وصفتْهُ بحُسنِ صحبَتِها، وجميلِ عشرَتِها، واعتدالِ حالِهِ، وسلامةِ باطِنِهِ، وثقتِهَا به، وضربتْ المثلَ بليلِ تِهامة؛ لأنَّ تِهامةَ مِنْ بلادِ الحِجازِ- مكة وما والاها- بلادٌ حارَّةٌ (راكِدةُ) (^٢) الرِّيحِ، / وبهذا سُمِّيتْ تِهامةَ.
قال الأصمعيُّ (^٣): العربُ تقولُ: إذا انحدرتَ مِنْ ثنَايَا ذَاتِ عِرْقٍ فقد أَتْهَمْتَ إلى البحرِ، وإذا تصوَّبْتَ من ثنايا العرجِ فقد استقبلتَ الأراكَ والمرخَ وشجرَ / تِهامةَ، (وأَتْهَمْتَ.
قال الأصمعيُّ (^٤): والتَّهَمةُ: الأرضُ المُتصوِّبَةُ إلى البحر.
قال ابنُ دُرَيدٍ (^٥): التَّهَمُ (^٦): الحرُّ، ورُكودُ الرِّيحِ، وبه سُمِّيتْ تِهامَةُ) (^٧)،
_________________
(١) البيت من الكامل، وقد اختلف في نسبته فنسبه سيبويه لرجل من مذجح، وقيل: لهمّام بن مرّة، وقيل: لرجلٍ من بني عبد مناة، وقيل: لهُنّى بن أحمر، وقيل: لضمرة بن ضمرة، وقيل: لزرافة الباهليّ وتمامه: هَذَا لعمركم الصغار بِعَيْنِه ** لَا أمَّ لي إِن كَانَ ذَاك وَلَا أبُ. ينظر: «الكتاب» (٢/ ٢٩٢)، و«معاني القرآن» للفرّاء (١/ ١٢١)، و«المقتضب» (٤/ ٣٧١).
(٢) في (ت): «واكدة».
(٣) ينظر: «تهذيب اللغة» (٦/ ١٣٣).
(٤) المصدر السابق.
(٥) «جمهرة اللغة» (١/ ٤١١).
(٦) في «الجمهرة»: «شدة الحر».
(٧) ما بين القوسين ليس في (ك).
[ ١٤٩ ]
وأنشدَ غيرُهُ (^١):
نَجِدْ (^٢) بردَ نَجْدٍ بَعْدَ مَا لَعِبتْ بِنا تِهَامَةُ فِي حَمَّامِها (^٣) المُتَوَقِّدُ
وقال الحسنُ الهَمَدَانِيُّ (^٤): تِهامةُ: ما استطالَ مِنْ جزيرةِ / العَرَبِ بين بحرِها الغربِيِّ والسَّراةِ، وكانتْ فيه طمأنينةٌ وحرارةٌ (^٥).
قَالَ القَاضِي:
فليلُها لَا قَرَّ فيه، أي ليس فيه رِياحٌ باردةٌ شديدةٌ، ولَا حَرَّ؛ لأنَّ بردَ اللَّيلِ على حالٍ يُطفِيه (^٦) ويَكسرُ سورَتَه، فهي معتدلةٌ، وبلادُ الحجازِ بالجملة موصوفةٌ بطيبِ اللَّيلِ والأصائلِ والظِّلالِ.
_________________
(١) البيت من الطويل ونسبه أبو العباس المبرد لرجل من مزينة، ينظر: «الكامل» (١/ ١٦١)، و«لسان العرب» (حمم) (٤/ ٢٣٤)، و«تاج العروس» (حمم) (٣٢/ ١٤).
(٢) كذا في جميع النسخ والمطبوع، وفي مصادر التخريج: «نذق».
(٣) كذا في (ب) وهو الصواب، وهو الموجود في «الكامل»، و«اللسان»، و«التاج»، وفي باقي النسخ والمطبوع: «حمائها».
(٤) الحسن بن أحمد بن يعقوب، أبو محمد الهمْدانيّ اليَمَنيُّ، المعروف بابن الحائك؛ اللُّغويُّ النَّحويّ الإخباريُّ الطَّبيبُ، قال القفطي: نادرة زمانه، وفاضل أوانه، الكبير القدر، الرفيع الذّكر، صاحب الكتب الجليلة، والمؤلفات الجميلة. لو قال قائل: إنه لم تخرج اليمن مثله لم يزلّ؛ لأن المنجّم من أهلها لا حظّ له في الطبّ، والطبيب لا يد له في الفقه، والفقيه لا يد له في علم العربية وأيام العرب وأنسابها وأشعارها، وهو قد جمع هذه الأنواع كلّها، وزاد عليها. فأما تلقيبه بابن الحائك؛ فلم يكن أبوه حائكًا، ولا أحد من أهله، ولا في أصله حائك؛ وإنما هو لقب لمن يشتهر بقول الشعر. (ت: ٣٣٤ هـ)، ينظر: «معجم الأدباء» (٢/ ٨٠٩)، و«إنباه الرواة» (١/ ٣١٤)، و«تاريخ الإسلام» (٧/ ٦٧٧).
(٥) «صفة جزيرة العرب» (ص: ٤٧، ٤٨) بمعناه.
(٦) في (ت): «يطيفه».
[ ١٥٠ ]
وقد أكثرَ في ذلك شعراؤُهُم ومنه قال بعضُهم (^١):
أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّ الْمُصَلَّى مَكَانَهُ وَأَنَّ الْعَقِيقَ ذَا الظِّلَالِ وَذَا الْبَرْد
وَأَنَّ بِهِ لَوْ تَعْلَمَانِ أَصَائِلًا وَلَيْلًا رَقِيقًا مِثْلَ حَاشِيَةِ الْبُرْد
تقولُ: لَا أذًى عِندهُ ولَا مَكروهٌ، كمثلِ هذه اللَّيلةِ التي ليس فيها حرٌّ ولا بردٌ ولا ريحٌ؛ لأنَّ في الرِّيحِ والحرِّ والبردِ أذًى إذا اشتدَّ.
وتقولُ: لا عِندهُ غائلةٌ ولا شرٌّ فأخافُهُ، ولا يسأمُنِي ولا يستثقِلُنِي؛ فيملُّ صُحبتي، ويكون هذا معنى قولِها: «ولَا وَخَامَة».
أو يرجعُ قولُها: «ولَا وَخَامَة» إلى صفةِ ليلِ / تِهامةَ؛ لأنَّ بلادَ تِهامةَ وأشرافَ بلادِ الحجازِ ونجدٍ صحيحةُ الهواءِ، غيرُ وخِمَةٍ، ولا وبيئةٍ.
وقد يكونُ قولُها: «ولَا وَخَامَة»، أي: أنَّه- تعني زوجَها- ليس فيه ثِقَلٌ ولا فَدَامَةٌ (^٢)، بلْ هو حُلْوُ الشَّمائلِ، خفيفٌ على المُصاحَبِ، مُسْتَلانُ الجانبِ.
وقولُها في الرِّوايةِ الأخرى: «ولَا يخافُ خلفَهُ، ولا أمَامَهُ»، قال ابنُ الأنبارِيِّ: تُريدُ أنَّ بلدَ تِهامةَ لا يخافُ أهلُهُ مِنْ أمامِهِم وَلَا مِنْ خَلفِهِم؛ لِتَحَصُّنِ أهلِهِ بالجبالِ. /
ويحتملُ عندي / أنْ تُردَّ: «خلفَهُ» و«أمَامَهُ» على زوجها، أي أنَّه مأمونٌ،
_________________
(١) البيتان من الطويل، ونسب ابن قتيبة الثاني منهما لابن كُناسة الأسدي، ينظر: «عيون الأخبار» (١/ ٢١٨)، و«الدلائل في غريب الحديث» (٣/ ١٠٠٩)، و«البصائر والذخائر» (٨/ ٨٧).
(٢) الفدم من الناس: العيي عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم. «لسان العرب» (فدم) (١١/ ١٤٢).
[ ١٥١ ]
لا تَخشَى مضرَّتَه مِنْ جهَةٍ منْ جِهاتِهِ، كما قالَتْ: / «ولا مَخَافَةَ»، أو تُخبِرُ أنَّه حامٍ لِذِمارِهِ، مانعٌ لحوزَةِ دارِهِ وجارِهِ.
ثمَّ وصفَتْه بالكَرَمِ والسَّخاءِ بقولِهَا: «والغَيثُ غَيثُ غَمَامةٍ»، أي أنَّ جودَهُ يُنْهَلُ، ويَحيَا به / الأنامُ، كَغيثِ الغَمامِ.
* * *