الحديث السابع والثلاثون عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا: بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هذا الحديث أصل في بيان المعاملات النافعة، والمعاملات الضارة، وأن الفاصل بين النوعين: الصدق والبيان.
فمن صدق في معاملته، وبين جميع ما تتوقف عليه المعاملة من الأوصاف المقصودة، ومن العيوب والنقص، فهذه معاملة نافعة في العاجل بامتثال أمر الله ورسوله، والسلامة من الإثم، وبنزول البركة في معاملته، وفي الآجلة بحصول الثواب، والسلامة من العقاب.
ومن كذب وكتم العيوب، وما في العقود عليه من الصفات فهو مع إثمه، معاملته ممحوقة البركة. ومتى نزعت البركة من المعاملة خسر صاحبها دنياه وأخراه.
ويستدل بهذا الأصل على تحريم التدليس، وإخفاء العيوب، وتحريم الغش، والبخس في الموازين والمكاييل والذرع وغيرها ; فإنها من الكذب والكتمان. وكذلك تحريم النجش (١) والخداع في المعاملات وتلقي الجلب
_________________
(١) هو نحو زيادة الثمن على قيمة الحاجة من غير رغبة في الشراء ليخدع المزاودين الآخرين.
[ ٨٩ ]
ليبيعهم، أو يشتري منهم.
ويدخل فيه: الكذب في مقدار الثمن والمثمن، وفي وصف المعقود عليه، وغير ذلك.
وضابط ذلك: أن كل شيء تكره أن يعاملك فيه أخوك المسلم أو غيره ولا يخبرك به، فإنه من باب الكذب والإخفاء والغش.
ويدخل في هذا: البيع بأنواعه، والإجارات، والمشاركات وجميع المعاوضات، وآجالها ووثائقها. فكلها يتعين على العبد فيها الصدق والبيان، ولا يحل له الكذب والكتمان.
وفي هذا الحديث: إثبات خيار المجلس في البيع، وأن لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الإمضاء أو الفسخ، ما داما في محل التبايع، فإذا تفرقا ثبت البيع ووجب، وليس لواحد منهما بعد ذلك الخيار إلا بسبب يوجب الفسخ، كخيار شرط، أو عيب يجده قد أخفي عليه، أو تدليس أو تعذر معرفة ثمن، أو مثمن.
والحكم في إثبات خيار المجلس: أن البيع يقع كثيرا جدا، وكثيرا ما يندم الإنسان على بيعه أو شرائه، فجعل له الشارع الخيار ; كي يتروى وينظر حاله: هل يمضي، أو يفسخ؟ والله أعلم.