حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنِ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا. (٤٢٧٢)
الشرح:
قال الكرمانىُّ فى "شرح البخارى": " هذا هو خامس عشر الثلاثيات "، كما ذكره البدر العينى فى "عمدة القارى" والقسطلانى فى إرشاد السارى".
وأخرجه البخارى فى كتاب المغازى، باب " بعث النبى - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحُرَقات (٢) من جهينة، وهى بطن من جهينة، والمقصود بابن حارثة الذى فى الحديث هو زيد بن حارثة والد أسامة، جعله أميرا عليهم، والظاهر أن هذا كان في غزوة مؤتة، وقد خرج سلمة مع زيد فى سبع سرايا كما فى رواية أبى مسلم الكجى عن أبى عاصم " وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا " والحديث ينقل لنا صورةً من صور التحدث بنعم الله على عبده.
وفيه مسألتان:
الأولى:
ما هى السبع غزوات التى غزاها سلمة مع النبىِّ (- ﷺ -)؟
_________________
(١) الفتح، كتاب الذبائح والصيد، حـ٩، صـ٧٨٦ ) المرجع السابق، صـ٧٨٧
(٢) الحُرَقات: هو شخص، بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف، نسبة إلى الحرقة، واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جهينة، تَسَمَّى الحرقة لأنه حرق قوما بالقتل فبالغ في ذلك، ذكره ابن الكلبى.
[ ١١٤ ]
والسبع غزوات التى غزاها سلمة مع النبى (- ﷺ -) ذكر يزيد بن أبى عبيد أربعةً منها وقال: " ونسيت بقيتهم " كما أخرجه البخارى فى الحديث الذى يلى الحديث الذى معنا فى الباب، والأربعة التى ذكرها هى:
خيبر
والحديبية
ويوم حنين
ويوم القرد
وقال ابن حجر (١): " وأما بقية الغزوات التي نسيهن يزيد فهن:
غزوة الفتح
وغزوة الطائف، فإنهما وإن كانا في سنة غزوة حنين فهما غيرهما،
وغزوة تبوك وهي آخر الغزوات النبوية،
فهذه سبع غزوات كما ثبت في أكثر الروايات " ا. هـ
وقد ذكر فى روايةٍ محفوظة " تسع غزوات بدلًا من سبع " فأجاب ابن حجر على ذلك فقال: " فلعله عد غزوة وادي القرى التي وقعت عقب خيبر، وعد أيضا عمرة القضاء غزوة كما تقدم من صنيع البخاري فكمل بها التسعة"، وقد روى أبو مسلم الكجى عن أبى عاصم هذا الحديث
وزاد فيه: " وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا ".
الثانية:
الغزوات السبع التى كانت لزيد.
ذكر أهل السير السرايا السبع لزيد، وتتبعها ابن حجر وذكرها فقال:
" وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد بن حارثة فبلغت سبعا كما قاله سلمة، وإن كان بعضهم ذكر ما لم يذكره بعض
فأولها: في جمادى الأخيرة سنة خمس قبل نجد في مائة راكب.
والثانية: في ربيع الآخر سنة ست إلى بني سليم.
والثالثة: في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين فتلقى عيرا لقريش وأسروا أبا العاص بن الربيع، والرابعة: في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة.
والخامسة: إلى حُسْمَى - بضم المهملة وسكون المهملة مقصور - في خمسمائة إلى أناس من بني جذام بطريق الشام كانوا قطعوا الطريق على دحية وهو راجع من عند هرقل.
والسادسة: إلى وادي القرى.
والسابعة: إلى ناس من بني فزارة.
_________________
(١) الفتح، كتاب المغازى، (٤٢٦٩) حـ٧، صـ ٦٤٠
[ ١١٥ ]
وقد ذُكِرَ فى الحديث إمارة زيد، وقد كان طَعَن فى إمرته أناسٌ، فلما أمَّرَ النبىُّ (- ﷺ -) ابنَه أسامة طعن فيه أناسٌ أيضًا فقال النبىُّ (- ﷺ -): " إن تطعنوا فى إمارته فقد طعنتم فى إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقًا للإمارة ".
من فوائد الحديث:
١ - جواز التحدث بنعمة الله إن أمن العبد على نفسه من فتنة العجب. فقد تحدث سلمة عن غزواته كلها.
٢ - وفيه منقبة لزيد بن حارثة حيث أمَّرهُ النبىُّ (- ﷺ -) فى عددٍ كثيرٍ من السرايا.
٣ - وفيه عزة الإسلام حيث كانوا لا يخافون فى الله لومة لائم فكانوا ينطلقون فى المعمورة يبلغون دين الله.
٤ - وفيه شجاعة الصحابة، وبذلهم الأرواح فى سبيل نشر الدين.
٥ - وفيه السمع والطاعة ولو كان عبدًا حبشيًا، وذلك فى قوله: " اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا " أو" يؤمره
علينا "، فقد كان فى الجيش أجل منه، ولكن أمر فوجب السمع والطاعة.