قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ تَدَبَّرْتُ -رَحِمَكَ اللَّهُ- كَلَامَ الْعَايِبِينَ وَالزَّارِينَ١ فوجدتهم يَقُولُونَ على الله مَا لا يَعْلَمُونَ، وَيَعِيبُونَ٢ النَّاسَ بِمَا يَأْتُونَ وَيُبْصِرُونَ الْقَذَى فِي عُيُونِ النَّاسِ، وَعُيُونُهُمْ تَطْرِفُ٣ عَلَى الْأَجْذَاعِ٤ وَيَتَّهِمُونَ غَيْرَهُمْ فِي النَّقْلِ، وَلَا يَتَّهِمُونَ آرَاءَهُمْ فِي التَّأْوِيلِ.
وَمَعَانِي الْكِتَابِ٥ وَالْحَدِيثِ، وَمَا أَوْدَعَاهُ مِنْ لَطَائِفِ الْحِكْمَةِ وَغَرَائِبِ اللُّغَةِ، لَا يُدْرَكُ بِالطَّفْرَةِ٦ وَالتَّوَلُّدِ وَالْعَرْضِ وَالْجَوْهَرِ، وَالْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ وَالْأَيْنِيَّةِ.
وَلَوْ رَدُّوا الْمُشْكَلَ مِنْهُمَا، إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِمَا، وَضَحَ لَهُمُ الْمَنْهَجُ، وَاتَّسَعَ لَهُمُ الْمَخْرَجُ.
وَلَكِنْ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ طَلَبُ الرِّيَاسَةِ، وَحُبُّ الْأَتْبَاعِ، وَاعْتِقَادُ الإخوان بالمقالات.
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: مقَالَة أهل الْكَلَام. ٢ وَفِي نُسْخَة: ويفتنون. ٣ عيونه تطرف: تطبق أحد جفنيه على الآخر. ٤ الأجذاع: جمع جذع: النّخل، وَفِي نُسْخَة: الأجذال. ٥ أَي الْقُرْآن الْكَرِيم كتاب الله تَعَالَى. ٦ من الْكَلِمَات الَّتِي تجْرِي على أَلْسِنَة الْمُتَكَلِّمين وتذكر فِي كتبهمْ، ومعانيها كَمَا وَردت فِي الْقَامُوس. الطفرة: الوثب فِي ارْتِفَاع. الْعرض من الْكَلَام: فحواه. الْجَوْهَر: كل حجر يسْتَخْرج مِنْهُ شَيْء ينْتَفع بِهِ، ثمَّ اسْتعْمل مجَازًا لكل أَمر أَو شَيْء يسْتَخْرج مِنْهُ شَيْء ينْتَفع بِهِ. والكيفية: مَأْخُوذَة من "كَيفَ"، والكمية: مَأْخُوذَة من "كم" والأينية: مَأْخُوذَة من "أَيْن".
[ ٦١ ]
وَالنَّاسُ أَسْرَابُ١ طَيْرٍ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَلَوْ ظَهَرَ لَهُمْ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ -مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَنْ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ- لَوَجَدَ عَلَى ذَلِكَ أَتْبَاعًا وَأَشْيَاعًا.
وَقَدْ كَانَ يَجِبُ -مَعَ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ وَإِعْدَادِ آلَاتِ النَّظَرِ- أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا كَمَا لَا يَخْتَلِفُ الحُسّاب والمُسّاح، وَالْمُهَنْدِسُونَ، لِأَنَّ آلَتَهُمْ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ، وَكَمَا لَا يَخْتَلِفُ حُذَّاقُ الْأَطِبَّاءِ فِي الْمَاءِ وَفِي نَبْضِ الْعُرُوقِ؛ لِأَنَّ الْأَوَائِلَ قَدْ وَقَّفُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فَمَا بَالُهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ اخْتِلَافًا، لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فِي الدِّينِ.
فَـ "أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ"٢ يُخَالِفُ "النَّظَّامَ"٣ و"النجار"٤ يخالفهما، و"هِشَام بْنُ الْحَكَمِ"٥ يُخَالِفُهُمْ، وَكَذَلِكَ "ثُمَامَةُ" و"مويس" و"هَاشم الأوقص" و"عبيد الله بن الْحسن"٦ و"بكر الْعَمى"
_________________
(١) ١ الأسراب: جمع سرب وَهُوَ القطيع من الْحَيَوَانَات والطيور، تتبع وَاحِدًا مِنْهَا بِدُونِ فهم أَو معرفَة لحقيقة اتجاه. ٢ أَبُو الْهُذيْل العلاف: مُحَمَّد بن الْهُذيْل بن عبد الله بن مَكْحُول الْعَبْدي من أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة. ولد فِي الْبَصْرَة عَام ١٣٥هـ. واشتهر بِعلم الْكَلَام، وَكَانَ حسن الجدل قوي الْحجَّة توفّي بسامرا سنة ٢٣٥هـ وَله كتب كَثِيرَة. ٣ النظام: إِبْرَاهِيم بن سيار بن هَانِئ الْبَصْرِيّ من أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة تبحر فِي عُلُوم الفلسفة واطلع على كثير مِمَّا كتبه رجالها، وَله فرقة تابعته سميت "النظامية" نِسْبَة إِلَيْهِ، وَله كتب كَثِيرَة فِي الفلسفة والاعتزال، وَتُوفِّي عَام ٢٣١هـ. ٤ النجار هُوَ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الله. رَأس الْفرْقَة "النجارية" من الْمُعْتَزلَة وَإِلَيْهِ نسبتها من أهل قُم، وَله مَعَ النظام مناظرات توفّي عَام ٢٢٠هـ. ٥ هِشَام بن الحكم الشَّيْبَانِيّ بِالْوَلَاءِ، الْكُوفِي، أَبُو مُحَمَّد مُتَكَلم مناظر، كَانَ شيخ الإمامية فِي وقته. ولد بِالْكُوفَةِ، وَنَشَأ بواسط، وَسكن بَغْدَاد وَانْقطع إِلَى يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي. وصنف كتبا مِنْهَا: "الإمامية" و"الْقدر" و"الشَّيْخ والغلام" و"الدلالات على حُدُوث الْأَشْيَاء" و"الرَّد على الْمُعْتَزلَة فِي طَلْحَة وَالزُّبَيْر" و"الرَّد على هِشَام الجواليقي" و"الرَّد على شَيْطَان الطاق". وَلما حدثت نكبة البرامكة استتر؛ وَتُوفِّي على أَثَرهَا بِالْكُوفَةِ عَام ١٩٠هـ وَيُقَال عَاشَ إِلَى خلَافَة الْمَأْمُون. ٦ عبيد الله بن الْحسن بن الْحصين الْعَنْبَري من تَمِيم، قَاض من الْفُقَهَاء الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ، من أهل الْبَصْرَة. قَالَ ابْن حبَان: من ساداتها فقهًا وعلمًا، ولد عَام ١٠٥هـ وَولي قَضَاء الْبَصْرَة سنة ١٥٧هـ وعزل سنة ١٦٦هـ وَتُوفِّي فِيهَا عَام ١٦٨هـ.
[ ٦٢ ]
و"حَفْص"١ و"قبَّة" وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ.
لَيْسَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ إِلَّا وَلَهُ مَذْهَبٌ فِي الدِّينِ، يُدَانُ بِرَأْيهِ٢ وَلَهُ عَلَيْهِ تَبَعٌ.
الْاخْتِلَافُ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْأُصُولِ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْفُرُوعِ وَالسُّنَنِ، لَاتَّسَعَ لَهُمُ الْعُذْرُ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ لَا عُذْرَ لَهُمْ، مَعَ مَا يَدَّعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا اتَّسَعَ لِأَهْلِ الْفِقْهِ، وَوَقَعَتْ لَهُمُ الْأُسْوَةُ بِهِمْ.
وَلَكِنَّ اخْتِلَافَهُمْ، فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي قُدْرَتِهِ٣، وَفِي نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَعَذَابِ أَهْلِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْبَرْزَخِ، وَفِي اللَّوْحِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَنْ٤ يَعْدَمَ هَذَا مِنْ رَدِّ مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ إِلَى اسْتِحْسَانِهِ وَنَظَرِهِ وَمَا أَوْجَبَهُ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي عُقُولِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ وَاخْتِيَارَاتِهِمْ.
فَإِنَّكَ لَا تَكَادُ تَرَى رَجُلَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ، حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يَخْتَارُ مَا يَخْتَارُهُ الْآخَرُ، وَيَرْذُلُ مَا يَرْذُلُهُ الْآخَرُ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ التَّقْلِيدِ.
وَالَّذِي خَالَفَ بَيْنَ مَنَاظِرِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ وَخُطُوطِهِمْ وَآثَارِهِمْ -حَتَّى فَرَّقَ الْقَائِفُ٥ بَيْنَ الْأَثَرِ والأثر، وَبَين الْأُنْثَى
_________________
(١) ١ "حفظ" بن أبي الْمِقْدَام الأباضي: رَأس الْفرْقَة الحفصية من فرق الإباضية. انْفَرد بقوله: "من عرف الله تَعَالَى وَكفر بِمَا سواهُ من جنَّة ونار وَرَسُول وَغَيره فَهُوَ كَافِر وَلَيْسَ بمشرك". ٢ وَفِي نُسْخَة: بِرَأْيهِ. ٣ وَفِي نُسْخَة: وَفِي قدره. ٤ وَفِي نُسْخَة: وَلَكِن. ٥ الْقَائِف: من يعرف الْآثَار، وَهُوَ جمع قافة، وقاف أَثَره: تبعه. الْقَامُوس.
[ ٦٣ ]
وَالذكر -هُوَ الَّذِي خَالَفَ بَيْنَ آرَائِهِمْ، وَالَّذِي خَالَفَ بَيْنَ الْآرَاءِ، هُوَ الَّذِي أَرَادَ الْاخْتِلَافَ لَهُمْ، وَلَنْ تَكْمُلَ الْحِكْمَةُ وَالْقُدْرَةُ إِلَّا بِخَلْقِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ لِيُعْرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ.
فَالنُّورُ يُعْرَفُ بِالظُّلْمَةِ، وَالْعِلْمُ يُعْرَفُ بِالْجَهْلِ، وَالْخَيْرُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، وَالنَّفْعُ يُعْرَفُ بِالضُّرِّ، وَالْحُلْوُ يُعْرَفُ بِالْمُرِّ؛ لِقَوْلِ١ اللَّهِ ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وَالْأَزْوَاجُ: الْأَضْدَادُ وَالْأَصْنَافُ كَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْيَابِسِ وَالرَّطْبِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٣.
وَلَوْ أَرَدْنَا -رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنْ نَنْتَقِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَنَرْغَبَ عَنْهُمْ، إِلَى أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَنَرْغَبَ فِيهِمْ، لَخَرَجْنَا مِنِ اجْتِمَاعٍ إِلَى تَشَتُّتٍ، وَعَنْ نِظَامٍ إِلَى تَفَرُّقٍ، وَعَنْ أُنْسٍ إِلَى وَحْشَةٍ، وَعَنِ اتِّفَاقٍ إِلَى اخْتِلَافٍ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ كُلَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ٤ لَا يَكُونُ.
وَعَلَى أَنَّهُ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَعَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ، وَعَلَى الْإِيْمَانِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ، وَمَنْ فَارَقَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا نَابَذُوهُ وَبَاغَضُوهُ وَبَدَّعُوهُ وَهَجَرُوهُ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ، لِغُمُوضٍ وَقَعَ فِي ذَلِكَ، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ: عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ بِكُلِّ حَالٍ -مَقْرُوءًا وَمَكْتُوبًا وَمَسْمُوعًا وَمَحْفُوظًا- غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهَذَا الْإِجْمَاع.
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: يَقُول. ٢ الْآيَة: ٣٦ من سُورَة يس. ٣ الْآيَة: ٤٥ من سُورَة النَّجْم. ٤ وَفِي نُسْخَة: لَا يَشَاء.
[ ٦٤ ]
الْاقْتِدَاءُ بِالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ:
وَأَمَّا الِايتِّسَاءُ١ فَبِالْعُلَمَاءِ الْمُبَرَّزِينَ، وَالْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْعُبَّادِ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِينَ لَا يُجَارَوْنَ، وَلَا يُبْلَغُ شَأْوُهُمْ.
مِثْلَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ٢، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ٣، وَالْأَوْزَاعِيِّ٤، وَشُعْبَةَ٥، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ٦ وَعُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَكَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ٧، وَمُسْلِمٍ الْخَوَّاصِ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ٨، وَدَاوُدَ الطَّائِيِّ٩، وَمُحَمّد بن النَّضر
_________________
(١) ١ الايتساء: أَي الِاقْتِدَاء من ائتسى بِهِ: جعله إسوة أَي قدوة. الْقَامُوس ص١٦٢٦. ٢ سُفْيَان بن سعيد بن مَسْرُوق الثَّوْريّ الْكُوفِي، أَبُو عبد الله، أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث، كَانَ إِمَامًا من أَئِمَّة الْمُسلمين، وعلمًا من أَعْلَام الدَّين، مجمعا على إِمَامَته، وَكَانَ يحيى بن معِين لَا يقدم عَلَيْهِ فِي زَمَانه أحدا فِي الْفِقْه والْحَدِيث وكل شَيْء، وَكَانَ عابدًا ثبتًا. وَقَالَ النَّسَائِيّ: هُوَ أجل من أَن يُقَال فِيهِ: ثِقَة، وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة الَّذين أَرْجُو أَن يكون الله مِمَّن جعله لِلْمُتقين إِمَامًا، ولد سنة ٩٧هـ وَتُوفِّي بِالْبَصْرَةِ سنة ١٦١هـ. ٣ مَالك بن أنس: إِمَام دَار الْهِجْرَة وَأحد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ولد عَام ٩٣هـ فِي الْمَدِينَة وَتُوفِّي فِيهَا عَام ١٧٩هـ كَانَ صلبًا فِي دينه بَعيدا عَن الْأُمَرَاء والملوك. صنف الْمُوَطَّأ وكتبًا أُخْرَى. ٤ الْأَوْزَاعِيّ: هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو ولد عَام ٨٨هـ فِي بعلبك وَنَشَأ فِي الْبِقَاع وَسكن ببيروت وَتُوفِّي بهَا، وَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء فَامْتنعَ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ عَظِيم الشَّأْن بِالشَّام، وَكَانَ أمره أعز من أَمر السُّلْطَان توفّي عَام ١٥٧هـ. ٥ شُعْبَة بن الْحجَّاج أحد أَئِمَّة الْإِسْلَام. قَالَ فِيهِ أَحْمد: شُعْبَة أمة وَحده، وَقَالَ ابْن معِين فِيهِ: إِمَام الْمُتَّقِينَ. ولد سنة ٨٠هـ وَمَات سنة ١٦٠هـ. ٦ اللَّيْث بن سعد بن عبد الرَّحْمَن الفهمي وَلَاء، الإِمَام الْعَلامَة، عَالم مصر وفقيهها ورئيسها كَانَ يقرن بِمَالك وَهُنَاكَ من قَالَ: إِنَّه أفقه مِنْهُ وَقَالَ مُحَمَّد بن رمح: كَانَ دخل اللَّيْث ثَمَانِينَ ألف دِينَار مَا وَجَبت عَلَيْهِ زَكَاة قطّ، ولد سنة ٩٤هـ وَتُوفِّي سنة ١٧٥هـ. ٧ إِبْرَاهِيم بن أدهم بن مَنْصُور، التَّمِيمِي الْبَلْخِي أَبُو إِسْحَاق، زاهد مَشْهُور، كَانَ أَبوهُ من أهل الْغنى فِي بَلخ، فتفقه ورحل إِلَى بَغْدَاد، وَكَانَ يعِيش من عمل يَده، توفّي عَام ١٦١هـ فِي سوقنن على الْأَرْجَح. ٨ هُوَ فُضَيْل بن عِيَاض بن مَسْعُود بن بشر التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْخُرَاسَانِي، شيخ الْحرم. قَالَ ابْن الْمُبَارك: أورع من رَأَيْت فُضَيْل بن عِيَاض، كَانَ ثِقَة نبيلًا فَاضلا عابدًا ورعًا كثير الحَدِيث. مَاتَ بِمَكَّة سنة ١٨٧هـ عَن ثَمَانِينَ سنة. ٩ دَاوُد بن نصير الطَّائِي أَبُو سُلَيْمَان من أَئِمَّة المتصوفين، أَصله من خُرَاسَان ومولده بِالْكُوفَةِ. رَحل إِلَى بَغْدَاد فَأخذ عَن أبي حنيفَة وَغَيره، وَعَاد إِلَى الْكُوفَة فاعتزل النَّاس وَلزِمَ الْعِبَادَة إِلَى أَن مَاتَ فِيهَا عَام ١٦٥هـ.
[ ٦٥ ]
الْحَارِثِيّ، وَأحمد بْنِ حَنْبَلٍ١، وَبِشْرٍ الْحَافِي٢، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، مِمَّنْ قَرُبَ مِنْ زَمَانِنَا.
فَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَبْلُغَهُمُ الْإِحْصَاءُ وَيَحُوزَهُمُ الْعَدَدُ٣.
ثُمَّ بِسَوَادِ النَّاسِ وَدَهْمَائِهِمْ٤ وَعَوَامِّهِمْ، فِي كُلِّ مِصْرٍ وَفِي كُلِّ عَصْرٍ.
فَإِنَّ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِّ، إِطْبَاقَ قُلُوبِهِمْ عَلَى الرِّضَاءِ بِهِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي مَجَامِعِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، بِمَذَاهِبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَا إِجْمَاعَهُمْ عَلَيْهَا، مَا كَانَ فِي جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ مُنْكِرٌ، وَلَا عَنْهُ نَافِرٌ.
وَلَوْ قَامَ بِشَيْءٍ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ أَصْحَابُ الْكَلَامِ، مِمَّا يُخَالِفُهُ، مَا ارْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ إِلَّا مَعَ خُرُوج نَفسه"٥.
مزاعم النظام وأكاذيبه:
فَإِذَا نَحْنُ أَتَيْنَا أَصْحَابَ الْكَلَامِ، لِمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ، وَحُسْنِ النَّظَرِ، وَكَمَالِ الْإِرَادَةِ٦، وَأَرَدْنَا أَنْ نَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، وَنَعْتَقِدَ شَيْئًا مِنْ نِحَلِهِمْ، وَجَدْنَا "النَّظَّامَ" شَاطِرًا مِنَ الشُّطَّارِ، يَغْدُو عَلَى سُكْرٍ، وَيَرُوحُ عَلَى سُكْرٍ، وَيَبِيتُ عَلَى جَرَائِرِهَا٧ وَيدخل فِي الأدناس
_________________
(١) ١ أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ، الْمُحدث الْفَقِيه، ولد فِي بَغْدَاد سنة ١٦٤هـ وَكَانَ من أَصْحَاب الإِمَام الشَّافِعِي وخواصه، ارتحل فِي طلب الْعلم، ودعي إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَأبى، وَتُوفِّي سنة ٢٤١هـ. ٢ هُوَ بشر بن الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن بن عَطاء الْمروزِي، أَبُو نصر الحافي الزَّاهِد العابد الْقدْوَة، نزيل بَغْدَاد، قَالَ الْحَرْبِيّ: مَا أخرجت بَغْدَاد بَغْدَاد أتم عقلا وَلَا أحفظ لِلِسَانِهِ من بشر. قَالَ الذَّهَبِيّ: كَانَت لَهُ جَنَازَة عَظِيمَة أخرجت غدْوَة فَلم يصل فِي قَبره إِلَى اللَّيْل من الزحام توفّي سنة ٢٣٧ عَن خمس وَسبعين سنة. ٣ وَفِي نُسْخَة: الْعد. ٤ الدهماء: الْعدَد الْكثير وَجَمَاعَة النَّاس وسوادهم. ٥ كِنَايَة عَن سرعَة بطشهم بِهِ. ٦ وَفِي نُسْخَة: الْأَدَاء. ٧ جرائر: جمع جريرة، وَهِي الذَّنب.
[ ٦٦ ]
ويرتكب الْفَوَاحِشَ وَالشَّائِنَاتِ وَهُوَ الْقَائِلُ:
مَا زِلْتُ آخُذُ رُوحَ الزِّقِّ١ فِي لُطْفٍ وَأَسْتَبِيحُ دَمًا مِنْ غَيْرِ مَجْرُوحٍ
حَتَّى انْثَنَيْتُ وَلِي رُوحَانِ فِي جَسَدِي وَالزِّقُّ مُطَّرَحٌ جِسْمٌ بِلَا رُوحٍ
ثُمَّ نَجِدُ أَصْحَابَهُ يَعُدُّونَ مِنْ خَطَئِهِ قَوْلَهُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُحْدِثُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فِي كُلِّ وَقْتٍ من غير إفنائها٢.
قَالُوا فَاللَّهُ فِي قَوْلِهِ يُحْدِثُ الْمَوْجُودَ، وَلَوْ جَازَ إِيجَادُ الْمَوْجُودِ، لَجَازَ إِعْدَامُ الْمَعْدُومِ؛ وَهَذَا فَاحِشٌ فِي ضَعْفِ الرَّأْيِ، وَسُوءِ الْاخْتِيَارِ.
مُخَالَفَةُ النَّظَّامِ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَطَعْنُهُ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:
وَحَكَوْا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى الْخَطَأِ؛
قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً دُونَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَكُلُّ نَبِيٍّ فِي الْأَرْضِ -بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
_________________
(١) ١ الزق: بِالْكَسْرِ السقا، أَو جلد يحز وَلَا ينتف للشراب وَغَيره. ٢ هَذَا كَلَام من بدع الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة الَّذِي يلتقون على مَا يَلِي: أ- ينفون عَن الله ﷿ صِفَاته الأزلية، وَيَقُولُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لله ﷿ علم وَلَا قدرية وَلَا حَيَاة وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا صفة أزلية. ب- يَقُولُونَ باستحالة رُؤْيَة الله ﷿ بالأبصار، وَزَعَمُوا أَنه ﷻ لَا يرى نَفسه وَلَا يرَاهُ غَيره، وَاخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ رَاء لغيره أم لَا؟. فَأَجَازَهُ قوم مِنْهُم وأباه قوم آخَرُونَ. حـ- يتفقون على القَوْل بحدوث كَلَام الله ﷿، وحدوث أمره وَنَهْيه وَخَبره، وَكلهمْ يَزْعمُونَ أَن كَلَام الله ﷿ حَادث. د- يَقُولُونَ بِأَن الله تَعَالَى غير خَالق لأكساب النَّاس، وَلَا لشَيْء من أَعمال الْحَيَوَانَات، وَزَعَمُوا أَن النَّاس هم الَّذين يقدرُونَ على أكسابهم. هـ- يتفقون على دَعوَاهُم فِي الْفَاسِق من أمة الْإِسْلَام بالمنزلة بَين المنزلتين فَهُوَ فَاسق لَا مُؤمن وَلَا كَافِر. ويَقُولُونَ أَن كل مَا لم يَأْمر الله تَعَالَى بِهِ أَو ينْهَى عَنهُ من أَعمال الْعباد لم يَشَأْ الله شَيْئا مِنْهَا إِلَخ.
[ ٦٧ ]
فَإِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ بَعْثُهُ؛ لِأَنَّ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ -لِشُهْرَتِهَا- تَبْلُغُ آفَاقَ الْأَرْضِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَتَّبِعَهُ.
فَخَالَفَ الرِّوَايَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ" ١ وأوَّلَ الحديثَ.
وَفِي مُخَالَفَةِ الرِّوَايَةِ وَحْشَةٌ، فَكَيْفَ بِمُخَالَفَةِ الرِّوَايَةِ وَالْإِجْمَاع لما اسْتحْسنَ.
وَكَانَ يَقُولُ فِي الْكِنَايَاتِ عَنِ الطَّلَاقِ، كَالْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِّيَّةِ، وَحَبْلِكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَالْبَتَّةِ٢، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ، نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ. فَخَالَفَ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَالَفَ الرِّوَايَةَ لِمَا اسْتُحْسِنَ.
وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا ظَاهَرَ بالبطن أَو الْفرج، لم يكون مُظَاهِرًا، وَإِذَا آلَى بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، لِأَنَّ الْإِيلَاءَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا نَامَ الرَّجُلُ أَوَّلَ اللَّيْلِ عَلَى طَهَارَةٍ، مُضْطَجِعًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُتَوَرِّكًا، أَوْ كَيْفَ نَامَ إِلَى الصُّبْحِ، لم ينْتَقض وضوؤه، لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.
قَالَ: وَإِنَّمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى الْوُضُوءِ٣ مِنْ نَوْمِ الضَّجْعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَوَائِلَهُمْ إِذَا قَامُوا بِالْغَدَاةِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ تَطَهَّرُوا؛ لِأَنَّ عَادَاتِ النَّاسِ الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ مَعَ الصُّبْحِ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَيْقِظُ وبعينه رمص٤ وبفيه
_________________
(١) ١ "بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود": أَي إِلَى الْعَجم وَالْعرب؛ لِأَن الْغَالِب على ألوان الْعَجم الْحمرَة وَالْبَيَاض، وعَلى ألوان الْعَرَب الأدمة والسمرة. وَقيل: أَرَادَ الْجِنّ وَالْإِنْس. ا. هـ. نِهَايَة. وَقد أخرجه البُخَارِيّ: تيَمّم: ١، صَلَاة: ٥٦، وَالنَّسَائِيّ: غسل: ٣٦، والدارمي: صَلَاة ١١١. ٢ الْبَتَّةَ: من أَلْفَاظ كنايات الطَّلَاق، وَمَعْنَاهَا: مَقْطُوعَة الْوَصْل، وَأَصله من الْبَتّ بِمَعْنى الْقطع، وَاسْتعْمل بِمَعْنى الْمَفْعُول أَي: المبتوتة. ٣ وَفِي نُسْخَة: التَّوَضُّؤ. ٤ الرمص: وسخ أَبيض يجْتَمع فِي الموق، رمصت عينه كفرح، والنعت: أرمص ورمصاء.
[ ٦٨ ]
خلوف، وَهُوَ مُتَهَيِّجُ الْوَجْهِ، فَيَتَطَهَّرُ لِلْحَدَثِ وَالنُّشْرَةِ١ لَا لِلنَّوْمِ وَكَمَا أَوْجَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالْغَدَاةِ فِي حِيطَانِهِمْ٢؛ فَإِذَا أَرَادُوا الرَّوَاحَ اغْتَسَلُوا.
فَخَالَفَ بِهَذَا الْقَوْلِ الرِّوَايَةَ وَالْإِجْمَاعَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ" ٣.
خَطَّأَ النَّظَّامُ أَبَا بَكْرِ وَعُمَرَ:
وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: "لَوْ كَانَ هَذَا الدِّينُ بِالْقِيَاسِ، لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ"٤.
فَقَالَ النَّظَّامُ: كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى عُمَرَ، الْعَمَلُ بِمِثْلِ مَا قَالَ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا.
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ قَوْلِهِ: أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْجَدِّ٥ أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ ثُمَّ قَضَى فِي الْجَدِّ بِمِائَةِ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، حِينَ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، أَمْ أَيْنَ أَذْهَبُ؟ أَمْ كَيْفَ أَصْنَعُ إِذَا أَنَا قُلْتُ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، بِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللَّهُ.
ثُمَّ سُئِلَ عَنِ الْكَلَالَةِ٦، فَقَالَ: "أَقُولُ فِيهَا برأيي فَإِن كَانَ صَوَابا،
_________________
(١) ١ النشرة: بِالضَّمِّ رقية يعالج بهَا الْمَجْنُون الْمَرِيض، الْقَامُوس ص٦٢١ وَلَعَلَّ الْأَصَح: النشور؛ أَي بعد النّوم، كالإحياء بعد الْمَمَات. وَالله أعلم. ٢ حياطانهم: أَي بساتينهم. ٣ أخرجه ابْن ماجة: فتن ٨ بِلَفْظ "إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة " وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَقد جَاءَ الحَدِيث بطرِيق فِي كلهَا نظر، وَإِن كَانَ هَذَا الْمَعْنى حق، وَهُوَ الَّذِي اكْتسب الْإِجْمَاع قوته. ٤ وَهَذَا قَول عَليّ ﵁ كَمَا ذكره ابْن حجر فِي بُلُوغ المرام، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ فِي جَامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير بقم ٥٢٧٧ -مُحَمَّد بدير. ٥ وَفِي نُسْخَة: الْفتيا. ٦ الْكَلَالَة: من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد، أَو من تكلل نسبه بنسبك كَابْن الْعم وَشبهه أَو الْأُخوة للْأُم، أَو بَنو الْعم الأباعد، أَو مَا خلا الْوَالِد وَالْولد، أَو هِيَ من الْعصبَة من ورث مَعَه الْإِخْوَة لأم.
[ ٦٩ ]
فَمن اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي -هِيَ مَا دُونَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ". قَالَ: وَهَذَا خِلَافُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَمَنِ اسْتَعْظَمَ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ ذَلِكَ الْاسْتِعْظَامَ، لَمْ يُقْدِمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ هَذَا الْإِقْدَامَ حَتَّى يُنْفِذَ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ.
وَذَكَرَ قَوْلَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، حِينَ سُئِلَ عَنْ بَقَرَةٍ قَتَلَتْ حِمَارًا، فَقَالَ: "أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ وَافَقَ رَأْيِي قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَقَضَائِي رَذْلٌ فَسْلٌ".
قَالَ وَقَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَقَحَّمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ، فَلْيَقُلْ فِي الْجَدِّ" ثُمَّ قَضَى فِيهِ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ.
وَكَذَّبَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَاتَّهَمَهُ:
وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ١ فِي حَدِيثِ بِرْوع بِنْتِ وَاشِقٍ:
"أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا، فَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى".
قَالَ النظام: وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ بِالظَّنِّ، وَالْقَضَاءُ بِالشُّبْهَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِالظَّنِّ حَرَامًا، فَالْقَضَاءُ بِالظَّنِّ أَعْظَمُ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَدَلَ نَظْرِهِ فِي الْفُتْيَا، نَظَرَ فِي الشَّقِيِّ كَيْفَ يَشْقَى، وَالسَّعِيدِ كَيْفَ يَسْعَدُ، حَتَّى لَا يفحُشَ قولُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَشْتَدَّ غلطُه، كَانَ أَوْلَى بِهِ.
قَالَ: وَزَعَمَ أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ، وَأَنَّهُ رَآهُ، وَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي لَا خَفَاءَ بِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَشُقُّ الْقَمَرَ لَهُ وَحده، وَلَا لآخر مَعَه، وَإِنَّمَا
_________________
(١) ١ عبد الله بن مَسْعُود بن غافل بن حبيب الْهُذلِيّ صَحَابِيّ من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام وَكَانَ خَادِم رَسُول الله الْأمين وَصَاحب سره ورفيقه فِي حلّه وترحاله وغزواته وَهُوَ أول من جهر بِقِرَاءَة الْقُرْآن. قدم الْمَدِينَة فِي خلَافَة عُثْمَان وَتُوفِّي فِيهَا ٣٢هـ.
[ ٧٠ ]
يشقه لِيَكُونَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، وَحُجَّةً لِلْمُرْسَلِينَ، وَمَزْجَرَةً لِلْعِبَادِ، وَبُرْهَانًا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ.
فَكَيْفَ لَمْ تَعْرِفْ بِذَلِكَ الْعَامَّةُ، وَلَمْ يُؤَرِّخِ النَّاسُ بِذَلِكَ الْعَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ شَاعِرٌ، وَلَمْ يُسْلِمْ عِنْدَهُ كَافِرٌ، وَلَمْ يَحْتَجُّ بِهِ مُسْلِمٌ عَلَى مُلْحِدٍ؟
قَالَ: ثُمَّ جَحَدَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى سُورَتَيْنِ: فَهَبْهُ لَمْ يشهدْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمَا، فَهَلَّا اسْتَدَلَّ بِعَجِيبِ تَأْلِيفِهِمَا، وَأَنَّهُمَا عَلَى نَظْمِ سَائِرِ الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ لِلْبُلَغَاءِ أَنْ يَنْظِمُوا نَظْمَهُ، وَأَنْ يُحْسِنُوا مِثْلَ تَأْلِيفِهِ.
قَالَ النظام: وَمَا زَالَ يطبِّق فِي الرُّكُوعِ إِلَى أَنْ مَاتَ، كَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ مَعَ النَّبِيَّ ﷺ، أَوْ كَانَ غَائِبًا.
وَشَتَمَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ:
وَشَتَمَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ١ بِأَقْبَحِ الشَّتْمِ، لَمَّا اخْتَارَ الْمُسْلِمُونَ قِرَاءَتَهُ لِأَنَّهَا آخِرُ الْعَرْضِ.
وَعَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ:
وَعَابَ عُثْمَان ﵁، حِينَ بَلَغَهُ أَنه صلى بـ "منى" أَرْبَعًا٢، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ:
_________________
(١) ١ زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ، كَاتب الْوَحْي وَأحد نجباء الْأَنْصَار، شهد بيعَة الرضْوَان وَقَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَجمع الْقُرْآن فِي عهد الصّديق توفّي سنة ٤٥هـ. ٢ انْظُر صَحِيح مُسلم رقم ٦٩٥ مُحَمَّد بدير-. فقد أخرج أَحْمد فِي مُسْنده: جـ٥ ص١٦٥ الحَدِيث بِالنَّصِّ التَّالِي: "كُنَّا قد حملنَا لأبي ذَر شَيْئا نُرِيد أَن نُعْطِيه إِيَّاه فأتينا الربذَة فسألنا عَنهُ فَلم نجده. قيل: اسْتَأْذن فِي الْحَج فَأذن لَهُ، فأتيناه بالبلدة وَهِي مني، فَبينا نَحن عِنْده إِذْ قيل لَهُ: إِن عُثْمَان صلى أَرْبعا فَاشْتَدَّ ذَلِك على أبي ذَر، وَقَالَ قولا شَدِيدا، وَقَالَ: صليت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فصلى رَكْعَتَيْنِ، وَصليت مَعَ أبي بكر وَعمر، ثمَّ قَامَ أَبُو ذَر فصلى أَرْبعا، فَقيل لَهُ عبت على أَمِير الْمُؤمنِينَ شَيْئا ثمَّ صَنعته، قَالَ: الْخلاف أَشد.. إِلَخ" فالاستدلال بِهِ من الْمُؤلف على النظام فِي غير مَوْضِعه. وَالله أعلم.
[ ٧١ ]
الْخِلَافُ شَرٌّ وَالْفُرْقَةُ شَرٌّ، وَقَدْ عَمِلَ بِالْفُرْقَةِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلم يزل يَقُولُ فِي عُثْمَانَ الْقَوْلَ الْقَبِيحَ، مُنْذُ اخْتَارَ قِرَاءَةَ زَيْدٍ.
وَرَأَى قَوْمًا مِنَ الزُّطِّ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِالْجِنِّ، لَيْلَةَ الْجِنِّ، ذَكَرَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْن مَسْعُود.
وَذكر دَاوُد عَنِ الشَّعْبِيِّ١ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ سلم لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا شَهِدَهَا منا أحد.
وَذكر حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ٢ فَقَالَ: جَعَلَ يَحْلِفُ لِعُثْمَانَ عَلَى أَشْيَاءَ بِاللَّهِ تَعَالَى مَا قَالَهَا، وَقَدْ سَمِعُوهُ قَالَهَا.
فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلَّهُ، رَوَاهُ مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ٣ـ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ.
وَطَعَنَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ:
وَذَكَرَ أَبَا هُرَيْرَةَ: فَقَالَ النَّظَّامُ: أَكْذَبَهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَعَائِشَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَرَوَى حَدِيثًا فِي الْمَشْيِ فِي الْخُفِّ الْوَاحِدِ، فَبَلَغَ عَائِشَةَ، فَمَشَتْ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَقَالَتْ: لَأُخَالِفَنَّ أَبَا هُرَيْرَة.
_________________
(١) ١ الشّعبِيّ: هُوَ عَامر بن شُرَحْبِيل الشّعبِيّ، أَبُو عَمْرو الْكُوفِي الإِمَام الْعلم، ولد لست سِنِين خلت من خلَافَة عمر، أدْرك عددًأ من الصَّحَابَة وروى عَنْهُم، توفّي سنة ١٠٣هـ. ٢ حُذَيْفَة بن الْيَمَان الْعَبْسِي من كبار الصَّحَابَة، أسلم حُذَيْفَة وَأَبوهُ وشهدا أحدا، فاستشهد الْيَمَان بهَا وَشهد حُذَيْفَة الخَنْدَق وَله فِيهَا ذكر حسن، وَشهد مَا بعْدهَا، اسْتَعْملهُ عمر على الْمَدَائِن فَلم يزل بهَا حَتَّى مَاتَ سنة ٣٦هـ. ٣ مسعر بن كدام بن ظهير الْهِلَالِي العامري الرواسِي أَبُو سَلمَة من ثِقَات أهل الحَدِيث كُوفِي كَانَ يُقَال لَهُ الْمصرف لعظم الثِّقَة بِمَا يرويهِ، وَكَانَ مرجئًا، وَعِنْده نَحْو ألف حَدِيث وَخرج لَهُ السِّتَّة توفّي عَام ١٥٢هـ بِمَكَّة.
[ ٧٢ ]
وروى أَنَّ الْكَلْبَ وَالْمَرْأَةَ وَالْحِمَارَ، تَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: رُبَّمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَسْطَ السَّرِيرِ، وَأَنَا عَلَى السَّرِيرِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ.
قَالَ النَّظَّامُ: وَبَلَغَ عَلِيًّا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَبْتَدِئُ بِمَيَامِنِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَفِي اللِّبَاسِ.
فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، فَبَدَأَ بِمَيَاسِرِهِ، وَقَالَ: لَأُخَالِفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ.
وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ حَدَّثَنِي خَلِيلِي، وَقَالَ خَلِيلِي، وَرَأَيْتُ خَلِيلِي.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَتَى كَانَ النَّبِيُّ خَلِيلَكَ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟
قَالَ: وَقَدْ رَوَى "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلَا صِيَامَ لَهُ".
فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، يَسْأَلُهُمَا، فَقَالَتَا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ.
فَقَالَ لِلرَّسُولِ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، حَتَّى تُعْلِمَهُ.
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّمَا حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ١.
فَاسْتَشْهَدَ مَيِّتًا، وَأَوْهَمَ النَّاسَ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ.
تَفْنِيدُ مَزَاعِمِ النَّظَّامِ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَوْله فِي جُلَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِقَوْلِ اللَّهِ ﷿ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ٢ إِلَى آخر السُّورَة.
_________________
(١) ١ الْفضل بن الْعَبَّاس، أَخُو عبد الله بن الْعَبَّاس، كَانَ أسن ولد الْعَبَّاس. ثَبت يَوْم حنين، وَخرج بعد وَفَاة النَّبِيَّ ﷺ مُجَاهدًا إِلَى الشَّام فاستشهد فِي وقْعَة أجنادين بفلسطين ١٣هـ. ٢ الْآيَة: ٢٩ من سُورَة الْفَتْح.
[ ٧٣ ]
وَلَمْ يَسْمَعْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُمْ بِهِ حَقًّا، لَا مَخْرَجَ مِنْهُ وَلَا عُذْرَ فِيهِ، وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ، إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، لَكَانَ حَقِيقًا بِتَرْكِ ذِكْرِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، إِذْ كَانَ قَلِيلًا يَسِيرًا مَغْمُورًا فِي جَنْبِ مَحَاسِنِهِمْ، وَكَثِيرِ مَنَاقِبِهِمْ، وَصُحْبَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَذْلِهِمْ مُهَجَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
تَفْنِيدُ مَا زَعَمَهُ النَّظَّامُ عَلَى عُمَرَ فِي قَضِيَّةِ الْجَدِّ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا شَيْءَ أَعْجَبُ عِنْدِي مِنِ ادِّعَائِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَدِّ بِمِائَةِ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَأَهْلِ الْقِيَاسِ.
فَهَلَّا اعْتَبَرَ هَذَا وَنَظَرَ فِيهِ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقْضِيَ عُمَرُ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِمِائَةِ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
فَأَيْنَ هَذِهِ الْقَضَايَا؟ وَأَيْنَ عُشْرُهَا وَنِصْفُ عُشْرِهَا؟
أَمَا كَانَ فِي حَمَلَةِ الْحَدِيثِ مَنْ يَحْفَظُ مِنْهَا خَمْسًا أَوْ سِتًّا؟
وَلَوِ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدٌ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْقَضَاءِ فِي الْجَدِّ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ، مِنْ قَوْلٍ وَمِنْ حِيلَةٍ٢، مَا كَانَ يَتَيَسَّرُ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ بِعِشْرِينَ قَضِيَّةً.
وَكَيْفَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا الْحَدِيثَ، إِذْ كَانَ مُسْتَحِيلًا، مِمَّا يُنْكَرُ مِنَ الْحَدِيثِ وَيَدْفَعُ مِمَّا قَدْ أَتَى بِهِ الثِّقَاتُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِضَغْنٍ يَحْتَمِلُهُ عَلَى عُمَرَ ﵁ وَعَدَاوَةٍ.
مَزَاعِمُهُ فِي أَبِي بَكْرٍ بِشَأْنِ تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَأَمَّا طَعْنُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِأَنَّهُ سُئِلَ عَن
_________________
(١) ١ الْآيَة: ١٨ من سُورَة الْفَتْح. ٢ وَفِي نُسْخَة: حلية. ٣ وَفِي نُسْخَة: يتحمله.
[ ٧٤ ]
آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَاسْتَعْظَمَ أَنْ يَقُولَ فِيهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ فِي الْكَلَالَةِ بِرَأْيِهِ.
فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مُتَشَابَهِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فَأَحْجَمَ عَنِ الْقَوْلِ فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِغَيْرِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَفْتَى فِي الْكَلَالَةِ بِرَأْيِهِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ نَابَ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَاجُوا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثِهِمْ، وَقَدْ أُبِيحَ لَهُ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ فِي الْكِتَابِ شَيْءٌ كَاشِفٌ، وَهُوَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ وَمَفْزَعُهُمْ فِيمَا يَنُوبُهُمْ، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ ﵃، حِينَ سُئِلُوا، وَهُمُ الْأَئِمَّةُ وَالْمَفْزَعُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ النَّوَازِلِ.
فَمَاذَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا عِنْدَهُ، أيَدعون النَّظَرَ فِي الْكَلَالَةِ وَفِي الْجَدِّ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ هُوَ وَأَشْبَاهُهُ، فَيَتَكَلَّمُوا فِيهِمَا.
تفنيد مطاعته بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ:
ثُمَّ طَعْنُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ، وَأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَسَبَهُ فِيهِ إِلَى الْكَذِبِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِإِكْذَابٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنَّهُ بخسٌ لِعَلَمِ النُّبُوَّةِ وَإِكْذَابٌ لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ١.
فَإِنْ كَانَ الْقَمَرُ لَمْ يَنْشَقَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ مُرَادُهُ: سَيَنْشَقُّ الْقَمَرُ فِيمَا بَعْدُ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ٢ بعقب هَذَا الْكَلَام؟
_________________
(١) ١ الْآيَة: ١ من سُورَة الْقَمَر. ٢ الْآيَة: ٢ من سُورَة الْقَمَر.
[ ٧٥ ]
أَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْمًا رَأَوْهُ مُنْشَقًّا فَقَالُوا: "هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ مِنْ سِحْرِهِ، وَحِيلَةٌ مِنْ حِيَلِهِ كَمَا قَدْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِهِ ﷺ.
وَكَيْفَ صَارَتِ الْآيَةُ مِنْ آيَاتِ النَّبِيَّ ﷺ وَالْعَلَمُ مِنْ أَعْلَامِهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَرَاهَا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ والنفر دون الْجَمِيع.
أَو لَيْسَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانُ وَالنَّفَرُ وَالْجَمِيعُ، كَمَا أَخْبَرَ مُكَلِّمُ الذِّئْبِ، بِأَنَّ ذِئْبًا كَلَّمَهُ وَأَخْبَرَ آخَرُ بِأَنَّ بَعِيرًا شَكَا إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَ آخَرُ أَنَّ مَقْبُورًا لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ.
وَطَعْنُهُ عَلَيْهِ لِجَحْدِهِ سُورَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، يَعْنِي "الْمُعَوِّذَتَيْنِ" فَإِنَّ لِابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ سَبَبًا، وَالنَّاسُ قَدْ يَظُنُّونَ وَيَزِلُّونَ، وَإِذَا كَانَ هَذَا جَائِزًا عَلَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، فَهُوَ عَلَى غَيْرِهِمْ أَجْوَزُ.
وَسَبَبُهُ فِي تَرْكِهِ إِثْبَاتِهِمَا فِي مُصْحَفِهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَرَى النَّبِيَّ ﷺ يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيُعَوِّذُ غَيْرَهُمَا، كَمَا كَانَ يُعَوِّذُهُمَا بِـ"أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ" فَظَنَّ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يُثْبِتْهُمَا فِي مُصْحَفِهِ.
وَبِنَحْوِ هَذَا السَّبَبِ أَثْبَتَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ١ فِي مُصْحَفِهِ، افْتِتَاحَ دُعَاءِ الْقُنُوتِ، وَجَعَلَهُ سُورَتَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَدْعُو بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ دُعَاءً دَائِمًا فَظَنَّ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا التَّطْبِيقُ٢ فَلَيْسَ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْفَرْضُ، الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ هُوَ أبي بن كَعْب بن قيس الْأنْصَارِيّ، سيد الْقُرَّاء، شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا، كَانَ من كتبة النَّبِيَّ ﷺ، وَكَانَ من أَصْحَاب الْفتيا، وَكَانَ يسْأَل عمر عَن النَّوَازِل ويتحاكم إِلَيْهِ فِي المعضلات. ٢ التطبيق فِي الصَّلَاة جعل الْيَدَيْنِ بَين الفخذين فِي الرُّكُوع. الْقَامُوس ص١١٦٥. ٣ الْآيَة ٧٧ من سُورَة الْحَج وَهِي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
[ ٧٦ ]
فَمن طَبَّقَ فَقَدْ رَكَعَ، وَمَنْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَدْ رَكَعَ، وَإِنَّمَا وضع الْيَدَيْنِ على الركتبين، أَوِ التَّطْبِيقُ مِنْ آدَابِ الرُّكُوعِ.
وَقَدْ كَانَ الْاخْتِلَافُ فِي آدَابِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُقْعِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَرِشُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَرَّكُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا١.
وَأَمَّا نِسْبَتُهُ إِيَّاهُ إِلَى الْكَذِبِ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ" ٢.
فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكْذِبَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَلِيلِ الْمَشْهُورِ، وَيَقُولُ: حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟
وَلِأَيِّ مَعْنًى يَكْذِبُ مِثْلُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرٍ لَا يَجْتَذِبُ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا، وَلَا يُدْنِيهِ مِنْ سُلْطَانٍ وَلَا رَعِيَّةٍ، وَلَا يَزْدَادُ بِهِ مَالًا إِلَى مَالِهِ؟
وَكَيْفَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ، قَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ، عَدَدٌ مِنْهُمْ أَبُو أُمَامَةَ٣ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "سَبَقَ الْعِلْمُ، وَجَفَّ الْقَلَمُ، وَقُضِيَ الْقَضَاءُ، وَتَمَّ الْقَدَرُ بِتَحْقِيقِ الْكِتَابِ، وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ بِالسَّعَادَةِ لِمَنْ آمَنَ وَاتَّقَى، وَالشَّقَاءِ لِمَنْ كَذَّبَ وَكَفَرَ ".
وَقَالَ ﷿: "ابْنَ آدَمَ بِمَشِيئَتِي كُنْتَ، أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ، لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَبِإِرَادَتِي كُنْتَ. أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ، وَبِفَضْلِي وَرَحْمَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي، وَبِنِعْمَتِي قويت على معصيتي".
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: وَإِن اخْتلف. ٢ سبق تَخْرِيجه ص٥١. ٣ أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ هُوَ صُدَيّ بن عجلَان صَحَابِيّ مَشْهُور بكنيته كَانَ لَا يمر بصغير وَلَا كَبِير إِلَّا سلم عَلَيْهِ، مَاتَ سنة ٨١هـ بحمص.
[ ٧٧ ]
وَهَذَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: "يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، وَتَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"١.
وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي أَمْرٍ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ؟!
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ٢.
أَيْ جَعَلَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيْمَانَ كَمَا قَالَ فِي الرَّحْمَةِ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ٣ الْآيَةَ. أَيْ: سَأَجْعَلُهَا:
وَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ الْإِيْمَانَ، فَقَدْ قَضَى لَهُ بِالسَّعَادَةِ.
وَقَالَ ﷿ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: إِنَّكَ لَا تُسَمِّي مَنْ أَحْبَبْتَ هَادِيًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَمِّي من يَشَاء هاديًا.
وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٥ كَمَا قَالَ: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ ٦ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ضَالِّينَ، وَمَا سماهم مهتدين.
_________________
(١) ١ أخرجه التِّرْمِذِيّ: قِيَامَة ٥٩، وَأحمد: ١/ ٢٩٣ و٣٠٣ و٣٠٧، والْحَدِيث مَشْهُور عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأما مَا ورد فِي قَول ابْن قُتَيْبَة أَنه عَن الْفضل فَهُوَ وهم مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى -مُحَمَّد بدير. ٢ الْآيَة ٢٢ من سُورَة المجادلة. ٣ الْآيَة ١٥٦ من سُورَة الْأَعْرَاف. ٤ الْآيَة ٥٦ من سُورَة الْقَصَص. ٥ الْآيَة ٩٣ من سُورَة النَّحْل. ٦ الْآيَة ٧٩ من سُورَة طه.
[ ٧٨ ]
وَقَالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ١.
وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٢ وَأَشْبَاهُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، يَكْثُرُ وَيَطُولُ:
وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، الْاحْتِجَاجَ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، فَنَذْكُرُ مَا جَاءَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَنَذْكُرُ فَسَادَ تَأْوِيلَاتِهِمْ وَاسْتِحَالَتَهَا، وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، مِنْ كُتُبِي فِي الْقُرْآنِ.
وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي أَمْرٍ تُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ قَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ:
يَا أَيهَا الْمُضمر هما لاتهم إِنَّكَ إِنْ تُقْدَر لَكَ الحُمَّى تُحَمْ
وَلَوْ عَلَوْتَ شَاهِقًا مِنَ الْعَلَمِ كَيْفَ تَوَقِّيكَ وَقَدْ جفَّ الْقَلَمْ
"وَقَالَ آخَرُ "
هِيَ المقاديرُ فلُمْنِي أَوْ فَذَرْ إِنْ كُنْتُ أخطأتُ فَمَا أَخَطَا القدرْ
"وَقَالَ لَبِيَدٌ"
إِنَّ تقوَى رَبِّنَا خيرُ نَفَلْ٤ وبأمرِ٥ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ
مَن هَدَاهُ سبلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى ناعمَ البالِ وَمن شَاءَ أضلّ
_________________
(١) ١ الْآيَة ١٢٥ من سُورَة الْأَنْعَام. ٢ الْآيَة ١٣ من سُورَة السَّجْدَة.، ٣ لبيد بن ربيعَة بن مَالك، أحد الشُّعَرَاء الفرسان الْأَشْرَاف فِي الْجَاهِلِيَّة من أهل عالية نجد، أدْرك الْإِسْلَام ووفد على النَّبِي ويعد من الصَّحَابَة وَمن الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَترك الشّعْر فِي الْإِسْلَام وَسكن الْكُوفَة وَتُوفِّي عَام ٤١هـ. ٤ النَّفَلُ: الْهِبَة وَالْغنيمَة. ٥ وَفِي نُسْخَة: وبإذن الله.
[ ٧٩ ]
"وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ"١
نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ٢ لَمَّا غَدَتْ مِنِّي مَطْلَقَةً نَوَارُ
وَكَانَتْ جَنَّةً فَخَرَجْتُ مِنْهَا كَآدَمَ حِينَ أَخْرَجَهُ الضِّرَارُ
وَلَوْ ضَنَّتْ يَدَايَ بِهَا٣ وَنَفْسِي لَكَانَ عَلَيَّ لِلْقَدَرِ الْخِيَارُ
"وَقَالَ النَّابِغَةُ"
وَلَيْسَ امْرُؤٌ نَائِلًا مِنْ هَوَا هُ شَيْئًا إِذَا هُوَ لَمْ يُكْتَبْ
وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي أَمْرٍ تُوَافِقُهُ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ تَعَالَى؟!
وَهَذَا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ٥، يَقُولُ: قَرَأْتُ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى، اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مِنْهَا مِنَ الْبَاطِنِ، وَخَمْسُونَ مِنَ الظَّاهِرِ، أَجِدُ فِيهَا كُلَّهَا أَنَّ مَنْ أَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الِاسْتِطَاعَة فقد كفر.
_________________
(١) ١ الفرزدق: همام بن غَالب بن صعصعة التَّمِيمِي أَبُو فراس، شَاعِر من النبلاء من أهل الْبَصْرَة عَظِيم الْأَثر فِي اللُّغَة وَهُوَ صَاحب الْأَخْبَار مَعَ جرير والأخطل وَتُوفِّي فِي بادية الْبَصْرَة ١١٠هـ. ٢ الكسعي: هُوَ غامد بن الْحَارِث الكسعي، الَّذِي اتخذ قوسًا وَخَمْسَة أسْهم وَكَمن فِي قترة، فَمر قطيع فَرمى عيرًا، فأمخطه السهْم وصدم الْجَبَل، فأورى نَارا، فَظن أَنه قد أَخطَأ فَرمى ثَانِيًا وثالثًا إِلَى آخرهَا، وَهُوَ يظنّ خطأه، فَعمد إِلَى قوسه فَكَسرهَا ثمَّ بَات، فَلَمَّا أصبح نظر فَإِذا الْحمر مطرّقة مصرّعة، وأسهمه بِالدَّمِ مضرجة، فندم فَقطع إبهامه وَأنْشد: نَدِمت ندامة لَو أَن نَفسِي تطاوعني إِذا لَقطعت خمسي تبين لي سفاه الرَّأْي مني لعمر أَبِيك حِين كسرت قوسي ٣ وَفِي نُسْخَة: بهَا كفي. ٤ النَّابِغَة الذبياني زِيَاد بن مُعَاوِيَة أَبُو أُمَامَة شَاعِر جاهلي من الطَّبَقَة الأولى من أهل الْحجاز كَانَت تضرب لَهُ قبَّة من جلد أَحْمَر بسوق عكاظ فتقصده الشُّعَرَاء فتعرض عَلَيْهِ أشعارها توفّي ١٨ ق. هـ. ٥ وهب بن مُنَبّه: أَبُو عبد الله مؤرخ يعد فِي التَّابِعين ولد بِصَنْعَاء عَام ٣٤هـ وَمَات فِيهَا عَام ١١٤هـ وولاه عمر بن عبد الْعَزِيز قضاءها. وَذكر أَنه صحب ابْن عَبَّاس ولازمه ثَلَاث عشرَة سنة.
[ ٨٠ ]
وَهَذِهِ التَّوْرَاةُ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى: "اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ فَقُلْ لَهُ: أَخْرِجْ إِلَيَّ بَنِي بَكْرِيٍّ، بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، لِيَحْمَدُونِي وَيُمَجِّدُونِي، وَيُقَدِّسُونِي، اذْهَبْ إِلَيْهِ فَأَبْلِغْهُ وَأَنَا أُقْسِي قَلْبَهُ، حَتَّى لَا يَفْعَلَ"١.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بَكْرِيٌّ أَيْ: هُوَ لِي: بِمَنْزِلَةِ أَوْلَادِ٢ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، وَهُوَ بَكْرِيٌّ أَيْ: أَوَّلُ مَنِ اخْتَرْتُهُ.
وَقَالَ حَمَّادٌ٣ رِوَايَةً عَنْ مُقَاتِلٍ٤، قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ فَائِدٍ: "يَأْمُرُ اللَّهُ بِالشَّيْءِ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ"؟
قُلْتُ: نَعَمْ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ.
قَالَ: إِنَّ تِلْكَ رُؤْيَا.
قُلْتُ رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وحيٌّ؛ ألم تسمعه يَقُول: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾؟
وَهَذِهِ أُمَمُ الْعَجَمِ كُلُّهَا، تَقُولُ بِالْإِثْبَاتِ بِالْقَدَرِ.
فالهند تَقُولُ فِي كِتَابِ "كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ" وَهُوَ مِنْ جَيِّدِ كُتُبِهِمُ الْقَدِيمَةِ: "الْيَقِينُ٥ بِالْقَدَرِ، لَا يَمْنَعُ الْحَازِمَ تَوَقِّي الْمَهَالِكِ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ النَّظَرُ فِي الْقَدَرِ المغيَّب، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعَمَل٦ بالحزم".
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: لَا يعقل. ٢ لَعَلَّ الصَّحِيح: بِمَنْزِلَة أول أَوْلَاد الرجل، فَسقط من النُّسْخَة "أول"، مُسْتَفَاد من تَتِمَّة كَلَامه: أول من اخترته. وَالله أعلم. ٣ حَمَّاد: لَعَلَّه حَمَّاد بن يزِيد وَهُوَ أَبُو إِسْمَاعِيل الْأَزْرَق الْبَصْرِيّ الْحَافِظ أحد الْأَعْلَام من أَئِمَّة الْمُسلمين، قَالَ ابْن الْمهْدي: مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ وَلَا أعلم بِالسنةِ مِنْهُ وَلَا أفقه بِالْبَصْرَةِ مِنْهُ. مَاتَ فِي أَوَاخِر الْقرن الثَّانِي الهجري قبل سنة١٩٧هـ وَقيل سنة ١٧٩هـ وَقيل سنة ١٨٩هـ. ٤ هُوَ مقَاتل بن سُلَيْمَان الْبَلْخِي الْمُفَسّر. لم يوثقه عُلَمَاء الحَدِيث وَإِن كَانُوا قد أثنوا على علمه حَتَّى قَالَ ابْن الْمُبَارك: مَا أحسن تَفْسِيره لَو كَانَ ثِقَة، وَسُئِلَ وَكِيع عَن تَفْسِير مقَاتل فَقَالَ: لَا تنظروا فِيهِ، فَقَالَ السَّائِل: مَا أصنع فِيهِ؟ قَالَ وَكِيع: ادفنه. وَقَالَ أَحْمد: لَا يُعجبنِي أَن أروي عَن مقَاتل شَيْئا. مَاتَ سنة ١٥٠هـ. ٥ الْيَقِين: أَي الِاعْتِقَاد، والحازم: هُوَ الضَّابِط لأموره المتثبت فِي شؤونه. ٦ وَفِي نُسْخَة: النّظر.
[ ٨١ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَنَحْنُ نَجْمَعُ، تَصْدِيقًا بِالْقَدَرِ، وَأَخْذًا بِالْحَزْمِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَقَرَأْتُ فِي كُتُبِ الْعَجَمِ أَنَّ هُرْمُزَ سُئِلَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي بَعَثَ فَيْرُوزَ عَلَى غَزْوِ الْهَيَاطِلَةِ، ثُمَّ الْغَدْرِ بِهِمْ؛ فَقَالَ: إِنَّ الْعِبَادَ يَجْرُونَ مِنْ قَدَرِ رَبِّنَا وَمَشِيئَتِهِ، فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ صُنْعٌ مَعَهُ، وَلَا يَمْلِكُونَ تَقَدُّمًا وَلَا تَأَخُّرًا عَنْهُ.
فَمَنْ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَهُوَ مُسْتَشْعِرٌ لِلْمَعْرِفَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ لَا يَقْصِدُ بِمَسْأَلَتِهِ إِلَّا عَنِ الْعِلَّةِ الَّتِي جَرَى بِهَا الْمِقْدَارُ١ عَلَى مَنْ جَرَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَالسَّبَبُ الظَّاهِرُ الَّذِي أَدْرَكَتْهُ الْأَعْيُنُ مِنْهُ مُتَّبِعٌ٢ لِمَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ فِي قَوْلِهِمْ: "مَا صَنَعَ فُلَانٌ"؟ وَهُمْ يُرِيدُونَ "مَا صُنِعَ بِهِ" أَوْ "صُنِعَ عَلَى يَدَيْهِ".
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: مَاتَ فُلَانٌ، أَوْ عَاشَ فُلَانٌ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ: فُعِلَ بِهِ، فَذَلِكَ الْقَصْدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، وَمَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ، كَانَ الْجَهْلُ أَوْلَى بِهِ.
وَلَيْسَ حَمْلُنا مَا حَمَلْنا عَلَى الْمَقَادِيرِ فِي قِصَّتِهِ، تحرِّيًا لِمَعْذِرَتِهِ، وَلَا طَلَبًا لِتَحْسِينِ أَمْرِهِ، وَلَا إِنْكَارًا أَنْ يَكُونَ مَا قُدِّرَ عَلَى الْمَخْلُوقِ مِنْ آثَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَكْرُوهِهَا، وَلَا اجْتِلَابَ مَحْمُودِهَا إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ السَّبَبُ الَّذِي يَجْرِي بِهِ مَا غُيِّبَ عَنَّا مِنْ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، بِمَا٣ حَتَمَ بِهِ عَدْلُ الْمُبْتَدِي لِخَلْقِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي نَسَبَهُ فِيهِ إِلَى الْكَذِبِ، فَقَالَ: رَأَى قَوْمًا مِنَ الزُّطِّ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنَّ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَهُ: كنتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا شَهِدَهَا مِنَّا أَحَدٌ.
فَادَّعَى فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَهِدَهَا، وَأَنْكَرَ ذَلِك فِي الحَدِيث الآخر
_________________
(١) ١ لَعَلَّ الْأَصَح: الْمُقدر. ٢ فِي الأَصْل: مُتبعا بِالنّصب، وَلم أجد لَهَا وَجها. ٣ وَفِي نُسْخَة: مِمَّا.
[ ٨٢ ]
وتصحيحه الْخَبَرَيْنِ عَنْهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَعَ ثَاقِبِ فَهْمِهِ، وَبَارِعِ عِلْمِهِ، وَتَقَدُّمِهِ فِي السِّتَّةِ١ الَّذِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمُ الْعِلْمُ بِهَا، وَاقْتَدَتْ بِهِمُ الْأُمَّةُ مَعَ خَاصَّتِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلُطْفِ مَحِلِّهِ.
وَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنَّ يُقِرَّ بِالْكَذِبِ هَذَا الْإِقْرَارَ؟ فَيَقُولُ: الْيَوْمَ شَهِدْتُ، وَيَقُولُ غَدًا: لَمْ أَشْهَدْ، وَلَوْ جَهَدَ عَدُّوهُ، أَنْ يَبْلُغَ مِنْهُ مَا بَلَغَهُ مِنْ نَفْسِهِ مَا قَدَرَ، وَلَوْ كَانَ بِهِ خَبَلٌ، أَوْ عَتَهٌ، أَوْ آفَةٌ، مَا زَادَ عَلَى مَا وَسَمَ بِهِ نَفْسَهُ.
وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَ حَدِيثَ الزُّطِّ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ حُضُورِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ عِنْدَنَا فِي الْمَعْرِفَةِ بِصَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَسَقِيمِهَا، لِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا والمعتنون بِهَا٢. وَكُلُّ ذِي صِنَاعَةٍ أَوْلَى بِصِنَاعَتِهِ.
غَيْرَ أَنَّا لَا نَشُكُّ فِي بُطْلَانِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ يُخْبِرُ النَّاسَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَدْ كَذَبَ، وَلَا تَسْقُطُ٣ عِنْدَهُمْ مَرْتَبَتُهُ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَقِيلَ لَهُ: فَلِمَ خَبَّرْتَنَا أَمْسِ بِأَنَّكَ شَهِدْتَ؟
فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، فَقَدْ سَقَطَ٤ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَيْنِ، فَلَا أَرَى النَّاقِلَ لِلْخَبَرِ الثَّانِي إِلَّا وَقَدْ أَسْقَطَ مِنْهُ حَرْفًا٥، وَهُوَ "غَيْرِي"؛ يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لَهُ، أَكُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: "مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا غَيْرِي".
فَأَغْفَلَ الرَّاوِي "غَيْرِي" إِمَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، أَوْ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ فَنَسِيَهُ٦ أَوْ بِأَنَّ النَّاقِلَ عَنْهُ أَسْقَطَهُ.
وَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ قَدْ يَقَعُ وَلَا يُؤمن.
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة:: فِي السّنة. ٢ وَفِي نُسْخَة: والمعتنون بهَا. ٣ وَفِي نُسْخَة: وَلَا يسْقط. ٤ وَفِي نُسْخَة: بَطل. ٥ لَعَلَّ الْأَصَح: أسقط مِنْهُ كلمة وَهُوَ "غَيْرِي". ٦ وَفِي نُسْخَة: فأنسيه.
[ ٨٣ ]
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ: هَلْ كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: "مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا".
وَلَيْسَ هَذَا جَوَابًا لِقَوْلِهِ: "هَلْ كُنْتَ؟ " وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ لقَوْل السَّائِلِ: "هَلْ كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ وَإِذَا كَانَ قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ كُنْتَ١ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ حَسَنٌ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ "مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا غَيْرِي" يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ مُتَقَدِّمِ قَوْله.
مَا حَكَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ:
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى أَشْيَاءَ لِعُثْمَانَ، مَا قَالَهَا، وَقَدْ سَمِعُوهُ قَالَهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ إِنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلَّهُ.
فَكَيْفَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَقْبَحِ وُجُوهِهِ؟ وَلَمْ يَتَطَلَّبْ لَهُ الْعُذْرَ وَالْمَخْرَجَ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ".
أَفَلَا تَفَهّم عَنْهُ مَعْنَاهُ، وتدبَّر قَوْلَهُ؟ وَلَكِنَّ عَدَاوَتَهُ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَا احْتَمَلَهُ مِنَ الضِّغْنِ عَلَيْهِمْ، حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّظَرِ.
والعداوة البغض، يُعْمِيَانِ وَيُصِمَّانِ، كَمَا أَنَّ الْهَوَى يُعْمِي وَيُصِمُّ.
وَاعْلَمْ -رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنَّ الْكَذِبَ وَالْحِنْثَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْلَى بِالْمَرْءِ وَأَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ وَالْبِرِّ فِي الْيَمِينِ.
أَلَّا تَرَى رَجُلًا لَوْ رَأَى سُلْطَانًا ظَالِمًا وَقَادِرًا قَاهِرًا، يُرِيدُ سَفْكَ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ حُرَمِهِ، أَوْ إِحْرَاقِ مَنْزِلِهِ، فَتَخَرَّصَ قَوْلًا كَاذِبًا يُنْجِيهِ بِهِ، أَوْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً، كَانَ مَأْجُورًا عِنْدَ اللَّهِ، مَشْكُورًا عِنْدَ عِبَادِهِ؟
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ: لَا يَصِلُ رَحِمًا، وَلَا يُؤَدِّي زَكَاةً، ثُمَّ اسْتَفْتَى الْفُقَهَاءَ، لَأَفْتَوْهُ جَمِيعًا بِأَنْ لَا يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُول:
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: هَل كُنْتُم.
[ ٨٤ ]
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١.
يُرِيدُ: لَا تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاللَّهِ، مَانِعًا لَكُمْ مِنَ الْخَيْرِ، إِذَا حَلَفْتُمْ أَنْ لَا تَأْتُوهُ، وَلَكِنْ كفِّروا، وَائْتُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ فَلْيُكَفِّرْ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٢ ".
وَقَدْ رُخِّص فِي الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ، لِأَنَّهَا خُدْعَةٌ، وَفِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي إِرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ.
وَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يُوَرِّيَ فِي يَمِينِهِ إِلَى شَيْءٍ، إِذَا ظُلِمَ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَالتَّوْرِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ مَا نَوَى مُسْتَحْلِفُهُ.
كَأَنْ كَانَ مُعْسِرًا، أَحْلَفَهُ رَجُلٌ عِنْدَ حَاكِمٍ عَلَى حَقٍّ لَهُ عَلَيْهِ، فَخَافَ الْحَبْسَ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِنْظَارِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ شَيْءٌ، وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: يَوْمِي هَذَا٣.
أَوْ يَقُولُ وَالَّلاهِ، يُرِيدُ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الْيَاءَ وَأَبْقَى الْكَسْرَةَ مِنْهَا٤، دَلِيلًا عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٥
_________________
(١) ١ الْآيَة ٢٢٤ من سُورَة الْبَقَرَة. ٢ أخرجه مُسلم: أَيْمَان ١١ و١٣ و١٦، وَالتِّرْمِذِيّ: نذور٦، وَالنَّسَائِيّ: أَيْمَان ١٥ و١٦، وَابْن ماجة: كَفَّارَات ٧، والدارمي: نذور ٩، والموطأ: نذور ١١، وَأحمد: ٤/ ٢٥٦ و٣٧٨ و٤٢٨. ٣ لَا نوافق الْمُؤلف ﵀ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، وَهَذَا الْمِثَال لَا ينطبق على الشَّرْط الَّذِي قدمه الْمُؤلف وَهُوَ: "خشيَة الظُّلم أَو الْخَوْف على النَّفس". والإعسار لَا يُبِيح للْمَدِين إِنْكَار الدَّين وَالْحلف على ذَلِك، وَإِنَّمَا يبين حَاله وَيطْلب إمهاله. وَالْقَاضِي ينظر فِي أمره وَقد يحث الدَّائِن على مسامحته أَو إمهاله إِذا لم يكن مُتَعَدِّيا سيء النِّيَّة، وَالله أعلم. ٤ هَذَا لون من ألوان المخادعة، وَالَّذِي نعرفه أَن الْيَمين فِي الْحُقُوق والذمم تكون على مَا يُريدهُ المستحلف لَا الْحَالِف، وَالله أعلم، وَقد ورد عَن أبي هُرَيْرَة فِي صَحِيح مُسلم الحَدِيث "يَمِينك على مَا يصدقك عَلَيْهِ صَاحبك" والْحَدِيث "الْيَمين على نِيَّة المستحلف" "مُسلم رقم/ ١٦٥٣". ٥ الْآيَة ١٠ من سُورَة الزمر. الْآيَة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ ﴾ .
[ ٨٥ ]
و﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ١ و﴿يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ ٢.
أَوْ يَقُولُ: كُلُّ مَا لَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ يُرِيدُ كُلُّ مَا لَنْ أَمْلِكَهُ. أَيْ: لَيْسَ أَمْلِكُهُ.
وَأَنْ يُحْلِفَهُ رَجُلٌ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدِّيَارِ -وَهُوَ لَهُ ظَالِمٌ- فَيَتَسَوَّرُ الْحَائِطَ وَيَخْرُجُ، مُتَأَوِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَابِ الدَّارِ، وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهُهُ مِنَ التَّوْرِيَةِ.
الرُّخْصَةُ فِي الْمَعَارِيضِ:
وَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ فِي الْمَعَارِيضِ، وَقِيلَ: إِنَّ فِيهَا عَنِ الْكَذِبِ مَنْدُوحَةً.
فَمِنَ الْمَعَارِيضِ، قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﷺ فِي امْرَأَتِهِ "إِنَّهَا أُخْتِي" يُرِيدُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ٣.
أَرَادَ: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ" فَجَعَلَ النُّطْقَ شَرْطًا لِلْفِعْلِ وَهُوَ لَا يَنْطِقُ وَلَا يَفْعَلُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ٤ يُرِيدُ "سَأَسْقَمُ"؛ لِأَنَّ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَالْفَنَاءُ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْقَمَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٥.
وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مَيِّتًا فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: إِنَّكَ سَتَمُوتُ، وَسَيَمُوتُونَ.
_________________
(١) ١ الْآيَة ٦ من سُورَة الْقَمَر. ٢ الْآيَة ٤١ من سُورَة ق. الْآيَة: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ ﴾ . ٣ الْآيَة ٦٣ من سُورَة الْأَنْبِيَاء. الْآيَة: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ ﴾ . ٤ الْآيَة ٨٩ من سُورَة الصافات. الْآيَة: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ.. .﴾ . ٥ الْآيَة ٣٠ من سُورَة الزمر.
[ ٨٦ ]
فَأَيْنَ كَانَ طَلَبِ الْمَخْرَجِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ نَبَّهَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ مَخْرَجًا بِقَوْلِهِ: "أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ".
فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَكُونُ طَلَبُ الْمُخْرِجِ، خَبَّرْنَاكَ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ؛
فَمِنْهَا: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْخَوَارِجِ، لَقِيَ رَجُلًا مِنَ الرَّوَافِضِ، فَقَالَ لَهُ: "وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ، حَتَّى تَبْرَأَ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَوْ أَقْتُلُكَ".
فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ مِنْ عَلِيٍّ، وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ؛ فَتَخَلَّصَ مِنْهُ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنَا "مِنْ عَلِيٍّ" يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَوَلَّاهُ "وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ" فَكَانَتْ بَرَاءَتُهُ مِنْ عُثْمَانَ وَحْدَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، سَأَلَ رَجُلًا كَانَ يَتَّهِمُهُ بِبُغْضِ السُّلْطَانِ وَالْقَدْحِ فِيهِ، عَنِ السَّوَادِ الَّذِي يَلْبَسُهُ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ؛ فَقَالَ لَهُ: "النُّورُ -وَاللَّهِ- فِي السَّوَادِ" فَرَضِيَ بِذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ "أَنَّ نُورَ الْعَيْنِ، فِي سَوَادِ الْحَدَقَةِ" فَلَمْ يَكُنْ فِي يَمِينِهِ آثِمًا وَلَا حَانِثًا.
وَمِنْهَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ خَطَبَ فَقَالَ: "لَئِنْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، لَا أَدْخُلُهَا، وَلَئِنْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، لَا أَدْخُلُهَا"١.
فَقِيلَ لَهُ: مَا صَنَعْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَرَّقْتُ النَّاسَ؛ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ:
"إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ عليَّ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ، إِلَّا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَتَلَهُ، وَأَنَا مَعَهُ"٢. فَأَوْهَمَهُمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ مَعَ قَتْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَتَلَهُ، وَسَيَقْتُلُنِي مَعَهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ شُرَيْحًا٣ دَخَلَ عَلَى زِيَادٍ فِي مَرَضِهِ، الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا
_________________
(١) ١ لم نجد أَن مرجعًا موثوقًا يذكرهُ، وَلَا نطمئن لصِحَّته. وَالله أعلم. ٢ نشك فِي صِحَة نِسْبَة هَذَا القَوْل لعَلي ﵁، وَلم نجده فِي مرجع موثوق. وَالله أعلم. ٣ شُرَيْح القَاضِي، هُوَ شُرَيْح بن الْحَارِث بن قيس بن جهم الْكِنْدِيّ، أَبُو أُميَّة من أشهر الْقُضَاة الْفُقَهَاء فِي صدر الْإِسْلَام. أَصله من الْيمن، ولي قَضَاء الْكُوفَة فِي زمن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَمُعَاوِيَة، واستعفى فِي أَيَّام الْحجَّاج فأعفاه، وَكَانَ ثِقَة بِالْحَدِيثِ. مَاتَ بِالْكُوفَةِ ٧٨هـ.
[ ٨٧ ]
خرج بَعَثَ إِلَيْهِ مَسْرُوقٌ١ يَسْأَلُهُ. كَيْفَ تَرَكْتَ الْأَمِيرَ؟
قَالَ: تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ وَيَنْهَى.
فَقَالَ: إِنَّ شُرَيْحًا صَاحِبٌ عَوِيصٌ، فَاسْأَلُوهُ.
فَقَالَ: تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ بِالْوَصِيَّةِ وَيَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ.
وَسُئِلَ شُرَيْحٌ عَنِ ابْنٍ لَهُ وَقَدْ مَاتَ، فَقَالُوا: كَيْفَ أَصْبَحَ مَرِيضُكَ يَا أَبَا أُمَيَّةَ؟
فَقَالَ: "الْآنَ سَكَنَ عَلَزُه٢ وَرَجَاهُ أَهْلُهُ" يَعْنِي: رَجَوْا ثَوَابَهُ.
وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ٣ بِهِ.
وَلَيْسَ يَخْلُو حُذَيْفَةُ فِي قَوْلِهِ لِعُثْمَانَ ﵁، مَا قَالَ مِنْ تَوْرِيَةٍ إِلَى شَيْءٍ فِي يَمِينِهِ، وَقَوْلِهِ: وَلَمْ يُحْكَ لَنَا الْكَلَامُ فَنَتَأَوَّلُهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ مُجْمَلًا.
وَسَنَضْرِبُ لَهُ مَثَلًا؛ كَأَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ: وَالنَّاسُ يَقُولُونَ عِنْدَ الْغَضَبِ، أَقْبَحَ مَا يَعْلَمُونَ، وَعِنْدَ الرِّضَا أَحْسَنَ مَا يَعْلَمُونَ.
إِنَّ عُثْمَانَ خَالَفَ صَاحِبَيْهِ، وَوَضَعَ الْأُمُورَ غَيْرَ مَوَاضِعِهَا، وَلَمْ يُشَاوِرْ أَصْحَابَهُ فِي أُمُورِهِ، وَدَفَعَ الْمَالَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ. هَذَا وَأَشْبَاهُهُ.
فَوَشَى بِهِ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ واشٍ، فَغَلَّظَ الْقَوْلَ وَقَالَ: ذُكِرَ أَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي ظَالِمٌ خَائِنٌ، هَذَا وَمَا أَشْبَهُهُ.
فَحَلَفَ حُذَيْفَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى مَا قَالَ ذَلِكَ، وَصَدَقَ حُذَيْفَة أَنه لم يقل: إِن
_________________
(١) ١ مَسْرُوق بن الأجدع بن مَالك الْهَمدَانِي الوادعي أَبُو عَائِشَة تَابِعِيّ ثِقَة من أهل الْيمن، قدم الْمَدِينَة فِي أَيَّام أبي بكر، وَسكن الْكُوفَة، وَشهد حروب عَليّ، وَكَانَ أعلم بالفتيا من شُرَيْح، وَشُرَيْح أبْصر مِنْهُ بِالْقضَاءِ. ٢ العلز: قلق وهلع يُصِيب الْمَرِيض والأسير والمحتضر. الْقَامُوس الْمُحِيط ص٦٦٦. ٣ لَعَلَّ الْأَصَح: أَن يحاط بِهِ.
[ ٨٨ ]
عُثْمَان خَائِنٌ ظَالِمٌ، وَأَرَادَ بِيَمِينِهِ اسْتِلَالَ سَخِيمَتِهِ١، وَإِطْفَاءَ سَوْرَةَ٢ غَضَبِهِ وَكَرِهَ أَنْ يَنْطَوِيَ عَلَى سُخْطِهِ عَلَيْهِ.
وَسُخْطُ الْإِمَامِ عَلَى رَعِيَّتِهِ، كَسُخْطِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ، وَالسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ، وَالْبَعْلِ عَلَى زَوْجِهِ.
بَلْ سُخْطُ الْإِمَامِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ حُوبًا٣، فَاشْتَرَى الْأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَصْغَرِ، وَقَالَ: "أَشْتَرِي بَعْضَ دِينِي بِبَعْضٍ".
الرَّدُّ عَلَى مَا قِيلَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ:
وَأَمَّا طَعْنُهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَكْذِيبِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ لَهُ.
فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَكْثَرَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ وعُمِّرَ بَعْدَهُ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ، وَتُوُفِّيَتْ عَائِشَةُ ﵂، قَبْلَهُمَا بِسَنَةٍ.
فَلَمَّا أَتَى مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَا لَمْ يَأْتِ بِمِثْلِهِ مَنْ صَحِبَهُ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِهِ وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَيْهِ اتَّهَمُوهُ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: كَيْفَ سَمِعْتَ هَذَا وَحْدَكَ؟ وَمَنْ سَمِعَهُ مَعَكَ؟
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَشَدَّهُمْ إِنْكَارًا عَلَيْهِ، لِتَطَاوُلِ الْأَيَّامِ بِهَا وَبِهِ.
وَكَانَ عُمَرُ أَيْضًا شَدِيدًا عَلَى مَنْ أَكْثَرَ الرِّوَايَةَ، أَوْ أَتَى بِخَبَرٍ فِي الْحُكْمِ لَا شَاهِدَ لَهُ عَلَيْهِ.
وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُقِلُّوا الرِّوَايَةَ، يُرِيدُ بِذَلِكَ: أَنْ لَا يَتَّسِع النَّاس فِيهَا،
_________________
(١) ١ السخيمة والسخمة: الحقد. الْقَامُوس ١٤٤٦. ٢ السَّوْرة: الحدة. الْقَامُوس ٥٢٧. ٣ الحُوب، بِالضَّمِّ: الْهَلَاك، وَالْبَلَاء. الْقَامُوس ٩٩.
[ ٨٩ ]
وَيَدْخُلُهَا الشَّوْبُ؛ وَيَقَعُ التَّدْلِيسُ وَالْكَذِبُ مِنَ الْمُنَافِقِ وَالْفَاجِرِ وَالْأَعْرَابِيِّ.
وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ، وَأَهْلِ الْخَاصَّةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَبِي بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرِ١، وَأَبِي عُبَيْدَةَ٢، وَالْعَبَّاسِ٣ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يُقِلُّون الرِّوَايَةَ عَنْهُ.
بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَكَادُ يَرْوِي شَيْئًا كَسَعِيدِ٤ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ.
وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: "كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا، نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ مُحَدِّثٌ، اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِنْ حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَنِي، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ" ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.
أَفَمَا تَرَى تَشْدِيدَ الْقَوْمِ فِي الْحَدِيثِ وَتَوَقِّيَ مَنْ أَمْسَكَ، كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيفِ، أَوِ الزِّيَادَةِ فِي الرِّوَايَةِ، أَوِ النُّقْصَانِ، لِأَنَّهُمْ سَمِعُوهُ ﵇ يَقُولُ:
"مَنْ كَذَبَ عليَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده من النَّار" ٥.
_________________
(١) ١ الزبير بن الْعَوام بن خويلد الْأَسدي حوارِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْن عمته صَفِيَّة، وَأحد الْعشْرَة السَّابِقين، وَأول من سل سَيْفا فِي سَبِيل الله، هَاجر الهجرتين وَشهد بَدْرًا، والمشاهد كلهَا، توفّي سنة ٣٦هـ. ٢ هُوَ عَامر بن عبد الله بن الْجراح، أَمِين هَذِه الْأمة، وَأحد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ، شهد بَدْرًا، ولي الشَّام، وافتتح اليرموك والجابية والرمادة، وافتتح دمشقًا صلحا وَكتب لأَهْلهَا كتاب الصُّلْح، وَذكروا فِي مناقبه أَنه قتل أَبَاهُ يَوْم بدر، وَنزلت فِيهِ ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَة. وَهُوَ فِيمَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد جيد عَن عبد الله بن شَوْذَب قَالَ: جعل وَالِد أبي عُبَيْدَة يتَصَدَّى لأبي عُبَيْدَة يَوْم بدر فيحيد عَنهُ فَلَمَّا أَكثر قَصده فَقتله، توفّي أَبُو عُبَيْدَة فِي طاعون عمواس سنة ١٨هـ. ٣ هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَم رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو الْفضل، ولد قبل رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسنتَيْنِ، وَكَانَ إِلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة السِّقَايَة والعمارة، وَحضر بيعَة الْعقبَة مَعَ الْأَنْصَار قبل أَن يسلم، هَاجر قبل الْفَتْح بِقَلِيل، وَشهد الْفَتْح، وَثَبت يَوْم حنين، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ ٣٢هـ. ٤ سعيد بن زيد الْعَدوي، أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، والمهاجرين الْأَوَّلين شهد الْمشَاهد كلهَا بعد بدر الَّتِي تخلف عَنْهَا فَضرب لَهُ النَّبِيَّ ﷺ بِسَهْم، وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِيمَن شهد بَدْرًا، توفّي سنة ٥١هـ. ٥ أخرج البُخَارِيّ عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ: سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: "إِن كذبا عليَّ لَيْسَ ككذب على أحد، من كذب عليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار" البُخَارِيّ: جنائز ٣٤، وَأحمد ٤/ ٢٤٥، وَأَبُو دَاوُد: علم ٤، وَالتِّرْمِذِيّ: علم ٨ وَأما الرِّوَايَة: "من كذب عَليّ فَهُوَ فِي النَّار" فَهِيَ رِوَايَة ضَعِيفَة، وَقد أخرجه الألباني فِي ضَعِيف الْجَامِع الصَّغِير رقم ٥٨٣٠ وسلسلة الْأَحَادِيث الضعيفة برقم ٤٦٤٦.
[ ٩٠ ]
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ رَوَاهُ وَقَالَ: أَرَاهُمْ١ يَزِيدُونَ فِيهِ "مُتَعَمِّدًا" وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُهُ قَالَ: "مُتَعَمِّدًا".
وَرَوَى مُطَرِّفُ١ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمْرَانَ٣ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: وَاللَّهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَرَى أَنِّي لَوْ شِئْتُ لَحَدَّثْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَلَكِنْ بَطَّأَنِي عَنْ ذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعُوا كَمَا سَمِعْتُ، وَشَهِدُوا كَمَا شَهِدْتُ، وَيُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ مَا هِيَ كَمَا يَقُولُونَ، وَأَخَافُ أَنْ يُشَبَّهَ لِي كَمَا شُبِّهَ لَهُمْ، فَأُعْلِمُكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَغْلَطُونَ٤ لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَمَّدُونَ.
فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ أَلْزَمَهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِخِدْمَتِهِ وَشَبِعَ بَطْنُهُ، وَكَانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَشْغَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرْسُ الْوَدِيِّ٥ وَلَا الصَّفق٦ بِالْأَسْوَاقِ، يُعَرِّضُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ فِي التِّجَارَاتِ وَيَلْزَمُونَ الضِّيَاعَ٧ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ مُلَازِمٌ لَهُ لَا يُفَارِقُهُ، فَعَرَفَ مَا لَمْ يَعْرِفُوا، وَحَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظُوا -أَمْسَكُوا عَنْهُ وَكَانَ مَعَ هَذَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنَ الثِّقَةِ عِنْدَهُ، فَحَكَاهُ.
وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَفْعَلُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: أَنهم. ٢ مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري، أَبُو عبد الله: زاهد من كبار التَّابِعين، ثِقَة فِيمَا رَوَاهُ من الحَدِيث، ولد فِي حَيَاة النَّبِيَّ ﷺ ثمَّ أَقَامَ وَتُوفِّي فِي الْبَصْرَة ٨٧. ٣ عمرَان بن حُصَيْن بن عبيد، أَبُو نجيد الْخُزَاعِيّ، من عُلَمَاء الصَّحَابَة أسلم عَام خَيْبَر سنة ٧هـ، بَعثه عمر إِلَى أهل الْبَصْرَة ليفقههم، وولاه زِيَاد قضاءها وَتُوفِّي بهَا عَام ٥٢هـ وَله فِي كتب الحَدِيث ١٣٠ حَدِيثا. ٤ وَفِي نُسْخَة: يخطئون. ٥ الودي: صغَار الفسيل، واحدته: ودية كفينة وزنا. ٦ الصفق: الذّهاب والطوف. "الْقَامُوس". ٧ الضّيَاع: جمع ضَيْعَة وَهِي: الْعقار، وَالْأَرْض المغلة. "الْقَامُوس".
[ ٩١ ]
كذبٌ -بِحَمْدِ اللَّهِ- وَلَا عَلَى قَائِلِهِ -إِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ السَّامِعُ- جُنَاحٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَالَ خَلِيلِي، وَسَمِعْتُ خَلِيلِي". يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ.
وَأَنَّ عَلِيًّا ﵁، قَالَ لَهُ: "مَتَى كَانَ خَلِيلَكَ"؟ ".
فَإِنَّ الْخُلَّةَ بِمَعْنَى الصَّدَاقَةِ وَالْمُصَافَاةِ، وَهِيَ دَرَجَتَانِ، إِحْدَاهُمَا أَلْطَفُ مِنَ الْأُخْرَى.
كَمَا أَنَّ الصُّحْبَةَ دَرَجَتَانِ، إِحْدَاهُمَا أَلْطَفُ مِنَ الْأُخْرَى.
أَلَّا تَرَى أَنَّ الْقَائِلَ: أَبُو بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَا يُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ مَعْنَى صُحْبَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ، لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا صَحَابَةٌ، فَأَيَّةُ فَضِيلَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي هَذَا الْقَوْلِ؟. وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّهُ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْأُخُوَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، هِيَ أَلْطَفُ مِنَ الْأُخُوَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١ وَهَكَذَا الْخُلَّةُ.
فَمِنَ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٢.
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا" ٣.
يُرِيدُ لَاتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا.
وَأَمَّا الْخُلَّةُ، الَّتِي تَعُمُّ، فَهِيَ الْخُلَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الْآيَة ١٠ من سُورَة الحجرات. ٢ الْآيَة ١٢٥ من سُورَة النِّسَاء. ٣ أخرجه البُخَارِيّ: صَلَاة ٨٠ ومناقب الْأَنْصَار ٤٥ وفضائل الصَّحَابَة ٣ و٥ وفرائض ٩ وَمُسلم: مَسَاجِد ٢٨ وفضائل الصَّحَابَة ٢ و٧ وَالتِّرْمِذِيّ: مَنَاقِب ١٤ و١٦، وَابْن ماجة: مُقَدّمَة ١١، والدرامي: فَرَائض ١١ وَأحمد ١/ ٢٧٠ و٣٥٩ و٣/ ١٨ و٤٧٨. ٤ الْآيَة ٦٧ من سُورَة الزخرف.
[ ٩٢ ]
فَلَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "قَالَ خَلِيلِي، وَسَمِعْتُ خَلِيلِي" وَكَانَ سيء الرَّأْيِ فِيهِ، قَالَ: "مَتَى كَانَ خَلِيلَكَ"؟
يَذْهَبُ إِلَى الْخُلَّةِ الَّتِي لَمْ يُتَّخَذْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺمِنْ جِهَتِهَا- خَلِيلًا، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَحَدٍ، لَفَعَلَهُ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁.
وَذَهَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ، إِلَى الْخُلَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْوِلَايَةِ، فَإِنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ- خَلِيلُ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَوَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ.
وَإِلَى مِثْلِ هَذَا، يُذْهَب فِي قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ"١؛ يُرِيدُ أَنَّ الْوِلَايَةَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلْطَفُ مِنَ الْوِلَايَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا لِعَلِيٍّ ﵁.
وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ، مَا كَانَ لِعَلِيٍّ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَضْلٌ، وَلَا كَانَ فِي الْقَوْلِ دَلِيلٌ عَلَى شَيْءٍ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.
وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَلِيٍّ وَمَوْلًى.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "أَيَّةُ امْرَأَةٍ نُكِحَتْ، بِغَيْرِ أَمْرِ مَوْلَاهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ" ٣.
فَهَذِهِ أَقَاوِيلُ النَّظَّامِ، قَدْ بَيَّنَّاهَا، وَأَجَبْنَاهُ عَنْهَا.
وَلَهُ أَقَاوِيلُ فِي أَحَادِيثَ يدَّعي عَلَيْهَا، أَنَّهَا مُنَاقِضَةٌ لِلْكِتَابِ، وَأَحَادِيثَ يَسْتَبْشِعُهَا٤ مِنْ جِهَة حجَّة الْعقل.
_________________
(١) ١ سبق تَخْرِيجه ص٥١. ٢ الْآيَة ١١ من سُورَة مُحَمَّد. ٣ أخرجه أَبُو دَاوُد: كتاب ١٢ بَاب ١٨، وَالتِّرْمِذِيّ كتاب ٩ بَاب ١٥، وَابْن ماجة: كتاب ٩ بَاب ١٥، والدارمي: كتاب ١١ بَاب ١١، وموطأ مَالك: كتاب ٢٨ حَدِيث ٥ و٢٦ ومسند أَحْمد ص ٢٥٠ جـ١. ٤ وَفِي رِوَايَة: يستشنعها.
[ ٩٣ ]
وَذكر أَن حُجَّةِ الْعَقْلِ قَدْ تَنْسَخُ الْأَخْبَارَ، وَأَحَادِيثَ يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَسَنَذْكُرُهَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
كَذِبُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى قَوْلِ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ، فَنَجِدُهُ كَذَّابًا، أَفَّاكًا.
وَقَدْ حَكَى عَنْهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَقَالَتِهِ أَنَّهُ حَضَرَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، إِنَّ يَدَيَّ صَنَاعٌ فِي الْكَسْبِ، وَلَكِنَّهَا فِي الْإِنْفَاقِ خَرْقَاءُ١، كَمْ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَسَّمْتَهَا عَلَى الْإِخْوَانِ -أَبُو فُلَانٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ يَا أَبَا فُلَانٍ هَلْ تَعْلَمُ ذَلِكَ؟
قُلْتُ: يَا أَبَا الْهُذَيْلِ مَا أَشُكُّ فِيمَا تَقُولُ.
قَالَ: فَلَمْ يَرْضَ أَنْ حَضَرْتُ، حَتَّى اسْتَشْهَدَنِي، وَلَمْ يَرْضَ إِذِ اسْتَشْهَدَنِي٢ حَتَّى اسْتَحْلَفَنِي.
قَالَ: وَكَانَ أَبُو الْهُذَيْلِ أَهْدَى دَجَاجَةً إِلَى مُوَيْسِ بْنِ عِمْرَانَ، فَجَعَلَهَا مَثَلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَتَارِيخًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَكَانَ يَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، قَبْلَ أَنْ أَهْدِيَ إِلَيْكَ تِلْكَ الدَّجَاجَةَ وَكَانَ كَذَا، بَعْدَ أَنْ أَهْدَيْتُ إِلَيْكَ تِلْكَ الدَّجَاجَةَ، وَإِذَا رَأَى جَمَلًا سَمِينًا قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَا تِلْكَ الدَّجَاجَةُ الَّتِي أَهْدَيْتُهَا إِلَيْكَ.
وَهَذَا نَظَرُ مَنْ لَا يَقْسِمُ عَلَى الْإِخْوَانِ عَشْرَةَ أَفْلُسٍ، فَضْلًا عَنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ.
وَحَكَى مِنْ خَطَئِهِ فِي الْاسْتِطَاعَةِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْفَاعِلَ فِي وَقْتِ الْفِعْلِ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِفِعْلٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْفِعْلِ بِالْإِجْمَاعِ، فَقَالُوا: قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَاعِلٍ مُسْتَطِيعٌ فِي حَالِ فِعْلِهِ فَالْاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ ثَابِتَةٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا قَبْلَهُ؛ فَنَحْنُ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّهَا قَبْلَ الْفِعْلِ الدليلُ، فَلَجَأَ إِلَى هَذَا القَوْل.
_________________
(١) ١ خرقاء: لَا تحفظ المَال. ٢ وَفِي نُسْخَة: شهِدت.
[ ٩٤ ]
وَسُئِلَ عَنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْبَصَرِ فِي حَالِ وُجُودِ الْإِدْرَاكِ، وَعَنْ عَدَمِ الْحَيَاةِ إِنْ كَانَتْ عَرَضًا، فِي حَالِ وُجُودِ الْعِلْمِ، فَلَا هُوَ فَرَّقَ وَلَا هُوَ رَجَعَ.
وَزَعَمَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَفْعَلَ فِي حَالِ بُلُوغِهِ بِالْاسْتِطَاعَةِ الَّتِي أُعْطِيهَا فِي حَالِ الْبُلُوغِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ بِهَا فِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ.
فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَمَتَى فَعَلَ بهَا؟ فِي الْحَالِ الَّتِي سُلبها، أَمْ فِي حَالِ الْبُلُوغِ، وَالْفِعْلُ فِيهَا عِنْدَكَ مُحَالٌ، وَقَدْ فُعِلَ بِهَا وَلَا حَالَ إِلَّا حَالُ الْبُلُوغِ؟
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ قَوْلًا مَرْغُوبًا عَنْهُ، مَعَ أَقَاوِيلَ كَثِيرَةٍ فِي فَنَاءِ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَفَنَاءِ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ.
تَنَاقُضُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ:
ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى "عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ"١ وَقَدْ كَانَ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، فَنَهَجَ -مِنْ قَبِيحِ مَذَاهِبِهِ، وَشِدَّةِ تَنَاقُضِ قَوْلِهِ- عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ تَنَاقُضًا مِمَّا أَنْكَرُوهُ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ٢ عَلَى الْاخْتِلَافِ، فَالْقَوْلُ بِالْقَدَرِ صَحِيحٌ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ، وَالْقَوْلُ بِالْإِجْبَارِ صَحِيحٌ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا فَهُوَ مُصِيبٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ رُبَّمَا دَلَّتْ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَاحْتَمَلَتْ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ.
وَسُئِلَ يَوْمًا؛ عَنْ أَهْلِ الْقَدَرِ وَأَهْلِ الْإِجْبَارِ٣، فَقَالَ: كُلٌّ مُصِيبٌ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عَظَّمُوا اللَّهَ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ نَزَّهُوا اللَّهَ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَسْمَاءِ؛ فَكُلُّ مَنْ سَمَّى الزَّانِي مُؤمنا فقد
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: فتهجم. ٢ وَفِي نُسْخَة: نزل. ٣ الجبرية: هم الَّذين ينفون الْفِعْل حَقِيقَة عَن العَبْد ويضيفونه إِلَى الرب ﷾، وهم الجبرية الْخَالِصَة: الَّذين لَا يثبتون للْعَبد فعلا وَلَا قدرَة على الْفِعْل أصلا، والجبربة المتوسطة؛ وَهِي الَّتِي تثبت للْعَبد قدرَة غير مُؤثرَة أصلا.
[ ٩٥ ]
أصَاب وَمَنْ سَمَّاهُ كَافِرًا فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ فَاسِقٌ -وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ- فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ مُنَافِقٌ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ وَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ فَقَدْ أَصَابَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الْمَعَانِي.
قَالَ: وَكَذَلِكَ السُّنَنُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْقَوْلِ بِالْقَرْعَةِ وَخِلَافِهِ، وَالْقَوْلِ بِالسِّعَايَةِ وَخِلَافِهِ، وَقَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَبِأَيِّ ذَلِكَ أَخَذَ الْفَقِيهُ فَهُوَ مُصِيبٌ.
قَالَ: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْقَاتِلَ فِي النَّارِ كَانَ مُصِيبًا.
وَلَوْ قَالَ: هُوَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ مُصِيبًا، وَلَوْ وَقَفَ فِيهِ وَأَرْجَأَ أَمْرَهُ كَانَ مُصِيبًا؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عِلْمُ الْمَغِيبِ.
وَكَانَ يَقُولُ فِي قِتَالِ عليٍّ لِطَلْحَةَ١ وَالزُّبَيْرِ وَقِتَالِهِمَا لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالْخَلَلِ مَا تَرَى، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْقِيَاسِ وَأَهْلِ النَّظَرِ.
صَاحِبُ الْبَكْرِيَّةِ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى "بَكْرٍ" صَاحِبُ الْبَكْرِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِهِمْ حَالًا فِي التَّوَقِّي.
فَنَجِدُهُ يَقُولُ: مَنْ سَرَقَ حَبَّةً مِنْ خَرْدَلٍ، ثُمَّ مَاتَ غَيْرَ تَائِبٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ مُخَلَّدٌ أبدا، مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
_________________
(١) ١ هُوَ طَلْحَة بن عبيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ، أحد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ والستة الشورى، وَأحد الثَّمَانِية الَّذين سبقوا إِلَى الْإِسْلَام، وَسَماهُ النَّبِيَّ ﷺ طَلْحَة الْخَيْر وَطَلْحَة الْجُود وَطَلْحَة الْفَيَّاض، وَاسْتشْهدَ يَوْم الْجمل سنة ٣٦هـ.
[ ٩٦ ]
وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ صَدِيقِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ.
وَوُسَّعَ لِدَاخِلِ الْحَائِطِ١ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهِ، وَلَا يَحْمِلَ.
وَوُسَّعَ لِابْنِ السَّبِيلِ -إِذَا مَرَّ فِي سَفَرِهِ بِغَنَمٍ وَهُوَ عَطْشَانُ- أَنْ يُصِيبَ مِنْ رِسْلِهَا٢.
فَكَيْفَ يُعَذِّبُ مَنْ أَخَذَ حَبَّةً مِنْ خَرْدَلٍ، لَا قَدْرَ لَهَا، وَيُخَلِّدُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا؟!!
وَأَيُّ ذَنْبٍ هُوَ أَخْذُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ تَوْبَةٌ، أَوْ يَقَعُ فِيهِ إِصْرَارٌ؟
وَقَدْ يَأْخُذُ الرَّجُلُ الْخَلَّالُ مِنْ حَطَبِ أَخِيهِ، والمدَر٣ مِنْ مَدَرِهِ، وَيَشْرَبُ الْمَاءَ مِنْ حَوْضِهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ قَدْرًا مِنَ الْحَبَّةِ.
وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَطْفَالَ لَا تَأَلَّمُ.
فَإِذَا سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: فَمَا بَالُهُ يَبْكِي إِذَا قُرِصَ أَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ شَرَارَةٌ.
قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ عُقُوبَةٌ لِأَبَوَيْهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُؤْلِمَ طِفْلًا لَا ذَنْبَ لَهُ.
فَإِذَا سُئِلَ عَنِ الْبَهِيمَةِ وَأَلَمِهَا، وَهِيَ لَا ذَنْبَ لَهَا، قَالَ: إِنَّمَا آلَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْفَعَةِ ابْنِ آدَمَ لِتَنْسَاقَ٤ وَلِتَقِفَ، وَلِتَجْرِيَ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ مِنْهَا.
وَكَانَ مِنَ الْعَدْلِ -عِنْدَهُ- أَنْ يُؤْلِمَهَا لِنَفْعِ غَيْرِهَا وَرُبَّمَا قَالَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ خَلَطُوا فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ.
وَكَانَ يَقُولُ: شُرْبُ نَبِيذِ السِّقَاءِ٥ الشَّدِيدِ مِنَ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الجدي، وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ.
_________________
(١) ١ الْحَائِط: الْبُسْتَان. ٢ رسلها: أَي لَبنهَا. ٣ الْمدر: قطع الطين الْيَابِس. "الْقَامُوس". ٤ وَفِي نُسْخَة: لتستاق. ٥ وَفِي نُسْخَة: السِّقَايَة.
[ ٩٧ ]
وَالسُّنَّةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الدِّينِ لَا فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَأْكُلِ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ دَهْرَهُ، وَقَدْ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَوْ لَمْ يَأْكُلِ الْقَرْعَ وَقَدْ كَانَ يُعْجِبُ النَّبِيَّ ﷺ لم يقل أَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ١.
هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى "هِشَامِ بْنِ٢ الْحَكَمِ" فَنَجِدُهُ رَافِضِيًّا غَالِيًا.
وَيَقُولُ فِي اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَقْطَارِ وَالْحُدُودِ وَالْأَشْبَارِ، وَأَشْيَاءَ يُتَحَرَّجُ مِنْ حِكَايَتِهَا وَذِكْرِهَا، لَا خَفَاءَ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ بِهَا.
وَيَقُولُ بِالْإِجْبَارِ الشَّدِيدِ، الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ الْقَائِلُونَ بِالسُّنَّةِ.
وَسَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ: أَتَرَى اللَّهَ تَعَالَى -مَعَ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ- يُكَلِّفُنَا شَيْئًا، ثُمَّ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَيُعَذِّبُنَا؟
فَقَالَ: قَدْ -وَاللَّهِ- فَعَلَ، وَلَكِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَكَلَّمَ.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا خَاصَمَ الْعَبَّاسَ فِي فَدَكَ٣ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَيُّهُمَا كَانَ الظَّالِمُ؟
قَالَ: لم يكن فيهمَا ظَالِم.
_________________
(١) ١ وَفِي رِوَايَة: وَقَدْ كَانَ يُعْجِبُ النَّبِيَّ ﷺ لم يقل أَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ. ٢ هِشَامُ بْنُ الحكم الشَّيْبَانِيّ بِالْوَلَاءِ الْكُوفِي، أَبُو مُحَمَّد: مُتَكَلم مناظر، كَانَ شيخ الإمامية فِي وقته، ولد بِالْكُوفَةِ وَنَشَأ بواسط. وَسكن بَغْدَاد. توفّي عَام ١٩٠هـ. ٣ فدك: بَلْدَة بَينهَا وَبَين مَدِينَة النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَانِ، تنازعها عليٌّ وَالْعَبَّاس فِي خلَافَة عمر فَقَالَ عَليّ: جعلهَا النَّبِي لفاطمة وَوَلدهَا، وَأنْكرهُ الْعَبَّاس، فسلمها عمر لَهما. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
[ ٩٨ ]
قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟
قَالَ: هُمَا كَالْمَلَكَيْنِ الْمُخْتَصِمَيْنِ إِلَى دَاوُدَ ﵇، لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا ظَالِمٌ، إِنَّمَا أَرَادَا أَنْ يُعَرِّفَاهُ خَطَأَهُ وَظُلْمَهُ.
كَذَلِكَ أَرَادَ هَذَانِ، أَنْ يُعَرِّفَا أَبَا بَكْرٍ خَطَأَهُ وَظُلْمَهُ.
وَمِمَّا يَعُدُّهُ أَصْحَابُ الْكَلَامِ مِنْ خَطَئِهِ، قَوْلُهُ: إِنَّ حَصَاةً يَقْلِبُهَا اللَّهُ جَبَلًا فِي رَزَانَتِهِ وَطُولِهِ وَعَرْضِهِ وَعُمْقِهِ، فَتُطَبِّقُ مِنَ الْأَرْضِ فَرْسَخًا، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُطَبِّقُ أُصْبُعًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا عَرَضًا أَوْ جِسْمًا أَوْ يَنْتَقِصَ مِنْهَا عَرَضًا أَوْ جِسْمًا.
ثُمَامَةُ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى "ثُمَامَةَ"١ فَنَجِدُهُ مِنْ رِقَّةِ الدِّينِ، وَتَنَقُّصِ الْإِسْلَامِ، وَالْاسْتِهْزَاءِ بِهِ، وَإِرْسَالِهِ لِسَانَهُ عَلَى مَا لَا يَكُونُ عَلَى مِثْلِهِ رَجُلٌ يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُؤْمِنُ بِهِ.
وَمِنَ الْمَحْفُوظِ عَنْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يتعادَوْن يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ، لِخَوْفِهِمْ فَوْتَ الصَّلَاةِ.
فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى الْبَقَرِ، انْظُرُوا إِلَى الْحَمِيرِ.
ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِهِ: مَا صَنَعَ هَذَا الْعَرَبِيُّ٢ بِالنَّاسِ؟
مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ الْبَرْمَكِيُّ:
ثُمَّ نَصِيرُ إِلَى "مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ الْبَرْمَكِيِّ" فَنَجِدُ مُصْحَفَهُ كُتُب أَرُسْتَطَالِيسَ فِي الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ وَالْكِيَانِ، وَحُدُودِ الْمنطق بهَا، يقطع دهره،
_________________
(١) ١ ثُمَامَة بن أَشْرَس النميري، من كبار الْمُعْتَزلَة، وَأحد الفصحاء والبلغاء المقدمين، كَانَ لَهُ اتِّصَال بالرشيد ثمَّ بالمأمون، وعدَّهُ المقريرزي فِي رُؤَسَاء الْفرق الهالكة، وَأَتْبَاعه يسمون "الثَّمَانِية" نِسْبَة إِلَيْهِ توفّي ٢١٣هـ. ٢ وَفِي نُسْخَة: الْقرشِي.
[ ٩٩ ]
يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ -فِيمَا ذُكِرَ- لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ.
وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ شُكْرًا عَلَى شَيْءٍ فَعَلَهُ بِهِ، أَوْ خَيْرٍ أَسْدَاهُ إِلَيْهِ.
لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّمَا١ إِلَى نَفْسِهِ قَصَدَ.
أَوْ يَكُونَ فَعَلَهُ لِلْمُكَافَأَةِ، فَإِنَّهُ إِلَى الرِّبْحِ ذَهَبَ.
أَوْ يَكُونَ فَعَلَهُ لِلذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ، فَفِي حَظِّهِ سَعَى، وَفِي حَبْلِهِ حَطَبَ٢.
أَوْ فَعَلَهُ رَحْمَةً لَهُ، ورقة وضعت فِي قلبهب، فَإِنَّمَا سكن بِتِلْكَ الْعَطِيَّة علته وَدَاوَى بِهَا مِنْ دَائِهِ.
وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ" ٣.
وَذَكَرَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" ٤.
وَأَنَا أَقُولُ: إِنَّ ثُلُثَ الثُّلُثِ كَثِيرٌ، وَالْمَسَاكِينَ حُقُوقُهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ إِنْ طَلَبُوهُ طَلَبَ الرِّجَالِ أَخَذُوهُ، وَإِنْ قَعَدُوا عَنْهُ سقعود النِّسَاءِ حُرِمُوهُ، فَلَا رَحِمَ اللَّهُ من يرحمهم.
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: فَإلَى. ٢ فِي حبله حطب: كِنَايَة عَن سَعْيه لمصلحته ومنفعته الشخصية، وَقد ورد فِي الْقَامُوس. حطب فِي حبلهم: لضرهم. ٣ أخرجه أَبُو دَاوُد: أدب ١١، وَالتِّرْمِذِيّ: بر ٣٥، وَأحمد: ٣/ ٢٥٨ و٢٩٥ و٣٠٣ و٤٦١ و٤٩٣ و٣/ ٣٢ و٧٤، وَالنَّظَر صَحِيح الْجَامِع للألباني رقم٧٧١٩، وسلسلة الصَّحِيحَيْنِ ٤١٦ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا. ٤ أخرجه البُخَارِيّ: جنائز ٢٣٦ وَصَايَا ٢ و٣ ومناقب الْأَنْصَار ٤٩، ونفقات ١ وَمرض ١٣ و١٦ ودعوات ٤٣ وفرائض ٦ وَمُسلم: وَصِيَّة ٥ و٧ و٨ و١٠ وَأَبُو دَاوُد: فَرَائض ٣ وأيمان ٢٣، وَالتِّرْمِذِيّ: جنائز ٦ ووصايا ١، وَالنَّسَائِيّ: وَصَايَا ٣، وَابْن ماجة: وَصَايَاهُ، والموطأ: وَصِيَّة ٤.
[ ١٠٠ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ سَايَرَهُ، فَنَفَرَتْ بِهِ دَابَّتُهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اضْرِبُوهَا عَلَى الْعِثَارِ، وَلَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّفَارِ.
وَأَنَا أَقُولُ: لَا تَضْرِبُوهَا عَلَى الْعِثَارِ، وَلَا عَلَى النِّفَارِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَلَسْتُ أَدْرِي، أَيَصِحُّ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَمْ لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ حُكِيَ عَنْهُ وَقَدْ أَخْطَأَ.
وَالصَّوَابُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ تَنْفِرُ مِنَ الْبِئْرِ١ أَوْ مِنَ الشَّيْءِ تَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الرَّاكِبُ فَتَتَقَحَّمُ، وُفِي تَقَحُّمِهَا الْهَلَكَةُ.
فَنَهَى عَنْ ضَرْبِهَا عَلَى النِّفَارِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِهَا عَلَى الْعِثَارِ، لِتَجِدَّ فَلَا تَعْثَرَ، لِأَنَّ الْعَثْرَةَ لَا تَكَادُ تَكُونُ إِلَّا عَن توان
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: من النَّهر
[ ١٠١ ]