في بيان فضل الفن من العلم على سائر الفنون
سنتلو عليك فيما يتلو هذه المقدمة ما يدل على مؤاخاة وتناسب بين الكتاب والسنة وأنهما من واد واحد وناهيك بهذا لها شرفا وفضلا وهي كعين ينشعب عنها أنهار العلوم الدينينة والمعالم الشرعية فإن علم التفسير - مع جلالة قدره ونباهة ذكره - مبناه على تأويلات وبيانات صدرت عن الشارع صلوات الله عليه وسائر العلوم منشعبة عن هذين العلمين ومتفرعة عليهما لأن من الآيات والسنن ما هي متعلقة بالعقائد
[ ١ / ٦ ]
والمعارف ومنها ما يتعلق بأفعال الناس وأحوالهم وإما على طريقة شرع الأحكام أو على سبيل القصص والأخبار.
والأول استأثر الناظر في المعارف والطالب للحقائق وتصرف فيها بالتفصيل والتكميل حتى تحصل على الطبقة العليا والمعرفة الأولى المسماة بـ: العلم الإلهي وأصول الدين وعلم الكلام
والقسم الثاني: وهو ما يتعلق بالأفعال على طريق التخيير أو الاقتضاء انقسم قسمين يتعلق أحدهما بالأعمال الظاهرة وثانيهما بالأحوال الباطنة فأخذ المجتهد في طلب الأحكام الشرعية القسم الأول من هذين القسمين وجعل ما كان منهما معربا عن قاعدة كلية يمكن التوصل بواستطها إلى أحكام شتى أوضاعا وأساسا وسماها مع ما انضاف إليها مما يشاكلها ويتعلف بأذيالها أصول الفقه وما كان دليلا على قضايا تختص بفعل فعل سندا وأصولا وتامل فيها حق تأمله وبذل غاية جهده حتى حصل له من مفهوم منظومها ومدلول مفهومها ومقتضى معقولهل أحكام يقف الحاصي دون إحصائها وسماها: علم الفقه وعلم الشريعة وعلم المذهب
واستخلص أرباب السلوك السائحين في الملأ الأعلى السائرين إلى الله تعالى قسيم هذا القسم وغاصوا فيها وجعلوها ظهرا لبطن ففهما ظواهرها وورثوا بالعمل بها حقائقها وبواطنها فجمعوا الأمرين مناصحة للمريدين ومعاونة للمقتبسين فسموا القسم الأول: علم التصوف وعلم مكارم الأخلاق وعلم الرياضة
[ ١ / ٧ ]
وعلم التزكية وعلم التخلية وسموا الثاني: علم الحقائق وعلم المشاهدة وعلم المكاشفة
والقسم الثالث: من الأقسام الثلاثة: الأول أخذه القاص باعتبار الحكاية نفسها: تارة متبددة وتارة متسقة وبنى عليه علمي القصص والتواريخ والمذكر باعتبار ما يصحبها من الاعتبار المرغب والمرهب واستخرج منها علم التذكير فظهر بهذا أن علم الحديث رئيس العلوم ورأسها ومينى قواعد الدين وأساسها