وهناك في الصحيح ما كان حكمه حكم الثلاثيات ولا يعد منها، وصورة ذلك أن يكون شيخُ شيخِ البخارى تابعيًا ولكن لا يروى عن صحابىٍّ بل عن تابعىٍّ آخر، أو يكون بين البخارى والصحابىِّ اثنان، ولكن هذا الصحابىَّ يروى عن صحابىٍّ آخر،
كما قال ابن حجر (١): " أعلى ما يقع للبخاري ما بينه وبين الصحابي فيه اثنان، فإن كان الصحابي يرويه عن النبي ﷺ فحينئذ توجد فيه صورة الثلاثي، وإن كان يرويه عن صحابي آخر فلا، لكن الحكم من حيث العلو واحد لصدق أن بينه وبين الصحابي اثنين. وهكذا تقول بالنسبة إلى التابعي إذا لم يقع بينه وبينه إلا واحد، فإن رواه التابعي عن صحابي فعلى ما تقدم، وإن رواه عن تابعي آخر فله حكم العلو لا صورة الثلاثي ".
ومن ذلك:
الحديث الأول
قال البخارى: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.
التعليق:
أخرجه البخارى فى كتاب الصلاة، باب " باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به "
_________________
(١) الفتح، حديث رقم (٣٤١)
[ ١٤٥ ]
قال الحافظ في الفتح: " هذا الإسناد له حكم الثلاثيات وإن لم تكن له صورتها "، ثم قال: " فإن هشام بن عروة من التابعين، لكنه حدث هنا عن تابعي آخر وهو أبوه، فلو رواه عن صحابي ورواه ذلك الصحابي عن النبي - ﷺ - لكان ثلاثيا. والحاصل أن هذا من العلو النسبي لا المطلق والله أعلم.
وعمر الصحابىّ هذا هو ربيب النبىِّ - ﷺ -، قال ابن بطال: فائدة الالتحاف المذكور أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، ولئلا يسقط الثوب عند الركوع والسجود.
الحديث الثانى
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تُعِينُ ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.
التعليق:
والحديث أخرجه البخارى فى كتاب العتق، باب " أى الرقاب أفضل "
ويقال فيه كالذى قيل قبله، قال ابن حجر معلقًا على هذه الرواية: " هذا من أعلى حديث وقع في البخاري، وهو في حكم الثلاثيات، لأن هشام بن عروة شيخ شيخه من التابعين وإن كان هنا روى عن تابعي آخر وهو أبوه، وقد رواه الحارث بن أسامة عن عبيد الله بن موسى فقال: "أخبرنا هشام بن عروة" أخرجه أبو نعيم في "المستخرج"." ٠
[ ١٤٦ ]
الحديث الثالث
قال البخاري: وَقَالَ عَلِيٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ.
التعليق:
أخرجه البخارى فى كتاب العلم " باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا "
فأبو الطفيل صحابي ولكن هنا لم يرو عن النبي - ﷺ - بل عن صحابي آخر، قال ابن حجر: " وهذا الإسناد من عوالي البخاري لأنه يلتحق بالثلاثيات، من حيث إن الراوي الثالث منه صحابي، وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي آخر الصحابة موتا.
وفي الحديث دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة.
وقال ابن حجر: " فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب".
الحديث الرابع
- حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي وائل "عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ: "أول ما يقضى بين الناس في الدماء" (٦٨٦٤)
التعليق:
الحديث أخرجه فى كتاب الديات باب: قول الله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾
قال ابن حجر: " هذا السند يلتحق بالثلاثيات وهي أعلى ما عند البخاري من حيث العدد، وهذا في حكمه من جهة أن الأعمش تابعي وإن كان روى هذا عن تابعي آخر فإن ذلك التابعي أدرك النبي - ﷺ - وإن لم تحصل له صحبة. "
[ ١٤٧ ]
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ اَبِيهِ اَنَّ عُمَرَ نَشَدَ النَّاسَ: مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى فِي السِّقْطِ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: اَنَا سَمِعْتُهُ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ اَوْ اَمَةٍ قَالَ ائْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ عَلَى هَذَا فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ اَنَا اَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ هَذَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ اَبِيهِ اَنَّهُ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ اَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي اِمْلَاصِ الْمَرْاَةِ مِثْلَهُ.
التعليق:
اخرجه البخارى فى كتاب الديات باب " جنين المرأة "
فهشام قد سمع من عمه عبد الله بن الزبير وهو صحابي، قال ابن حجر: " وهذا في حكم الثلاثيات لأن هشاما تابعي كما سبق تقريره في رواية عبيد الله بن موسى أيضا عن الأعمش في أول الديات.
الحديث السادس
حدثنا أبو عاصم وأبو نعيم قالا حدثنا عزرة بن ثابت قال أخبرنى ثمامة بن عبد الله قال كان أنس يتنفس فى الإناء مرتين أو ثلاثا وزعم أن النبى - ﷺ - كان يتنفس ثلاثا.
التعليق:
اخرجه البخارى فى كتاب الاشربة " باب الشرب بنفسين أو ثلاثة ".
قال ابن حجر: هذا الإسناد له حكم الثلاثيات وإن كان شيخ تابعيه فيه تابعيا آخر.
الحديث السابع
حدثنا أبو نعيم حدثنا عزرة بن ثابت الأنصارى قال حدثنى ثمامة بن عبد الله عن أنس - ﵁ - أنه كان لا يرد الطيب، وزعم أن النبى - ﷺ - كان لا يرد الطيب.
التعليق:
أخرجه البخارى فى كتاب اللباس باب " من لم يرد الطيب "
فعزرة تابعي سمع من عبد الله بن أبي أوفى وغيره من الصحابة.
[ ١٤٨ ]
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا اَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ يَا اَيُّهَا النَّاسُ اِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لَوْ اَنَّ ابْنَ ادَمَ اُعْطِيَ وَادِيًا مَلْئًا مِنْ ذَهَبٍ اَحَبَّ اِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ اُعْطِيَ ثَانِيًا اَحَبَّ اِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ ادَمَ اِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ "
التعليق:
أخرجه البخارى فى كتاب الرقاق، " باب ما يتقى من فتنة المال "
لأن عبد الرحمن بن الغسيل لقي بعض الصحابة.
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ اِبْرَاهِيمَ عَنْ الْجُعَيْدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاِمْرَةِ اَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ فَنَقُومُ اِلَيْهِ بِاَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَاَرْدِيَتِنَا حَتَّى كَانَ اخِرُ اِمْرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ اَرْبَعِينَ حَتَّى اِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ
التعليق:
أخرجه البخارى فى كتاب الحدود " باب الضرب بالجريد والنعال "
[ ١٤٩ ]
قال ابن حجر: " فإن الجعيد سمع من السائب بل روى هذا الحديث بعينه عن السائب مباشرة كما عند النسائي هذا السند للبخاري في غاية العلو لان بينه وبين التابعي فيه واحدا فكان في حكم الثلاثيات، وان كان التابعي رواه عن تابعي اخر، وقد اخرجه النسائي من رواية حاتم بن اسماعيل عن الجعيد سمعت السائب، فعلى هذا فادخال يزيد ابن خصيفة بينهما اما من المزيد في متصل الاسانيد واما ان يكون الجعيد سمعه من السائب، وثبته فيه يزيد، ثم ظهر لي السبب في ذلك وهو ان رواية الجعيد المذكورة عن السائب مختصرة فكانه سمع الحديث تاما من يزيد عن السائب فحدث بما سمعه من السائب عنه من غير ذكر يزيد، وحدث ايضا بالتام فذكر الواسطة، ويزيد ابن خصيفة المذكور هو ابن عبد الله بن خصيفة نسب لجده وقيل هو يزيد بن عبد الله بن يزيد بن خصيفة فيكون نسب الى جد ابيه، وخصيفة هو ابن يزيد بن ثمامة اخو السائب بن يزيد صحابي هذا الحديث فتكون رواية يزيد بن خصيفة لهذا الحديث عن عم ابيه او عم جد ".
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ اِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ اُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَاْتِيَهُمْ اَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ".
التعليق:
أخرجه البخارى فى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب " قول النبي - ﷺ - (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق). وهم أهل العلم "
فإسماعيل بن أبي خالد سمع من بعض الصحابة كعبد الله بن أبي أوفى وغيره.
[ ١٥٠ ]
وعبيد الله بن موسى، هو العبسي بالموحدة ثم المهملة الكوفي من كبار شيوخ البخاري، وهو من اتباع التابعين وشيخه في هذا الحديث " اسماعيل " هو ابن ابي خالد تابعي مشهور، وشيخ اسماعيل " قيس " هو ابن ابي حازم من كبار التابعين، وهو مخضرم ادرك النبي - ﷺ - ولم يره ولهذا الاسناد حكم الثلاثيات وان كان رباعيا
وليس مثله: حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله قال قال النبى - ﷺ - «أول ما يقضى بين الناس فى الدماء
لأن الأعمش وإن كان من التابعين إلا أنه لم يسمع من أحد من الصحابة،
ذكر الذهبي الأعمشَ في الطبقة الرابعة من صغار التابعين لأنه لقي أنسا ولم يصح سماعه من أحد من الصحابة كما قال أبو عيسى الترمذي، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال رأى انسا بمكة وواسط وروى عنه شبيها بخمسين حديثا ولم يسمع منه إلا احرفا معدودة وكان مدلسا اخرجناه في التابعين لان له حفظا ويقينا وان لم يصح له سماع المسند من انس أ. هـ
وكذا غيرهم عدوه من صغار التابعين، فذكر في التابعين من أجل اللقي لا السماع
لكن يبقى العلو النسبي
لكن قد عده الحافظ في حكم الثلاثيات لأن الأعمش تابعي وأبو وائل مخضرم لم يدرك النبي - ﷺ - فيكون ما ذكر من حديث العطاردي من هذا القبيل. والله أعلم
الحديث الحادي عشر
٩٠٥٣ - حدثنا (علي بن عياش) حدثنا (حريز) قال حدثني (عبد الواحد بن عبد الله النصري) قال سمعت (واثلة بن الأسقع) يقول قال رسول الله إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينه ما لم تر أو يقول على رسول الله ما لم يقل ".
التعليق:
اخرجه البخارى فى كتاب المناقب باب " نسبة اليمن إلى إسماعيل "
قال البدر العينى: " ومن لطائف هذا الإسناد أنه من عوالي البخاري وأن فيه رواية القرين عن القرين من التابعين وأنه من أفراد البخاري ".
[ ١٥١ ]
وحريز من صغار التابعين سمع من عبد الواحد بن عبد الله التابعى، وقد عد هذا الحديث من عوالى البخارى لأن حريز ثبت له السماع من عبد الله بن بسر الصحابى الجليل كما هو فى الحديث الذى ذكرناه فى مسند بن بسر فالراوى عنه فيه هو " حريز ".