت السرقسطي (١/ ١٧٠).
(٥) هي امرأة دريد بن الصِّمة؛ ينظر: «المحكم والمحيط الأعظم» (الدال والميم والهمزة) (٩/ ٣٨٧)، و«مقاييس اللغة» (بهل) (١/ ٣١١).
(٦) في المطبوع: «مادومي».
(٧) لم أهتد إلى هذا اللفظ.
(٨) هي رواية القاسم بن عبد الواحد، أخرجها النسائي في «الكبرى» (٩٠٩٣)، والطبراني (٢٣/ ١٧٣ - ١٧٤) رقم (٢٧٢)، وأبو طاهر المخلص (٦٧٣، ٣٠١١)، وقد سبق الكلام عليها.
[ ١٧٠ ]