من الصحاح:
٢٨٩ - ٨٦٩ - قال رسول الله ﷺ: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك
[ ١ / ٣٦١ ]
ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة،فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ".
(باب التحريض على قيام الليل)
(من الصحاح):
" قال رسول ﷺ: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد " الحديث.
القافية: القفا، وعقد الشيطان على قافيته: استعارة من تسويل الشيطان وتحبيب النوم إليه، وتزيين الاستراحة والدعة له، وتثبيط [هـ] عن القيام، وتخييل بقاء الليل إليه كلما انتبه.
والتقييد بالثلاث: إما للتأكيد، أو لأن الذي تنحل به عقدته ثلاثة أشياء: الذكر والوضوء والصلاة، فكأن الشيطان منعه عن كل واحد منها بعقدة عقدها على قافيته، ولعل تخصيص القفا لأنه محل الواهمة ومجال تصرفها، وهي أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة إلى دعوته.
وقوله: " فأصبح نشيطا طيب النفس " فذلكة الانحلال ونتيجتها، أي: إن فعل هذه الأفعال وأتى بها انحلت عنه العقد، وتخلصت عن وثاق الغفلة، فأصبح بنشاط وأريحية وميل إلى الطاعة، وإن لم يفعل ذلك بقي عليها أثر تلك العقدة، واستمرت الغفلة على قلبه، وكان
[ ١ / ٣٦٢ ]
كسلان يستثقل العبادة، فتفوت عنه، أو لا يتأتى منه كما ينبغي.
وقد روى هذا الحديث أبو هريرة.
٢٩٠ - ٨٧١ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ذكر عند النبي ﷺ رجل فقيل: ما زال نائما حتى أصبح - ما قام إلى الصلاة - فقال: " الشيطان في أذنه ".
" وقال عبد الله بن مسعود: ذكر عند النبي ﷺ رجل، فقيل: ما زال نائما " الحديث.
" بال الشيطان في أذنه ": تشبيه وتمثيل، شبه تثاقل نومه وإغفاله عن الصلاة وعدم انتباهه بصوت المؤذن وإحساس سمعه إياه بحال من بيل في أذنه، فثقل سمعه وفسد حسه.
وقيل: إنه كناية عن استهانة الشيطان والاستخفاف به، فإن من عادة المستخف بالشيء غاية الاستخفاف أن يبول به، وإنما خص الأذن لأن الانتباه أكثر ما يكون إنما يكون باستماع الأصوات، ولأنه منع الأذن عن استماع الأذان وصوت الدعاة.
***
[ ١ / ٣٦٣ ]
٢٩١ - ٨٧٣ - وقال: " ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له ".
وفي رواية: " ثم يبسط يديه يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟ حتى يتفجر الفجر".
وفي رواية: " يكون كذلك حتى يضيء الفجر، ثم يعلو ربنا إلى كرسيه ".
" وقال: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة " الحديث.
لما ثبت بالقواطع العقلية والنقلية أنه ﵎ منزه عن الجسمية والتحيز والحلول، امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، بل المعنى به عما ذكره أهل الحق: دنو رحمته، ومزيد لطفه على العباد،، وإجابة دعوتهم، وقبول معذرتهم، كما هو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين فقراء مستضعفين.
وقد روي: " يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا " أي: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأرذال، وعدم المبالاة، وقهر العداة، والانتقام من العصاة، إلى مقتضى صفات الإكرام المقتضية للرأفة والرحمة، وقبول المعذرة، والتلطف بالمحتاج، واستعرض الحوائج، والمساهلة، والتخفيف في الأوامر
[ ١ / ٣٦٤ ]
والنواهي والإغضاء عما يبدو من المعاصي.
وفي رواية: " ثم يبسط يديه يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم، حتى يتفجر الصبح، أي: من يقرض غنيا لا يعجز عن أداء حقه والوفاء بعهده، عادلا لا يظلم المقرض بنقص مستحقه دينه وتأخير الأداء عن أدائه.
ومقصود الحديث: تخصيص هذا الوقت بمزيد الشرف والفضل، وأن ما يأتي به المكلف فيه أرجى وأنفع.
****
من الحسان:
٢٩٢ - ٨٧٧ - عن أبي أمامة قال، قال رسول الله ﷺ: " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكقرة للسيئات ومنهاة عن الإثم ".
وفي رواية: " ومطردة الداء عن الجسد ".
(من الحسان):
" قال ﵊: عليكم بقيام الليل " الحديث.
" دأب الصالحين ": عادتهم، وهو ما يواظبون عليه ويأتون به في أكثر أحوالهم، من قولهم: دأب الرجل في علمه إذا جد فيه واجتهد، ومنه
[ ١ / ٣٦٥ ]
قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: مواظبين على إصلاح العالم، و" مكفرة ": مفعلة بمعنى اسم الفاعل وكذلك " منهاة "، ونظيرهما: مطهرة ومرضاة، ومنجلة، ومحزنة.
والمعنى: إن قيام الليل قربة تقربكم إلى ربكم، وخصلة تكفر سيئاتكم وتنهاكم عن المحرمات، كما قال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥].
٢٩٣ - ٨٨١ - وعن أبي أمامة أنه قال: قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أسمع؟ قال:" جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات ".
" وفي حديث أبي أمامة: أي الدعاء أسمع؟ ".
أي: أرجى وأقرب إلى الإجابة، والله أعلم.
٣٣ - باب