قولُها: «رَفِيعُ العِمَادِ»، وصفَتْه بالشَّرفِ في نسبِهِ، والسُّؤدَدِ في قَومِه، واستعارتْ لرفعةِ / بيتِ حسبِهِ المعنوِيَّةِ: رفعةَ العِمادِ مِنْ بيتِ المسكنِ المرئِيَّةِ، كما قال (^٤):
فَأمَّا بَيْتُكُمْ إِنْ عُدَّ بَيْتٌ فَطَالَ السَّمْكُ واتَّسَعَ الفِنَاءُ
وَأَمَّا أُسُّه فّعَلى قَدِيمٍ مِنَ العَادِي إِنْ ذُكِرَ البِنَاءُ
_________________
(١) ينظر: «جمهرة اللغة» (دعم) (٢/ ٦٦٤)، و«لسان العرب» (عمد) (١٠/ ٢٧٥).
(٢) ينظر: «غريب الحديث» لأبي عبيد (٢/ ٢٩٧)، و«جمهرة اللغة» (جدو) (١/ ٤٥١) «تهذيب اللغة» باب الجيم والدال مع اللام (١٠/ ٣٥١)، و«النهاية» (نجد) (٥/ ١٩).
(٣) ينظر: «الصحاح» (ندا) (٦/ ٢٥٠٥)، و«المصباح المنير» (ن د و) (٢/ ٥٩٨)، و«تاج العروس» (ندا) (٤٠/ ٥٥).
(٤) البيتين من الوافر، وهما من قصيدة لأبي البُرج القاسم بن حنبل المري قالها في زفر بن أبي هاشم بن مسعود بن سنان، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٨٣)، و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص: ١١٦٢)، و«محاضرات الأدباء» (١/ ٣٦٢).
[ ١٩١ ]
وقد قِيلَ في قولِ السَّمَوْألِ بنِ عَادِياء (^١):
لَنَا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مِنْ نُجِيرُهُ مُنِيفٌ (^٢) يَرَدُّ الطَّرْفَ وَهُوُ كَلِيلُ
رسا أصلهُ تحتَ الثَّرى وسَما بهِ إلى النَّجمِ فَرعٌ لا يُنالُ طَوِيلُ
إنَّما عنى به شرفَهم وحسَبَهم، وقيلَ: أراد حِصنَهُ الأبْلَقَ الفَرْدَ (^٣).
وقد قيلَ: إنَّ معنى قولِها: «رَفِيعُ العِمَادِ» على ظاهِرِه، وإنَّما أرادَتْ عمادَ البيتِ نفسَه؛ إذ هي عادةُ بُيوتِ الأشرافِ وأهلِ السُّؤدَدِ.
وقال ابنُ أبي أُوَيسٍ (^٤): أرادَاتْ أنَّه رفيعُ البيتِ، طويلٌ منَ الرِّجالِ. /
وقد رُوي: «طَويلُ العِمادِ» (^٥)، فيكونُ طولُهُ إمَّا لِطولِ ساكِنِهِ وامتدادِ قامَتِه- كما أشارَ إليه ابنُ أبِي أُويسٍ- أو لِكرمِه وإظهارِ بيتِه لِيرَاهُ الوَارِدُ، ويهتدي برفعِةِ سَمْكِه له القاصِدُ، أو لِجلالةِ مكانِه، وسعَةِ ثَرائِهِ، وحاجتِهِ إلى إعلاءِ سَمائِهِ، وتوسِعَةِ أرجائِهِ؛ لِيحملَ كثيرَ (^٦) خيرِهِ، وجِماعَ غاشِيَتِهِ، ومُنْتَابِي بِرِّهِ؛ ألا ترى قولَ أمِّ زرعٍ: «بَيتُها / فسَاحٌ»، وعلى هذا حملَ منْ قال هذا قولَ
_________________
(١) البيتين من الطويل من قصيدة شهيرة نسبت للسموأل، وقيل: لعبد الملك بن عبد الرَّحِيم الحَارثي، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٦)، و«عيار الشعر» (ص: ١٠٧)، و«أمالي القالي» (١/ ٢٦٩).
(٢) كذا في جميع النسخ، وفي المصادر: «منيع».
(٣) ينظر: «الزاهر في معاني كلمات الناس» (٢/ ١٧٢)، و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص: ٨٥).
(٤) «جزء فيه حديث ابن ديزيل» (ص: ٧٣).
(٥) أخرجه الخطيب في «الأسماء المبهمة» (ص: ٥٢٧)، وأبو موسى المديني في «اللطائف» (٩٠٨)، من طريق عيسى بن يونس.
(٦) في المطبوع: «ليحمد لكثرة».
[ ١٩٢ ]
الخنساءِ (^١):
طَوِيلَ النِّجَادِ رَفِيعَ العِمَادِ سَادِ عَشِيرَتَهُ أَمْرَدَا
وعليه حمَلَ ثَعْلَبٌ قولَ الأعْشى (^٢):
طَوِيلِ النِّجَادِ رَفِيعِ العِمَا دِ يَحْمِي المُضَافَ ويُعْطِي الفَقِيرَا
وقد وصفَ أبو الطَّيِّبِ خَيْمَةَ سَيفِ الدَّوْلَةِ فقالَ (^٣):
وَتَرْكَزُ فِيهَا القَنَا الذُّبَّلُ
وذَمُّوا بضدِّ هذا، فقالَ بعضُهم (^٤): /
إذَا دَخَلُوا بُيُوتَهُمُ أَكَبُّوا عَلَى الرُّكَبَاتِ مِنْ قِصَرِ العِمَاد
وقال آخر (^٥):
قِصَارُ البُيُوتِ لَا تُرى صَهَوَاتُها مِنَ اللُّؤمِ جَثَّامُونَ عندَ الثَّرَائِد
وقد يكونُ تريدُ بالعمادِ: البيت، ومعنى رفعتِهِ: إشرافُه لموضِعٍ مُرتفِعٍ؛
_________________
(١) البيت من المتقارب، وهو من قصيدتها الشهيرة في رثاء أخيها، ينظر: «ديوان الخنساء» (ص: ٣١).
(٢) البيت من المتقارب، «ديوان الأعشى الكبير» (ص: ٧٠).
(٣) البيت من المتقارب، وصدره: وَتَقصُرُ ما كُنتَ في جَوفِهَا ** ينظر: «شرح ديوان أبي الطيب المتنبي» المنسوب لأبي العلاء المعري (٣/ ١٦٣)
(٤) البيت من الوافر، وهو للنابغة الجعدي، ينظر: «ديوانه» (ص: ٥٢).
(٥) لم أقف على قائل البيت، وقد ذكره القرطبي في «المفهم» (٦/ ٣٤٠)، وذكر في رواية عجزه: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من اللُّؤمِ حشَّامُون عندَ الشدائد.
[ ١٩٣ ]
/ ليقصدَهُ الأضيافُ، ثمَّ وصفتْهُ بالكمالِ في صورَتِهِ، وامتدَادِ / القامَةِ في بُنْيَتِهِ، وعرَّضَتْ لذلك بقولِها:
«طَوِيلُ النِّجَادِ»؛ فإنَّ الطَّوِيلَ القامةِ يحتاجُ إلى تطويلِ نجادِهِ، وهذا مِمَّا تمادحُ به الشُّعراءُ، وتذُمُّ بضدِّهِ؛ قال عَقِيلُ بنُ عُلَّفَةَ / [المَدَنِيُّ] (^١):
طَوِيلُ نِجَادِ السَّيفِ وَهْمٌ كَأَنَّمَا تَصُولُ إِذَا اسْتَنْجَدْتَهُ بِقَبِيلِ (^٢)
وقال أبُو خِرَاشٍ (^٣):
طَوِيلُ نِجادِ السَّيفِ ليسَ بِحَيْدَرٍ (^٤) إذا اهْتَزَّ واسْتَرْخَتْ عليه الحَمَائِلُ
وقال مَرْوانُ بنُ أبِي حَفْصَةَ (^٥):
_________________
(١) «المدني» ليست في (ت)، (ل)، والبيت من الطويل، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ٩٨).
(٢) كتب على حاشية الأصل: «الوهم: العظيم الخلق، يقال في جمل، أي عظيم الخلق غليظة» اهـ.
(٣) البيت من الطويل، ينظر: «المعاني الكبير» (١/ ٥٣٧)، و«الاختيارين المفضليات والأصمعيات» (ص: ٦٨٠)، و«الأغاني» (٢٤/ ٨٤٣٧)، و«ديوان الهذليين» (٢/ ١٤٩). وأَبُو خِراش الهذلي. اسمه خويلد بْن مرة القردي. من بنى قرد ابن عَمْرو بْن معاوية بْن تميم بْن سعد بْن هذيل. مات في زمن عُمَر بْن الْخَطَّابِ من نهش حية، وله في ذلك خبر عجيب، وَكَانَ ممن يعدو عَلَى قدميه فيسبق الخيل. وقد حدث عنه عمران بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن فضالة بْن عبيد، وَكَانَ في الجاهلية من فتاك العرب، ثم أسلم فحسن إسلامه. «الاستيعاب» لابن عبد البر (٤/ ١٦٣٦)، و«تاريخ الإسلام» (٢/ ١٦٧).
(٤) كذا في جميع النسخ، والمطبوع، وقد تصحف في الجميع، والصواب: «بجيدر»، بالجيم، والجيدر: القصير القامة، أما الحيدر فهو اسم للأسد، وكذا وجدته في مصادر التخريج: «بجيدر».
(٥) البيت من الكامل، ينظر: «الكامل» (٣/ ١٠٢)، و«الحماسة البصرية» (١/ ١٩٣).
[ ١٩٤ ]
قَصُرَتْ حَمَائِلُهُ عَلَيهِ فَقَلَّصَتْ وَلَقَدْ تَأَنَّقَ قَيْنُهَا فَأَطَالَهَا
وقيلَ: معنى قولِه: «رَفِيعُ العِمَادِ»، أي طوِيلٌ، قال المُبَرّدُ (^١): يقالُ: رجلٌ طويلُ العِمادِ، إذا كانَ مُعْمَدًا طويلًا.
ومنه حديثُ يزيدَ بنِ أبِي سُفيانَ (^٢) عند موتِه: قدْ علِمتْ -يعني: قريشًا- أَنَّا أصبَحُهُم وجُوهًا، وأطولُهم عَمُودًا، وأسعدُهم جُدودًا.
فعلى هذا يكونُ: «طَوِيلُ النِّجادِ» تأكيدًا لما تقدَّمَ، وفي ضِمْنِهِ: أنَّه صاحبُ سلاحٍ وشكةٍ؛ فلهذا اقتصرتْ منْ دلائلِ طولِهِ على طولِ نِجادِهِ، دونَ غيرِ ذلك من ملابِسِهِ.
ثُمَّ وصفتْهُ بالكرمِ في سجيَّتِه، والجودِ بذاتِ يَدِهِ، ولَحَنَتْ (^٣) عن ذلك بقولِها: «عَظِيمُ الرَّمادِ»؛ وذلك أنَّ مَنْ كثُرَ ضيفانُه، ونحرُهُ لهم واشْتواؤُهُ وطبخُهُ أطْعِمَتَهم، كَثُرتْ نارُهُ، وكثُرُ رمادُهُ، فهذا تأويلٌ / حسنٌ، وقد أكثر
/ في هذا الشُّعراءُ فقالَ بعضُ العربِ، وهو زِيادُ بنُ حَمَلَ مِن أناشيدَ أبي تمَّامٍ (^٤):
كَمْ فِيهِمُ مِنْ فَتًى حُلْوٍ شَمائِلُه جَمِّ الرَّمادِ إِذا ما أَخْمَدَ البَرَمُ
_________________
(١) «تهذيب اللغة» باب العين والدال مع الميم (٢/ ١٤٩)، و«لسان العرب» (عمد) (١٠/ ٢٧٥).
(٢) الأثر إسناده ضعيف؛ رواه الأصمعي عن يزيد بن أبي سفيان، ولم يسنده، أخرجه ثابت السرقسطي في «الدلائل في غريب الحديث» (٥٩٨) قال: حدثناه إسماعيل الأسدي، قال: نا عمر بن شبة، قال: نا الأصمعي.
(٣) كذا في (ت)، (ع)، وفي (ك): «ويحنت»، وفي المطبوع: «وكنت».
(٤) البيت من البسيط، وقيل: لزياد بن منقذ، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٤٩).
[ ١٩٥ ]
وفيه تَأويلٌ آخرٌ ذهبَ إليه الخطَّابِيُّ (^١): أن تكونَ نارُهُ لا تُطفأُ ليلًا ولا نَهارًا، لِيهتدِي له الضِّيفانُ، كما قال الشَّاعر (^٢):
متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْء نارِهِ تجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِد
/ وكانتْ عادةُ أجوادِ العربِ وقودَ النِّيرانِ في ظلمِ الليلِ، على مشارفِ الأرضِ؛ / لِينتابَها الضِّيفانُ، وربَّما رفعَتْ على الأيدِي منها الأقباسَ؛ قال الشَّاعرُ (^٣):
ومُستَنْبَحٍ بَاتَ الصَّدَى يَسْتَتِيهُهُ فَتَاهَ وَجَوْزُ الليلِ مُضْطَرِبَ الكَسْر
رُفِعَتْ لَهُ نَارًا ثَقُوبًا ضِرَامُها تُلِيحُ إلى السَّارِي هَلُمَّ إلى القِدْر
وقال آخرُ (^٤):
ومُسْتَنْبَحٍ قال الصَّدَى مِثلَ قولِهِ حَضَأْتُ لهُ نارًا لَهَا حَطَبٌ جَزْلُ
وَقُمْتُ إلَيهِ مُسْرِعًا فَغَنِمْتُهُ مَخَافَةَ قَومِي أَنْ يَفُوزُوا بِهِ قَبْلِي
حَضَأْتَ، وحَضَوْتَ النَّارَ إذا حرَّكتَ جمرَها (^٥).
_________________
(١) «أعلام الحديث» (٣/ ١٩٩٤).
(٢) البيت من الطويل، وهو للحطيئة، ينظر: «الحيوان» للجاحظ (٥/ ١٣٢)، و«قواعد الشعر» (ص: ٤٧)، و«العقد الفريد» (٦/ ١٢٠)، و«الأمالي» القالي (١/ ١١٦).
(٣) البيتين من الطويل، ينظر: «أعلام الحديث» للخطابي (٣/ ١٩٩٥)، و«الأمالي» للقالي (١/ ٢١٠).
(٤) البيتين من الطويل، ولم أهتد لنسبتهما، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٧٣)، و«الفاضل» (ص: ٣٨)، و«أدب الخواص» (ص: ١١٣).
(٥) «جمهرة اللغة» (حضو) (١/ ٥٤٨).
[ ١٩٦ ]
وقال آخرُ (^١): /
وإنِّي لَأَدْعُو الضَّيفَ بالضَّوءِ بَعْدَمَا كَسَى الأَرْضَ نَضَّاحُ الجَلِيدِ وجَامِدُهُ
ثم أكدتْ ذلك بقولِها: «قرَيِبُ البيتِ مِنَ النَّادِي»، تريد بذلك: أنَّه ينزل بين ظهرانِيِّ النَّاسِ، ومجتمعِ الحيِّ، ومقصدِ الواردِ، وطالبِ الضِّيافةِ؛ / لتكثرَ أضيافُهُ، ولا يتوارَى بأطرافِ الحللِ وأغوارِ المنازلِ، ويبعدُ عن سمتِ الواردِ، فرارًا منَ القاصدِ، وملاذًا منَ الطَّارقِ؛ لِئلا يهتدوا إلى مكانه ويَستبعِدُوا موضِعَه، فيصدفُونَ عنه، ويَمِيلون إلى غيرِهِ، قال زُهيرٌ (^٢):
يَسِطُ البُيُوتَ لِأَنْ يَكُونَ مَظِنَّةً مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ المُسْتَرْفِد
/ أي: يتوسَّطُ البيوتَ؛ ليكونَ مَعْلَمًا لِضيافَةِ طالِبِ / الرِّفْدِ.
وقال ابنُ هرمَةَ (^٣):
أَغْشَى الطَّرِيقَ بِقُبَّتِي وَرِواقِهَا وأَحُلُّ فِي نَشْزِ الرُّبَا فَأُقِيمُ
وقال طرَفةُ (^٤):
وَلَسْتُ بِمِحْلَالِ التِّلَاعِ لِبَيْتِهِ (^٥) ولَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أَرْفِد
وقال آخرُ (^٦):
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لمضرس بن ربعي، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٨٧).
(٢) البيت من الكامل، ينظر: «شرح ديوان زهير بن أبي سلمى» لثعلب (ص: ٢٧٦).
(٣) البيت من الكامل، «ديوان الحماسة» (ص: ١٧٣).
(٤) البيت من الطويل، وهو من معلقته الشهيرة، «ديوان طرفة بن العبد» (ص: ٣٢).
(٥) كذا في جميع النسخ، وفي «الديوان»: «مخافة».
(٦) البيت من الوافر، وهو لأبي زياد الأعرابي، «ديوان الحماسة» (ص: ١٧٥).
[ ١٩٧ ]
لَهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعٍ إذَا النِّيرَانُ أُلْبِسَتِ القِنَاعَا
أي سُترتْ بوقودِها في الغيطانِ وتلاعِ الأوديةِ، وقَنَعتْ بذلك عن أنْ تظهرَ.
وفي قولِها أيضًا: «قَرِيبُ البَيْتِ مِنَ النَّادِي» معنًى آخر دلَّتْ به على شرفِهِ وزعامتِهِ؛ وذلك أنَّ الأنديةَ إنَّما يُجتمَعُ فيها بِقُربِ (^١) أبياتِ السَّادةِ ومنازلِ الزُّعماءِ، الَّذين يُعْنَى (^٢) إليهم ويُجتمعُ لهم (^٣).
وقولُها: «لَا يَشْبَعُ لَيْلَةً يُضَافُ، وَلَا يَنَامُ لَيْلَةً يَخَافُ»، وصفتْهُ بكرمِ النَّفسِ وشبعِهَا، ونزاهتِها وإيثارِها، وقلَّة همِّه بالأكل / وشرهِهِ له، وأنَّه إذا ضِيفَ (^٤) واحتُفِلَ (^٥) في إكرامِهِ، وأُكثِرَ من إطعامِهِ، لم يكُنْ همُّهُ شبعَ بطنِهِ، واكتفى بأيسرِهِ، واقتصرَ على ما يُقيمُ صُلبَهُ، ويَردُّ قوَّتَه منه، ولم يُظهرْ الحرصَ على مالِ غيرِه وطعامِهِ، والجشعَ للإكثارِ مِنْ أكلِهِ واغتنامِهِ، بلْ أخذَ منه ما يسدُّ جوعتَهُ، وتجافى عن الإكثارِ منه، وخَافَ مَعَرَّتَه، كما قال حاتمٌ (^٦):
لَقَدْ كُنْتُ أَخْتَارُ القِرَى طَاِوي الحَشَا مَحَافَظَةً مِنْ أَنْ يُقَالَ لَئِيمُ
_________________
(١) في المطبوع: «لقرب».
(٢) في (ب)، والمطبوع: «يؤتى»، والمعنى الخضوع والطاعة، تقول العرب: عنوتُ لك: خضعت لك وأطعتك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]. ينظر: «لسان العرب» (عنا) (١٠/ ٣١٤).
(٣) في المطبوع: «بهم».
(٤) في (ب)، والمطبوع: «أضيف».
(٥) في (ب): «أحفل».
(٦) البيت من الطويل، وهو لحاتم الطائي، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٩٠)، و«خزانة» للبغدادي (٨/ ٤٢٢).
[ ١٩٨ ]
وكمَا قال / دُرَيْدٌ (^١): /
تَرَاهُ خَمِيصَ البَطْنِ والزَّادُ حَاضِرٌ كَثِيرٌ ويَغْدُو فِي القَمِيصِ المُقَدَّد
وكما قال الآخرُ (^٢):
أُقَسِّمُ بَطْنِي فِي بُطُونٍ كَثِيرَةٍ وَأَحْسُو قِرَاحَ المَاءِ والمَاءُ بَارِدُ
وقال (الآخر - وهو) (^٣) حاتم- (^٤): /
أَكُفُّ يَدِي عن أَنْ يَنَالَ التِمَاسُهَا أَكُفَّ صِحَابِي حِينَ حَاجَاتُنَا مَعَا /
أَبِيتُ هَضِيمَ (^٥) الكَشْحِ مُضْطَمِرَ الحَشَا مِنَ الجُوعِ أَخْشَى الذَّمَّ أَنْ أَتَضَلَّعَا
وإنِّي لَأَسْتَحْيِي رَفِيقِيَ أنْ يَرى مكانَ يَدِي مِنْ جانِبِ الزّادِ أقرَعا (^٦)
وإنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ وفَرْجَكَ نالَا مُنتَهَى الذَّمِّ أجْمَعَا
وقال طَرَفَةُ يمدحُ نفسَه، ويهجو غيرَه بضدِّه (^٧):
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لدريد بن الصمة، ينظر: «ديوانه» (ص: ٦٨)، و«ديوان الحماسة» (ص: ٨١).
(٢) البيت من الطويل، وهو لعروة بن الورد، وروايته: أقسّم جسمي في جسوم كثيرة ** وأحسو قراح الماء والماء بارد ينظر: «ديوانه» (ص: ٢٩)، و«ديوان الحماسة» (ص: ١٨٣)، و«عيون الأخبار» (٣/ ٢٨٧)، و«الكامل» (١/ ٥٢).
(٣) ليس في المطبوع.
(٤) القصيدة من الطويل، وفي روايتها في «الديوان» بعض الاختلاف؛ ينظر: «ديوان حاتم الطائي» (ص: ٦٨)، و«ديوان الحماسة» (ص: ١٩٠).
(٥) في (ت): «هظيم».
(٦) في المطبوع: «أفرعا».
(٧) البيت من الطويل، ينظر: «ديوان طرفة» (ص: ٧٠)، و«ديوان الحماسة» (ص: ١٩٠).
[ ١٩٩ ]
ويَشْرَبُ حتَّى يَغْمُرَ المَحْضُ قَلْبَه وإنْ أُعْطَهُ أترك لقلبِيَ مَجْثَما
وقال عروةُ بنُ الوَرْدِ (^١) يذُمُّ: /
يعُدُّ الغِنَى مِنْ دهرِهِ كُلَّ ليلَةٍ أصابَ قِراهَا مِنْ صدِيقٍ مُيسَّر
وهذِه كانتْ وصايا العُقلاءِ، وخُلقَ الحُكماءِ والأنبياءِ، وأشرافِ العربِ.
فقدْ حدَّثنا أبُو الحسنِ عليُّ بنُ مُشرَّفٍ الأنْماطِيُّ (^٢) مِنْ كتابِهِ، قال: ثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ سعيدٍ (^٣)، ثنا أبو محمَّدٍ ابنُ النَّحَّاسِ (^٤)، ثنا حمزةُ بنُ محمَّدٍ الحافظُ (^٥)، ثنا
_________________
(١) البيت من الطويل، ينظر: «ديوانه» (ص: ٣٧)، و«الأصمعيات» (ص: ٤٥)، و«عيون الأخبار» (١/ ٣٣٨).
(٢) عليّ بن المُشَرِّف بن المسلَّم بن حميد بن عبد المنعم بن عبد الرحمن الأنماطيُّ المصريُّ، أبو الحسن الاسكندراني: الشيخ المسند الرواية، قال القاضي عياض: كذا كتب لي اسمه بخط يده في إجازته إياي. (ت: ٥١٨ هـ). «معجم ابن عساكر» (٢/ ٧٦٤)، و«الغنية في شيوخ القاضي عياض» (ص: ١٧٨)، و«تاريخ الإسلام» (١١/ ٢٩٣).
(٣) إبراهيم بن سعيد بن عبد الله، الحافظ أبو إسحاق النُّعْمانيّ، مولاهم المصريّ، المعروف بالحبّال. (ت: ٤٨٢ هـ). «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٤٩٥)، و«تاريخ الإسلام» (١٠/ ٥٠٣).
(٤) عبْد الرَّحْمَن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد، أبو محمد التُّجَيْبيّ الْمَصْرِيّ، البزّاز، المعروف بابن النّحّاس، مُسند ديار مصر في وقته، وكان الخطيب قد هَمّ بالرحلة إِليْهِ لعُلُوّ سنَدَه. (ت: ٤١٦ هـ) ينظر: «التقييد» (ص: ٣٣٨)، و«سير أعلام» (١٧/ ٣١٣)، و«تاريخ الإسلام» (٩/ ٢٧٠)، و«حسن المحاضرة» (١/ ٣٧٣).
(٥) حمزة بن محمد بن علي بن العبّاس، أبو القاسم الكناني المِصري الحافظ. الإمام، الحافِظُ، القدوَةُ، مُحَدِّثُ الدِّيَارِ المصريَّة سَمِعَ: أبا عبد الرحمن النّسَائي، وعِمران بن موسى الطبيب، ومحمد بن سعيد السرّاج، وسعيد بن عثمان الحرّاني، وعبدان بن أحمد الأهوازي، وأبا يعلى الموصلي، وجماعة كثيرة. (ت: ٣٥٧ هـ). «تاريخ الإسلام» (٨/ ١١٤)، و«سير أعلام النبلاء» (١٦/ ١٧٩)، و«حسن المحاضرة» (١/ ٣٥١).
[ ٢٠٠ ]
أحمدُ بنُ شُعيبٍ (^١)،
ثنا محمَّدُ بنُ سَلَمَةَ، ثنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرنِي مُعاوِيةُ بنُ صالحٍ، قال: سمعتُ يحيى بنَ جَابِرٍ، يحدِّثُ عن المِقدَامِ بنِ مَعْدِي كَرِبَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: «مَا وِعَاءٌ شَرَّ مِنْ بَطْنٍ»، وفي غيرِ هذه الرِّوايةِ: «مَا مَلَأَ ابنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ المُسْلِمِ أَكَلَاتٌ - وفي غيرِ هذِه الرِّوايةِ: / لُقَيْماتٌ- يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فِإنْ كَانَ لَا مَحَالةَ؛ فثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وثُلُثٌ لِشرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (^٢).
ويُروَى عن بعضِ الحكماءِ مثلُه، وقال: ودَعْ الثُّلُثَ للتَفَكُّرِ (^٣). إشارةً لقولِهم: البِطْنَةُ تُذْهِبُ الفِطْنَةِ (^٤).
ويُروَى عن لُقمانَ: أنَّه قال لابنِهِ: لَا تأكلْ شبَعًا فوقَ شبَعٍ؛ فإنَّك أنْ تقذِفَهُ للكلبِ خيرٌ لكَ مِنْ أنْ تأكُلَهُ (^٥).
_________________
(١) «السنن الكبرى» (٦٧٣٩)، وإسناده صحيح ..
(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٦٠٣)، والمعافى في «الزهد» (٢٢٥)، وابن ماجه (٣٣٤٩)، وأحمد (١٧١٨٦)، والترمذي (٢٣٨٠)، وابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (٣٥٠)، وفي «الجوع» (١)، والنسائي في «الكبرى» (٦٧٣٧، ٦٧٣٨، ٦٧٣٩)، والطبري في «تهذيب الآثار» (١٠٣٦، ١٠٣٧)، وابن حبان (٦٧٤، ٥٢٣٦)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٢٧٢) رقم (٦٤٤)، (٢٠/ ٢٧٣) رقم (٦٤٥، ٦٤٦)، (٢٠/ ٢٧٩) رقم (٦٦٢)، وفي «مسند الشاميين» (١١١٦، ١٣٧٥، ١٣٧٦، ١٩٤٦)، والحاكم (٤/ ١٢١، ٣٣١)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٣٤٠، ١٣٤١)، والبيهقي في «الشعب» (٥٢٦١، ٥٢٦٢، ٥٢٦٣)، وفي «الآداب» (٤٦٣)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٣) نسب هذا القول للحسن البصري؛ ينظر: «البخلاء» للجاحظ (٢/ ٢١).
(٤) نسب هذا القول لعمرو بن العاص - ﵁ -؛ ينظر: «البيان والتبيين» (٢/ ٨١)، و«العقد الفريد» (٣/ ١٥)، و«التمثيل والمحاضرة» (ص: ١٨٠)، و«المستقصى في أمثال العرب» (١/ ٣٠٤).
(٥) ينظر: «نثر الدر في المحاضرات» (٧/ ١٢)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٧/ ١٩٥).
[ ٢٠١ ]
ونحوَهُ قولُ الطِّرمَاحِ (^١) - أنشدَهُ القُتْبِيُّ-: /
يُمْسِي وَيُصْبِحُ جَوْفُهُ مِنْ قُوتِهِ وبِهِ لِمُخْتَلِفِ الأُمُورِ مُجَار
ويَبِيتُ جُلُّهُمُ يَكِتُّ كَأَنَّهُ وَطْبٌ يَكونُ إِنَاهُ بِالأسْحَار
وقال حميدٌ الأَرْقَطُ (^٢):
أتَانَا فَلَمْ يَعْدِلْهُ سَحْبَانُ وَائِلٍ بَيَانًا وعِلْمًا بِاَّلذِي هُوَ قَائِلُ /
فَمَا زَالَ عنهُ اللَّقْمُ حَتَّى كَأَنَّهُ مِنَ العِيِّ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ بَاقِلُ
وقدْ يحتملُ أنْ يكونَ معنى: «يُضَافُ»: أي ينزِلُ بهِ الضِّيفانُ؛ يقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ، إذَا نَزَلتَ بِهِ، وأضَفْتُه: أَمَلْتُه (^٣) إلى ضِيَافَتِي (^٤).
تقولُ: فهو لا يشبَعُ لإيثارِهِم بما عنده، وتقديمِهم على نفسِه، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. /
وكما قالَ (^٥):
طَويلُ نِجَادِ السَّيْفِ يُصْبِحُ بَطْنُهُ خَميصًا وَجَادِيهِ عَلى الزَّادِ حَامِدُ
وقد جمعَ هذه المعانِي بعضُ شعراءِ العربِ فقال: /
_________________
(١) البيتان من الكامل، ينظر: «ديوانه» (ص: ١٥٧).
(٢) البيتان من الطويل، ينظر: «ديوانه» (ص: ٤٠٣)، و«البيان والتبيين» (١/ ٦)، و«العقد الفريد» (٧/ ٢٠٨)، و«المستقصى في أمثال العرب» (١/ ٢٥٦).
(٣) في (ب): «وأملته».
(٤) «تصحيح الفصيح وشرحه» (ص: ١٤٤)، و«تهذيب اللغة» (١٢/ ٥٣)، و«الصحاح» (ضيف) (٤/ ١٣٩٢).
(٥) البيت من الطويل، وهو لابن أُهبان الفقعسي، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٠٥).
[ ٢٠٢ ]
وزَادٍ وضعْتُ الكَفَّ فيهِ تأنُّسًا ومَا بِي لوْلا أُنْسةُ الضَّيْفِ منْ أكل
وزَادٍ رَفعْتُ الكَفَّ عنهُ تَكرُّمًا إذا ابتَدَرَ القَوْمُ القَليلَ منَ البَقْلِ /
وزادٍ أكلْناهُ ولَمْ نَنْتَظرْ بِه غدًا إنَّ بُخْلَ المَرْءِ مِنْ أسْوَإ الفِعْل
(كذا أنشدَه وفسَّرَه صاحبُ «الحماسةِ»، وقد يصِحُّ أنْ يكونَ: الثُّفْلُ (^١)؛ قال الحربِيُّ: الثُّفْلُ: (^٢) طعامُ القِرَى، وأنشدَ (^٣):
* ما ذَاقَ ثُفْلًا (^٤) بَعْدَ عَامٍ أَوَّلِ) (^٥) *
ثم وصفَتْهُ بالحذرِ والحزْمِ، وحمايةِ الذِّمارِ أحيانَ الخوفِ وأوقاتِ الذُّعرِ، وأنَّه مِمَّنْ لا يَكِلْ الأمرَ إلى غيرِه وينامُ، بل يباشرُهُ بنفسِه، ويلقاهُ بحشاشَتِهِ، كما قال (^٦):
غَيْرَ زُمَّيْلٍ وَلَا نِكْسٍ وَكَلْ
_________________
(١) في (ع)، والمطبوع: «الثقل».
(٢) في (ع)، والمطبوع: «الثقل».
(٣) البيت من الرجز، وهو لأبي النجم العجلي الفضل بن قدامة ينظر: «جمهرة اللغة» (١/ ٥٦٨)، و«مقاييس اللغة» (١/ ١٥٨)، و«النهاية» (١/ ٢١٥).
(٤) في (ع)، والمطبوع: «ثقلا».
(٥) ما بين القوسين ليس في (ب).
(٦) عجز البيت لامرأة من بني الحارث، وهو من الرمل، وتمامه: فارس ما غادروه ملحمًا ** غير زميل ولا نكس وكل والزميل والزمال والزمل: الضعيف، كأنه زمل في العجز كما يزمل الرجل في الثوب. وقولها: (ولا نكس وكل) فالنكس: المقصر عن غاية النجدة والكرامة، وأصله في السهام، وهو الذي انكسر فجعل أسفله أعلاه، فلا يزال ضعيفًا. والوكل: الجبان الذي يتكل على غيره فيضيع أمره. «ديوان الحماسة» (ص: ١١١)، و«شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص: ٧٧٧).
[ ٢٠٣ ]