هذِه امرأةٌ ذمَّتْ زوجَها، فوصفتْه أوَّلًا باللُّؤمِ والبخلِ والبَرَمِ (^١) / والنَّهامةِ والجَرَازَةِ (^٢)، وسوءِ المُعاشرةِ والمُرافقةِ، وأنَّه لا يُبقِي فيما يأكلُ ويشربُ ولا يَذَرُ، ويجمعُ كلَّ ما يجدُهُ من ذلك ويحطِمُهَ، وليس هذا من مكارمِ الأخلاقِ.
والعربُ تَذِمُّ بالبَرَمِ وكثرةِ الأكلِ والشُّربِ، وتمدحُ بقلَّتِهِما؛ قال / الشَّاعر (^٣): /
تَكْفِيه حُزَّةُ فِلْذ إنْ أَلَمَّ بِها مِنَ الشَّواءِ ويُروي شُرْبَه الغُمْرُ
وقال:
لا يَتأرَّى (^٤) لِما فِي القِدْرِ يَرقُبُهُ ولَا تَرَاهُ أَمَامَ القَومِ يَقْتَفِرُ
وقال آخرٌ يهجُو بضِدِّهِ (^٥):
ألَسْتُم أقَلَّ النَّاسِ عندَ لِوائِهِم وأكْثَرَهُم عندَ الذَّبِيحَةِ والقِدْر
_________________
(١) البرم، بالتحريك: مصدر برم بالأمر، بالكسر، برمًا إذا سئمه، فهو برم ضجر. وقد أبرمه فلان إبرامًا أي أمله وأضجره. «لسان العرب» (برم) (٢/ ٧٣).
(٢) الجروز: الأكول، وقيل: السريع الأكل، والجروز: الذي إذا أكل لم يترك على المائدة شيئا، وَقَدْ جَرُزَ جَرَازَةً. «لسان العرب» (جرز) (٣/ ١٢٢).
(٣) البيت من البسيط وهو والبيت الذي يليه لأعشى باهلة، ينظر: «جمهرة أشعار العرب»، و«الأصمعيات» (ص: ٩٠)، و«إصلاح المنطق» (ص: ١٣٤)، (ص: ٥٧٤)، و«الأمالي» للقالي (١/ ١٦)، «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص: ٢٩١).
(٤) في المطبوع: «يأترى».
(٥) البيت من الطويل وهو منسوب لعُويف القوافي كما في «ديوان الحماسة» (ص: ١٦٨)، و«شرح نهج البلاغة» (٦/ ١٠٦)، ونسب لرافع بن هُريم اليربوعيّ كما في «حماسة الخالديين» (ص: ١٠١)، و«بهجة المجالس» لابن عبد البر (١/ ٥٢٧).
[ ١٧١ ]
وفي صِفةِ نبيِّنا - ﷺ -: أنَّه كان يَجتَزِئ بالعُلْقَةِ (^١)، قال الشَّاعر (^٢):
وأجْتَزِي مِنْ كَفِافِ القُوتِ بالعُلَقِ
العُلْقَةُ: البُلْغَةُ، وقد قِيلَ: لِكُلِّ كِرِيمٍ فَضْلَةٌ.
وقيل (^٣):
ولِلأرضِ مِنْ كأسِ الكِرامِ نَصِيبُ
ويُروى عن جريرِ بنِ عبد اللهِ: أنَّه قال لِبنِيه: يا بني إذا شَربْتُم فأسئِرُوا (^٤). أي:
_________________
(١) ضعيف؛ أخرجه الواقدي- كما في «غريب الحديث» للخطابي (٢/ ٥٤)، و«الكشف والبيان للثعلبي» - عن عثمان بن الضحاك، عن يزيد بن الهادي، عن ثعلبة بن أبي مالك، عن عمر بن الخطاب أنه سأل أبا مالك عن صفة النبيّ - ﷺ - في التوراة وكان من علماء اليهود، فقال: «صفته في كتاب بني هارون الذي لم يغير ولم يبدّل أحد من ولد إسماعيل بن إبراهيم ومن آخر الأنبياء وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوّة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة ويجرى بالبلغة ويركب الحمار ويمشي في الأسواق »؛ قلت: الواقدي متروك، وعثمان بن الضحاك: ضعيف، وينظر: «مغازي الواقدي» (١/ ٣٦٧).
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في «غريب الحديث» للخطابي (٢/ ٥٥)، و«الفائق في غريب الحديث» (٢/ ٢٦٢) غير منسوب.
(٣) البيت لدُبيس، وتمامه: ولله في تلك الحوادث حكمة ** وللأرض من كأس الكرام نصيب ينظر: «وفيات الأعيان» (٢/ ٢٦٤)، و«تاريخ الإسلام» (١١/ ٤٨٧)، و«مرآة الجنان» (٣/ ١٩٦).
(٤) لم أقف عليه مسندًا. وذكره أبو عبيد في «غريب الحديث» (٢/ ٢٩٣)، وينظر: «جمهرة اللغة» (١/ ١٣٨)، و«النهاية» (٢/ ٣٢٧)، و«التوضيح» لابن الملقن (٢٦/ ٣٤٨).
[ ١٧٢ ]
اتركوا في الإناء سؤرًا، وهو بَقِيَّةُ الشَّرابِ. وفي حديثٍ آخر: فإنَّه أجملُ (^١).
ورُوِي عن النَّبيِّ - ﷺ -: «لا خَيرَ فِي طعامٍ ولَا شَرابٍ ليسَ لهُ سُؤْرٌ» (^٢).
وفي المثلِ: لَيْسَ الرِّيُّ عَنِ التَّشَافِّ (^٣).
ثمَّ أكدَتْ وصفَهُ باللُّؤمِ بأنَّه إذا نَزلَ الأضيافُ به، واضطرَّ إلى الذَّبحِ لهم، عَدَلَ عن خيارِ مالِهِ وسمِينِه، إلى هزِيلِه وردِيئِه وما لَا خَيرَ فيه. وهو قولُها: «إذَا ذَبَحَ اغْتَثَّ»، وهذا نِهايةٌ في اللُّؤمِ، وكانتْ عادةُ أجوادِ العربِ ضدَّ هذا من اختيارِ جيِّدِ المالِ للأضيافِ، كما قال بعضُهم (^٤):
فأعضَضْتُهُ الطُّولَى سنامًا وخَيْرَها بلاءً وخَيْرُ الخَيْرِ ما يُتَخَيّرُ /
وقال آخر أيضًا (^٥): /
_________________
(١) ينظر: «جمهرة اللغة» (١/ ١٣٨) (٢/ ٧٢٣).
(٢) لم أقف عليه، وقال العجلوني: حديث: لا خير في طعام ولا شراب ليس له سؤر، وحديث إذا شربتم أسئروا، ذكرهما عياض وابن الأثير الثاني. «كشف الخفاء» (١/ ٨٣).
(٣) «غريب الحديث» لأبي عبيد (٢/ ٢٩٢)، «غريب الحديث» للحربي (٢/ ٨١٨)، و«متخير الألفاظ» (ص: ١٩٩)، و«تهذيب اللغة» (١١/ ١٩٥)، و«جمهرة الأمثال» (٢/ ١٧٨)، و«الأمثال» للهاشمي (١/ ٢٠٤).
(٤) البيت من الطويل، وهو في «ديوان الحماسة» (ص: ١٨٢) غير منسوب، وينظر: «غريب الحديث» للخطابي (٣/ ١٦٢). والمعنى: أَي: جعلت السَّيْف يعضها، والطولى: مُؤَنّثَة الأطول وَخَيرهَا بلَاء أَي وأحسنها نعْمَة، وَمن نعْمَة النَّاقة أَن تكون كَرِيمَة الْأَوْلَاد غزيرة اللَّبن سريعة السّير وَغير ذَلِك من الصِّفَات المحمودة فِيهَا، وَمَعْنَاهُ أَنه نحر من الْإِبِل أطولها سنامًا وأطيبها لَحْمًا وَأَكْرمهَا عِنْده منزلَة. ينظر: «شرح ديوان الحماسة» للتبريزي (٢/ ٢٩٨).
(٥) البيت من البسيط، وهو منسوب لزياد بن حمل، وقيل: زياد بن منقذ، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٥٠)، و«غريب الحديث» للخطابي (٣/ ١٦٢). والمرباع: النَّاقة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تضع وَلَدهَا فِي الرّبيع وَهُوَ الْمَحْمُود من النِّتَاج والمودعة الَّتِي لَا تركب وَلَا تحمل والعرفاء السمينة الغليظة الَّتِي صَار لَهَا كالعرف والتامك: السنام والسنم العالي، وَالْمعْنَى: أَنه لِكَثْرَة كرمه ينْحَر من الْإِبِل أعزها وأسمنها للأضياف. ينظر: «شرح ديوان الحماسة» للتبريزي (٢/ ١٥٥).
[ ١٧٣ ]
تَشْقَى بِه كلُّ مرْباعٍ مُوَدَّعةٍ عرْفاءَ يَشْتُو عَليْها تامِكٌ سَنِمُ
وقال آخر (^١):
إذا الْقوْمُ أمُّوا بَيْتَهُ فهْوَ عامِدٌ لأَحْسَنِ مَا ظَنُّوا بهِ فَهْوَ فاعِلهْ
وقال آخرُ يصف ناقةً عقرَها (^٢) للضِّيفانِ (^٣): /
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو في قصيدة لزينب بنت الطَّثريّة ترثي أخاها، ومثله للعجير السلولي؛ ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٠٣)، و«الأمالي» للقالي (١/ ٢٧٥)، و«الحماسة البصرية» (١/ ٢٢٣). وأموا: قصدُوا، وَالْمعْنَى أَن طوائف الرِّجَال إِذا قصدُوا بَيته اسْتَقْبَلَهُمْ بأكمل مَا يكون من ظنونهم بِهِ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِم وَتحمل مَا يثقل عَلَيْهِم وتدبير مَا يدهمهم. «شرح ديوان الحماسة» للتبريزي (١/ ٤٣٤)
(٢) في المطبوع: «ذبحها».
(٣) البيت من البسيط وهو لمُرَّة بن محْكان، «ديوان الحماسة» (ص: ١٧٢)، و«الحماسة البصرية» (٢/ ٢٣٦)، و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص: ١٠٩٦). وقوله: فصادف السيف منها ساق متلية أراد: عرقب ناقة منها. والمتلية: هي التي لها ولد يتلوها، وقيل هي الحامل. والجلس: الصلبة المشرفة وقيل هي الواسعة الأخذ من الأرض. ومعنى: صادف منه، أي: من السيف. والمعنى: أن السيف والساق تصادما، فأبان السيف الساق منها. والزيافة: هي التي تزيف في مشيتها وتتبختر. جعلها بنت زياف استكرامًا لعرقها وجوهرها. والمذكرة: التي تشبه الذكورة في خلقتها. وقوله: لما نعوها، الفاعلون هم الناس ولم يجر لهم ذكر، لكن المراد مفهوم فأضمره. أي بما ذكر الناس ما جرى عليها لراعي سرحنا، أي راعي مالنا السارحة، بكى بكاء فيه نحيب وصوت، ضنا بمثلها، وتحزنًا لما فات منها، ولأن لبنها كان يبقى على محاردة الإبل، وشدة اللزبة.
[ ١٧٤ ]
فَصَادَفَ السَّيفُ مِنْها سَاقَ مُتْلِيَةٍ (^١) جَلْسٍ فَصَادَفَ مِنه ساقُها عَطَبَا
زَيَّافَةٌ بِنْتُ زَيَّافٍ مُذَكَّرَةٌ لَمَّا نَعَوْهَا لِرَاعِي سَرْحِنَا انْتَحَبَا (^٢)
ثمَّ وصفَتْه بعدُ بِقلَّةِ الاشتغالِ بها، والتَّعطيلِ لها، وأنَّه إذا نامَ التَفَّ في ثيابِهِ ولم يُضاجِعْها، ولا أدْنَاهَا مِنْ نفْسِهِ، وأنَّه لا هِمَّةَ له في المُباضَعَةِ، التي هي من ممادِحِ الرِّجالِ؛ فإنَّ العربَ كانتْ / تتمادَحُ بالقُوَّةِ على الجماعِ؛ لأنَّها دليلٌ صِحَّةِ الذُّكورِيَّةِ، وتَذِمُّ بضدِّه كما قالَتْ الأُخرى: «عَيَايَاء».
واختلفَ المُتأوِّلُون في معنى قولِها: «ولَا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعْلَمَ البَثَّ»، فذهبَ أبُو عُبيدٍ (^٣) إلى أنَّه كانَ بجسدِها (عَيْبٌ أو دَاءٌ) (^٤) يُكْرِثُهَا ويُحْزِنُها؛ فكانَ لَا يُدخلُ يدَهُ في ثَوبِها لِيلمسَ ذلك العَيبَ، / فيَشُقَّ عليها، فإنَّ هذه خصلةٌ مدحتْهُ بِها، وَرَدَّ القُتبِيُّ، والخطَّابِيُّ، وابنُ حبيبٍ، وابنُ الأعرابِيِّ (^٥) وغيرُهم عليه هذا القولَ، وقالُوا (^٦) إنَّما شكتْ هذِه الخصلةَ من زوجِها، وذمَّتْه بذلك، واستقصرَتْ حظَّها منه، وأنَّه لا يُضاجِعُها، ولا يدنُو منها، وينامُ ناحِيةً عنها،
_________________
(١) في (ل): «مُثْلِية»، والمتلية: التي لها ولد يتلوها.
(٢) الجلس: الصلبة المشرفة، وقيل: هي الواسعة الأخذ من الأرض. ومعنى: صادف منه، أي من السيف. والمعنى أن السيف والساق تصادما، فأبان السيف الساق منها. والزيافة، هي التي تزيف في مشيتها وتتبختر. جعلها بنت زياف استكرامًا لعرقها وجوهرها. والمذكرة: التي تشبه الذكورة في خلقتها. ينظر: «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص: ١٠٩٦).
(٣) «غريب الحديث» (٢/ ٢٩٣).
(٤) في (ك): «داء أو أداء».
(٥) ينظر: «تهذيب اللغة» (باب الثاء والباء) (١٥/ ٥١)، و«أمالي المرزوقي» (ص: ١٥٩ - ١٦٠).
(٦) في (ت): «وقال».
[ ١٧٥ ]
كما قالَتْ: «وإذا رَقَدَ الْتَفَّ»، ولا يُدنِيها / / مِن نفْسِهِ ويُدخِلُ يدَهُ إليها ويُباشِرُها ويَلْمَسُهَا؛ فيكونُ منه إليها ما يكونُ منَ الرِّجالِ لِأزواجِهِم، فيعلمُ بثَّها بذلك، ومحبَّتَها له، وحُزنَها لِعدمِ ذلك منه لها، وقِلَّةَ تفقُّدِهِ لحاجَتِهِ منها. قالَوا: وليسَ وجهُ الحديثِ ما ذهبَ إليه أبو عُبيدٍ منْ أنَّها مدحتْهُ بالغفلةِ عن داءٍ كان بجسدِها؛ لأنَّها قد ذمَّته في صدرِ كلامها.
قال [ابنُ] (^١) الأنباريِّ (^٢): ولا حجَّةَ على أبي عُبيدٍ في هذا؛ لأنَّ النِّسوةَ كُنَّ تعاقدنَ على ألَّا يكتُمْنَ شيئًا منْ أخبارِ أزواجِهنَّ، فمنهنَّ منْ وصفتْ زوجَها بالخيرِ / في جميعِ أمورِهِ، ومنهنَّ بضِدِّ ذلك، ومنهنَّ منْ وصفتْ ما فيه منَ الخيرِ وما فيه منَ الشَّرِّ (^٣).
قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي وَفَّقَهُ اللهُ:
ويُؤيِّدُ ما ذهبَ إليه القُتبِيُّ وأصحابُه من معنى الذَّمِّ: ما أشارَ إليه عُروةُ بن الزُّبيرِ في بعضِ طُرقِ هذا الحديثِ، فإنَّه قال في خمسٍ شرحَهُنَّ (^٤) على التَّوالي
_________________
(١) ليس في (ت)، (ك)، (ل).
(٢) ينظر: «فتح الباري» (٩/ ٢٦٣)، و«إرشاد الساري» (٨/ ٨٤).
(٣) وقال المرزوقي: «والذي أقوله: إن ما أنكره على أبي عبيد من الجمع بين المدح والذم في الصفة على مقتضى ما فسره ليس بمنكر؛ لأن من يعدد خصال الموصوف قد يجمع بين ما يكون مدحًا وبين ما يكون ذمًّا، وهذا، كما حكي عن لقمان في وصفه أخاه: يهب البَكرة السَّنمة وليست فيه لعثمة، إلَّا أنه ابن أمة، وقد فسره القتيبي هذا في كتابه في حديث ولد عاد فقال: التلعثم التوقف عن الشيء حتَّى يفكر فيه، وأراد أنه ليس في خلاله شيء يتوقف عنه وعن مدحه به إلَّا أنه ابن أمة» اهـ. «أمالي المرزوقي» (ص: ١٦٠).
(٤) في المطبوع: «سردهن».
[ ١٧٦ ]
في حدِيثِه هذه مِنهُنَّ، فقال: هؤلاءِ خمسةٌ يشكونَ، حدَّثناهُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ الفَقيهُ (^١) منْ لفظِهِ، قال: ثنا أبو الحسنِ بنُ أيَّوبَ (^٢)، ثنا أبو عليٍّ بنُ شَاذَان (^٣)، ثنا أبو عَمرو بنُ السَّمَّاك (^٤)، ثنا حَنْبُل بنُ إسحاقَ، ثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ أبو سلمةَ المِنْقَرِيُّ، ثنا سعيدُ بن سلمةَ، عن هشامِ بن (^٥) عُروةَ، عن أخِيه، عن أبِيه عُروةَ (^٦).
وأيضًا: فإنَّ ما ذهبُوا إليه هو الأظهرُ والمُستعمَلُ في الكلامِ والمُستحسَنُ في الكنايةِ، ومثلُه في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: أنَّ أباه زوَّجَه امرأةً قُرشيَّةً، فشُغلَ عنها بالعبادةِ، فدخلَ عليها عمرُو بنُ / العَاصِي فسألَها (^٧): كيف وجدتِهِ؟
_________________
(١) هو القاضي ابن العربي سبق ترجمته.
(٢) علي بن الحُسين بن علي بن أيوب أبو الحسن البغداديّ البزّاز، قَال السمعاني: كان من خيار البغداديين ومتميزيهم، ومن بيت الصَّوْن، والعفاف، والنزاهة، والثّقة، والدّيانة. سمع أبا علي بن شاذان، وغيره، (ت: ٤٩٢ هـ). ينظر: «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٧٢٥).
(٣) الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان، أبو عليّ بن أبي بكر البغداديّ البزّاز (ت: ٤٢٥ هـ) وُلِد في ربيع الأوّل سنة ٣٣٩ هـ، وسمّعه أبوه من أبي عمرو ابن السّمّاك، وغيره. قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان صدوقا صحيح الكتاب، وكان يفهم الكلام عَلَى مذهب الأشعري. «تاريخ بغداد» (٨/ ٢٢٣)، و«تاريخ الإسلام» (٩/ ٤٠٦).
(٤) عثمان بن أحمد بن عد اللَّه بن يزيد البغدادي، أبو عمرو بن السَّمَّاك الدَّقَّاق. (ت: ٣٤٤ هـ). تاريخ الإسلام (٧/ ٨٠١).
(٥) في المطبوع: «عن».
(٦) أخرجه الحنائي (٢٢)، والخطيب في «الفصل للوصل المدرج» (١/ ٢٣٧)، من طريق ابن السماك به، والطبراني (٢٣/ ١٦٤) رقم (٢٦٥)، من طريق موسى بن إسماعيل به وسبق الكلام على هذا الطريق.
(٧) في الطبوع: «فقالَ لها».
[ ١٧٧ ]
: كخيرِ الرِّجالِ / منْ رجلٍ، لمْ يُفتِّشْ لنَا كنفًا (^١). فهذه الكناية بمعنى تلك.
ومثلُه في حديثِ عائشةَ ووصفَتْ رجلًا بالعِفَّةِ فقالَتْ: ما كشَفَ عن كَنَفِ أُنثى قَطُّ (^٢). أي أنَّه لمْ يكنْ مِمِّن يَشتغِلُ بالنِّساءِ، ولَا لهُ فيهِنَّ مذهبٌ، فعبَّرتْ عن ذلك بكشفِ الكَنَفِ، وهو الثَّوبُ الَّذي يَكنِفُها أي: يستُرُهَا، ومنه قولهم: في كنفِ اللهِ وحفظهِ، أي: سِترِه.
حدَّثَنا بحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: أبو الحُسينِ سِراجُ بنُ عبدِ الملكِ الحافظُ (^٣) -/ بِقراءتِي عليه- قال: حدَّثنِي أبي (^٤)، ومحمَّدُ بنُ مُحسِنٍ الفقيهُ (^٥)، قالا: ثنا القاضِي / يُونُسُ بنُ عبدِ اللهِ (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٥٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤١٤١، ٤٧٥٧)، ومسلم (٢٧٧٠)، من حديث عائشة في قصة الإفك، ولفظه: « وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ».
(٣) سبق ترجمته.
(٤) أبو مَرْوان عبد الملك بن سِراج بن عبد اللَّه بن محمد بن سِراج، الأُمَويّ، مولاهم القُرْطُبيّ، إمام اللُّغَة بالأندلس، غير مُدافَع، (ت: ٤٨٩ هـ). ينظر: «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٦٣١)، و«سير أعلام النبلاء» (١٩/ ١٣٣)، و«الديباج المذهب» (٢/ ١٧).
(٥) محمد بن المحسن بن قريش بن زيد بن قريش أبو البركات الزيات سمع أبا طاهر المخلص، والحسن بن القاسم الدباس، وابن الصلت المجبر. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقًا. (ت: ٤٥٤ هـ) «تاريخ بغداد» (٤/ ٥٠٣)، و«تاريخ الإسلام» (١٠/ ٥٤).
(٦) يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث بن محمد بن عبد الله، قاضي القضاة بقرطبة، أبو الوليد ابن الصفار، شيخ الأندلس في عصره ومسندها وعالمها. روى عنه أبو عبد البر، وأبو محمد بن حزم الحافظان، وكان زاهدًا فاضلًا يميل إلى التحقيق في التصوف وله في مصنفات ومن كتبه كتاب: «المنقطعين إلى الله» (ت: ٤٢٩ هـ). ينظر: «بغية الملتمس» (ص: ٥١٢)، و«تاريخ الإسلام» (٩/ ٤٦٦).
[ ١٧٨ ]
قال: ثنا أبُو الفضلِ الصَّقَلِّيُّ (^١)، أخبرنِي ثابتُ بنُ قاسِمٍ (^٢)، عن أبِيه قاسمِ بنِ ثابِتٍ (^٣)،
وجدِّه ثابِتٍ (^٤)، / قالا: ثنا مُوسى بنُ هارونَ، ثنا مُوسى بنُ الصَّبَّاحِ، أخبرنا هُشيمٌ، عن حُصَينٍ، ومُغِيرةَ، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو بالقصَّةِ.
_________________
(١) العباس بن عمرو الصقلي أبو الفضل، كان بالأندلس روى «غريب الحديث» لقاسم بن ثابت السرقسطي، عن أبيه ثابت عنه، رواه عنه يونس بن عبد الله بن مغيث القاضي المعروف بابن الصفار. «جذوة المقتبس» (ص: ٣١٧ - ٣١٨)، و«بغية الملتمس» (ص: ٤٣٠).
(٢) ثابت بن قاسم بن ثابت السرقسطي، محدث لغوي عالم، قال أبو جعفر الضبي: روى كتاب «غريب الحديث» الذي لأبيه عنه، قال الحميدي: وقد رأيت من ينسب الكتاب إلى ثابت، ولعله من أجل روايته إياه وزياداته فيه نسبه إليه، وإلا فالكتاب من تأليف قاسم بن ثابت أبيه قال: هكذا قال لنا أبو محمد علي بن أحمد وغيره. وأما الكتاب الذي نقلت منه وكان أصل شيخي القاضي أبي القاسم عبد الله بن محمد فإن نسبة الكتاب في الترجمة ثابتة لثابت، وقد رأيت في بعض النسخ كتاب «الدلائل» لثابت رواية أبيه قاسم عنه، وكان بعض أشياخي يقول: إن قاسمًا روى هذا الكتاب عن أبيه وأن المؤلف ألفه بمصر والله أعلم. ينظر: «جذوة المقتبس» (ص: ١٨٥)، و«بغية الملتمس» (ص: ٢٥٤).
(٣) قاسم بن ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف بن سليمان بن يحيى العرفي أبو محمد السرقسطي، مؤلف كتاب «غريب الحديث» رواه عنه ابن ثابت وله فيه زيادات وهو كتاب حسن مشهور (ت: ٣٠٢ هـ). ينظر: «بغية الملتمس» (ص: ٤٤٨)، و«معجم الأدباء» (٥/ ٢١٩١). والحديث أخرجه قاسم في «الدلائل في غريب الحديث» (٦٠٩) به.
(٤) أبو القاسم ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مُطَرِّف العَوفيّ السَّرَقُسطيّ، (ت: ٣١٣ هـ). ينظر: «بغية الملتمس» (ص: ٢٥٤)، و«سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٥٦٢)، و«تاريخ الإسلام» (٧/ ٢٦٢)، و«الديباج المذهب» (١/ ٣١٩).
[ ١٧٩ ]
ومثلُ قولِ هذِه المرأةِ: قولُ أخرى لزوجِهِا تُعيِّرُه: إنَّ شُربَكَ لاشْتِفافٌ (^١)، وإنَّ ضَجْعَتَك لانْجِعَافٌ (^٢)، وإنَّ شَمْلَتَك لَالْتِفَافٌ (^٣).
وأنشدَ القُتبيُّ (^٤) لِأوسِ بنِ حجر (^٥) في هذا:
وَهَبَّتْ الشَّمْأَلُ البَلِيلُ وإذْ بَاتَ كَمِيعُ الفَتَاةِ مُلْتَفِعَا
أي: مُلتَفًّا ناحِيةً.
قَالَ القَاضِي أَيَّدَهُ اللهُ:
وقد يَحتملُ عندِي قولُ هذه المرأةِ: «إنَّ شَمْلَتَكَ لَالْتِفَافٌ (^٦)»، وقولُ صاحبةِ أمِّ زرعٍ: «وإذَا رَقَدَ الْتَفَّ» معنى غيرَ هذا، وهو أنْ يُريدَا ضَعفَ أزواجِهِما، وعجزَهُما، وقِلَّةَ نفعِهِما وحمايَتِهِما؛ لأنَّه لا ينامُ هذه النَّومةَ إلَّا العاجزُ القليلُ الغَناءِ، ولهذا ذَمُّوا / النَّؤومَ، ومَدحوا ضِدَّه كما تقدَّمَ؛ ولهذا سَمُّوا الرَّجلَ الضَّعيفَ العاجزَ القليلَ الغناءِ: زُمِّيلًا وزُمَّالًا (^٧)، / وقال بعضُهم: أصلُه مِنَ التَّزَمُّلِ، أي: أنَّه إذا نامَ تَزَمَّلَ في ثوبِهِ، وتلفَّعَ في دِثارِهِ، ولم يهتم
_________________
(١) في المطبوع: «الاشتفاف».
(٢) في المطبوع: «الانجعاف».
(٣) في المطبوع: «الالتفاف»، وينظر: «الأغاني» (٣/ ٧٧)، و«نثر الدر في المحاضرات» (٤/ ٦٢)، و«الروض الأنف» (٦/ ١٧٢).
(٤) ينظر: «أمالي المرزوقي» (ص: ١٦٠).
(٥) البيت من المنسرح، «غريب الحديث» للقاسم بن سلام (١/ ١٧٢)، و«الأضداد» لابن الأنباري (ص: ١١٨)، و«مقاييس اللغة» (٥/ ١٣٨). والكَمِيعُ: الضَّجِيعُ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِلزَّوْجِ: هُوَ كَمِيعُها، والمعنى: أي ملتفًّا ناحيةً لا يضاجعها.
(٦) في المطبوع: «الالتفاف».
(٧) «تهذيب اللغة» (١٣/ ١٥٢)، و«الصحاح» (٤/ ١٧١٨)، و«المخصص» (١/ ١٩٩).
[ ١٨٠ ]