٧ - وفيهِ مِنَ الفِقْهِ: التَّحدُّثُ بِمُلَحِ الأخبارِ، وطُرَفِ الحِكاياتِ؛ تسلِيَةً للنَّفسِ، وجلاءً للقلبِ، وهكذا ترجمَ أبو عيسى التِّرمذيُّ / عليه: «بابُ ما جَاءَ في كَلامِ رسولِ اللهِ - ﷺ - في السَّمَرِ» (^١). وأدخلَ في البابِ هذا الحديثَ، وحديثَ خُرَافةَ (^٢).
_________________
(١) «الشمائل المحمدية» (ص: ٢٠٨).
(٢) ضعيف؛ أخرجه ابن أبي شيبة- كما في «إتحاف الخيرة» (٦٣٩٤/ ١) - وأحمد (٢٥٢٤٤)، والترمذي في «الشمائل» (٢٥٣)، والبزار- كما في «كشف الأستار» (٢٤٧٥)، وأبو يعلى (٤٤٤٢)، والمعافى بن زكريا في «الجليس الصالح» (١/ ٤٠ وأبو طاهر المخلص في «المخلصيات» (٢٦٢١)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٤٩)، واللخمي في «تاريخ إربل» (١/ ٤٠)، من طريق أبي عقيل عبد الله بن عقيل الثقفي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ نِسَاءَهُ حَدِيثًا، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: كَأَنَّ الْحَدِيثَ حَدِيثُ خُرَافَةَ فَقال: «أَتَدْرُونَ مَا خُرَافَةُ؟ إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلًا مِنْ عُذْرَةَ، أَسَرَتْهُ الْجِنُّ في الْجَاهِلِيَّةِ فَمَكَثَ فيهِمْ دَهْرًا، ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الْإِنْسِ فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فيهِمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ، فَقَالَ النَّاسُ: حَدِيثُ خُرَافَةَ». وتابع أبا عقيل: أبو أسامة حماد بن أسامة، غير أنه قال: عن مجالد، عن الشعبي مرسلًا، لم يذكر مسروقًا، ولا عائشة - ﵂ -، أخرجه إسحاق بن راهويه (١٤٣٦) .. ووكيع في «أخبار القضاة» (٦١٤) عن أحمد بن بديل .. كلاهما (إسحاق، وابن بديل) عن أبي أسامة حماد بن أسامة به بنحوه- وتصحف في «أخبار القضاة» إلى: «أبي أمامة» بدلًا من أبي أسامة- ورواية أحمد بن بديل موصولة بمثل رواية أبي عقيل الثقفي، وأحمد بن بديل قال عنه ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه على ضعفه. وقال الدارقطني: فيه لين. اهـ قلت: فروايته منكرة لا سيما عند مخالفة إسحاق بن راهويه وهو من هو. وهذا ما رجحه الدارقطني حيث قال في «العلل» (٣٦٣٥): والمرسل أشبه بالصواب. وقال البزار: لا نعلمه يروى إلا من حديث عائشة، وأبو عقيل مشهور. اهـ قلت: مجالد بن سعيد ضعيف. والحديث له طريق أخرى عن عائشة؛ رواه ثابت البناني، عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن عائشة - ﵂ - بنحوه. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦٠٦٨)، من طريق يزيد بن عمرو الغنوي، نا سعيد بن عبد الله السلمي .. وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٣٤٦)، من طريق النضر بن طاهر .. كلاهما (سعيد بن عبد الله السلمي، والنضر بن طاهر) عن علي بن أبي سارة، عن ثابتٍ به بنحوه، ووقع في لفظ سعيد بن عبد الله: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَدَّثَهَا بِحَدِيثٍ وَهُوَ مَعَهَا في لِحَافٍ، فَقَالَتْ: بِأَبِي، وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْلَا تُحَدِّثُنِي هَذَا الْحَدِيثَ لَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُرَافَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «وَمَا حَدِيثُ خُرَافَةَ يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ قِيلَ حَدِيثُ خَرَافَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَصَدَقَ الْحَدِيثِ حَدِيثُ خَرَافَةَ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، سَبَتْهُ الْجِنُّ، وَكَانَ يَكُونُ مَعَهُمْ، فَإِذَا اسْتَرْقُوا السَّمْعَ أَخْبَرُوهُ، فَيُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ، فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالَ». قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أنس إلا ثابت، ولا عن ثابت إلا علي بن أبي سارة، ولا عن علي إلا سعيد بن عبد الله، تفرد به يزيد بن عمرو الغنوي. اهـ قلت: إسناده منكر؛ علي بن أبي سارة قال عنه البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي بعد جملة أحاديث ذكرها له: وهذه الأحاديث التي ذكرتها لعلي بن أبي سارة عن ثابت كلها غير محفوظة، وله غير ذلك عن ثابت مناكير أيضا. اهـ وقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣١٥): في إسناد الطبراني علي بن أبي سارة، وهو ضعيف. اهـ وتابعه: عثمان بن معاوية. أخرجه ابن أبي الدنيا «في ذم البغي» (٢٧)، وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٩٧ - ٩٨)، والمعافى بن زكريا في «الجليس الصالح» (ص: ٥٠)، من طريق عثمان بن معاوية، عن ثابت به بنحوه، غير أنه لم يذكر عائشة، وقال: قال: اجْتَمَعَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - نِسَاؤُهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ الْكَلِمَةَ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ عندَ أَهْلِهِ. قال: فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: كَأَنَّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ خُرَافَةَ الحديث، وذكر فيه قصةً. قلت: ما زادته هذه المتابعة إلا وهنًا؛ عثمان بن علي، قال عنه ابن حبان: شيخ يروي الأشياء الموضوعة التي لم يحدث بها ثابت قط. لا تحل روايته إلا على سبيل القدح فيه. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث الذي أنكره ابن حبان على هذا الشيخ قد أورده ابن عدي في «الكامل» في ترجمة علي بن أبي سارة من روايته عن ثابت، عن أَنس فتابع عثمان بن معاوية، وعلي بن أبي سارة ضعيف. وقد أخرج له النسائي. «لسان الميزان» (٥/ ٤١١).
[ ١١٦ ]
ويُروى عن عليٍّ - ﵁ - أنَّه قال: «سَلُّوا هذِهِ النُّفوسَ سَاعةً بعدَ سَاعةٍ؛ فإنَّها / تصدَأُ كمَا يصدَأُ الحديدُ» (^١).
ويُروى عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ أنَّه كان يقولُ إذَا أفَاضَ مَنْ عِندَهُ في الحديثِ بعدَ القرآنِ والتفسيرِ: «أحْمِضُوا» (^٢). / أَيْ إذا مَلَلْتُمْ مِنَ الفقهِ والحديثِ (^٣) وعلمِ القرآنِ، فخُذُوا في الأشعارِ وأخبارِ العربِ، كما أنَّ الإبلَ إذا ملَّتْ ما حَلَا مِنَ النَّبتِ، رعتْ الحَمْضَ، وهو ما مَلُحَ منه.
_________________
(١) لم أهتد إلى الأثر بهذا اللفظ، وذكره المصنف في «ترتيب المدارك» (١/ ٢٧)، لكن جاء بنحوه كما أخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٧١٩)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٤٣٢)، والخطيب في «الجامع» (٢/ ١٢٩)، من طريق محمد بن حمير، عن النجيب بن السري، قال: قال علي بن أبي طالب: «أَجِمُّوا هَذِهِ الْقُلُوبَ وَاطْلُبُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ؛ فَإِنَّهَا تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ». قلت: وهذا الأثر منقطع؛ نجيب بن السري قال عنه أبو حاتم الرازي: روى عن النبي - ﷺ - مرسل، وعن علي - ﵁ - مرسل. ينظر: «الجرح والتعديل» (٨/ ٥٠٩)، و«جامع التحصيل» (ص: ٢٩٠)، و«تحفة التحصيل» (ص: ٣٢٦).
(٢) لم أهتد إلى الأثر مسندًا، وينظر: «غريب الحديث» للقاسم بن سلام (٤/ ٦٣)، «غريب الحديث» لابن قتيبة (٢/ ٣٦٦)، و«تهذيب اللغة» (حمض) (٤/ ١٣١)، و«الصحاح» (حمض) (٣/ ١٠٧٢)، و«الفائق» (١/ ٣٢٠)، و«غريب الحديث» لابن الجوزي (١/ ٢٤٢)، «النهاية» (١/ ٤٤١)
(٣) في (ع)، (ك): «الحديث والفقه».
[ ١١٨ ]
ومِنهُ قولُ الزُّهريِّ: «هَاتُوا مِنْ أَشْعَارِكُمْ فَإِنَّ الْأُذُنَ مَجَّاجَةٌ ولِلنِّفْسِ حَمْضَةٌ» (^١). أي أنَّهَا تَشتَهِي الشَّيءَ بعدَ الشَّيءِ كمَا تفعلَ الإبِلُ.
ومِنهُ قولُ أبِي الدَّرداءِ: «إنِّي لَأَسْتَجِمُّ نفْسِي بِبَعضِ اللهوِ لِيكونَ ذَلِك عَوْنًا لِي على الحقِّ» (^٢).
وقال عليٌّ - ﵁ -: «القلبُ إذَا أُكرِهَ عَمِي» (^٣).
وقال بعضُ الحُكماءِ: «إنَّ لِلآذانِ مَجَّةً، وللقُلُوبِ مَلَلًا؛ فَفَرِّقُوا بينَ الحِكمَتَينِ؛ لِيكونَ ذَلِكَ استِجْمَامًا» (^٤).
وهذا كلُّه ما لمْ يكنْ دائمًا متصلًا، وإنَّما يكونُ في النَّادرِ والأحيانِ، كمَا
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٤٣٢)، والخطيب في «الجامع» (٢/ ١٣٠)، والسمعاني في «أدب الإملاء» (٢٠١)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٥/ ٣٨١).
(٢) لم أهتد إلى الأثر مسندًا، وينظر: «البخلاء» للجاحظ (٢/ ١٤١)، و«تأويل مختلف الحديث» (ص: ٤٢١)، و«الكامل» لابن المبرد (٢/ ٢١١)، و«إحياء علوم الدين» (٢/ ٣٠)، و«أخبار الحمقى والمغفلين» (ص: ١٥).
(٣) أخرجه البلاذري في «أنساب الأشراف» (٢/ ١١٥)، من طريق إسرائيل بن يونس، أن عليًّا - ﵁ - قال: «إنَّ للقلوبِ شهوةً وإقبالًا وإدبارًا، فأتوا بها مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ مَلَّ». كذا لفظه، وهو منقطع؛ فبين إسرائيل وعلي بن أبي طالب - ﵁ - واسطتان على الأقل، وأخرجه باللفظ الذي ذكره المصنف محمد بن عثمان الأذرعي في كتاب «الوسوسة» - كما في «كنز العمال» (١٧٠٣) - من مسند عبدالله بن مسعود - ﵁ -.
(٤) نسب هذا القول إلى أرشيد بن بابك وهو أحد ملوك الفرس، ينظر: «الكامل» لابن المبرد (٢/ ٢١١)، و«العقد الفريد» (٢/ ١٢١)، و«نثر الدر» (٧/ ٣٦)، و«ربيع الأبرار» (١/ ٢٤).
[ ١١٩ ]
قال: «سَاعةً بعدَ سَاعةٍ»، وأمَّا أنْ يكونَ ذلِك عادةَ الرَّجلِ حتَّى يُعرفَ بذلِك
/ ويَتَّخِذَه ديْدَنًا ويُطرِبَ بهِ النَّاسَ ويُضحِكَهُم- دَأبَهُ- فهَذَا مذمُومٌ، غيرُ محمودٍ، دالٌّ على سقوطِ المُروءَةِ ورذالةِ الهِمَّةِ، وخلْعِ بُردِ نزاهةِ النَّفسِ، واطِّراحِ ربقَةِ الوقارِ والسَّمتِ، مولِجًا صاحِبَهُ / في بابِ المُجُونِ والسُّخْفِ.
وقدْ عَدَّ هذَا الفنَّ الفقهاءُ فيمَا يقدحُ في عدالةِ الشَّاهدِ؛ فذكرَ أبُو بكرٍ الأَبْهَريُّ (^١) وغيرُ واحدٍ منْ أئمَّتِنَا أنَّ التزامَ المُروءَةِ مُشترطٌ (^٢) في العدالةِ (^٣)، ونحوَهُ للشَّافعيِّ وأئمَّةِ أصحابِهِ (^٤).
وذكرَ شيخُنَا الإمامُ أبُو بكر محمَّدُ بنُ الوليدِ الفِهريُّ (^٥) أنَّ الشَّاهدَ يتنزَّهُ
_________________
(١) الإمام، العلامة، القاضي، المحدث، شيخ المالكية، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح التميمي، الأبهري، المالكي، نزيل بغداد وعالمها، له تصانيف في شرح مذهب مالك والردّ على مخالفيه منها «الرد على المزني» ومن كتبه: «الأصول»، و«إجماع أهل المدينة»، و«فضل المدينة على مكة» (ت: ٣٧٥ هـ). ينظر: «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٩٢)، و«ترتيب المدارك» (٦/ ١٨٣)، و«سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٣٣٢)، و«الوافي بالوفيات» (٣/ ٢٥٠)، و«الأعلام» للزركلي (٦/ ٢٢٥).
(٢) في (ع)، (ك): «مشترطة».
(٣) قال ابن محرز في «تبصرته»: قال أبو بكر الأبهري في صفة من تقبل شهادته: هو المجتنب الكبائر المتوقي لأكثر الصغائر إذا كان ذا مروءة وتمييز متيقظًا متوسط الحال بين البغض والمحبة. «مواهب الجليل» (٦/ ١٥١)، وينظر: «المعونة على مذهب عالم المدينة» (ص: ١٥٢٨)، «التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب» (٧/ ٤٦٠)، «المختصر الفقهي» لابن عرفة (٩/ ٢٤٥).
(٤) ينظر: «الحاوي الكبير» (١٧/ ١٥٠ - ١٥١)، و«بحر المذهب» للروياني (١٤/ ٢٧٥)، و«العزيز شرح الوجيز» (١٣/ ٩)، و«منهاج الطالبين» (ص: ٣٤٥).
(٥) محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب، أبو بكر الفهريُّ الطرطوشيُّ الأندلسيُّ الفقيه المالكيُّ، فقيه حافظ إمام محدث ثقة زاهد فاضل عالم عامل، رحل إلى العراق وقد تفقه بالأندلس وصحب أبا الوليد الباجي مدة، (ت: ٥٢٠ هـ). «بغية الملتمس» (ص: ١٣٥)، و«الديباج المذهب» (٢/ ٢٤٤)، و«تاريخ الإسلام» (١١/ ٣٢٥).
[ ١٢٠ ]
عن كلِّ ما يُسقِطُ مُروءَتَهُ: / مِنَ الأكلِ على الموائدِ في الأسواقِ وفي الطُّرقاتِ غيرَ مُستخفٍ، وكشفِ رأسهِ وبدنِهِ بحضرةِ النَّاسِ، ومدِّ رجلَيْه بحضرتِهِم، والحكايةِ المُضحكةِ، وذكرِ أهلِهِ بالسُّخْفِ، قال: فهَذَا ومَا يُشبِهُهُ يُسقطُ العدالةَ عندَ العلماءِ، ولا تُقبلُ الشَّهادةُ معَهَا (^١).
قالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَدَامَ اللهُ تَوفِيقَهُ:
وما قالَهُ صحيحٌ؛ لأنَّ المُداومَةَ علَى هذَا مِمَّا يُسقطُ مُروءَةَ ذَوِي المُرُوءاتِ، / ويُزيلُ سمتَ أصحابِ السَّمتِ والتَّصاوُنِ، واشتراطُ التزامِ المُرُوءَةِ مشتَرَطٌ في الشَّهادةِ والعدالَةِ كاشتِرَاطِ اجتنابِ المَحارِمِ، ولكنْ لِكُلِّ واحدٍ مُروءةٌ مَا؛ ولهَذَا قالوا فيه: مُلتَزِمًا لِمُروءَةِ مثلِهِ، وقد قال بعضُ أئمَّتِنَا مِنَ القَرَوِيِّين - وهو أَبُو القاسِمِ بنُ محرز (^٢) -: المُرُوءَةُ المَطلوبَةُ في الشَّاهِدِ هِي: الصِّيانَةُ، والسَّمتُ الحسنُ، وحِفظُ اللِّسانِ، وتَجَنُّبُ السُّخْفِ والمُجُونِ وكلِّ خُلُقٍ دَنِيءٍ (^٣).
_________________
(١) ينظر: «الكفاية في علم الرواية» (ص: ١١١)، و«الفقيه والمتفقه» (١/ ٢٩١)، و«اللمع في أصول الفقه» للشيرازي (ص: ٧٥).
(٢) أبو القاسم عبد الرحمن بن محرز المقري القيرواني، كان فقيهًا نظّارًا نبيلًا وابتلي بالجذام في آخر عمره وله تصانيف حسنة منها تعليق على «المدونة» سماه: «التبصرة» وكتابه الكبير المسمى «بالقصد والإيجاز». توفي في نحو الخمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى. «ترتيب المدارك» (٨/ ٦٨)، و«الديباج المذهب» (٢/ ١٥٣).
(٣) ينظر: «الذخيرة» للقرافي (١٠/ ٢٠٢)، و«التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب» (٧/ ٤٦٩)، و«فتح القدير» للكمال ابن الهمام (٧/ ٤١٥)، و«التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام» (٢/ ٢٤٢).
[ ١٢١ ]
وقال بعضُ أئمَّةِ البغدادِيِّين (^١): العدالَةُ عبارةٌ عن استقامَةِ السِّيرةِ والدِّينِ، ويرجعُ حاصِلُها إلى هيئةٍ راسخةٍ في النَّفسِ تَحمِلُ على مُلازمَةِ التَّقوى والمُروءَةِ جميعًا، قال: وقَدْ شُرِطَ في العَدَالَةِ التَّوَقِّي عن بَعْضِ المُبَاحَاتِ القَادِحةُ في المُرُوءَةِ: نَحْوَ الْأَكْلِ في / الطُّرقِ، وَالبَوْلِ في الشَّارِعِ، وَصُحْبَةِ الأَرَاذِلِ، وَإِفْرَاطِ المِزَاحِ.
وقال القَاضِي أبُو بكرٍ ابن الطَّيِّبِ (^٢) في صِفاتِ العدْلِ: تَجنُّبُ ما يُمرِضُ القُلُوبَ، وَيُورثُ التُّهمَ فيمَا جلَّ وَقلَّ.
قال: ومِنْ علمائِنَا مَنْ صَارَ إلى أنَّ عدمَ التَّوَقِّي عن المُبَاحَاتِ القَادحةِ في المُروءَةِ: كالجُلوسِ على الطُّرقاتِ، والأكلِ في الأسواقِ، ومُصاحبةِ الأرذالِ، / والإكثارِ مِنَ المُداعبةِ، يقدحُ في العَدالةِ، قال: ولا أقطعُ بذَلِك، وعِندِي أنَّ ذلِك مفوَّضٌ إلى اجتهادِ القاضِي، فرُبَّ شخصٍ في نهايةٍ مِنَ التَّديُّنِ وتجنُّبِ التَّكلُّفِ، يصدرُ ذلِك مِنه فَلا يُتَّهمُ، ورُبَّ شخصٍ يُؤذِنُ ذلِك مِنهُ بِقلَّةِ المُبَالاةِ، وهذا يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ والأشخاصِ والأحوَالِ، وهو مفوَّضٌ إلى الاجتهادِ (^٣).
_________________
(١) هو الإمام أبو حامد الغزالي، وقد ذكره في «المستصفى» (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
(٢) ابن الباقلاني محمد بْن الطّيب بْن محمد بْن جعفر بْن القاسم، القاضي أبو بكر البصري، صاحب التّصانيف في علم الكلام قال الذهبي: وكان ثقة إماما بارعا، صنف في الرد على الرافضة، والمعتزلة، والخوارج والجهمية والكرامية، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضائق، فإنه من نظرائه، وقد أخذ علم النظر عن أصحابه. وقد ذكره القاضي عياض في «طبقات المالكية»، فقال: هو الملقب بسيف السنة، ولسان الأمة، المتكلم على لسان أهل الحديث وطريق أبي الحسن، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته (ت: ٤٠٣ هـ). ينظر: «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٦٤)، و«تاريخ الإسلام» (٩/ ٦٣)، «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ١٩٠ - ١٩١)
(٣) ينظر: «التلخيص في أصول الفقه» للإمام الجويني (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٣).
[ ١٢٢ ]