عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ: "من أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ". - وَفِي رِوَايَةٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنا - فهو رد" متفق عليه٢.
هذان الحديثان العظيمان يدخل فيهما الدين كله، أصوله وفروعه، ظاهره وباطنه. فحديث عمر ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة ميزان الأعمال الظاهرة.
ففيهما الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول اللذان هما شرط لكل قول وعمل، ظاهر وباطن. فمن أخلص أعماله لله متبعًا في ذلك رسول الله ﷺ فهذا الذي عمله مقبول. ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود، داخل في قول الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، والجامع للوصفين داخل في قوله
_________________
(١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٦٦٨٩، ومسلم في "صحيحه" رقم: ١٩٠٧ بعد ١٥٥. وفيهما: "بالنية" بدل "بالنيات" و"يتزوّجها" بدل: "ينكحها". ووردت عندهما بنفس الألفاظ دون قوله: "فمن كانت هجرته ".
(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٢٦٩٧، ومسلم في "صحيحه" رقم: ١٧١٨. أمّا الرواية الثانية فأخرجها مسلم في "صحيحه" رقم: ١٧١٨ بعد ١٨. وعلّقها البخاري في "صحيحه" قبل رقم: ٧٣٥٠. وانظر: "فتح الباري" ٥/٣٠٢ و"تغليق التعليق" ٣/٣٩٦، و٥/٣٢٦.
[ ١٣ ]
تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥] الآية ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢] .
أما النية: فهي القصد للعمل تقربًا إلى الله، وطلبًا لمرضاته وثوابه. فيدخل في هذا: نية العمل، ونية المعمول له.
أما نية العمل: فلا تصح الطهارة بأنواعها، ولا الصلاة والزكاة والصوم والحج وجميع العبادات إلا بقصدها ونيتها، فينوي تلك العبادة المعينة. وإذا كانت العبادة تحتوي على أجناس وأنواع، كالصلاة، منها الفرض، والنفل المعين، والنفل المطلق. فالمطلق منه يكفي فيه أن ينوي الصلاة. وأما المعين من فرض أو نفل معين - كوتر أو راتبة - فلا بد مع نية الصلاة أن ينوي ذلك المعين. وهكذا بقية العبادات.
ولا بد أيضًا أن يميز العادة عن العبادة. فمثلًا الاغتسال يقع نظافة أو تبردًا، ويقع عن الحدث الأكبر، وعن غسل الميت، وللجمعة ونحوها، فلا بد أن ينوي فيه رفع الحدث أو ذلك الغسل المستحب. وكذلك يخرج الإنسان الدراهم مثلًا للزكاة، أو للكفارة، أو للنذر، أو للصدقة المستحبة، أو هدية. فالعبرة في ذلك كله على النية.
ومن هذا: حيل المعاملات إذا عامل معاملة ظاهرها وصورتها الصحة، ولكنه يقصد بها التوسل إلى معاملة ربوية، أو يقصد بها إسقاط واجب، أو توسلًا إلى محرم. فإن العبرة بنيته وقصدهن لا بظاهر لفظه؛ فإنما الأعمال بالنيات. وذلك بأن يضم إلى أحد المعوضين ما ليس بمقصود، أو يضم إلى العقد عقدًا غير مقصود. قاله شيخ الإسلام١.
وكذلك شرط الله في الرجعة وفي الوصية: أن لا يقصد العبد فيهما المضارة٢.
ويدخل في ذلك جميع الوسائل التي يتوسل بها إلى مقاصدها؛ فإن الوسائل لها أحكام
_________________
(١) "بيان الدليل على بطلان التحليل" ٨٢.
(٢) "بيان الدليل على بطلان التحليل" ١٢٧، ١٢٨.
[ ١٤ ]
المقاصد، صالحة أو فاسدة. والله يعلم المصلح من المفسد.
وأما نية المعمول له: فهو الإخلاص لله في كل ما يأتي العبد وما يذر، وفي كل ما يقول ويفعل. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيّنة:٥] وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] .
وذلك أن على العبد أن ينوي نية كلية شاملة لأموره كلها، مقصودًا بها وجه الله، والتقرب إليه، وطلب ثوابه، واحتساب أجره، والخوف من عقابه. ثم يستصحب هذه النية في كل فرد من أفراد أعماله وأقواله، وجميع أحواله، حريصًا فيه على تحقيق الإخلاص وتكميله، ودفع كل ما يضاده: من الرياء والسمعة، وقصد المحمدة عند الخلق، ورجاء تعظيمهم، بل إن حصل شيء من ذلك فلا يجعله العبد قصده، وغاية مراده، بل يكون القصد الأصيل منه: وجه الله، وطلب ثوابه من غير التفات للخلق، ولا رجاء لنفعهم أو مدحهم. فإن حصل شيء نم ذلك من دون قصد من العبد لم يضره شيئًا، بل قد يكون من عاجل بشرى المؤمن.
فقوله ﷺ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" أي: إنها لا تحصل ولا تكون إلا بالنية، وأن مدارها على النية. ثم قال: "وإنما لكل امرئ ما نوى" أي: إنها تكون بحسب نية العبد صحتها أو فسادها، كمالها أو نقصانها، فمن نوى فعل الخير وقصد به المقاصد العليا - وهي ما يقرب إلى الله - فله من الثواب والجزاء الجزاء الكامل الأوفى. ومن نقصت نيته وقصده نقص ثوابه. ومن توجهت نيته إلى غير هذا المقصد الجليل فاته الخير، وحصل على ما نوى من المقاصد الدنيئة الناقصة. ولهذا ضرب النبي ﷺ مثالًا ليقاس عليه جميع الأمور، فقال: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهجْرَتُهُ إلى الله ورسوله" أي: حصل له ما نوى، ووقع أجره على الله "وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" خص فيه المرأة التي يتزوجها بعد ما عم جميع الأمور الدنيوية لبيان أن جميع ذلك غايات دنيئة، ومقاصد غير نافعة١، وكذلك حين سئل ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، أو حمية، أو ليُرَى مقامه في
_________________
(١) ولعلّ السبب في تخصيص المرأة أنّ مناسبة الحديث جاءت لأنّ رجلًا هاجر بسبب امرأة يقال لها "أمّ قيس" فسمّي "مهاجر أمّ قيس". والله أعلم وأحكم. ثمّ رأيت شيخ الإسلام ابن تبيمية -﵀- أشار إلى ذلك في "بيان الدليل" ص٨٢. فالحمد لله على نعمائه.
[ ١٥ ]
صف القتال: "أيُّ ذلك في سبيل الله؟ " فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"١. وقال تعالى في اختلاف النفقة بحسب النيات ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة:٢٦٥]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٣٨]، وهكذا جميع الأعمال.
والأعمال إنما تتفاضل ويعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب العامل من الإيمان والإخلاص، حتى إن صاحب النية الصادقة - وخصوصًا إذا اقترن بها ما يقدر عليه من العمل - يلتحق صاحبها بالعامل. قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ [النساء:١٠٠] . وفي الصحيح مرفوعًا: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا"٢، "إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلى كانوا معكم - أي: في نياتهم وقلوبهم وثوابهم - حبسهم العذر"٣. وإذا هم العبد بالخير ثم لم يقدر له العمل كتبت هِمَّته ونيته له حسنة كاملة. والإحسان إلى الخلق بالمال والقول والفعل خير وأجر وثواب عند الله. ولكنه يعظم ثوابه بالنية. قال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] أي: فإنه خير، ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، فرتب الأجر العظيم على فعل ذلك ابتغاء مرضاته.
وفي البخاري مرفوعًا "من أخذ أموال الناس يريد أداءَها أدَّاها الله عنه. ومن أخذها يريد
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم: ٢٨١٠، ومسلم في "صحيحه" رقم: ١٩٠٤، بعد ١٥٠.
(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٢٩٩٦، وفيه: "مثل ما كان".
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم: ٤٤٢٣، ومسلم في "صحيحه" رقم: ١٩١١ بعد ١٥٩.
[ ١٦ ]
إتلافها أتلفه الله"١ فانظر كيف جعل النية الصالحة سببًا قويًا للرزق وأداء الله عنه، وجعل النية السيئة سببًا للتلف والإتلاف.
وكذلك تجري النية في المباحات والأمور الدنيوية. فإن من قصد بكسبه وأعماله الدنيوية والعادية الاستعانة بذلك على القيام بحق الله وقيامه بالواجبات والمستحبات، واستصحب هذه النية الصالحة في أكله وشربه ونومه وراحاته ومكاسبه: انقلبت عاداته عبادات، وبارك الله للعبد في أعماله، وفتح له من أبواب الخير والرزق أمورًا لا يحتسبها ولا تخطر له على بال. ومن فاتته هذه النية الصالحة لجهله أو تهاونه فلا يلومن إلا نفسه. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال "إنك لن تعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه، حتى ما تجعله في فيّ امرأتِك"٢.
فعلم بهذا: أن هذا الحديث جامع لأمور الخير كلها. فحقيق بالمؤمن الذي يريد نجاة نفسه ونفعها أن يفهم معنى هذا الحديث، وأن يكون العمل به نصيب عينيه في جميع أحواله وأوقاته.
وأما حديث عائشة: فإن قوله ﷺ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد - أو مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رد"٣ فيدل بالمنطوق وبالمفهوم.
أما منطوقه: فإنه يدل على أن كل بدعة أحدثت في الدين ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة، سواء كانت من البدع القولية الكلامية، كالتجهم والرفض والاعتزال وغيرها، أو نم البدع العملية كالتعبد لله بعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله. فإن ذلك كله مردود على أصحابه. وأهله مذمومون بحسب بدعهم وبُعدها عن الدين. فمن أخبر بغير ما أخبر الله به ورسوله، أو تعبد بشيء لم يأذن لم يأذن الله به ورسوله ولم يشرعه: فهو مبتدع. ومن حرَّم المباحات، أو تعبد بغير الشرعيات: فهو مبتدع.
وأما مفهوم هذا الحديث٤: فإن من عمل عملًا، عليه أمر الله ورسوله - وهو التعبد لله
_________________
(١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٢٣٨٧.
(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٥٦، ١٢٩٥، ومسلم في "صحيحه" رقم: ١٦٢٨ بعد ٥.
(٣) تقدّم تخريجه قريبًا.
(٤) يعني مفهوم المخالفة. ونحو كلامه في "فتح الباري" ٥/٣٥٧ - ط: الريّان.
[ ١٧ ]
بالعقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة: من واجب ومستحب: فعمله مقبول، وسعيه مشكور.
ويستدل بهذا الحديث على أن كل عبادة فعلت على وجه منهي عنه فإنها فاسدة؛ لأنه ليس عليها أمر الشارع، وأن النهي يقتضي الفساد. وكل معاملة نهى الشارع عنها فإنها لاغية لا يعتد بها.
[ ١٨ ]