عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهم: المُكاتب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْمُتَزَوِّجُ يُرِيدُ العَفاف، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ إلا النسائي١.
وذلك: أن الله تعالى وعد المنفقين بالخلف العاجل، وأطلق النفقة. وهي تنصرف إلى النفقات التي يحبها الله؛ لأن وعده بالخلف من باب الثواب الذي لا يكون إلا على ما يحبه الله.
وأما النفقات في الأمور التي لا يحبها الله: إما في المعاصي، وإما في الإسراف في المباحات: فالله لم يضمن الخلف لأهلها، بل لا تكون إلا مغرمًا.
وهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث من أفضل الأمور التي يحبها الله.
فالجهاد في سبيل الله: هو سنام الدين وذروته وأعلاه. وسواء كان جهادًا بالسلاح، أو جهادًا بالعلم والحجة. فالنفقة في هذا السبيل مخلوفة وسالكُ هذا السبيل معانٌ من الله، مُيَسَّرٌ له أمرُه.
وأما المكاتب: فالكتابة قد أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، أي: صلاحًا في تقويم دينهم ودنياهم. فالسيد مأمور بذلك. والعبد المكاتب الذي يريد الأداء، ويتعجل الحرية والتفرغ لدينه ودنياه يعينه الله، وييسر له أموره، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
وعلى السيد: أن يرفق بمكاتبه في تقدير الآجال التي تحل فيها نُجُوم الكتابة، ويعطيه من مال الكتابة إذا أدَّاها ربعها.
وفي قوله تعالى في حق المكاتبين ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] أمر للسيد ولغيره من المسلمين. ولذلك جعل الله له نصيبًا من الزكاة في قوله:
_________________
(١) حسن: أخرجه عبد الرزاق ٩٥٤٢، وأحمد ٢/٢٥١، والترمذي ١٦٥٥، وابن ماجه ٢٥١٨، والنسائي ٦/١٥، ٦١، والحاكم ٢/١٦٠، ٢١٧، والبيهقي ٧/٧٨، وانظر: "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" ٢١٠ لشيخنا الألباني.
[ ١١٩ ]
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠]، وهذا من عونه تعالى.
وقد ثبت عن النبي ﷺ ما هو أعمّ من هذا، فقال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" رواه البخاري١.
وأما النكاح: فقد أمر الله به ورسوله. ورتب عليه من الفوائد شيئًا كثيرًا: عون الله، وامتثال أمر الله ورسوله، وأنه من سنن المرسلين.
وفيه: تحصين الفرج، وغض البصر، وتحصيل النسل، والإنفاق على الزوجة والأولاد؛ فإن العبد إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له أجرًا، وحسنات عند الله، سواء كانت مأكولًا أو مشروبًا أو ملبوسًا أو مستعملًا في الحوائج كلها. كله خير للعبد، وحسنات جارية. وهو أفضل من نوافل العبادات القاصرة.
وفيه: التذكر لنعم الله على العبد، والتفرغ لعبادته، وتعاون الزوجين على مصالح دينهما ودنياهما، وقد قال تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء:٣]، وقال ﷺ: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها: فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يمينك"٢ لما فيها من صلاح الأحوال والبيت والأولاد، وسكون قلب الزوج وطمأنينته، فإن حصل مع الدين غيره فذاك، وإلا فالدين أعظم الصفات المقصودة، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ [النساء:٣٤] . وعلى الزوجة: القيام بحق الله، وحق بَعْلها، وتقديم حق البعل على حقوق الخلق كلهم.
وعلى الزوج: السعي في إصلاح زوجته، وفعل جميع الأسباب التي تتم بها الملاءمة بينهما، فإن الملاءمة هي المقصود الأعظم. ولهذا ندب النبي ﷺ إلى النظر إلى المرأة التي يريد خطبتها؛ ليكون على بصيرة من أمره والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٢٣٨٧.
(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٥٠٩٠، ومسلم في "صحيحه" رقم: ١٤٦٦.
[ ١٢٠ ]