في بيان أنواع الحديث
ينبغي لك أن تعلم أنه ليس كل مل ينسب إلى الرسول - صلوت الله عليه - صدقا والاستدلال به جائزا فإنه روي عن شعبة - ﵀ - أنه قال: نصف الحديث كذب وعن أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الحديث - ﵏ - نحو ذلك
ولأنه نسب إليه - صلوات الله عليه - أنه قال "سيكذب علي" فهذا الخبر إن كان صدقا فلا بد من أن يكذب عليه وإن كان كذبا فقد كذب عليه وللمخافة عن هذا أوعد الشارع عليه وقال "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"
وهذا إنما وقع من الثقات لا عن تعمد بل إما لنسيان كما روي عن ابن عمر ﵁ روى "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" فبلغ ابن عباس ﵁ فقال: "ذهل أبو عبد الرحمن إنه - ﵇ - مر بيهودي يبكي على ميت فقال "إنه ليبكي عليه وإنه ليعذب"
[ ١ / ١٠ ]
أو لالتباس لفظ أو وقوع خطأ في تعبير العبارة والنقل بالمعن نظيره: أن ابن عمر ﵁ روى: أنه - ﵇- وقف على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا" ثم قال "إنهم الآن يسمعون ما أقول" فذكر ذلك لعائشة ﵂ فقالت "لا بل قال: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق"
أو لأنه ذكره الرسول - صلوات الله عليه - حكاية فحسب الراوي أنه يقوله من تلقاء نفسه كما روي أنه قال: الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار فقالت عائشة ﵂: إنما قال الرسول - صلوات الله عليه - حكاية عن غيره.
أو لأن ما قاله - صلوات الله عليه - كان مختصا بسبب فغفل الراوي عنه كما روي أنه قال "التاجر فاجر" فقالت عائشة: إنما قال ذلك في تاجر يدلس أو لنحوها.
وقد وقع عن تعمد:
إما عن الملاحدة طعنا في الدين وتنفيرا للعقلاء عنه كما روي أنه قيل له: يارسول الله مم ربنا؟ فقال ﷺ: خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه عن ذلك العرق " تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وتبرأ الرسول ﷺ عما بهتوه بهتانا عظيما
وإما عن الغواة المتعصبين تقريرا لمذهبهم وردا لخصومهم
[ ١ / ١١ ]
كما روي أنه قال: سيجيء أقوام من أمتي يقولون: القرآن مخلوق فمن قال: مخلوق فقد كفر بالله العظيم وطلقت امرأته من ساعته لأنه لا ينبغي لمؤمنة أن تكون تحت كافر"
أو عن جهلة القصص ترقيقا لقلوب العوام وترغيبا لهم في الأذكار والأوراد كما حكي: أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين - رحمة الله عليهما - حضرا مسجد رصافة في جماعة فقام بين أيديهم قاص وقال: أخبرنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان " وأخذ في قصة طويلة فنظر يحيى إلى أحمد وقال: أنت حدثته؟ فقال: والله ما سمعته إلا الساعة فدعاه يحيى وقال له: أنا يحيى وهذا أحمد وما سمعنا بهذا قط فقال: لم أزل أسمع أن يحيى أحمق وما تحققته إلا الساعة ليس في الدنيا غيركما أحمد ويحيى قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
أو عن المتهالكين على المال والجاه تقربا إلى الحكام كما وضعوا في دولة بني العباس نصوصا على إمامة العباس وأولاده إلى غيرهم من الزائغين عن الهدى.
[ ١ / ١٢ ]
إذا عرفت هذا فتقول: ما نقل عن الرسول - صوات الله عليه -
ثلاثة أقسام: ما يعلم صدقه وما يعلم كذبه وما لا يعلم حاله
والأول: كل خبر بلغت كثرة رواته في كل طبقة مبلغا أحال
العقل تواطؤهم على الكذب ويسمى: متواترا.
والثاني: ما يخالف قاطعا ولم يكن يقبل التأويل أو كان من
الشواذ المروية في أمر تتوفر الدواعي على إشاعته إما لغرابته، أو
لكونه أصلا في الدين ويسمى: موضوعا.
والثالث: على ثلاثة أقسام لأنه: إما أن يكون راحج الصدق، أو
راجح الكذب، أو مستوى الطرفين.
والأول: ما سلم لفظه ومعناه، واتصل إسناده إلى الرسول - صلوات الله عليه - بعنعنة ثقات معلومي العدالة ويسمى:
صحيحا، وقد يقسم هذا القسم بنوعين من التقسيم إلى أقسام أربعة:
التي أوردها الإمامان محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري ومسلم بن
حجاج القشيري في جامعيهما - تسمى صحاحا وإن كانت
فرادى في كل الطبقات أو بعضها تسمى: حسانا وعلى هذا
اصطلح صاحب الكتاب، ولا شك أن القسم الأول عند التعارض
أرجح من الثاني، لتأكد الظن فيه، واتفاق القائلين بالخبر الواحد
على هذا النوع خاصة. والثاني: أن الحديث إن كان مما دونه الحفاظ
وشاع فيما بينهم سمي: مشهورا، وإن تفرد به حافظ واحد، ولم
[ ١ / ١٣ ]
ينكره غيره سمي: غريبا، وقد يطلق الغريب ويراد به: ما رواه
التابعي عن صحابي لم يكن مشهورا به.
والثاني: ما يكون في لفظه ركاكة أو خلل لا يحسن إصلاحه، أو
في معناه خور، مثل أن يكون على خلاف آية أو خبر متواتر أو إجماع،
ويسمى: مستقيما، أو في أحد رواته قدح وتهمة، ويسمى: ضعيفا
ومنكرا، وقد يطلق السقيم عليه أيضا.
والثالث: ما لا يكون في متنه علة، ولا في راويه خلل بين، لكن
بعض رواته لم يعلم بعين أو وصفه، والأول: إن كان هو الصحابي
سمي الحديث: مرسلا، وإن كان غيره سمي: منقطعا، وإن كان
كليهما سمي: معضلا، والثاني: ما لا يعرف عدالة رواته، وسمي:
مجهولا. والمنقطع والمعضل لا استدلال بهما، وفي المرسل
والمجهول خلاف، فاعتبرهما أبو حنيفة، ورد الشافعي ﵁ المجهول
مطلقا، والمرسل إذا لم يكن مؤبدا بإرسال آخر، أو فتوى أهل العلم
أو العلم بأن الراوي الفرع لا يروي إلا من العدل وللكلام بعد
مجال، لكن الاقتصار أولى والاشتغال بالمقصود أجدى.
[ ١ / ١٤ ]