عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمُسلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: "وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أمِنَه النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ"٢ وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ: "وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طاعة الله"٣.
ذكر في هذا الحديث كمال هذه الأسماء الجليلة، التي رتب الله ورسوله عليها سعادة الدنيا والآخرة. وهي الإسلام والإيمان، والهجرة والجهاد. وذكر حدودها بكلام جامع شامل، وأن الْمُسلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
وذلك أن الإسلام الحقيقي: هو الاستلام لله، وتكميل عبوديته والقيام بحقوقه، وحقوق المسلمين. ولا يتم الإسلام حتى يحب للمسلمين ما يحب لنفسه. ولا يتحقق ذلك إلا بسلامتهم من شر لسانه وشر يده. فإن هذا أصل هذا الفرض الذي عليه للمسلمين. فمن لم يسلم المسلمون من لسانه أو يده كيف يكون قائمًا بالفرض الذي عليه لإخوانه المسلمين؟ فسلامتهم من شره القولي والفعلي عنوان على كمال إسلامه.
وفسر المؤمن بأنه الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم؛ فإن الإيمان إذا دار في القلب وامتلأ به، أوجب لصاحبه القيام بحقوق الإيمان التي من أهمها: رعاية الأمانات، والصدق في
_________________
(١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ١٠٠، ومسلم في " صحيحه" رقم: ٤٠ بعد ٦٤. وقد فصّلت في تخريجه في "روح العارفين" للخليفة الناصر رقم: ٢١ فانظره هناك.
(٢) أخرجه: الترمذي ٢٦٢٧، والنسائي في "المجتبى" ٨/١٠٤، وأحمد في "مسنده" ٢/٣٧٩، وابن حبّان في "صحيحه" رقم: ١٨٠- الإحسان، والحاكم في "المستدرك" ١/١٠ وصحّحه شيخنا الألباني -﵀- في صحيح الترمذي- رقم: ٢١١٨ من حديث أبي هريرة. وانظر: "الصحيحه" رقم: ٥٤٩.
(٣) أخرجه: البيهقي في "الشعب" رقم: ١١١٢٣، وأحمد ٦/٢١، وصحّحه شيخنا الألباني -﵀- في "الصحيحة" رقم: ٥٤٩.
[ ٢٣ ]
المعاملات، والورع عن ظلم الناس في دمائهم وأموالهم. ومن كان كذلك عرف الناس هذا منه، وأمنوه على دمائهم وأموالهم. ووثقوا به، لما يعلمون منه من مراعاة الأمانات، فإن رعاية الأمانة من أخص واجبات الإيمان، كما قال ﷺ: "لا إيمان لمن لا أمانة له"١.
وفسر ﷺ الهجرة التي هي فرض عين على كل مسلم بأنها هجرة الذنوب والمعاصي. وهذا الفرض لا يسقط عن كل مكلف في كل حال من أحواله؛ فإن الله حرم على عباده انتهاك المحرمات، والإقدام على المعاصي. والهجرة الخاصة التي هي الانتقال من بلد الكفر أو البدع إلى بلد الإسلام، والسنة جزء من هذه الهجرة، وليست واجبة على كل أحد، وإنما تجب بوجود أسبابها المعروفة.
وفسر المجاهد بأنه الذي جاهد نفسه على طاعة الله؛ فإن النفس مَيَّالة إلى الكسل عن الخيرات، أمارة بالسوء، سريعة التأثر عند المصائب، وتحتاج إلى صبر وجهاد في إلزامها طاعة الله، وثباتها عليها، ومجاهدتها عن معاصي الله، وردعها عنها، وجهادها على الصبر عند المصائب. وهذه هي الطاعات: امتثال المأمور، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور.
فالمجاهد حقيقة: من جاهدها على هذه الأمور؛ لتقوم بواجبها ووظيفتها.
ومن أشرف هذا النوع وأجلِّه: مجاهدتُها على قتلا الأعداء، ومجاهدتهم بالقول والفعل؛ فإن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الدين.
فهذا الحديث من قام بما دلّ عليه فقد قام بالدين كله: "من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأمنه الناس على دمائهم وأموالهم، وهجر ما نهى الله عنه، وجاهد نفسه على طاعة الله"، فإنه لم يبق من الخير الديني والدنيوي الظاهري والباطني شيئًا إلا فعله، ولا من الشر شيئًا إلا فعله، ولا من الشر شيئًا إلا تركه. والله الموفق وحده.
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٣/١٣٥، ١٥٤، ٢١٠، ٢٥١، وابن حبان رقم: ٤٧ - الإحسان، وغيرهما. وصحّحه شيخنا الألباني في "الإيمان" رقم: ٧، لابن أبي شيبة، و"المشكاة" رقم: ٣٥. وانظر: "صحيح الترغيب" رقم: ٣٠٠٤، وقد أطلت النفس في تخريجه في تخريجي لأحاديث "روح العارفين" رقم: ٣٣ للخليفة الناصر، فلينظره من أراد التوسّع. والحمد لله ربّ العالمين.
[ ٢٤ ]