استدَلَّ بعضُ العلماءِ مِنْ هذا الحديثِ على أنَّ ذكرَ السُّوءِ والعَيبِ إذا ذكَرَهُ أحدٌ فيمَنْ لا يُعرفُ بعينِهِ واسمِهِ أنَّه ليس / بِغِيْبَةٍ، وإنَّما الغِيبَةُ: أنْ تقصِدَ مُعيَّنًا بما يكرَهُ؛ فإنَّ النبيَّ - ﷺ - قد حكَى عن بعضِ هَؤُلاءِ النِّسوةِ مَا ذكرْنَهُ مِنْ عَيْبِ أزواجِهِنَّ، ولا يَحكِي عن نفسِهِ أو غيرِهِ - ﷺ - إلَّا ما يجوزُ ويُباحُ، وقال مثلَ ذلِك أبُو سُليمانَ الخَطَّابِيُّ (^١).
ورأيتُ شيخَنَا الإمامَ أبَا عبدِ اللهِ محمَّدَ بنِ عليٍّ التَّمِيمِيَّ (^٢) لا يرتَضِي هذا القولَ / وقال: «إنَّما كانَ يكونُ هذا حجَّةٌ لو سمِعَ النبيُّ - ﷺ - / امرأةً تغتابُ زوجَهَا ولا تُسمِّيه فأقرَّها عليه، وأمَّا هذه الحكايةُ عن نساءٍ مجهولاتٍ غيرِ حاضراتٍ يُنكِرُ عليهِنَّ فليس بحُجَّةٍ في جواز ذلك، وحالُهُنَّ كحالِ مَنْ قال: في العالَمِ مَنْ يسرقُ ويزنِي، فلا يكونُ غِيبَةً، قال: ولكنَّ المسألةَ لو نزلتْ فوصفتْ امرأةٌ زوجَهَا بما هو غِيبَةٌ وهو معروفٌ عند السَّامعِ فإنَّ ذلك ممنوعٌ، ولو كان مجهولًا لكانَ لا حرَجَ فيه على رأي بعضهم الَّذي قدَّمنَاهُ، قال: وللنَّظرِ فيه مجالٌ».
قال الفَقِيهُ القَاضِي أَبُو الفَضْلِ أَعْلى اللهُ قَدْرَهُ:
وما قالَهُ الشَّيخُ - ﵁ - فيه للنَّظرِ أيضًا مجالٌ عندِي، وتحقيقُ المسألةِ: أنَّ فائدةَ النَّهي عن الغِيبةِ حمايةٌ عن أذى المؤمنِ، فإذا ذَكرَ المجهولين عند القائلِ والسَّامعِ بالقبيحِ دونَ أنْ يُذكَرَ لهم اسمٌ أو وصفٌ عساهم أنْ يعرفَهُم به غيرُهُما، ليس بغِيبةٍ؛ لأنَّ مثلَ هذَا لا يَصِلُ به أذًى للمقولِ فيه، إذ لا يتأذَّى إلَّا
_________________
(١) «أعلام الحديث» (٣/ ٢٠٠٠).
(٢) هو الإمام المازري، وقد قال ذلك في «المعلم» (٣/ ٢٦٢)
[ ١٣٧ ]
بتعيينِهِ، أمَّا عندَ القائلِ أو السَّامعِ أو مَنْ يبلُغُهُ الخبرُ. وهذا مثل قولِك: في العالَمِ من يَفسُقُ، وفي بنِي آدمَ من / يسرِقُ، فهذا ليس بِغِيبةٍ.
وقد أشارَ إلى نحوِ هذا الحارثُ بنُ أسدٍ (المُحاسِبِيُّ) (^١) - ﵀ -، قال: وقال إبراهيمُ: «لَا تكُونُ غِيبَةً مَا لَمْ يُسَمَّ صَاحِبُهَا» (^٢)، وكانَ النبيُّ - ﷺ - إذا بلَغَهُ عن أحدٍ شيءٌ لمْ يُصرِّحْ بِهِ، وكانَ يقول (^٣): «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يفعلُونَ كَذَا»، وهو - ﷺ - وإنْ عرَفَهُم، فليسَ بمُغتَابٍ لهم؛ إذ نِيَّتُهُ غيرُ الغِيبةِ والأذى، بل التَّحذيرُ والعِظةُ، ولو فعلَ ذلِك إنسانٌ / / لمِثْلِ هذا لمْ يكُنْ مُغتابًا إذا لمْ يُصرِّحْ ولمْ يُعرِّضْ باسمه تعريضًا يُفهِمُ عينَهُ.
وكذلِك قولُه في هذا الحديثِ: «اجتَمَعَ إحْدَى عشْرَةَ امرَأَةً»، فذكرَ نساءً مجهولاتِ الأعيانِ والأسماءِ، مجهولاتِ الأزواجِ، بائداتِ الزَّمانِ، فمَا حكى عن بعضِهِنَّ منْ قبِيحِ ذكرِ أزواجِهِنَّ ليس بغِيبةٍ.
نعم، وإن كانَ قدْ سمَّى في بعضِ الطُّرقِ / - كما / ذكرْنَا (^٤) - بعضّهُنَّ، فإنَّ أزواجَهُنَّ غيرُ مُسَمّين، ومع أنَّ تلك التَّسميةِ- لِقدمِ الزَّمانِ- لم تزدْ معرفةً.
_________________
(١) ليست في (ع)، (ك)، والحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله الزاهد البغدادي، أحد الأئمة المشهورين، وكان الحارث تكلم في شيء من الكلام، فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى، فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة نفر (ت: ٢٤٣ هـ) «تهذيب التهذيب» (٢/ ١٣٥).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الصمت» (٢٢٧)، وفي «ذم الغيبة» (٩٠)، من طريق الأعمش، عن إبراهيم النخعي، قال: «كَانُوا لَا يَرَوْنَهَا غِيبَةً مَا لَمْ يُسَمَّ صَاحِبُهَا».
(٣) ذُكرت هذه العبارة عن النبي - ﷺ - في غير مناسبة منها على سبيل المثال: ما أخرجه البخاري (٧٥٠) من حديث أنسٍ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ في صَلاتِهِمْ»، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذَلِكَ، حَتَّى قال: «لَيَنْتَهُنَّ عن ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ».
(٤) في (ك): «ذكرناه».
[ ١٣٨ ]
وأيضًا فإنَّه أخبرَ عن قومٍ من أهلِ الجاهليَّةِ؛ اللهُ أعلمُ هلْ كانوا على ديانةٍ أم لا؟ فلمْ يَكُنْ فيهِم- ولو عُرِفوا، إنْ كانُوا على الجاهِليَّة- غِيبةٌ.
وأمَّا متى كان المَقُولُ له معروفًا عند القائلِ أو السَّامعِ فهي غِيبةٌ، وكذلِك لو لمْ يَعرِفاهُ ولكنْ بلغَ أحدًا منَ النَّاسِ: أنَّ فلانًا الـ (كذا) أَتى دناءَةَ كذا، أو تَخَلَّقَ منَ القَبيحِ بكذَا، فحدَّثَ به مَنْ لا يعرِفُ المُسمَّى واستمَعَ الآخرُ إليه لكَانَا مُغتابَيْن؛ لأنَّ ذلك المسمَّى لو بلغهُ ذلك أو سمِعَهُ لتأذَّى به، إلَّا أنْ يكونَ القائلُ يعرِفُهُ ولكنْ لمْ يُفصِحْ به وذَكَرَ / عَيْبَهُ لضرورةِ التَّحذيرِ أو الوَعْظِ كما تقدَّمَ.
قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَبُو الفَضْلِ وفَّقَهُ اللهُ:
وقولُ شيخِنَا أبي عبدِ اللهِ: «وإنَّما حكَى عن نساءٍ مجهولاتٍ غيرِ حاضراتٍ يُنكرُ عليهِنَّ». غيرُ سديدٍ عندي؛ فإنَّ الحُجَّةَ إنَّما هي في حكايةِ النَّبيِّ - ﷺ - عنهُنَّ، أوْ الحكايةِ لهُ عنهُنَّ ما حُكِي، ولو حَكى رجلٌ عن غائبةٍ أنَّها قالَتْ في زوجِها كذا، ونبَزَتْهُ بكذا، لكانَ غِيبةً منَ الرَّاوي والسَّامعِ له، وإنَّما الحُجَّةُ مِنْ هذا الحديثِ حكايَتُهُ - ﷺ - عن / مجهولاتٍ، والمَقولُ فيهم مجهولون عند جميعِ السَّامعين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.