وصفتْهُ بأنَّه كريمُ الطَّبعِ، نَزِهُ الهمَّةِ، حسنُ العشرةِ، ليِّنُ الجانبِ في بيتِهِ، ليس يتفقَّدُ ما ذهبَ مِنْ مالِهِ، ولا يَلتفِتُ إلى جانبِ البيتِ، ولا يطلُبُ ما فَقَدَ منه وعَهِدَ فيه من طعامٍ أو / مأكولٍ وشبهِهِ، ولا يسألُ عنه لِسخاوَةِ نفسِهِ، وسعَةِ قلبِهِ، فكأنَّه ساهٍ أو نائمٌ أو غافلٌ عن ذلك؛ فشبَّهتْهُ بالفهدِ لذلك، وهذه الخصلةُ من مكارمِ الأخلاقِ، وقد قيلَ: العَاقِلُ: الفَطِنُ المُتَغَافِلُ (^٥)، وبَيَّنَتْ ذلك بقولِهَا:
_________________
(١) ما بين المعقوفين ليس في (ت).
(٢) في (ت): «فهد»، وهذا اللفظ أخرجه ابن طبرزد في جزء له (٨)، من طريق الزبير بن بكار به، وقد مضى الكلام على هذا الطريق.
(٣) طمس في (ت)، والاستدراك من باقي النسخ.
(٤) في المطبوع: «وعم».
(٥) «الأمالي» لأبي علي القالي (٢/ ٢٠٣)، و«جمهرة الأمثال» (١/ ١٤٠)، و«البصائر والذخائر» (٥/ ١٥٢)، و«الشكوى والعتاب» (ص: ١٩٥)، و«لباب الآداب» لابن منقذ (١/ ٢٤).
[ ١٦٠ ]
«يأكُلُ مَا وَجَدَ» (^١)،
فعرفتْ أنَّه نزِهُ (^٢) الهمَّةِ، قنوعُ النَّفسِ، ليس بِبَرِمٍ (^٣) ولا لُعْمُوظٌ (^٤)، ثم أكدَتْ ذلك كلَّه من أوصافِهِ بقولِها: «ولا / يَرْفَعُ اليَوْمَ لِغَدٍ»، أي أنَّه مِمَّنْ لا يُعِدُّ الزَّادَ ويَدَّخِرَهُ، بل يُفنِيهِ من يومِهِ، ويجودُ به لحِينِهِ، ويوسِّعُ عيشَةَ مَنْ معَهَ في جميعِهِ، وقد كانتْ هذه خُلُقَ نبيِّنَا - ﷺ - وأشرافِ العربِ، وقد نَهَى - ﷺ - عن خلافِها، / فرُوِيَ عن أنسٍ: أنَّه كان - ﷺ - لَا يَدَّخِرُ شيئًا لِغَدٍ (^٥)،
حدَّثنَاهُ
_________________
(١) لم أقف على هذه اللفظة في أيٍّ من طرق الحديث، وقد ذكرها الثعالبي منسوبة لقول السابعة، قال في «ثمار القلوب» (ص: ٤٠٠): «وَقَالَت الْمَرْأَة السَّابِعَة في حَدِيث أم زرع تصف زَوجهَا زوجي إِن دخل فَهد وَإِن خرج أَسد يَأْكُل مَا وجد وَلَا يسْأَل عَمَّا عهد وَلَا يتفقد مَا ذهب من الْبَيْت لطيبه نَفسه بذلك قال الراجز: لَيْسَ بنوام كنوم الفهد ** وَلَا يأكال كَأَكْل العَبْد».اهـ ونسب هذا الكلام أيضًا من قول الحمراء بنت ضَمْرة بن جابر، فقالت تصف زوجها: « هو والله طيب العِرْق، سمين العَرْقِ لا ينام ليلة يَخَاف، ولا يشبع ليلة يُضَاف، يأكل ما وجَدَ، ولا يَسأل عما فَقَد» «مجمع الأمثال» (١/ ٣٩٤)، و«المستقصى في أمثال العرب» (١/ ٤٠٦)
(٢) في المطبوع: «نزيه».
(٣) بَرِمَ بالأَمر بالكسر بَرَمًا إذا سَئِمَهُ فهو بَرِمٌ ضَجِر وقد أَبْرَمَهُ فلان إبْرامًا أي أَمَلَّه وأَضْجَره. «لسان العرب» (برم) (٢/ ٧٣).
(٤) جاء في حاشية (ت): «اللعموظ: الشره النهم»، وينظر: «لسان العرب» (لعمظ» (١٣/ ٢٠٨).
(٥) إسناده حسن؛ أخرجه الترمذي في «الجامع» (٢٣٦٢)، وفي «الشمائل» (٣٣٧)، والطبري في «تهذيب الآثار» (٤٣٧)، والسراج في «البيتوتة» (١)، وابن حبان (٦٣٥٦، ٦٣٧٨)، وابن المزكي في «المزكيات» (١)، وابن عدي (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩)، (٧/ ١٨١)، (٨/ ٤٣٠)، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي» (٨٧٧)، وابن المقرئ في «المعجم» (٧٩٦)، والدارقطني في «المؤتلف» (٤/ ١٧٥٢)، والبيهقي في «الدلائل» (١/ ٣٤٦)، وفي «الشعب» (١٣٩١، ١٤٠٢)، والخطيب في «التاريخ» (٧/ ٥٨٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٣٦٩٠)، وفي «الأنوار في شمائل النبي المختار» (٣٦١)، وفي «التفسير» (٦/ ٢٥٣)، وأبو الغنائم في «فوائد الكوفيين» (٢٦)، وأبو عبد الله الدقاق في «المشيخة» (٢)، وابن المقرب في «الأربعين» (١٢)، وأبو سعد السمعاني في «المنتخب من معجم الشيوخ» (ص: ٤٠٥)، وابن عساكر في «التاريخ» (٤/ ١٢٠)، (١٠/ ٣٨٧)، (٣٢/ ١٩٦)، (٤٠/ ٣٣٩)، وفي «معجم الشيوخ» (١٣٧١)، وأبو الطاهر السلفي في «الأربعون البلدانية» (ص: ١٣٤)، وفي «معجم السفر» (٢١٣)، والضياء في «المختارة» (١٦٠١)، وابن البخاري في «المشيخة» (٣/ ١٦٠٨)، من طريق عن جعفر بن سليمان الضُّبعي، عن ثابت البُنَاني، عن أنس قال: فذكره. قال الترمذي: «هذا حديث غريب وقد روي هذا الحديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن النبي - ﷺ - مرسلًا» اهـ. وقال ابن عدي في ترجمة جعفر بن سليمان بعد أن ساق له عدة أحاديث منها هذا الحديث: «وهذه الأحاديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت، عن أنس كلها إفرادات لجعفر لا يرويها عن ثابت غيره، ولجعفر حديث صالح وروايات كثيرة، وهو حسن الحديث، وهو معروف في التشيع وجمع الرقاق وجالس زهاد البصرة فحفظ عنهم الكلام الرقيق في الزهد يرويه ذلك عنه سيار بن حاتم وأرجو أنه لا بأس به. قال: والذي ذكر فيه من التشيع والروايات التي رواها التي يستدل بها على أنه شيعي فقد روى في فضائل الشيخين أيضا كما ذكرت بعضها وأحاديثه ليست بالمنكرة وما كان منها منكرا فلعل البلاء فيه من الراوي عنه، وهو عندي ممن يجب أن يقبل حديثه». اهـ وقال ابن عساكر في «المعجم»: هذا حديث حسن صحيح غريب تفرد به قتيبة بن سعيد عن جعفر وأخرجه عنه الترمذي. اهـ وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٥١١): «وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ»! اهـ.
[ ١٦١ ]
قاضِي القُضَاةِ (^١) أبو عليٍّ الحُسينُ بنُ محمَّدٍ (^٢)، قال: ثنا الإمامُ
_________________
(١) في (ع)، (ك): «القاضي».
(٢) هو أبو علي الصدفي المعروف بابن سكرة سبق ترجمته.
[ ١٦٢ ]
أبو القاسمِ البَلْخِيُّ- يُعرَفُ بابنِ شَافُور (^١) - قال: ثنا القَاضِي أبُو عليٍّ الوخْشِيُّ (^٢) وغيرُه، قالَوا: ثنا أبُو القَاسمِ الخُزاعيُّ (^٣)، حدَّثنا الهيثمُ بنُ كُلَيبٍ (^٤)
الشَّاشيُّ، حدَّثنا أبُو عيسى التِّرمذيُّ، ثنا قُتَيْبةُ بن سعيدٍ، ثنا جَعفرُ بنُ سُليمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ (^٥).
_________________
(١) عبد الله بن طاهر بن محمد شَهْفُور، أبو القاسم التّميميّ الفقيه، قال السّمعانيّ: كان إمامًا فاضلًا نبيلًا، بَرَعَ في الفقه والأصول. (ت: ٤٨٨ هـ). ينظر: «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٥٩٩)، و«طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٥/ ٦٣)، و«طبقات الشافعيين» (ص: ٤٨١)، و«العقد المذهب» (ص: ١٠٤).
(٢) سبق ترجمته.
(٣) سبق ترجمته.
(٤) في المطبوع: «كلاب» ..
(٥) قال البيهقي في «الشعب» (٣/ ٦٥ - ٦٦) - معلِّقًا على هذا الحديث-: «قال أبو نصر: قال الإمام أبو سهل- محمد بن سليمان - ﵀ -: فإن قال قائل: كان النبي - ﷺ - يرجع إلى ملبس ومفرش، وكان يعد للجمع ما يعده، وكان له الدرع والسيف والقوس والفرس والبغل والحمار، وكان ينبذ له بالعشي فيشربه بالغداة، وكان ينبذ له بالغداة فيشربه بالعشي، وكان يحبس لنسائه قوت سنة مما أفاء الله - ﷿ - عليه وكل هذا ادخار فكيف يسلم على هذه الأخبار هذا الخبر المأثور؟ قال الأستاذ أبو سهل - ﵀ -: الرواية صحيحة وعلى حكم الدراية مستقيمة، والتنافي عن هذه الرواية منصرف، ووجه ذلك أنه كان يعامل فيما بينه وبين مولاه على حسن الظن، والانتظار دون الحبس والادخار وكان لا يحتجز لنفسه ليومه من أمسه، فأما ثيابه فإنما يعدها لدينه لا على إبقاء عليها لغده وهكذا آلات الحرب كان يحبسها لنصر الأولياء وكتب الأعداء على حكم الاستعمال مما تصدق به في حياته، ولهذا قال: إنا لا نورث ما تركناه صدقة، وأما ما كان ينبذ له فإنما نساؤه كن ينبذن له ما صار في ملكهن ويدهن تمليكًا وتحويلًا منه لهن وقد صح أنه لم يكن يدخر شيئًا لغد فإن احتبس عنده شيء فلا على نية الغد وقيل: لا يدخر ملكًا بل يدخر تمليكًا، وقيل: لم يكن يدخره على أمل البقاء إلى غد» اهـ.
[ ١٦٣ ]
ورُوِيَ عنه: أنَّ خادمًا له خَبَّأَ له شَيئًا مِنْ طعامِهِ فأتَاهُ بهِ مِنَ الغَدِ، فقالَ له: «أَلَمْ أَنْهَكَ عن هَذَا؟ إنَّ اللهَ يَأتِي بِرِزْقِ غَدٍ» (^١)،
وقد تقدَّمَ حدِيثُه في ذكرِ
_________________
(١) إسناده منكر؛ أخرجه أحمد في «المسند» (١٣٠٤٣) وفي «الزهد» (٣٨)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٤٣)، وفي «الأربعون على مذهب المتحققين من الصوفية» (٤)، وأبو يعلى (٤٢٢٣)، والدولابي في «الكنى» (١٨٣٥)، وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٨٦)، وابن عدي (٨/ ٤٣٠ - ٤٣١)، وتمّام في «الفوائد» (٣٥٣)، والحسن بن شاذان في جزء له (٤٠)، وابن بشران في «الأمالي» (١٤٢)، والبيهقي في «الشعب» (١٢٥٨، ١٢٨٦، ١٣٩٢)، والخطيب في «التاريخ» (١٦/ ٤٦٢، ٤٦٣)، وقاضي المارستان في «المشيخة» (٦٢١)، من طريق مروان بن معاوية، عن هلال بن سويد أبو معلى، عن أنس بن مالك - ﵁ - وهو يقول: أهديت لرسول الله - ﷺ - ثلاثة طوائر، فأطعم خادمه طائرًا، فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد، فإن الله يأتي برزق كل غد» كذا رواه أحمد بن حنبل وغيره عن مروان بن معاوية به، ورواه أبو يعقوب الرازي يوسف بن الحسين كما عند الخطيب في «التاريخ» - عن أحمد بن حنبل به غير أنه قال: عن أبي هلال الرَّاسِبِيِّ، عن أنس بن مالك فذكره، قال الخطيب: قلت: كذا قال عن أبي هلال الراسبي، وهو خطأ لا شك فيه، والأول أصح قال تمام: ليس عنده- يعني: يوسف بن الحسين- عن أحمد بن حنبل غيره. اهـ قلت: هلال بن سويد واهٍ؛ قال البخاري: لا يتابع عليه. وقال أبو أحمد الحاكم: أبو المعلى الأحمري ليس بالمتين عندهم، وذكره ابن الجارود في «الضعفاء»، وأورد له ابن عدي هذا الحديث، وحديث: نهى عن البُسْر والتمر، وأنكرهما عليه. ينظر: «ميزان الاعتدال» (٤/ ٣١٤)، و«التكميل في الجرح والتعديل» (٢/ ٢٧)، و«لسان الميزان» (٨/ ٣٤٧). وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٤٩)، من طريق جعفر بن زياد، عن موسى الجهني، عن رجلٍ من ثقيفٍ، عن أنس، قال: كنت أخدم النبي - ﷺ - فقال لي يومًا: هل عندك شيء تطعمنا؟ قلت: نعم يا رسول الله، فضل من الطعام الذي كان أمس، قال: «ألم أنهك أن تدع طعام يوم لغد». قلت: إسناده ضعيف؛ لجهالة الواسطة بين موسى بن عبد الله الجهني، وأنس - ﵁ -.
[ ١٦٤ ]
عليٍّ - ﵁ -، وقدْ قال النَّابغةُ (^١) في هذا المعنى:
وَلَسْتُ بِخَابِئٍ (^٢) أَبَدًا طَعَامِي (^٣) حِذَارَ غَدٍ، لِكُلِّ غَدٍ طَعَامُ