من الصحاح:
٢٢٢ - ٥٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا، غير تمام "، وقيل لأبي هريرة ﵁: إنا نكون وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: " قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، وإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال: الله
[ ١ / ٢٨٥ ]
تعالى مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال ك هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل ".
(باب القراءة في الصلاة)
(من الصحاح):
" عن أبي هريرة ﵁: أنه - ﵇ - قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن " الحديث.
سميت الفاتحة: " أم القرآن "، لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، من: الثناء على الله تعالى بما هو أهله، والتعبد بالأحكام، والترغيب والترهيب بالوعد والوعيد، وقصة الغابرين من العصاة والمطيعين.
واختلف العلماء في وجوب القراءة في الصلاة، فذهب مالك وأحمد إلى أنها سنة، وذهب الباقون إلى وجوبها، ثم اختلفوا في الواجب، فقال الشافعي: تتعين الفاتحة ولا يقوم غيرها مقامها، واستدل بهذا الحديث ونحوه، وقال أبو حنيفة: يجب آية من القرآن، أي: أية آية كانت.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجب قراءة طويلة، أو ثلاث آيات قصار، و(الخداج): مصدر (خدجت الناقة): إذا ألقت ولدها قبل
[ ١ / ٢٨٦ ]
وقت النتاج، فاستعير للناقص، والمعنى: ذات خداج.
وفيه: " اقرأ بها في نفسك "، أي: أخفت بها صوتك، واستدل به على وجوب القراءة على المأموم، ولا دليل فيه، لأنه قول أبي هريرة من غير رفع.
وقوله: " فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول " إلى آخره يدل على فضل الفاتحة دون وجوبها، إلا أن يقال: " قسمت الصلاة " من حيث إنها عامة شاملة لأفراد الصلاة كلها، في معنى قولنا: كل صلاة مقسومة على هذا الوجه، ويلزمه أن كل ما لا يكون مقسوما على هذا الوجه فلا يكون صلاة، والذي يدل عليه ظاهرا عموم صدر الحديث وخصوص قوله ﵇: " إذا كنتم خلفي لا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ".
وقوله: " بيني وبين عبدي نصفين " حمله بعضهم على المشاطرة والمناصفة على السواء، وقال: الفاتحة سبع آيات بالإجماع، نصفها الأول لله تعالى، وهو ثلاث آيات، ونصف من قوله ﴿الحمد لله﴾ إلى قوله: ﴿إياك نعبد﴾، والباقي للعبد، ولذلك قال في الآية الرابعة: " هذا بيني وبين عبدي "، وبنى على ذلك أن التسمية ليست من الفاتحة، وأن ﴿أنعمت عليهم﴾ آية، ويمنعه: ما روى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه " هذا الحديث بإسناده عن أبي هريرة ﵁، وذكر فيه: " فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله: ذكرني عبدي "، وما روى الترمذي بإسناده عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ قرأ
[ ١ / ٢٨٧ ]
الفاتحة، وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ووقف، وكذا في مقاطع سائر الآيات، وقرأ: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ إلى آخره السورة بنفس واحد، بل الأولى أن يحمل على المشاركة المطلقة، فإن النصف يطلق ويراد به البعض.
قال الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت
وآخر مئن بالذي كنت أصنع
٢٢٣ - ٥٨٧ - وقال جابر: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء، ثم أتى قومه فأمهم فافتتح سورة البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف، فبلغ ذلك معاذا فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ: " يا معاذ! أفتان أنت؟ - ثلاثا - اقرأ: ﴿والشمس وضحاها﴾،و﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، ونحوهما ".
" وقال جابر ﵁: كان معاذ بن جبل يصلي مع رسول الله ﷺ، ثم يأتي قومه، فيصلي بهم " الحديث.
[ ١ / ٢٨٨ ]
فيه دليل على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، فإن من أدى فرضا، ثم أعاده يقع المعاد له نفلا، لما روي: أنه - ﵇ - صلى الصبح، فرأى رجلين لم يصليا معه، فقال: " ما منعكما أن تصليا معنا؟ "قالا: كنا صلينا في رحالنا، فقال: " إذا صليتما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة "، وعلى أن من أدى الفريضة بالجماعة جاز له إعادتها.
قوله: " فانحرف رجل "، أي: مال عن الصف أو الجمع وخرج منه.
" فتجوزت " أي: اختصرت الصلاة وخففت.
" أفتان أنت " أي مشوش توقع الناس في الفتنة، وهو دليل على أنه ينبغي للإمام أن يخفف الصلاة ولا يطولها، بحيث يتأذى القوم منها.
٢٢٤ - ٦٠٦ - وقال عبادة بن الصامت: كنا خلف النبي ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: " لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟! "، قلنا: نعم يا رسول الله! قال: " لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها "، وفي رواية قال: " وأنا أقول مالي ينازعني القرآن؟!، فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا
[ ١ / ٢٨٩ ]
جهرت إلا بأم القرآن).
(من الحسان)
(قال عبادة بن الصامت ﵁: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة) الحديث.
وقوله: (ما لي ينازعني القرآن)؛ أي: لا يتأتى لي بيسر، فكأني أجاذبه، فيعصى ويثقل علي.
٢٢٥ - ٦١٠ - وقال عبد الله بن أبي أوفى: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني، قال: (قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، قال: يا رسول الله! هذا لله، فما لي؟، قال: (قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني).
وقال عبد الله بن أبي أوفى: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا.
الحديث دليل على أن العاجز عن قراءة القرآن يقوم التسبيح والدعاء في حقه مقام القراءة.
[ ١ / ٢٩٠ ]
٢٢٦ - ٦١٣ - وعن جابر قال: قرأ رسول الله ﷺ على أصحابه سورة الرحمن فسكتوا، فقال: (لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كلما أتيت على قوله: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبا﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد). غريب.
وفي حديث جابر: وكانوا أحسن مردودا.
أي ردا، مفعول بمعنى المصدر، كـ (المخلوق) و(المعقول).
قال الشاعر:
لا يعدم السائلون الخير أفعله إما نوالا وإما حسن مردود
* * *