عن جابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصرت بالرُّعبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعلت لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا. فأيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فليُصلّ، وأُحلّت لي الغنائم، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي. وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ. وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى الناس عامة" متفق عليه١.
فُضِّل نبينا محمد ﷺ بفضائل كثيرة فاق بها جميع الأنبياء. فكل خصلة حميدة ترجع إلى العلوم النافعة، والمعارف الصحيحة، والعمل الصالح. فلنبينا منها أعلاها وأفضلها وأكملها. ولهذا لما ذكر الله أعيان الأنبياء الكرام قال لنبيه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]، وهداهم: هو ما كانوا عليه من الفضائل الظاهرة والباطنة.
وقد تمم ﷺ ما أمر به، وفاق جميع الخلق، ولذلك خصّ الله نبينا بخصائص لما يشاركه فيها أحد من الأنبياء، منها: هذه الخمس التي عادت على أمته بكل خير وبركة ونفع.
إحداها: أنه نصر بالرعب مسيرة شهر، وهذا نصر رباني، وجند من السماء يعين الله به رسوله وأمته المتبعين لهديه، فمتى كان عدوه عنه مسافة شهر فأقل فإنه مرعوب منه، وإذا أراد الله نصر أحد ألقى في قلوب أعدائه الرعب، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران:١٥١]، وألقى في قلوب المؤمنين من القوة والثبات والسكينة والطمأنينة ما هو أعظم أسباب النصر، فالله تعالى وعد نبينا وأمته بالنصر العظيم، وأن يعينهم بأسباب أرشدهم إليها، كالاجتماع والائتلاف، والصبر والاستعداد للأعداء بكل مستطاع من القوة إلى غير ذلك من الإرشادات الحكيمة، وساعدهم بهذا النصر، وقد فعل ﵎، كما هو معروف من حال نبينا ﷺ والمتبعين له من خلفائه الراشدين والملوك الصالحين، تم لهم
_________________
(١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٤٣٨، ومسلم في "صحيحه" رقم: ٥٢١.
[ ٧٢ ]
من النصر والعزّ العظيم في أسرع وقت ما لم يتم لغيرهم.
الثانية: قوله: "وجعلت لي الأرض كلها مسجدًا وطهورًا" وحقق ذلك بقوله: "فأينما أدركت أحدًا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره" فجميع بقاع الأرض مسجد يصلى فيها من غير استثناء إلا ما نص الشارع على المنع منه.
وقد ثبت النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام١، وأعطان الإبل٢. وكذلك الموضع المغصوب والنجس لاشتراط الطهارة لبدن المصلي وثوبه وبقعته.
وكذلك من عدم الماء أو ضرّه استعماله فله العدول إلى التيمم بجميع ما تصاعد على وجه الأرض، سواء التراب الذي له غبار أو غيره، كما هو صريح هذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة:٦]، فإن الصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها.
ويدلّ على أن التيمم على الوجه واليدين ينوب مناب طهارة الماء، ويفعل به من الصلاة والطواف ومس الصحف وغير ذلك ما يفعل بطهارة الماء: والشارع أناب التراب مناب الماء عند تعذر استعماله. فيدل ذلك على أنه إذا تطهر بالتراب ولم ينتقض وضوءه لم يبطل تيممه بخروج الوقت ولا بدخوله، وأنه إذا نوى التيمم للنفل استباح الفرض كطهارة الماء، وأن حكمه حكم الماء في كل الأحكام في حالة التعذر.
الثالثة: قوله: "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" وذلك لكرامته على ربه، وكرامة أمته وفضلهم، وكمال إخلاصهم، فأحلها لهم، ولم ينقص من أجر جهادهم شيئًا. وحصل بها لهذه الأمة من سعة الأرزاق، وكثرة الخيرات، والاستعانة على أمور الدين والدنيا شيءٌ لا يمكن عدّه. ولهذا قال ﷺ: "وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي"٣ أما من قبلنا من الأمم، فإن
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود ٤٩٢، وأحمد ٣/٨٣، ٩٦، وابن ماجه ٧٤٥، والترمذي ٣١٧، بلفظ: "الأرض كلّها مسجد إلاّ المقبرة والحمام" وصحّحه شيخنا الألباني في "أحكام الجنائز" ص٢٧٠.
(٢) أخرجه: مسلم في "صحيحه" رقم: ٣٦٠ بعد ٩٧ من حديث جابر بن سمرة.
(٣) صحيح، جزءٌ من حديث ابن عمر أوّله: "بعثت بين يدي الساعة " أخرجه: أحمد ٢/٥٠، ٩٢، وعبد بن حميد في "المنتخب" رقم: ٨٤٦، وابن أبي شيبة في "مصنّفه" ٥/٣١٣، وانظر: إرواء الغليل رقم: ١٢٦٩.
[ ٧٣ ]
جهادهم قليل بالنسبة لهذه الأمة، وهم دون هذه الأمة بقوة الإيمان والإخلاص. فمن رحمته بهم أنه منعهم من الغنائم؛ لئلا يخلّ بإخلاصهم. والله أعلم.
الرابعة: قوله: "وأعطيت الشفاعة" وهي الشفاعة العظمى التي يعتذر عنها كبار الرسل، وينتدب لها خاتمهم محمد ﷺ. فيشفّعه الله في الخلق. ويحصل له المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وأهل السماوات والأرض. وتنال أمته من هذه الشفاعة الحظ الأوفر، والنصيب الأكمل. ويشفع لهم شفاعة خاصة، فيشفعه الله تعالى. وقد قال ﷺ: "لكل نبي دعوة تعجَّلَها. وقد خَبَّأتُ دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة – إن شاء الله – من مات لا يشرك بالله شيئًا"١، وقال: "أسعد الناس بشفاعتي: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه"٢.
الخامسة: قوله: "وكان النبي" أي: جنس الأنبياء "يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عامة" وذلك لكمال شريعته وعمومها وسعتها، واشتمالها على الصلاح المطلق، وأنها صالحة لكل زمان ومكان. ولا يتم الصلاح إلا بها. وقد أسّست للبشر أصولًا عظيمة، متى اعتبروها صلحت لهم دنياهم كما صلح لهم دينهم.
_________________
(١) أخرجه: مسلم في "صحيحه" رقم: ١٩٨ بعد ٣٣٨، والبخاري رقم: ٦٣٠٤، ٦٣٠٥، واللفظ لمسلم.
(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم: ٩٩.
[ ٧٤ ]