من الصحاح:
١٩٣ - ٤٧٨ - قال ابن عباس ﵁: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع ركعتين في
[ ١ / ٢٥٣ ]
قُبُل الكعبة، وقال:" هذه القبلة ".
(باب المساجد)
(من الصحاح):
" قال ابن عباس ﵄: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه " الحديث.
ذهب عامة العلماء إلى جواز التنفل داخل الكعبة، لحديث ابن عمر، وهو الذي يليه، واختلف في الفرض، فذهب الجمهور إلى جوازه، ومنع منه مالك وأحمد، وحكي عن محمد بن جرير أنه قال: لا يجوز فيها الإتيان بالفرض ولا بالنفل، تمسكا بهذا الحديث، وهو – مع ضعف دلالته – لا يعارض حديث ابن عمر لأنه حكاية دخوله يوم الفتح، فلو كان ابن عباس يحكي غيره فلا تعارض، وإن كان يحكيه – والظاهر ذلك – فالحديث مرسل، لأنه – ﵇ – لما دخل أغلق عليه الباب ولم يكن ابن عباس معه، فلا يقاوم المسند، والمراد: بـ (قبل الكعبة): الجهة التي فيها الباب، والباء يسكن ويحرك.
وقوله: " هذه " إشارة إلى الكعبة، و"القبلة ": خبرها، والمعنى: إن أمر القبلة قد استقر عليها، فلا ينسخ إلى غيرها، ويحتمل أن يكون إشارة إلى تلك الجهة، والمراد: أن يعلمهم أن الأفضل أن يقف الإمام من هذا الجانب دون غيره، فإنه مقام إبراهيم صلوات الله عليه.
***
[ ١ / ٢٥٤ ]
١٩٤ – ٤٨١ – وقال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى،ومسجدي هذا "، رواه أبو سعيد الخدري ﵁.
" وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه – ﵇ – قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " الحديث.
ينبغي للعاقل ألا يشتغل إلا بما له فيه صلاح دنيوي أو فلاح أخروي، ولما كانت ما عدا ذلك من المساجد متساوية الأقدام في الشرف والفضل، وكان التنقل والارتحال لأجلها عبثا ضائعا نهى الشارع عنه، ولهذا قيل: لو نذر أن يعتكف أو يصلي في أحد هذه المساجد تعين، بخلاف سائر المساجد، والمقتضي لشرفها: أنها من أبنية الأنبياء ومتعبداتهم.
١٩٥ – ٤٨٢ – وقال: " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي " رواه أبو هريرة.
" عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵇ – قال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " الحديث.
قيل معناه: إن الصلاة والذكر فيما بينهما يؤدي إلى " روضة من رياض الجنة "، ومن حضر وعظه وسمع قوله سماع تذكر واتعاظ سقي
[ ١ / ٢٥٥ ]
يوم القيامة من حوضه.
وقيل: سمي ما بينهما روضة لأنه مجلس الذكر والدعاء، وقد سمي رسول الله ﷺ مجلس الذكر والدعاء: رياضا، لأنها مؤدية إليها، وشبه المنبر بالحوض، لأن القلوب الصادئة ترده وتستشفي به من علة الجهال.
١٩٦ – ٤٨٨ – وقال جابر: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فقال النبي ﷺ:" يا بني سلمة! دياركم، تكتب آثاركم، دياركم، تكتب آثاركم ".
" وقال جابر: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى المسجد " الحديث.
" بنو سلمة " بكسر اللام: بطن من الأنصار، وكانت دورهم بعيدة من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى قربه، فكره رسول الله ﷺ أن تعري دورهم، أي: أن تصير عراة، أي: فضاء، فنهاهم عنه.
و(ديار) جمع: دار، ونصبه على الإغراء، أي: الزموا دياركم، و" تكتب ": جواب الأمر، والمراد بالآثار الخطى إلى المساجد، أي: تعد خطاكم وتكتبها الكتبة للثواب أو ما يؤثر، أي: يكتب في السنن والآثار حرصكم على الطاعات وجدكم واجتهادكم في حضور الجماعات،
[ ١ / ٢٥٦ ]
ويقتدي بكم من بعدكم
١٩٧ – ٤٩٩ – وقال:" لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
" وعن عائشة ﵂: أنه – ﵇ – قال: لعنة الله على اليهود والنصارى "الحديث.
لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثانا = لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه، أما من اتخذ مسجدا في جوار صالح، أو صلى في مقبرته، وقصد به الاستظهار بروحه، أو وصول أثر من آثار عبادته إليه، لا التعظيم له والتوجه نحوه فلا حرج عليه، ألا ترى أن مرقد إسماعيل – ﵇ – في المسجد الحرام عند الحطيم، ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي لصلاته، والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمقابر المنبوشة، لما فيها من النجاسة.
١٩٨ – ٥٠١ – وقال: " اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا ".
[ ١ / ٢٥٧ ]
" وعن ابن عمر: أنه – ﵇ – قال: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا ".
" من صلاتكم ": مفعول " اجعلوا " أي: اجعلوا بعض صلاتكم في البيوت، " ولا تتخذوها قبورا ": تخلونها عن الصلاة، شبه المكان الخالي عن العبادة بالقبر، أو الغافل عنها بالميت، ثم أطلق القبر على مقره. وقيل: معناه: النهي عن الدفن في البيوت، وإنما دفن رسول الله ﷺ في بيت عائشة مخافة أن يتخذ قبره مسجدا، أو يستبدله الناس، وغير ذلك.
من الحسان:
١٩٩ – ٥٠٣ – عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:" ما بين المشرق والمغرب قبلة ".
(من الحسان):
" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أن قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة ".
يريد ما بين مشرق الشمس في الشتاء – وهو مطلع قلب العقرب – ومغرب الشمس في الصيف، وهو مغرب السماك الرامح.
[ ١ / ٢٥٨ ]
٢٠٠ – ٥٠٤ – وقال طلق بن علي: خرجنا وفدا إلى النبي ﷺ فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فقال: " إذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجدا ".
" وقال طلق بن علي: خرجنا وفدا إلى النبي ﷺ، فبايعناه " الحديث.
قوله: " فاكسروا بيعتكم " أي: غيروا محرابها وحولوه إلى الكعبة.
وقوله: " بهذا الماء " قيل: إنه إشارة إلى جنس الماء، والمراد: تطهيرها وغسلها بالماء عما بقي فيها، وقيل: إلى ما أعطاه من فضل وضوئه، إذ روي أنه قال: واستوهبنا فضل وضوئه، فدعا بماء، فتوضأ منه وتمضمض، ثم صبه في إداوة وقال: " اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا "، فقلنا: يا نبي الله! البلد بعيد والماء ينشف، فقال: " أمدوه من الماء، فإنه لا يزيد إلا طيبا " ويكون المراد منه: إيصال بركة وضوئه إليها.
***
[ ١ / ٢٥٩ ]
٢٠١ - ٥١٢ – عن عبد الرحمن بن عائش ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " رأيت ربي ﵎ في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: أنت أعلم أي رب – مرتين – قال: فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض، ثم تلا هذه الآية: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين﴾، ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، قال: وما هن؟ قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكاره، م يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه، ومن الدرجات إطعام الطعام، وبذل السلام، وأن يقوم بالليل والناس نيام، قال: قل: اللهم! إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي خطيئتي وترحمني وتتوب علي، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون ".
" عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: رأيت ربي ﵎ " الحديث.
الحديث – على ما أورده الشيخ – مرسل، فإن عبد الرحمن ليس بصحابي، وقد أورده أحمد بن حنبل في " مسنده " وروي بإسناده عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن عامر، عن معاذ بن
[ ١ / ٢٦٠ ]
جبل، فالظاهر أنه حكاية رؤياه، ويدل عليه مقدمة الحديث على ما ساقه الطبراني، فإنه روي بإسناده عن معاذ: أنه قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ صلاة الغداة حتى كادت الشمس تطلع، فلما صلى الغداة قال: " إني صليت الليلة ما قضي لي، ووضعت جنبي في المسجد، فأتاني ربي في أحسن صورة "، وعلى هذا لم يكن فيه إشكال، إذ الرائي قد يرى غير المشكل مشكلا، والمشكل بغير شكله، ثم لم يعد ذلك بخلل في الرؤيا وخلل في خلد الرائي، بل له أسباب أخر تذكر في علم المنامات، ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء – صلوات الله عليهم – إلى التعبير، وإن كان في اليقظة، وعليه ظاهر ما روى أحمد بن حنبل، فإن فيه:" فنعست في صلاتي حتى استيقظت، فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة " فلا بد من التأويل:
فأقول – وبالله التوفيق -: صورة الشيء ما يميز به الشيء عن غيره، سواء كان عين ذاته أو جزءه المميز، وكما يطلق ذلك في الجسم يطلق في المعاني، فيقال: صورة المسألة كذا وصورة الحال كذا، فصورته تعالى – والله أعلم -: ذاته المخصوصة المنزهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء، كما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] [البالغة] إلى أقصى مراتب الكمال.
[ ١ / ٢٦١ ]
و" الملأ الأعلى ": الملائكة، سموا بذلك لعلو مكانهم أو مكانتهم، وقيل: نوع من الملائكة أعظمهم عند الله قدرا وأعلاهم منه منزلة، و(اختصاصهم): إما عبارة عن تبادرهم إلى بت تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء، وإما عن تفاوتهم في فضلها وشرفها وإناقتها على غيرها، وإما عن اغتباطهم الناس تلك الفضائل لاختصاصهم بها.
وقوله: " فوضع كفه بين كتفي " مجاز عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه، وإيصال فيضه إليه، فإنه لما كان من ديدن الملوك أن أحدهم إذا أراد أن يدني إلى نفسه بعض خدمه، ويذكر معه بعض أحوال مملكته يضع يده على ظهره، ويلقي ساعده على عنقه، تلطفا به، وتعظيما لشأنه، وتنشيطا له في فهم ما يقوله = جعل ذلك حيث لا كف ولا وضع حقيقة، [بل] كناية عن التخصيص لمزيد الفضل والتأييد وتمكين الملهم في الروع.
وقوله: " فوجدت بردها بين ثديي " كناية عن وصول ذلك الفيض إلى قلبه، وتأثره عنه، ورسوخه فيه، وإيقانه له، يقال: ثلج صدره وأصابه برد اليقين، لمن تيقن الشيء وتحققه.
وقوله: " فعلمت ما في السماء والأرض " دليل على أن وصول ذلك الفيض صار سببا لعلمه، ثم استشهد بالآية. والمعنى: أنه تعالى كما أرى إبراهيم – صلوات الله عليه – ملكوت السماوات والأرض، وكشف له ذلك فتح علي أبواب الغيوب حتى علمت ما فيهما من الذوات والصفات والظواهر والمغيبات.
[ ١ / ٢٦٢ ]
و(الملكوت): فعلوت، من: الملك، وهو أعظمه، وقيل: المراد به في الآية: خلق السماوات والأرض.
قوله ثانيا: " فيم يختصم الملأ الأعلى " إعادة للسؤال بعد التعليم.
وقوله: " قلت: في الكفارات " جواب له، وإنما سميت الخصال المذكورة: كفارات لأنها تكفر ما قبلها من الذنوب، بدليل قوله: " ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه ".
وقوله: " وفي الدرجات " أي: ومما يرفع الدرجات، أو يوصل إلى الدرجات العالية.
٢٠٢ – ٥١٣ – عن أبي أمامة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " ثلاثة كلهم ضامن على الله: رجل خرج غازيا في سبيل الله، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله،ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله ".
" وعن أبي أمامة ﵁، عن رسول الله ﷺ: ثلاثة كلهم ضامن على الله " الحديث.
" ضامن " من باب النسب، بمعنى: ذو ضمان، كـ (القاسط) و(اللابن).
[ ١ / ٢٦٣ ]
قوله: " ورجل دخل بيته بسلام " أي: مسلما على أهله، وقيل: معناه: من دخل بيته طالبا للسلامة في أيام الفتن.
٢٠٣ – ٥٢٤ – وقال: " صلوا في مرابض العنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل ".
" وقال النبي ﷺ: صلوا في مرابض الغنم " الحديث.
(المرابض) جمع: مربض، وهو مأوى الغنم، و(الأعطان): المبارك.
والفارق: أن الإبل كثير الشراد شديد النفار، فلا يأمن المصلي في أعطانها عن أن تنفر وتقطع الصلاة عليه، ويتشوش قلبه، فيمنعه عن الخشوع فيها، وإليه أشار بقوله: " لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين "، ولا كذلك من صلى في مرابض الغنم.
واختلف العلماء في أن النهي الوارد عن الصلاة في المواطن السبعة للتحريم أو التنزيه، ثم القائلون بالتحريم اختلفوا في الصحة خلافا مبنيا على أن النهي هل يدل على الفساد؟ وفيه أربعة مذاهب:
أحدها: أنه يدل مطلقا.
وثانيها: أنه لا يدل أصلا.
وثالثها: الفرق: بين ما ورد في العبادات وبين ما ورد في
[ ١ / ٢٦٤ ]
المعاملات ونحوها.
ورابعها: الفرق: بين ما إذا كان متعلق النهي نفس الفعل، أو ما يكون لازما له، كصوم يوم العيد والصلاة في الأوقات المكروهة وبيع الربا، وبين ما لا يكون كذلك، كالصلاة في الدار المغصوبة والوادي وأعطان الإبل والبيع وقت النداء.
٧ - باب
الستر
من الصحاح:
٢٠٤ - ٥٢٩ - عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: " اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي ".
وفي رواية: " كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني ".