عَنْ عَائِشَةَ ﵂ - مَرْفُوعًا - "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ من أهل البيت" رواه الترمذي١.
هذا حديث مشتمل على الأمور القادحة في الشهادة.
وذلك: أن الله أمر بإشهاد العدول المرضيين.
وأهل العلم اشترطوا في الشاهد في الحقوق بين الناس: أن يكون عدلًا ظاهرًا. وذكروا صفات العدالة.
وحَدَّها بعضهم بحد مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة:٢٨٢] فقال: كل مرضى عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته. فهو مقبول. وهذا أحسن الحدود. ولا يسع الناس العمل بغيره.
والأشياء التي تقدح في الشهادة ترجع إلى التهمة أو إلى مظنتها.
فمن الناس من لا تقبل شهادته مطلقًا على جميع الأمور التي تعتبر فيها الشهادة، كالخائن والخائنة، والذي أتى حدًا - أي: معصية كبيرة لم يتب منها - فإنه لخيانته وفسقه مفقود العدالة، فلا تقبل شهادته.
ومن الناس نم هو موصوف بالعدالة، لكن فيه وصف يخشى أن يميل معه، فيشهد بخلاف
_________________
(١) حسن: أخرجه أحمد ٢/٢٠٤، ٢٢٥-٢٢٦، وأبو داود ٣٦٠٠، ٣٦٠١، والترمذي ٢٢٩٨، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" ٤٨٦٦، والدارقطني ٥٢٨، أو ٤/٢٤٤، والبيهقي ١٠/١٥٥، ٢٠٠، والبغوي في "شرح السنة" رقم: ٢٥١٠، وانظر: "الإرواء" رقم: ٢٦٦٩، "ضعيف الترمذي" رقم: ٣٩٨. وهذا الحديث قسمٌ كبيرٌ من كتاب عمر في القضاء الذي بعثه إلى أبي موسى الأشعري، والذي شرحه ابن القيّم في كتابه البديع "إعلام الموقّعين" فأتى شرحه على نصف كتابه لما فيه من الفوائد فلينظره من أراد التوسّع. والله الموفق.
[ ١٣٧ ]
الحق وذلك كالأصول والفروع، والمولى والقانع لأهل البيت. فهؤلاء لا تقبل شهادتهم للمذكورين؛ لأنه محل التهمة. وتقبل عليهم.
ومثل ذلك الزوجان، والسيد مع مكاتبه أو عتيقه١.
ومن الناس من هو بعكس هؤلاء، كالعَدُوّ الذي في قلبه غمر – أي: غِلٌّ – على أخيه فهذا إن شهد له: قبلت شهادته. وإن شهد على عدوه: لم تقبل؛ لأن العداوة تحمل غالبًا على الإضرار بالعدو، والله أعلم.
_________________
(١) وهذا فيه نظر، وفصّل ذلك ابن القيّم في "إعلام الموقّعين" وانفصل معه الرأي إلى أنّ الراجح قبول شهادة الأخ لأخيه والأب لابنه، والابن لأبيه وغير ذلك من القرابات إن كان الشاهد عدلًا، واشتراط العدالة هو المقياس في الشهادة. والله أعلم وأحكم.
[ ١٣٨ ]