قولُهَا: «لَا أَبُثُّ خبَرَهُ، أَخَافُ ألَّا أَذَرَهُ»: أي: أترُكَ حدِيثَهُ، والهَاءُ عائِدَةٌ على الخبرِ، / أي: إنَّه لطولِهِ وكثرتِهِ؛ إنْ بدأتُهُ لمْ أقدِرْ على تمَامِهِ،
/ وإلَى هذَا ذَهَبَ يعقوبُ (^١)؛ ويُعضِّدُ هذا: ما ورَدَ في زيادةِ بعضِهِم: «ولَا أبْلُغُ قَدْرَهُ».
وفيه تأويلٌ آخر ذكرَهَ أحمدُ بنَ عُبَيْدِ بنِ نَاصِحٍ (^٢): أنَّ الهاءَ عائدةٌ على الزَّوجِ، وكأنَّها خشِيَتْ فراقَهُ إنْ ذكرَتْه وكرِهَتْ ذلِك، وتكونُ «لَا» هُنا- علَى قولِهِ- زائدةً، كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وشبَهَهُ، فيكونُ «أَذَرَهُ» - على هذا- التَّأويلِ: أفارِقُهُ.
ويحتملُ على رجوعِ الهاءِ إلى الزَّوجِ تأويلًا آخَر: أي: إنِّي إنْ أَخبرْتُ بشيءٍ من عيوبِهِ ونقائِصِهِ؛ أفضَى إلى ذكرِ شيءٍ آخَرَ أقبحَ منه، وقد عاهدَتْ صواحِبَها على ألَّا تكتُمَ شيئًا / من صفاتِهِ عنهُنَّ، فهذه كرِهَتْ ما تعاقدَتْ عليه معهُنَّ، وذهبتْ إلى سَتْرِ عيوبِ زوجِهَا لِكثْرَتِها، ولمْ تَرَ أنْ تذكرَ بعضًا دون بعضٍ، وأنَّها إنْ ذكرتْ شيئًا تسبَّبَ ذِكْرَ شيءٍ آخر؛ فرأتْ الإمساكَ أوْلَى، ويدُلُّ على هذا: ما وقعَ في بعضِ طُرُقِهِ: «أخافُ ألَّا أذَرَهُ مِنْ سُوءٍ» (^٣).
_________________
(١) ينظر: «تهذيب اللغة» (١٥/ ١١)، و«مشارق الأنوار» (٢/ ٢٨٣)، و«كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٤/ ٢٩٧)، و«غريب الحديث» لابن الجوزي (٢/ ٤٦٠).
(٢) قال أحمد بن عبيد: إني أخاف ألا أقدر على فراقه لعلقي عنده وأولادي مِنْهُ. اهـ، ينظر: «تهذيب اللغة» (١٥/ ١١)، و«مشارق الأنوار» (٢/ ٢٨٣)، و«كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٤/ ٢٩٧)، و«غريب الحديث» لابن الجوزي (٢/ ٤٦٠)، و«النهاية» (وذ ر) (٥/ ١٧١).
(٣) أخرجه إسحاق بن راهويه (٧٤٤)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٩٢)، من طريق عباد بن منصور، وقد سبق الكلام على إسناده.
[ ١٤٢ ]
ومعنَى قولِهَا: «إن أذْكُرْهُ، أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ»، فعلى مذهبِ ابنِ الأعرابيِّ وثعلبٍ والأصمعيِّ (^١): أي: إنِّي إنْ ذكرتُهُ، ذكرتُ هُمومِي وأحزانِي بِهِ.
وعلى مذهبِ الأصمعيِّ الآخرِ والهرويِّ والنَّيسابوريِّ (^٢): إنْ ذكرتُهُ، ذكرتُ معايِبَه وقبائِحَه.
وعلى مذهبِ ابنِ السِّكِّيتِ: ذكرتُ أسرارَه. وبعضُها قريبٌ مِنْ بعضٍ، قال الخطَّابِيُّ (^٣): أرَادَتْ عُيوبَهُ الباطِنَةَ، وأسرارَهُ الكَامِنَةَ.
قالَ الفَقِيهُ / القَاضِي - ﵁ -:
وأرَى- واللهُ أعلمُ- أنَّه كان مستورَ / الظَّاهِرِ، ردِيءَ الباطنِ، فلم تُرِدْ هتكَ سترِهِ، وإنَّها إنْ تكلَّمتْ بِما / قد عاقدَتْ عليه صواحِبَها كشفَتْ مِنْ قبائِحِهِ ما استَتَرَ، وأبدَتْ من سوءِ حالِها وعِظَمِ همِّهَا به ما- قَبْلُ- لمْ يظهرْ، ولكنَّها وإنْ لوَّحتْ وما صرَّحَتْ، وأجْمَلَتْ وما شرحَتْ، فقد بثَّتْ، وإنْ قالَتْ: لَا أبُثُّ؛ إذ لابُدَّ للمصدُورِ أنْ يَنفُثَ، وهذا كما قال (^٤): /
ولَولَا أَنْ يُقالَ صَبَا نَصِيبٌ لَقُلتُ بِنَفْسِي النَّشَأُ الصِّغارُ
ففي ضمنِ الصَّريحِ: أنَّه لم يَقُلْ، وفي نصِّ الصَّريحِ: أنه قد قال.
_________________
(١) ينظر: «تهذيب اللغة» (١١/ ٤٤).
(٢) «الغريبين» (٥/ ١٢٧٧)، «التوضيح» (٢٤/ ٥٧٢)، و«شرح ابن بطال» (٧/ ٢٩٩)، و«فتح الباري» (٩/ ٢٦٠)، و«عمدة القاري» (٢٠/ ١٧٠).
(٣) «أعلام الحديث» (٣/ ١٩٨٩).
(٤) البيت من الوافر وهو لنصيب بن رباح، ينظر: «الجليس الصالح» (ص: ٣٣٤)، و«ديوان المعاني» (١/ ٢٦٢)، و«مصارع العشاق» (٢/ ٨١)، و«أخبار النساء» لابن الجوزي (ص: ٢٣٦).
[ ١٤٣ ]
ولكنْ هذِه اكتفتْ بالإيماءِ والإجمالِ في الخبرِ عنه، ولم تهتِكْ حجابَ الصِّدقِ (^١) عن عَوْراتِ ما عرفتْ منه. /