قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
مَطَاعِنُ الْمُنَاهِضِينَ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ:
"أَمَّا بَعْدُ" أَسْعَدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ، وَحَاطَكَ بِكِلَاءَتِهِ، وَوَفَّقَكَ لِلْحَقِّ بِرَحْمَتِهِ وَجَعَلَكَ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تُعْلِمُنِي مَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ مِنْ ثَلْبِ١ أَهْلِ الْكَلَامِ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَامْتِهَانِهِمْ، وَإِسْهَابِهِمْ٢ فِي الْكُتُبِ بِذَمِّهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِحَمْلِ الْكَذِبِ وَرِوَايَةِ الْمُتَنَاقِضِ حَتَّى وَقَعَ الْاخْتِلَافُ وَكَثُرَتِ النِّحَلُ وَتَقَطَّعَتِ الْعِصَمُ وَتَعَادَى الْمُسْلِمُونَ وَأَكْفَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَتَعَلَّقَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِمَذْهَبِهِ بِجِنْسٍ مِنَ الْحَدِيثِ٣:
١- فَالْخَوَارِجُ٤ تَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ "ضَعُوا سُيُوفكُمْ على عواتقكم ثمَّ
_________________
(١) ١ ثلبه يثلبه: لامه وعابه. الْقَامُوس. ٢ أسهب: أَكثر الْكَلَام. الْقَامُوس. ٣ ذكر الْمُؤلف -﵀- هُنَا سَبَب تصنيفه هَذَا الْكتاب حَيْثُ كتب لَهُ أحد أنصار مدرسة الحَدِيث فِي عصره يستنجده للنهوض لمطاعن أهل الْكَلَام وَغَيرهم من الْمذَاهب الَّتِي آثرت الْعُدُول عَن بعض الْأَحَادِيث -لما نقل فِيهَا من رِوَايَات كَاذِبَة أَو متناقضة، ويدعوه لإِزَالَة الغموض فِيمَا ذَكرُوهُ من تنَاقض، حَتَّى التمست كل فرقة ضَالَّة دَلِيلا من السّنة تمسكت بِهِ، وظنته مخرجا. ٤ يَقُول الْخَوَارِج بِوُجُوب الْخُرُوج على الإِمَام الجائر، كَمَا يجمعُونَ على إكفار الْحكمَيْنِ وَمن رَضِي بحكمهما فِي فتْنَة "عَليّ وَمُعَاوِيَة ﵄"، وَأما التَّكْفِير بارتكاب الْمعاصِي فَلم يجمعوا عَلَيْهِ، وهم يَرُدُّون السّنة إِذا لم يرد مَا يؤيدها صَرَاحَة من الْقُرْآن الْكَرِيم، وهم يجوزون الْإِمَامَة فِي غير قُرَيْش "رَاجع الْملَل والنحل للشهرستاني: جا ص١٠٥-١٠٧".
[ ٤٧ ]
أبيدوا خضراءهم" ١.
"وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ"٢.
وَ"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" ٣.
٢- وَالْقَاعِدُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ ﷿ عَلَيْهَا" ٤.
وَ"مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ" ٥.
وَ"اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مجدّع الْأَطْرَاف" ٦.
_________________
(١) ١ أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الرَّوْض الداني رقم ٢٠١ بِلَفْظ: " اسْتَقِيمُوا لقريش مَا استقاموا لكم، فَإِذا لم يَفْعَلُوا فضعوا سُيُوفكُمْ على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فَإِذا لم تَفعلُوا فكونوا زارعين أشقياء تَأْكُلُونَ من كد أَيْدِيكُم". رَوَاهُ ثَوْبَان. وَلم يروه عَن شُعْبَة إِلَّا أَبُو دَاوُد، وَعباد بن عباد المهلبي. الْإِسْنَاد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط، وَقَالَ الهيثمي: رِجَاله ثِقَات. ٢ أخرجه البُخَارِيّ: اعتصام ١٠، وَمُسلم: إِيمَان ٢٤٧ وإمارة ١٧٠، ١٧٣، ١٧٤، وَأَبُو دَاوُد: فتن ١، وَالتِّرْمِذِيّ: فتن ٢٧، ٥١. ٣ أخرجه أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة من أوجه مُخْتَلفَة، بِلَفْظِهِ أَو بِمَعْنَاهُ. فَروِيَ فِي فتح الْبَارِي ٥/ ٩٣، وَمُسلم ١/ ١٢٥، وَأَبُو دَاوُد ٥/ ١٢٨، وَعون المعبود ٤/ ٣٩١، وَالتِّرْمِذِيّ ٤/ ٢٩، وَالنَّسَائِيّ ٢/ ١٦٦، وَابْن مَاجَه ٢/ ٨٦١، وَأحمد ٢/ ١٦٣. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ٤/ ٢٨٣ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: فِي إِسْنَاد الحَدِيث هَارُون بن حبَان الرقي كَانَ يضع الحَدِيث، وَقَالَ البُخَارِيّ: فِي حَدِيثه نظر، وَقَالَ فِي اللِّسَان ٦/ ١٧٨، وَذكره الْعقيلِيّ فِي الضُّعَفَاء، وَذكره السَّاجِي كَذَلِك فِي الضُّعَفَاء، وَانْظُر لِسَان الْمِيزَان ٤/ ٢٠٩ والمجروحون ٣/ ٥١. ٤ أخرجه التِّرْمِذِيّ: فتن ٧، وَالنَّسَائِيّ: تَحْرِيم ٦. ٥ أخرجه البُخَارِيّ: أَحْكَام ٤، والدارمي: سير ٧٦، وَأحمد ١/ ٢٩٧. ٦ أخرجه مُسلم: حج ٣١١، وَالتِّرْمِذِيّ: جِهَاد ٣٨، وَابْن مَاجَه: جِهَاد ٣٩، وَأحمد: ٤/ ٧٠، ٥/ ٣٨١، ٦/ ٤٠٢-٤٠٣، ومجدّع الْأَطْرَاف: أَي مقطع الْأَعْضَاء.
[ ٤٨ ]
و"صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ برٍّ وَفَاجِرٍ"١.
وَلَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ بَرٍّ أَو فَاجر.
و"كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ فَادْخُلْ مَخْدَعَكَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَقُلْ بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ" ٢.
وكُنْ عبدَ اللَّهِ المقتولَ، وَلَا تكنْ عبدَ اللَّهِ القاتلَ.
٣- وَالْمُرْجِئُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، قِيلَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" ٣.
وَ"مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -مُخْلِصًا- دَخَلَ الْجَنَّةَ وَلَمْ تَمَسُّهُ النَّارُ" ٤.
وَ"أَعْدَدْتُ شَفَاعَتِي، لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي" ٥.
٤- وَالْمُخَالِفُ لَهُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن" ٦.
_________________
(١) ١ ورد فِي ضَعِيف الْجَامِع الصَّغِير للألباني برقم ٣٤٧٧ عَن أبي هُرَيْرَة وَضَعِيف أبي دَاوُد ٩٧. ٢ أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده: ٤/ ٢٢٦ بِلَفْظ: "أَوْصَانِي خليلي أَبُو الْقَاسِم ﷺ إِنَّ أدْركْت شَيْئا من هَذِه الْفِتَن فاعمد إِلَى أحد فاكسر بِهِ حد سَيْفك ثمَّ اقعد فِي بَيْتك، قَالَ: فَإِن دخل عَلَيْك أحد إِلَى الْبَيْت فَقُمْ إِلَى المخدع، فَإِن دخل عَلَيْك المخدع فاجثُ على ركبتَيك وقلْ: بُؤْ بإثمي وإثمِك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين، فقد كسرت حد سَيفي وَقَعَدت فِي بَيْتِي". ٣ أخرجه البُخَارِيّ: جنائز أَو بَدْء الْخلق لِبَاس ٢٤ واستئذان ٣٠ ورقاق ١٣ وتوحيد ٣٣، وَمُسلم: إِيمَان ١٥٣ و١٥٤ وَالتِّرْمِذِيّ: إِيمَان ١٨. ٤ أخرجه مُسلم: إِيمَان ٤٧، وَالْبُخَارِيّ: جِهَاد ١٠٢، وَالتِّرْمِذِيّ: إِيمَان ١٧ وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، وَقد رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ أَنه سُئِلَ عَن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله دخل الْجنَّة، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أول الْإِسْلَام قبل نزُول الْفَرَائِض وَالْأَمر وَالنَّهْي، قَالَ أَبُو عِيسَى: وَوجه هَذَا الحَدِيث عِنْد بعض أهل الْعلم: أَن أهل التَّوْحِيد سيدخلون الْجنَّة، وَإِن عذبُوا بالنَّار بِذُنُوبِهِمْ، فَإِنَّهُم لَا يخلدُونَ فِي النَّار. وَالله أعلم. ٥ أخرجه التِّرْمِذِيّ: كتاب ٣٥ بَاب ١١، وَأَبُو دَاوُد: كتاب ٣٩ بَاب ٢٠ وَالطَّيَالِسِي رقم ٩٩٨ و١٦٦٩ و٢٠٢٦. ٦ ابْن مَاجَه: فتن ٣.
[ ٤٩ ]
وَ"لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" ١.
وَ"لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" ٢.
وَ"يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ حَبْرُهُ وَسَبْرُهُ" ٣.
وَ"يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ قَدِ امْتَحَشُوا فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَوْ كَمَا تَنْبُتُ التَّغَارِيزُ" ٤.
٥- وَالْقَدَرِيُّ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ" ٥.
وَبِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: "خَلَقْتُ عِبَادِي جَمِيعًا حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ" ٦.
٦- وَالْمُفَوِّضُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خلق لَهُ. أما
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ: أدب ٢٩، وَمُسلم: إِيمَان ٧٣، وَالتِّرْمِذِيّ قِيَامَة: ٦٠ وَأحمد ١/ ٣٨٧ و٢/ ٢٨٨ و٣٣٦. وبوائقه: شروره وغوائله. ٢ أخرجه البُخَارِيّ: إِيمَان ٥ ورقاق ٢٦، وَمُسلم: إِيمَان ٦٤ و٦٥، وَأَبُو دَاوُد: جِهَاد ٢، وَالتِّرْمِذِيّ: قِيَامَة ٥٢ وإيمان ١٢ وَالنَّسَائِيّ: إِيمَان ٨ و٩ و١١، والدرامي: رقاق ٤ و٨، وَأحمد ٢/ ١٦٠. ٣ الحبر: أثر الْجمال والهيئة الْحَسَنَة، والسبر بِنَفس الْمَعْنى. ٤ أخرجه البُخَارِيّ: أَذَان ١٢٩ ورقاق ٥٢ وتوحيد ٢٤، وَمُسلم: إِيمَان ٢٩٩ و٣٠٤، والدارمي: مُقَدّمَة ٨، وَأحمد ١/ ٢٣ و٢/ ٢٧٦ و٥٣٤ و٣/ ٥٦، و١٤٤ و٣٢٦، و٥/ ٣٩١ و٤٠٢. وامتحشوا: أَي احترقوا، ويروى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول كَمَا نَقله النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم عَن القَاضِي عِيَاض. ٥ أخرجه البُخَارِيّ: كتاب ٢٣ بَاب ٨٠ و٩٣ وَكتاب ٦٥ وَسورَة ٣٠ وَكتاب ٨٢ بَاب ٣، وَمُسلم: كتاب ٤٦ حَدِيث ٢٢ و٢٥ وَقدر ٢٥، وَأَبُو دَاوُد كتاب ٣٩ وَبَاب ١٧، وَالتِّرْمِذِيّ: كتاب ٣٠ بَاب ٥، ومسند أَحْمد: ص٢٣٣ و٢٥٣ و٢٧٥ و٢٨٢ ومسند الطَّيَالِسِيّ: حَدِيث ٢٣٥٩ و٢٤٣٣ وَمَغَازِي الْوَاقِدِيّ ص٣٦١. ٦ أخرجه مُسلم: جنَّة ٦٣ وَأحمد ٤/ ١٦٢. قَوْله: فَاجْتَالَتْهُمْ: أَي استخفتهم فجالوا مَعَهم فِي الضلال، وَفِي رِوَايَة بِالْحَاء، وَالْمعْنَى: نقلتهم من حَال إِلَى حَال.
[ ٥٠ ]
مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ"١.
وَ"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَقَبَضَ قَبْضَتَيْنِ، فَأَمَّا الْقَبْضَةُ الْيُمْنَى فَقَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ برحمتي، والقبضة الْأُخْرَى فَقَالَ: إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي" ٢.
و"السعيد مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالشَّقِيُّ، مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ" ٣ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ.
٧- وَالرَّافِضَةُ تَتَعَلَّقُ فِي إِكْفَارِهَا صَحَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرِوَايَتِهِمْ " لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّي أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ" ٤.
وَ"لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" ٥.
وَيَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِرِوَايَتِهِمْ "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي" ٦.
وَ" مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فعليٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن وَالَاهُ، وعادِ مَن عَادَاهُ" ٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ: قدر ٤ وَتَفْسِير سُورَة ٩٢/ ٤ و٥ و٧ وتوحيد ٥٤، وَمُسلم: قدر ٦ و٧ و٨، وَالتِّرْمِذِيّ: قدر ٣ وَتَفْسِير سُورَة ٩٢ وَأحمد ٤/ ٦٧. ٢ أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده قَرِيبا مِنْهُ: ٤/ ١٧٦ و١٧٧ و٥/ ٦٨. ٣ وَجَدْنَاهُ فِي صَحِيح مُسلم بِلَفْظ: "السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أمه" وَفِي الْمَقَاصِد ٢٤٠، والدرر برقم ٥٥٣ والتمييز ٨٧ والكشف ١/ ٤٥٢ والأسرار ٢١٦. ٤ انْظُر: صَحِيح مُسلم: فَضَائِل ٤٠. ٥ أخرجه مُسلم: إِيمَان ١١٨ و١٢٠ وقسامة ٢٩، وَالْبُخَارِيّ: علم ٤٣ وأضاحي ٥، وَأَبُو دَاوُد: سنة ١٥، وَالتِّرْمِذِيّ: فتن ٢٨، والدارمي: مَنَاسِك ٧٦، وَأحمد ٢/ ٨٥ و٨٧ و١٠٤، و٥/ ٣٧، و٣٩. ٦ صَحِيح عِنْد الشَّيْخَيْنِ: مُسلم رقم ٢٤٠٤، وَلَفظ البُخَارِيّ: "أما ترْضى أَن تكون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي" وَهُوَ أَيْضا لفظ مُسلم، وَأما حَدِيث: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" فَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا. ٧ انْظُر التِّرْمِذِيّ: مَنَاقِب ١٩، وَابْن ماجة؛ مُقَدّمَة ١١، وَأحمد ١/ ٨٤ و١١٨ و١١٩ و١٥٢ و٤/ ٢٨١.
[ ٥١ ]
- و"أَنْت وصيِّي" ١.
٨- وَمُخَالِفُوهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ ﵄ بِرِوَايَتِهِمْ: "اقْتَدُوا باللذيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" ٢،
وَ"يَأْبَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ" ٣.
وَ"خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ" ٤.
٩- وَيَتَعَلَّقُ مُفَضِّلُو الْغِنَى بِرِوَايَتِهِمْ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ غِنَايَ وَغِنَى مَوْلَايَ" ٥ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فَقْرٍ مَرَبٍّ أَوْ مُلِبٍّ" ٦.
١٠- وَيَتَعَلَّقُ مُفَضِّلُو الْفَقْرِ بِرِوَايَتِهِمْ: "اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ" ٧.
وَ"الْفَقْرُ بِالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ، أَحْسَنُ مِنَ الْعَذَارِ الْحَسَنِ، عَلَى خَدِّ الْفرس" ٨.
_________________
(١) ١ ذكر البُخَارِيّ فِي بَاب الْوَصِيَّة ١، وَمُسلم: الْوَصِيَّة ١٩ حَدِيثا يَنْفِي هَذِه الْوَصِيَّة المزعومة، وَهُوَ: "ذكرُوا عِنْد عَائِشَة: أَن عليًّا وصيًّا. فَقَالَت: مَتى أوصى إِلَيْهِ؟ فقد كنت مسندته إِلَى صَدْرِي "أَو قَالَت حجري" فَدَعَا بالطست فَلَقَد انخنث فِي حجري، وَمَا شَعرت أَنه مَاتَ. فَمَتَى أوصى لَهُ؟ ". ٢ الحَدِيث صَحِيح، صَححهُ الألباني: السلسلة الصَّحِيحَة رقم ١٢٢٣. مُحَمَّد بدير- وَقد كَانَ سبق فِي الطبعة السَّابِقَة أَن ضعفناه اشتباهًا بروايات أُخْرَى ضَعِيفَة. ٣ أخرجه مُسلم: فَضَائِل الصَّحَابَة ١١، وَأَبُو دَاوُد: سنة ١١، وَأحمد: ١/ ٢٣ و٢/ ٢٧٦ و٥٣٤ و٣/ ٥٦ و١٤٤ و٣٢٦ و٥/ ٣٩١ و٤٠٢. ٤ أخرجه ابْن ماجة: الْمُقدمَة ب١١، وَأحمد: ١/ ١٠٦ و١١٠ و١/ ١١٣ و١١٤ و١٢٥ و١٢٦ و١٢٧ و١٢٨. انْظُر ضَعِيف الْجَامِع ٢٩٠٣، والسلسلة الضعيفة ٣٥٧٣ - مُحَمَّد بدير. ٥ أخرجه أَحْمد: ٣/ ٤٥٢. ضَعِيف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن أبي صرمة -انْظُر ضَعِيف الْجَامِع رقم ١٢٩٥، والضعيفة ٢٩١٢. ٦ أخرجه النَّسَائِيّ: استعاذة ١٤ و١٦، وَأحمد: ٢/ ٣٠٥ و٣٢٥ و٣٥٤. ٧ أخرجه التِّرْمِذِيّ: زهد ٣٧، وَابْن ماجة: زهد ٧. صَحِيح انْظُر صَحِيح الْجَامِع ١٢٦١، والصحيحة ٣٠٨ وَهُوَ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والضياء عَن عبَادَة بن الصَّامِت، وَفِي مُسْند عبد بن حميد عَن أبي سعيد -مُحَمَّد بدير. ٨ ذكره الألباني فِي ضَعِيف الْجَامِع الصَّغِير برقم ٤٠٣٣ عَن شَدَّاد بن أَوْس وَسَعِيد بن مَسْعُود بِلَفْظ: "الْفقر بِالرجلِ الْمُؤمن أزين على الْمُؤمن مِنَ الْعَذَارِ الْحَسَنِ عَلَى خَدِّ الْفرس". وسلسلة الْأَحَادِيث الضعيفة برقم ٥٦٤.
[ ٥٢ ]
١١- وَيَتَعَلَّقُ الْقَائِلُونَ بِالْبَدَاءِ -بِالْبِرِّ أَنَّهُ يُنْسِئُ الْعُمُرَ وَبِالْعُقُوقِ أَنَّهُ يَخْرِمُ الْعُمُرَ- بِرِوَايَتِهِمْ: "صِلَةُ الرَّحِمِ، تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالصَّدَقَةُ تَدْفَعُ الْقَضَاءَ الْمُبْرَمَ " ١.
وَبِقَوْلِ عُمَرَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ الشَّقَاءِ فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ".
١٢- هَذَا مَعَ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الْأَحْكَامِ، اخْتَلَفَ لَهَا الْفُقَهَاءُ فِي الْفُتْيَا، حَتَّى افْتَرَقَ الْحِجَازِيُّونَ وَالْعِرَاقِيُّونَ فِي أَكْثَرِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَكُلٌّ يَبْنِي عَلَى أَصْلٍ مِنْ رِوَايَتِهِمْ.
قَالُوا وَمَعَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحَادِيثِ التَّشْبِيهِ كَحَدِيثِ "عَرَقِ الْخَيْلِ"٢ وَ"زَغَبِ الصَّدْرِ"٣ وَ"نُورِ الذِّرَاعَيْنِ" وَ"عِيَادَةِ الْمَلَائِكَةِ".
وَ"قَفَصِ الذَّهَبِ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ، عَشِيَّةَ عَرَفَةَ" ٤.
وَ"الشَّابِّ الْقَطِطِ، وَدُونَهُ فِرَاشُ الذَّهَبِ" ٥ و"كشف السَّاق يَوْم
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ: كتاب ٧٨ بَاب ١٢، وَمُسلم: كتاب ٤٥ حَدِيث ١٦ و١٧ و٢٠ و٢٢، وَالتِّرْمِذِيّ: كتاب ٢٥ بَاب ٩ و٤٩، وَأحمد ٢/ ص١٨٩ و٤٨٤ و٣/ ص١٥٦. ٢ هَذَا الحَدِيث وَضعه بعض الزَّنَادِقَة وَهُوَ: "أَن الله تَعَالَى لما أَرَادَ أَن يخلق نَفسه خلق الْخَيل فأجراها حَتَّى عرقت ثمَّ خلق نَفسه من ذَلِك الْعرق". قَالَ ابْن عَسَاكِر: حَدِيث إِجْرَاء الْخَيل مَوْضُوع، وَضعه بعض الزَّنَادِقَة ليشنع بِهِ على أَصْحَاب الحَدِيث فِي روايتهم المستحيل، فَقبله من لَا عقل لَهُ، وَهُوَ مِمَّا يقطع بِبُطْلَانِهِ شرعا وعقلًا". ا. هـ بِنَقْل السُّيُوطِيّ عَنهُ. ٣ وَهَذَا الحَدِيث وَضعه بعض الزَّنَادِقَة أَيْضا، وَهُوَ: "أَنَّ اللَّهَ ﵎ خَلَقَ الْمَلَائِكَة من شعر ذِرَاعَيْهِ وصدره أَو من نورهما". ٤ حَدِيث مَوْضُوع لَا أصل لَهُ. انْظُر الْأَسْرَار المرفوعة فِي الْأَخْبَار الْمَوْضُوعَة لملا عَليّ الْقَارِي، تَحْقِيق د. مُحَمَّد لطفي الصّباغ برقم ٢٠٩، وَانْظُر اللآلي ١/ ٢٨-٣١. وَلَفظه: "رَأَيْت رَبِّي يَوْم النَّفر على جمل أَوْرَق عَلَيْهِ جُبَّة صوف أَمَام النَّاس". وَقَالَ ابْن تَيْمِية: هُوَ من أعظم الْكَذِب على الله وَرَسُولُهُ ﷺ. ٥ ورد فِي اللآلئ ص ٢٩ و٣٠ عَن ابْن عَبَّاس "رَأَيْت رَبِّي فِي صُورَة شَاب لَهُ وَفْرَةٌ" وَرُوِيَ: "فِي صُورَة شَاب أَمْرَد". قَالَ سُفْيَان بن زِيَاد: فَلَقِيت عِكْرِمَة بعد، فَسَأَلته الحَدِيث فَقَالَ: "نعم كَذَا حَدثنِي إِلَّا أَنه قَالَ: رَآهُ بفؤاده".
[ ٥٣ ]
الْقِيَامَة"١ إِذَا كَادُوا يُبَاطِشُونَهُ٢، وَ"خَلْقِ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ" ٣ وَ" وَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَنْدُوَتَيَّ" ٤ وَ"قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ تَعَالَى" ٥.
وَمَعَ رِوَايَتِهِمْ كُلُّ سَخَافَةٍ تَبْعَثُ عَلَى الْإِسْلَامِ الطَّاعِنِينَ، وَتُضْحِكُ مِنْهُ الْمُلْحِدِينَ، وَتُزَهِّدُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ الْمُرْتَادِينَ٦، وَتَزِيدُ فِي شُكُوكِ الْمُرْتَابِينَ.
كَرِوَايَتِهِمْ: فِي "عَجِيزَةِ٧ الْحَوْرَاءِ إِنَّهَا مَيْلٌ فِي مَيْلٍ" وَفِيمَنْ قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا، وَمن فعل كَذَا، أُسْكِنَ مِنَ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلِفَ مَقْصُورَةٍ، فِي كُلِّ مَقْصُورَة سَبْعُونَ ألف مهاد، علسى كُلِّ مِهَادٍ سَبْعُونَ أَلْفَ كَذَا.
وَكَرِوَايَتِهِمْ: فِي الْفَأْرَةِ "إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، وَإِنَّهَا لَا تَشْرَبُ أَلْبَانَ الْإِبِلِ، كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ لَا تَشْرَبُهَا"٨. وَفِي الْغُرَابِ إِنَّهُ فَاسِقٌ، وَفِي السنور إِنَّهَا عطسة
_________________
(١) ١ حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي الصَّحِيحَيْنِ، ورقمه فِي اللُّؤْلُؤ ١١٥، وَهُنَاكَ مَكَان فِي كل من البُخَارِيّ وَمُسلم. مُحَمَّد بدير. ٢ وَفِي نُسْخَة: يواقشونه، وَلَا نجد معنى للكلمتين. ٣ أخرجه البُخَارِيّ: اسْتِئْذَان ١، وَمُسلم: بر ١١٥ وجنة ٣٨، وَأحمد ٢/ ٢٤٤ و٢٥١ و٣١٥ و٤٣٤ و٤٦٣ و٥١٩. ٤ أخرجه التِّرْمِذِيّ: تَفْسِير سُورَة ٣ و٤ و٣٨ و٢، والدارمي: رُؤْيا ١٢، وَأحمد ١/ ٣٦٨ و٤/ ٦٦ و٥/ ٥٨ و٢٤٣ و٣٧٨ وَعَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد صَحِيح، انْظُر جَامع الصَّحِيح رقم ٥٩ - والثندوتان: الثديان. ٥ وَجَدْنَاهُ بِلَفْظ: " قلب ابْن آدم على أصبعين من أَصَابِع الْجَبَّار" انْظُر مُسْند أَحْمد: ٢/ ١٧٣. ٦ وَلَعَلَّ الْأَصَح: المترددين. ٧ العجيزة: من الْعَجز؛ وَهُوَ مُؤخر الشَّيْء، والعجيزة: خَاصَّة بِالْمَرْأَةِ وَلَا يُقَال للرجل إِلَّا على التَّشْبِيه. وَقد وجدنَا الحَدِيث فِي مُسْند أَحْمد: ٢/ ٥٣٧: ".. وَأَن لَهُ من الْحور الْعين اثْنَيْنِ وَسبعين زَوْجَة سوى أَزوَاجه من الدُّنْيَا وَإِن الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ ليَأْخُذ مقعدها قدر ميل من الأَرْض". ٨ أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده: ٢/ ٢٨٩ والْحَدِيث أَصله فِي الصَّحِيحَيْنِ؛ انْظُر اللُّؤْلُؤ والمرجان رقم ١٨٨٦ عَن أبي هُرَيْرَة. -مُحَمَّد بدير.
[ ٥٤ ]
الْأسد، وَالْخِنْزِيرِ إِنَّهُ عَطْسَةُ الْفِيلِ، وَفِي الْإِرْبِيَانَةِ١ أَنَّهَا كَانَتْ خَيَّاطَةٌ، تَسْرِقُ الْخُيُوطَ فَمُسِخَتْ، وَأَنَّ الضَّبَّ كَانَ يَهُودِيًّا عَاقًّا فَمُسِخَ، وَأَنَّ سُهَيْلًا كَانَ عَشَّارًا بِالْيَمَنِ، وَأَنَّ الزُّهْرَةَ كَانَتْ بَغِيًّا عَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ٢، فَمَسَخَهَا اللَّهُ شِهَابًا، وَأَنَّ الْوَزَغَةَ كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَّ الْعَظَايَةَ٣ تَمُجُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْغُولَ كَانَتْ تَأْتِي مَشْرَبَةَ أَبِي أَيُّوبَ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَأَنَّ عُمَرَ ﵁، صَارَعَ الْجِنِّيَّ فَصَرَعَهُ٤ وَأَنَّ الْأَرْضَ عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِنْ كَبِدِهِ٥؛ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُونَ، وَأَنَّ ذِئْبًا دَخَلَ الْجَنَّةَ لِأَنَّهُ أَكَلَ عشارًا -و"إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الْإِنَاءِ، فَامْقِلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً وَأَنَّهُ يقدم السم، وَيُؤَخر الشِّفَاء٦، و"أَن الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيْطَانِ" مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهَا٧.
قَالُوا: وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ الشَّيْخَ٨ إِلَى الْكَذِبِ وَلَا يَكْتُبُونَ عَنْهُ مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ بِقَدْحِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ٩ وَعَلِيِّ بن الْمَدِينِيّ وأشباههما.
_________________
(١) ١ واحده: الإربيان وَهُوَ سمك كالدود. ٢ وَفِي نُسْخَة: الْأَكْبَر. ٣ العظاية: هِيَ سَام أبرص. والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ رقم ٣٣٥٩ عَن أم شريك مَرْفُوعا -مُحَمَّد بدير. ٤ فصرعه: أَي غَلبه بالمصارعة. ٥ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا، وَهُوَ فِي اللُّؤْلُؤ برقم ١٧٧٨. -مُحَمَّد بدير. ٦ أخرجه البُخَارِيّ: بَدْء الْخلق ١٧، والموطأ: ٥٨، وَأَبُو دَاوُد: أَطْعِمَة ٤٨، وَالنَّسَائِيّ: فرع ١١، وَابْن ماجة: ص٣١١، والدارمي: أسلمة ١٢، وَابْن حَنْبَل: ٢/ ٣٢٩ و٣٤٦ و٣٦٢ و٣٨٨ و٣٩٨ و٤٤٣. ٧ وَفِي نُسْخَة: اقتصاصها. ٨ قَوْله ينسبون الشَّيْخ إِلَى الْكَذِب: لَا يقْصد شَيخا بِعَيْنِه، بل المُرَاد أَنهم يطعنون بالثقات من الروَاة لمُجَرّد طعن من يثقون فِيهِ. ٩ يحيى بن معِين أَبُو زَكَرِيَّا الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ الإِمَام الْعلم، قَالَ أَحْمد: كل حَدِيث لَا يعرفهُ يحيى فَلَيْسَ بِحَدِيث مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة ٢٣٣هـ.
[ ٥٥ ]
ويحتجون بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ١ -فِيمَا لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ- وَقَدْ أَكْذَبَهُ عُمَرُ٢، وَعُثْمَانُ٣، وَعَائِشَةُ٤.
وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ٥ -وَقَدْ أَكْذَبَهَا عُمَرُ، وَعَائِشَةُ- وَقَالُوا: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ.
وَيُبَهْرِجُونَ٦ الرَّجُلَ بِالْقَدَرِ، فَلَا يَحْمِلُونَ عَنْهُ كَـ "غيلَان"، و"عَمْرو بن عبيد"٧ و"معبد الْجُهَنِيّ"٨، و"عَمْرو بْنِ فَائِدٍ"، وَيَحْمِلُونَ عَنْ أَمْثَالِهِمْ من
_________________
(١) ١ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن صَخْر الدوسي، أسلم سنة ٧هـ، وَلزِمَ صُحْبَة النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ من أَكثر الصَّحَابَة حفظا للْحَدِيث وَرِوَايَة لَهُ، ولي أَمر الْمَدِينَة، وَاسْتَعْملهُ عمر على الْبَحْرين، وَكَانَ كثير الْعِبَادَة، توفّي سنة ٥٩هـ. ٢ عمر بن الْخطاب أَبُو حَفْص، أحد فُقَهَاء الصَّحَابَة، وَثَانِي الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَأحد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ، وَأول من سمي أَمِير الْمُؤمنِينَ، شهد بَدْرًا والمشاهد إِلَّا تَبُوك، فتحت فِي أَيَّامه الْأَمْصَار، اسْتشْهد سنة ٢٤هـ. ٣ عُثْمَان بن عُثْمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ ذُو النورين، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجنَّةِ جمع النَّاس على مصحف وَاحِد، كَانَ ينْفق مَاله فِي سَبِيل الله، وَهُوَ ثَالِث الْخُلَفَاء الرَّاشِدين اسْتشْهد سنة ٣٥هـ وعمره "٨٢" سنة. ٤ عَائِشَة بنت أبي بكر الصّديق، وَأم الْمُؤمنِينَ زوج رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَت فِي الْعلم بِمَنْزِلَة كَبِيرَة. قَالَ الزُّهْرِيّ: لَو جمع علم عَائِشَة إِلَى جَمِيع أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَعلم جَمِيع النِّسَاء لَكَانَ علم عَائِشَة أفضل. وَتُوفِّي عَنْهَا ﷺ وَهِي فِي الثَّامِنَة عشرَة. مَاتَت سنة ٥٨هـ بِالْمَدِينَةِ ودفنت بِالبَقِيعِ. ٥ فَاطِمَة بنت قيس بن خَالِد القرشية الفهرية، أُخْت الضَّحَّاك بن قيس الْأَمِير، صحابية من الْمُهَاجِرَات الْأَوَائِل. لَهَا رِوَايَة للْحَدِيث. كَانَت ذَات جمال وعقل، وَفِي بَيتهَا اجْتمع أَصْحَاب الشورى عِنْد قتل عمر ﵁. ٦ يبهرجون: يعدلُونَ بالشَّيْء عَن الجادة القاصدة إِلَى غَيرهَا كَمَا فِي الْقَامُوس. وَالْقَصْد أَنهم يطعنون فِي عَدَالَة الرجل وَصدقه، فينفر النَّاس مِنْهُ وَلَا يقبلُونَ مِنْهُ علما -مُحَمَّد بدير. ٧ عَمْرو بن عبيد بن بَاب التَّيْمِيّ بِالْوَلَاءِ، ولد عَام ٨٠هـ، وَهُوَ شيخ الْمُعْتَزلَة فِي عصره ومفتيها وَأحد الزهاد الْمَشْهُورين. كَانَ جده من سبي فَارس، وَأَبوهُ نساجًا ثمَّ شرطيًّا للحجاج فِي الْبَصْرَة، واشتهر عَمْرو بِعِلْمِهِ وزهده وأخباره مَعَ الْمَنْصُور العباسي وَغَيره. وَفِيه قَالَ الْمَنْصُور: كلكُمْ طَالب صيد غير عَمْرو بن عبيد. توفّي بمران "بِقرب مَكَّة" عَام ١٤٤هـ. قَالَ يحيى بن معِين: كَانَ من الدهرية. ٨ معبد الْجُهَنِيّ، هُوَ معبد بن عبد الله بن عويم، من الْبَصْرَة أول من قَالَ بِالْقدرِ وانتقل من الْبَصْرَة إِلَى الْمَدِينَة فنشر فِيهَا مذْهبه، وَهُوَ فَقِيه فِي الحَدِيث، قيل قَتله الْحجَّاج صبرا سنة ٨٠هـ.
[ ٥٦ ]
أهل مَقَالَتِهِمْ، كَـ "قَتَادَةَ"١، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ٢، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ٣، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ٤، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ٥.
وَيَقْدَحُونَ فِي الشَّيْخِ يُسَوِّي بَيْنَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ، أَوْ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَيْهِ.
وَيَرْوُونَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ٦، صَاحِبِ رَايَةِ الْمُخْتَارِ، وَعَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ٧، وَكِلَاهُمَا يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ٨.
قَالُوا: وَهُمْ مَعَ هَذَا أَجْهَلُ النَّاسِ بِمَا يَحْمِلُونَ، وَأَبْخَسُ النَّاسِ حَظًّا فِيمَا يَطْلُبُونَ، وَقَالُوا فِي ذَلِك:
_________________
(١) ١ قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، أَبُو الْخطاب الْبَصْرِيّ أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام، روى عَن أنس بن مَالك وَابْن الْمسيب وَابْن سِيرِين، توفّي سنة ١١٧هـ. ٢ سعيد ابْن أبي عرُوبَة: الْعَدوي بِالْوَلَاءِ الْبَصْرِيّ حَافظ للْحَدِيث لم يكن فِي زَمَانه أحفظ مِنْهُ قَالَ الذَّهَبِيّ: إِمَام أهل الْبَصْرَة فِي زَمَانه، وَرمي بِالْقدرِ، اخْتَلَط فِي آخر عمره، توفّي ١٥٦هـ. ٣ هُوَ عبد الله بن يسَار، أَبُو يسَار، وَعرف بِعَبْد الله ابْن أبي نجيح، ثِقَة صَالح الحَدِيث، ويذكرون أَنه يَقُول بِالْقدرِ، وَذكره النَّسَائِيّ فِيمَن كَانَ يُدَلس، وَثَّقَهُ أَحْمد وَابْن معِين وروى عَنهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، مَاتَ سنة ١٣١هـ. ٤ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد الْعُزَّى الْقرشِي التَّيْمِيّ، ولد عَام ٥٤هـ، مدنِي زاهد، من رجال الحَدِيث. أدْرك بعض الصَّحَابَة وروى عَنْهُم، لَهُ نَحْو مِائَتي حَدِيث. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: ابْن الْمُنْكَدر من معادن الصدْق توفّي عَام ١٣٠هـ. ٥ ابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة ولد ٨٠هـ، من قُرَيْش من رُوَاة الحَدِيث وَمن أهل الْمَدِينَة كَانَ يُفْتِي بهَا من أورع النَّاس وأفضلهم فِي عصره توفّي سنة ١٥٨هـ. ٦ هُوَ عَامر بن وائلة الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ، ولد عَام أحد، وَأثبت مُسلم وَابْن عدي صحبته، كَانَ من شيعَة عَليّ، ثمَّ سكن مَكَّة وَمَات سنة ١٠٠هـ. ٧ جَابر بن يزِيد بن الْحَارِث الْجعْفِيّ، تَابِعِيّ، من فُقَهَاء الشِّيعَة، من أهل الْكُوفَة. أثنى عَلَيْهِ بعض رجال الحَدِيث، واتهمه آخَرُونَ بالْقَوْل بالرجعة. وَكَانَ وَاسع الرِّوَايَة غزير الْعلم. مَاتَ بِالْكُوفَةِ عَام ١٢٨هـ. ٨ بالرجعة: بالعودة إِلَى الدُّنْيَا بعد الْمَوْت.
[ ٥٧ ]
زوامِلُ١ لِلْأَشْعَارِ، لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِجَيِّدِهَا إِلَّا كَعِلْمِ الْأَبَاعِرِ
لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي٢ الْبَعِيرُ إِذَا غَدَا بِأَحْمَالِهِ٣ أَوْ رَاحَ مَا فِي الْغَرَائِرِ
قَدْ قَنِعُوا مِنَ الْعِلْمِ بِرَسْمِهِ، وَمِنَ الْحَدِيثِ بِاسْمِهِ.
وَرَضُوا بِأَن يُقَال٤: فُلَانٌ عَارِفٌ بِالطُّرُقِ، وَرَاوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ. وَزَهِدُوا فِي أَنْ يُقَالَ: عَالِمٌ بِمَا كَتَبَ، أَوْ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ.
وَقَالَ: وَمَا ظَنُّكُمْ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ، يُحْمَلُ عَنْهُ الْعِلْمُ وَتُضْرَبُ٥ إِلَيْهِ أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا، سُئِلَ فِي مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَقَالَ: "الْبِئْرُ جَبَارٌ" ٦.
وَآخَرَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ ٧ فَقَالَ: هُوَ هَذَا الصَّرْصَرُ، يَعْنِي صَرَاصِرَ اللَّيْلِ.
وَآخَرَ حَدَّثَهُمْ عَنْ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ، وَيُرِيد شُعْبَة وسفين٨.
وَآخَرَ رَوَى لَهُمْ: يَسْتُرُ الْمُصَلِّيَ مِثْلُ آجُرّة الرَّجُلِ، يُرِيدُ: مِثْلَ آخِرَة الرّحل٩.
_________________
(١) ١ الزاملة: بعير يستظهر بِهِ الرجل يحمل عَلَيْهِ مَتَاعه وَطَعَامه. والبيتان لمروان بن سُلَيْمَان بن يحيى بن أبي حَفْصَة، هجا بهما قوما من رُوَاة الشّعْر. ٢ وَفِي نُسْخَة: وَمَا تَدْرِي الْمطِي. ٣ وَفِي نُسْخَة: بأوساقه. ٤ وَفِي نُسْخَة: بِأَن يَقُولُوا. ٥ وَفِي نُسْخَة: وَتصرف. ٦ انْظُر البُخَارِيّ: مُسَاقَاة ٣. والجبار بِالضَّمِّ: البريء من الشَّيْء، وَقد توهم من هَذَا الحَدِيث أَن الْفَأْرَة إِذا وَقعت فِي الْبِئْر لَا تنجسها. ٧ الْآيَة ١١٧ من سُورَة آل عمرَان. وَالْآيَة: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ﴾ "ريح" بِالْكَسْرِ كَمَا وَردت بِالْآيَةِ لَا بِالضَّمِّ. ٨ يَعْنِي أَنه تصحف عَلَيْهِ اسْم شُعْبَة، وسفين، بسبعة وَسبعين للقرب الَّذِي بَينهمَا فِي الصُّورَة الخطية. ٩ يُرِيد أَنه قد تصحف عَلَيْهِ "الرّحل" "بِالرجلِ"، وتصحف عَلَيْهِ "الْآخِرَة" "وبالآجرة"؛ وَهِي الْخَشَبَة الَّتِي يسْتَند إِلَيْهَا الرَّاكِب من كور الْبَعِير.
[ ٥٨ ]
وَسُئِلَ آخَرُ: مَتَى يَرْتَفِعُ هَذَا الْأَجَلُ؟ فَقَالَ: إِلَى قَمَرَيْنِ، يُرِيدُ: إِلَى شَهْرَيْ هِلَالٍ.
وَقَالَ آخَرُ: يُدْخِلُ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضِمُهَا قَضْمَ الْفُجْلِ، يُرِيدُ: قَضْمَ الْفَحْلِ.
وَقَالَ آخَرُ: أَجِدُ فِي كِتَابِي الرَّسُولَ، وَلَا أَجِدُ اللَّهَ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ الْمُسْتَمْلِي: اكْتُبُوا؛ وَشَكَّ فِي الله تَعَالَى، مَعَ أَشْيَاء يكثر تَعْدَادُهَا.
قَالُوا: وَكُلَّمَا كَانَ الْمُحَدِّثُ أَمْوَقَ١ كَانَ عِنْدَهُمْ أَنْفَقَ.
وَإِذَا كَانَ كَثِيرَ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ، كَانُوا بِهِ أَوْثَقَ.
وَإِذَا سَاءَ خُلُقُهُ، وَكثر غَضَبه، واشتدت٢حِدته، وعثر٣ فِي الحَدِيث، تهافتوا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ٤ كَانَ الْأَعْمَشُ يَقْلِبُ الْفَرْوَ، وَيَلْبَسُهُ، وَيَطْرَحُ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْدِيلَ الْخِوَانِ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ إِسْنَادِ حَدِيثٍ، فَأَخَذَ بِحَلْقِهِ وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْحَائِطِ، وَقَالَ هَذَا إِسْنَادُهُ.
وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُ الشَّيْخَ لَمْ يَطْلُبِ الْفِقْهَ أَحْبَبْتُ أَنْ أَصْفَعَهُ. مَعَ حَمَاقَاتٍ كَثِيرَةٍ تُؤْثَرُ عَنْهُ لَا نَحْسَبُهُ كَانَ يُظْهِرُهَا إِلَّا لِيَنْفُقَ٥ بِهَا عِنْدَهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ٦: هَذَا مَا حَكَيْتَ مِنْ طَعْنِهِمْ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَشَكَوْتَ تَطَاوُلَ الْأَمْرِ بِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَن ينضح عَنْهُم نَاضِح،
_________________
(١) ١ أموق أَي أَحمَق وأغبى. ٢ لَعَلَّ الصَّحِيح: اشتدت حِدته، وَفِي نُسْخَة أُخْرَى: وَاشْتَدَّ حِدة. ٣ وَفِي نُسْخَة أُخْرَى: وعسرة. ٤ وَفِي نُسْخَة: وَلذَلِك. ٥ لينفق بهَا عِنْدهم: أَي ليَكُون لَهُ اعْتِبَار بَينهم. ٦ يُشِير الْمُؤلف إِلَى الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لتصنيفه هَذَا الْكتاب، بعد أَن تهاون بالنهوض لَهَا من يضع الْحق فِي نصابه ويزيل الغموض ويكشف وَجه الصَّوَاب.
[ ٥٩ ]
وَيَحْتَجَّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُحْتَجٌّ، أَوْ يَتَأَوَّلَهَا مُتَأَوِّلٌ، حَتَّى أَنِسُوا بِالْعَيْبِ، وَرَضُوا بِالْقَذْفِ، وَصَارُوا بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْجَوَابِ، كالمسلِّمين، وَبِتِلْكَ الْأُمُورِ مُعْتَرِفِينَ.
وَتَذْكُرْ أَنَّكَ وَجَدْتَ فِي كِتَابِي الْمُؤَلَّفِ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" بَابًا ذَكَرْتُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْمُتَنَاقِضِ عِنْدَهُمْ، وَتَأَوَّلْتُهُ فَأَمَّلْتَ بِذَلِكَ أَنْ تَجِدَ عِنْدِي فِي جَمِيعِهِ مِثْلَ الَّذِي وَجَدْتَهُ فِي تِلْكَ١ مِنَ الْحُجَجِ، وَسَأَلْتَ أَنْ أَتَكَلَّفَ ذَلِكَ مُحْتَسِبًا لِلثَّوَابِ.
فَتَكَلَّفْتُهُ بِمَبْلَغِ عِلْمِي وَمِقْدَارِ طَاقَتِي، وَأَعَدْتُ مَا ذَكَرْتُ فِي كُتُبِي مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ؛ لِيَكُونَ الْكِتَابُ تَامًّا جَامِعًا لِلْفَنِّ الَّذِي قَصَدُوا الطَّعْنَ بِهِ.
وَقَدَّمْتُ -قَبْلَ ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ، وَكَشْفِ مَعَانِيهَا- وَصْفَ أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، بِمَا أُعَرِّفُ بِهِ كُلَّ فَرِيقٍ.
وَأَرْجُو أَنْ لَا يَطَّلِعَ ذُو النُّهَى مِنِّي، عَلَى تَعَمُّدٍ لِتَمْوِيهٍ، وَلَا إِيثَارٍ لِهَوًى، وَلَا ظُلْمٍ لخصم.
وعَلى الله أتوكل فيمَ أحاول، وَبِه أستعين.
_________________
(١) ١ وَفِي نُسْخَة: وجدت فِي ذَلِك.
[ ٦٠ ]