هذِه وصفَتْ زوجَهَا / بالكرَمِ، وكثرةِ الضِّيافةِ، والاستعدادِ للضِّيفانِ، والمبالغةِ في برِّهم وإكرامِهم.
ومعنى قولِها: «قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ، كَثِيرَاتُ المَبَارِكِ»، أي: أنَّه لاستعدادِه للضِّيفانِ؛ / بلحومها وألبانِها وكرمِ خُلقِهِ، لا يُوجِّههنَّ نهارًا إلَّا قليلًا، ولكنَّهنَّ
_________________
(١) كذا في (ع)، وهو أشبه، وفي (ت)، (ك): «مجهول».
(٢) في (ك)، (ل): «الإيهام».
(٣) في (ك): «أعتقدها».
[ ٢٠٥ ]
يَبْرُكْنَ بفنائِه، فإنْ فاجَأَهُ ضيفٌ، وجدهَا حاضِرةً، فيُقرِيه (^١) منْ لحمِها ولبنِها، ولمْ يجدْها غائبةً عنه فيتباطَأْ فيما يكرمُه به مدةَ طلبِها، كما قال بعضُ بنِي ضَبَّةَ (^٢):
ومُخْتبِطٍ قَدْ جاءَ أوْ ذِي قَرابَةٍ فَما اعْتذرَتْ إبْلِي عَلَيهِ ولا نَفْسِي
حَبَسنَا ولَمْ نُسْرِحْ لِكَيْ لا يَلُومَنا على حُكْمِهِ صَبْرًا مَعَوَّدَةَ الْحَبْس
فَطافَ كما طَافَ المُصَدِّقُ وَسْطَها يُخَيَّرُ منْها في البَوَازِلِ والسُّدْس
وقال آخر (^٣):
وَنُؤلِفُها في السِّنِينَ الفِنَاءَ (^٤) إذَا لَمْ يَجِدْ مَكْسبًا كَاسِبُ
/ وقال آخر (^٥):
وأَمْوَالُنَا وَقْفٌ عَلَى مُبْتَغِي القِرَى رَوَاهِنُ لِلمُسْتَنْبِحِين ولِلْجَمَمْ (^٦)
أي ثابتةٌ مقيمةٌ للمُعْتَفينَ، ومثلُه قولِ أمِّ زرعٍ في وصفِ مالِه: «عَلَى الجَمَمِ مَحْبُوسٌ»، وسيأتِي تفسيرُه، وهذا قولُ أبِي عُبيدٍ (^٧) والأكثرِ.
وقال بعضُهم: إنْ كان (^٨) لا تسرحُ إلَّا قليلًا مِنَ النَّهارِ فهي هالكةٌ هُزالًا،
_________________
(١) في (ك): «فيقربه».
(٢) الأبيات من الطويل، وهي لمنصور بن مسجاح، ينظر «ديوان الحماسة» (ص: ١٨٥).
(٣) البيت من المتقارب، وهو لحزَاز بن عمرٍو، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٨٥).
(٤) كذا في جميع النسخ، وفي «ديوان الحماسة»: «الكلول».
(٥) لم أقف على البيت، وهو من الطويل.
(٦) في (ت): «وللّحم».
(٧) «غريب الحديث» (٢/ ٢٩٩).
(٨) في المطبوع: «كانت».
[ ٢٠٦ ]
وإن كانَ يُسرِّحْهُنَّ بالليلِ، فقد ضاعَ أضيافُ الليلِ، والمعنى: أنَّها قليلةُ المسارحِ لِقلَّةِ الإبلِ، وكثيرةُ المبارِكِ لكثرةِ ما تُثارُ فتُحلبُ ثمَّ تَبْرُكُ، فلكثرةِ ما يفعلُ هذا بها؛ تكثرُ مبارِكُها، وقال يعقوبُ بنُ السِّكيتِ: أي مباركُها على الحُقوقِ والعَطَايَا والحِمَالاتِ، والأضيافُ كثيرةٌ، ومراعيها قليلةٌ، أي أنَّها تكثرُ إذا بَرَكتْ بمَنْ (^١) شاءَ بِها (^٢) من الضِّيفان / / وطلبِ (^٣) الرِّفْدِ.
وأنشدَ يعقوبُ من قولِ عروةَ بنِ الوردِ (^٤):
يُريحُ علَيَّ الَّليلُ قربانَ (^٥) مَاجِدِ كريِمٍ ومَالي سارحًا مَالُ مُقْتِر
قال: يقولُ: إذا راحَتْ بالعَشِيِّ راحَ فيها الأضيافُ، وإذا سرَحتْ بالنَّهارِ رُئيتْ قليلةً؛ لأنَّه لا أحدَ فيها منهم، ونحوه لابنِ الأنبارِيِّ (^٦).
وقال إسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ (^٧)، عن أبِيه: معناهُ: أنَّ إبلَهُ كثيرةٌ في حالِ بُروكِها، قليلةٌ إذا سرحتْ لكثرةِ ما ينحرُ منها للأضيافِ في مبارِكِها (^٨).
وهذا نحو قولِ بعضِ العربِ (^٩): /
_________________
(١) كذا في (ت)، (ل)، وفي باقي النسخ: «لمن».
(٢) في (ب)، والمطبوع: «لمن ينتابها».
(٣) في (ب): «وطلاب».
(٤) البيت من الطويل، «ديوانه» (ص: ٣٨).
(٥) في «ديوان عروة»: «أضياف».
(٦) ينظر: «إكمال المعلم» (٧/ ٤٦٢)، و«فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٢٦٦).
(٧) «جزء فيه حديث ابن ديزيل» (ص: ٧٣).
(٨) ينظر: «إكمال المعلم» (٧/ ٤٦٢)، و«النهاية» (سرح) (٢/ ٣٥٧)، و«عمدة القاري» (٢٠/ ١٧٣).
(٩) البيتان من الطويل، وهما لعتبة بن بجير الحارثي، ينظر: «ديوان الحماسة» (ص: ١٧٢).
[ ٢٠٧ ]
إلى جِذْمِ مَالٍ قد نَهِكْنِا سَوَامَهُ وَأَعْرَاضُنُا فيهِ / بَوَاقٍ صَحَائِحُ
/ لَنَا حَمْدُ أَرْبَابِ المِئينَ ولا يُرَى إلى بَيْتِنَا مَالٌ مَعَ اللَّيلِ رَائحُ
ويكونُ على روايةِ منْ رَوَى: «عَظِيمَاتُ» (^١) منْ هذا المعنى، عبَّرَ عن الكثرةِ بالعِظَمِ، وقد يكونُ معنى: «عَظِيمَاتُ المَبَارِكِ» كنايةً عن سِمَنهِنَّ وعِظمِ جُثَثهِنَّ، فعبَّرِ بعظمِ مبارِكهِنَّ عن ذلك.
وقد يكونُ معنى «قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ» عِبارَةٌ عن قِلَّةِ الأمكِنةِ الَّتي تَرعى فيها منَ الأرضِ، وأنَّها لا تبعدُ في المرعى فتكثرُ مسارحُها، ولكنْ رعيُها أبدًا بقُربِ المنزلِ وحولَ الفناءِ، وبحيث لا يبعدُ طلبُها متى احتيجَ إلى نحرِها، ويزولُ اعتراضُ المُعترِضِ بهُزالِها لِقلَّةِ رعيِها؛ فقد يكونُ في قربِ منازِلَ أربابِها ما يغنيها لخصبِه وكثرةِ كلئِهِ.
ومعنى قولِها: «إذَا سَمِعْنَ صَوْتَ المِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَهُنَّ هَوَالِكُ»، أي أنَّه مِمَّا كثُرتْ عادتُه / بإنزالِ الضِّيفان وإطعامِهم وسقيِهِم وضربِ المعازفِ عليهم ونحرِه للإبلِ؛ لذلك صارتْ الإبلُ إذا سَمِعتْ المعازِفَ عرَفَتْ- بجرْيِ عادتِها- أنَّها تنحرُ، هذا معنى قولِ أبي عُبيدٍ (^٢) وغيرِه.
ويُؤيِّدُ هذا التَّأويلَ: قولُها في الطَّريقِ الآخرِ: «إذَا سَمِعْنَ / صَوْتَ الضَّيفِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو موسى المديني في «اللطائف» (٩٠٨)، من طريق الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن جعفر، عن عيسى بن يونس بإسناده، وقد سبق.
(٢) «غريب الحديث» (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٣) أخرجه الخطيب في «الأسماء المبهمة» (٥٢٩)، وابن طبرذد (٨)، من طريق الزبير بن بكار بإسناده، وقد سبق.
[ ٢٠٨ ]
وقيلَ: المُرادُ أنَّها إذا سمِعتْ المَزاهِرَ أيقنَتْ بالهلاكِ؛ لِما اعتادَه مِنْ نحرِها إذا سَمِع الغِناءَ وانتَشى وهبَّتْ فيه الأرِيحِيَّةُ، وهذا لا تعتادُهُ الإبلُ وتفهمُهُ إلَّا مع التَّكرارِ والاستمرارِ.
وقد يحتملُ أنِ يكونَ هذا استعارةٌ لكثرةِ النَّحرِ، وترادُفِ الحفَاوَةِ والبِرِّ،
/ وإنْ كانتْ لمْ تُرِدْ فهمَ الإبلِ لهلاكِها، ولكنْ لمَّا كانَ ذلك منه يوافقُ إهلاكَها، ويوقنُ من يعقِلُ به، أُضيفَ ذلك إليها؛ إذ هو واقعٌ بِها على ضَرْبٍ من الاستعارَةِ. وهذا النَّحوُ كلُّه من فصيحِ الكلامِ وبدِيع البيانِ، وهو نوعٌ يُسمِّيه أهلُ النَّقدِ والبلاغةِ: الإردافَ والتَّتبيعَ (^١)، وهو أبلغُ في الوصفِ، كما سنذكرُه بعدُ، ومنه في معنى ما نحنُ فيه، ومثالُه: قولُ الشَّاعرِ (^٢):
وَمسْتنْبحٍ تَهْوِي مَساقِطُ رَأْسِهِ إلى كُلِّ شَخْصٍ وهْوَ لِلسَّمْعِ أصْوَرُ
حبِيبٌ إلى كَلْبِ الكَرِيمِ مُناخُهُ بَغِيضٌ إلَى الكَوْمَاءِ (^٣) والكلْبُ أبْصَرُ
وذلك أنَّ الكلبَ ينعمُ فيما يَلغُ فيه مِمَّا ينحرُ له، ويأكلُ منْ سقاطَتِها وعظامِها، فمتى رأى ضيفًا، أحبَّ نزولَه لذلك، والكومُ تبغضُه؛ لأنَّها تشقى
_________________
(١) الأرداف والتوابع: أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدالّ عليه، الخاص به، ويأتي بلفظ هو ردفه وتابع له، فيجعله عبارة عن المعنى الذى أراده، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، وقصور الطرف في الأصل موضوعة للعفاف على جهة التوابع والأرداف؛ وذلك أن المرأة إذا عفّت قصرت طرفها على زوجها، فكان قصور الطرف ردفا للعفاف، والعفاف ردف وتابع لقصور الطرف. ينظر: «الصناعتين» (ص: ٣٥٠)، و«سر الفصاحة» (ص: ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٢) البيتان من الطويل، وهما من قصيدة غير منسوبة في «سمط اللآلي شرح أمالي القالي» (١/ ٤٩٩)، و«ديوان الحماسة» (ص: ١٨٢).
(٣) في (ك): «الكرماء»، والكوماء: هي الناقة السمينة.
[ ٢٠٩ ]
بنزوله بالنَّحرِ والعقرِ، فعبَّر عن النعمةِ والشَّقاءِ / / بالحبِّ والبُغضِ، وعبَّرَ عن جودِ الموصوفِ ونحرِه للأضيافِ / بما هو من توابِعِه وأردَافِه؛ فإنَّ بغضَ الكوماءِ له تَبَعٌ لنحرِها بسببه، ومحبَّةَ الكلبِ له ردفٌ لتنعمِهِ معه، وكلُّ ذلك تبعٌ لإكرامِ ربِّها للضِّيفانِ، وكنايةٌ عن جودِه، فكان هذا التَّشبيبُ أبلغَ من قولِها: إذا ضُربَ المِزهرُ نُحرْنَ (^١). أو: إذا نزلَ به ضيفٌ نُحِرْنَ. ومثلُ هذا ما أنشدَه الحَرْبِيُّ لإياسَ بنِ سَلَمةَ (^٢)؛ يمدحُ النبيَّ - ﷺ - (^٣):
وأَبِيكَ خَيْرًا (^٤) إنَّ إبَلَ مُحَمَّدٍ عُزْلٌ تَناوَحُ (^٥) أنْ تَهُبَّ شَمَالُ / /
وإذَا رَأَيْنَ لَدَى الفِنَاءِ غَريبةً (فَاضَتْ لَهُن) (^٦) عَلى الخُدُودِ سِجَالُ
فتَرَى لَهَا زَمَنَ القِتَالِ علَى الثَّرَى رَخَمًا وما تَحْيَا لَهُنَّ فِصَالُ
قولُه: «عُزْلٌ» أي غيرُ مُمتنِعةٍ، كالأعزلِ الَّذي لا سلاحَ معَهُ فيمنعُه.
ويقولُ: إذا هبَّتْ الشّمالُ وجاء الشِّتاءُ والقحطُ، تناوحُ بعضُها إلى بعضٍ لعادتِها بالذَّبحِ.
وإذا رأتْ غريبًا طرَقَ، بكتْ لعلمِها أنَّها تذبحُ له.
_________________
(١) في المطبوع: «تحزن».
(٢) إياس بن سلمة بن الأكوع الأسلمي، أبو سلمة روى عن: أبيه سلمة بْن الأكوع، وابن لعمار بْن ياسر (ت: ١١٩ هـ). ينظر: «مشاهير علماء الأمصار» (ص: ١١٦)، و«تهذيب الكمال» (٣/ ٤٠٣)، و«الإصابة» (١/ ٣١٠).
(٣) الأبيات من الكامل، ينظر: «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» (٢/ ١٠٣)، و«تحرير التحبير» (ص: ٢٨٧).
(٤) في المصادر: «حقا».
(٥) في المصادر: «نوائح».
(٦) في المصادر: «فدموعهن».
[ ٢١٠ ]
وليس يحيى لها فِصالٌ؛ لكثرةِ ذبحِ أمهاتِها.
وإذا كان زمنُ الخصبِ، وطلبَ النَّاسُ الدُّخولَ إذ لا يطلبونَها ولا يقدرون على ذلك زمنَ القحطِ والشَّدائدِ؛ لشغلِهم بأنفسهم، لذلك كانتْ لهذِه الإبلِ ألبانٌ كثيرةٌ تسيلُ على الأرضِ حتَّى كأنَّها رَخَمٌ لِبياضِها.