الحديث السادس عشر عن أبي صرمة (١) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ. وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ (٢) اللَّهُ عَلَيْهِ» رواه الترمذي وابن ماجه.
هذا الحديث دل على أصلين من أصول الشريعة:
أحدهما: أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، وهذا من حكمة الله التي يحمد عليها، فكما أن من عمل ما يحبه الله أحبه الله، ومن عمل ما يبغضه أبغضه الله، ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه، كذلك من ضار مسلما ضره الله، ومن مكر به مكر الله به، ومن شق عليه شق الله عليه، إلى غير ذلك من الأمثلة الداخلة في هذا الأصل.
الأصل الثاني: منع الضرر والمضارة، وأنه «لا ضرر ولا ضرار» وهذا يشمل أنواع الضرر كله.
والضرر يرجع إلى أحد أمرين: إما تفويت مصلحة، أو حصول مضرة بوجه من الوجوه، فالضرر غير المستحق لا يحل إيصاله وعمله مع الناس، بل يجب على الإنسان أن يمنع ضرره وأذاه عنهم من جميع الوجوه.
_________________
(١) في الأصل " حرمة "، والصحيح ما أثبتناه " الناشر ".
(٢) في الأصل " شاق "، والصحيح ما أثبتناه من رواية الترمذي " الناشر ".
[ ٣٩ ]
فيدخل في ذلك: التدليس والغش في المعاملات وكتم العيوب فيها، والمكر والخداع والنجش، وتلقي الركبان، وبيع المسلم على بيع أخيه، والشراء على شرائه. ومثله الإجارات، وجميع المعاملات والخطبة على خطبة أخيه، وخطبة الوظائف التي فيها أهل لها قائم بها. فكل هذا من المضارة المنهي عنها.
وكل معاملة من هذا النوع، فإن الله لا يبارك فيها، لأنه من ضار مسلما ضاره الله، ومن ضاره الله، ترحل عنه الخير، وتوجه إليه الشر وذلك بما كسبت يداه.
ويدخل في ذلك: مضارة الشريك لشريكه، والجار لجاره، بقول أو فعل حتى إنه لا يحل له أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، فضلا عن مباشرة الإضرار به.
ويدخل في ذلك: مضارة الغريم لغريمه، وسعيه في المعاملات التي تضر بغريمه، حتى إنه لا يحل له أن يتصدق ويترك ما وجب عليه من الدين إلا بإذن غريمه، أو يرهن موجوداته أحد غرمائه دون الباقين، أو يقف، أو يعتق ما يضر بغريمه، أو ينفق أكثر من اللازم بغير إذنه.
وكذلك الضرار في الوصايا: كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] بأن يخص أحد ورثته بأكثر مما له، أو ينقص الوارث، أو يوصي لغير وارثه بقصد الإضرار بالورثة.
وكذلك لا يحل إضرار الزوج بزوجته من وجوه كثيرة: إما أن يعضلها ظلما لتفتدي منه، أو يراجعها لقصد الإضرار، أو يميل إلى إحدى زوجتيه ميلا يضر بالأخرى، ويجعلها كالمعلقة.
ومن ذلك: الحيف في الأحكام والشهادات والقسمة وغيرها على أحد الشخصين لنفع الآخر. فكل هذا داخل في المضارة، وفاعله مستحق للعقوبة،
[ ٤٠ ]
وأن يضار الله به.
وأشد من ذلك: الوقيعة في الناس عند الولاة والأمراء، ليغريهم بعقوبته أو أخذ ماله، أو منعه من حق هو له، فإن من عمل هذا العمل فإنه باغ، فليتوقع العقوبة العاجلة والآجلة.
ومن هذا: «نهى النبي ﷺ (أن يورد ممرض على مصح» لما في ذلك من الضرر.
وكذلك نهى الجذمى ونحوهم عن مخالطة الناس، وهذا وغيره داخل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ونهى عن ترويع المسلم، ولو على وجه المزح.
ومن هذا السخرية بالخلق، والاستهزاء بهم، والوقيعة في أعراضهم، والتحريش بينهم. فكله داخل في المضارة والمشاقة الموجب للعقوبة.
وكما يدل الحديث بمنطوقه: أن من ضار وشاق ضره الله وشق عليه، فإن مفهومه يدل على: أن من أزال الضرر والمشقة عن المسلم فإن الله يجلب له الخير، ويدفع عنه الضرر والمشاق، جزاء وفاقا، سواء كان متعلقا بنفسه أو بغيره.