وصْفُهَا له بالطُّولِ- على رأيِ أبي عُبَيدٍ- تُريدُ مِدْحَتَهُ بذلك؛ لأنَّ العربَ تمدحُ الرِّجالَ / والسَّادةَ بطولِ القامةِ، وفخامَةِ الظَّاهرِ، ومنه قولُ الأُخرى:
_________________
(١) «جزء فيه حديث ابن ديزيل» (ص: ٧٢).
(٢) ينظر: «مشارق الأنوار» (٢/ ١٠٢ - ١٠٣)، و«فتح الباري» (٩/ ٢٦٠).
(٣) ينظر: «العين» (٥/ ٧٦، ١٣٤)، و«جمهرة اللغة» (٢/ ٧٠٠)، و«الصحاح» (٤/ ١٤٧٩).
[ ١٤٥ ]
طَويلُ النِّجادِ، وقال الشَّاعرُ (^١):
فجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كَأنَّمَا عِمَامَتُهُ بينَ الرِّجالِ لِواءُ /
وقال آخر (^٢): /
خِدَبٌّ (^٣) يَضِيقَ السَّرْجُ عنهُ كَأَنَّمَا يَمُدَّ رِكَابَيْهِ مِنَ الطُّولِ مَاتِحُ (^٤)
وقال غَيرُهُ (^٥):
بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ يُحْذَى نِعَالَ السَّبْتِ لَيْسَ بتَوْأَم
/ يقولُ: كأنَّ ثيابَهُ مِنْ طولِه على سَرْحةٍ، أي شجرةٍ عظيمةٍ طويلةٍ، لِكمالِ خلقِهِ، وأنَّه وُلِدَ وحدَهُ، غَيرَ توأمٍ لولدٍ آخرٍ زَحِمَهُ في الرَّحِمِ فأضعفَهُ ونقصَ خَلقَهُ. ومِنه قولُ الشَّعبيِّ: لولَا أنِّي زُوحِمتُ في الرَّحمِ مَا قامَتْ لأحَدٍ مَعِي قائِمَةٌ (^٦).
واقتِصَارُها مِنْ صِفاتِهِ على الطُّولِ وحدَهُ: قال الأَصمعيُّ (^٧): أرَادَتْ بذلِك: أي ليس عِندَهُ أكثرُ مِن طولِهِ بِلا نَفعٍ، فإنْ ذكرتُ ما فيه مِنَ المعايِبِ طلَّقَنِي، وإنْ سكتُّ تركني معلقةً: لا أَيِّمًا، ولا ذاتَ بعْلٍ، تعني: يُنتفعُ به منفعةَ البُعُولَةِ،
_________________
(١) البيت من الطويل غير منسوب ينظر: «ديوان الحماسة» ط مكتبة الآداب (ص: ٣٠).
(٢) البيت من الطويل وهو لشبيب بن عوانة: «ديوان الحماسة» (ص: ٩٦).
(٣) في المطبوع: «خدف».
(٤) في المطبوع: «مانح».
(٥) البيت من الكامل، وهو لعنترة بن شداد من معلقته: «الكامل» لابن المبرد (١/ ٧٩)، و«شرح المعلقات السبع» للزورني (ص: ١٢٦)، و«خزانة الأدب» (٩/ ٤٨٥).
(٦) «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ص: ٨٠)، و«العقد الفريد» (٢/ ٩٦)، و«إكمال تهذيب الكمال» (٧/ ١٣٥)
(٧) «تهذيب اللغة» (٣/ ١٧٨).
[ ١٤٦ ]
ولستُ (^١) مطلقةً فأستريحُ / وأتفرَّغُ لغيرِهِ وأيأسُ منهُ، ولَا أحسَنَ صُحبتِي فأغتبِط به، فأنا كالشَّيءِ المُعلَّقِ بين العُلُوِّ والسُّفلِ، غيرِ المستقرِّ في أحدِهما.
وقيلَ: يُحتملُ قولُها أنْ يكونَ من عَلاقَةِ الحبِّ؛ ولذلك كانت تكرهُ أن تنطقَ لِئلَّا يفارِقَها، وإنْ سكتتْ، بقِيَتْ بعلاقِها ولم يهتبلْ بها، ولا وصلَها فشفى غليلَ صدرِها.
قال أبُو بكرِ ابن (^٢) الأنبارِيِّ (^٣): أرادتْ: أنَّ زوجِي لهُ منظَرٌ بلا خُبْرٍ (^٤).
وعلى المذهبِ الآخرِ: فمقتضى جميعِ ما وصفتْهُ به سوءُ الخلُقِ والعِشرةِ، وأنَّها لا تأمنُ أذاهُ وضرَّهُ، وأنَّه مع هذا مذمومٌ، المَرْأَى والخِلْقَةِ، وأنَّها على حذرٍ من / صُحبَتِهِ، غيرُ مطمئِنَّةِ النَّفْسِ، ولا مستقرَّةِ الجأشِ معه، متوقِّعةً أذَاهُ أو فراقَهُ؛ فهي معه كمَنْ هو على حدِّ السِّنانِ منَ المَخافَةِ والحذارِ، وعدمِ الطّمأنِينَةِ والاستقرارِ، والعربُ تقولُ لِمن يكونُ على حذرٍ وغيرِ استقرارٍ: كأنَّه على مثلِ سنِّ الرُّمحِ، / ومثلِ حدِّ السَّيفِ، ومثلِ قرنِ الظَّبيِ، قال امرُؤ القيسِ (^٥):
_________________
(١) كذا في (ب)، (ع)، وهو المثبت في المطبوع، وفي باقي النسخ: «وليست».
(٢) «ابن» ليست في المطبوع.
(٣) ينظر: «النهاية» (٣/ ٢٤١).
(٤) كذا ضبطت في النسخ المشكولة التي معي: «خُبْرٍ»، والمشهور أن يقال: «له منظر بلا مخبر»، كذا في «النهاية» (٣/ ٢٤١)، و«التوضيح» لابن الملقن (٢٤/ ٥٧٥)، و«فتح الباري» (٩/ ٢٦٠).
(٥) البيت من الطويل، وتمامه: ولا مثل يوم في قذران ظلته ** كَأَنِّي وأصْحَابِي عَلَى قرنِ أَعْفَرَا «ديوان امرئ القيس» (ص: ٩٨)، وينظر: «الصحاح» (٢/ ٧٥٢)، و«مجمل اللغة» (ص: ٦١٧)، و«تهذيب اللغة» (٢/ ٢١٤).
[ ١٤٧ ]
كَأَنِّي وأصْحَابِي عَلَى قرنِ أَعْفَرَا
وقد أبانَ هذه العِلَّةَ أبُو العلاءِ بنِ سُليمان (^١) بقولِهِ:
كأنَّنِي فَوقَ قَرْنِ الظَّبيِ مِنْ حَذَرِ (^٢)
* * *