كالقضاء والكفارة والنذر المطلق، واختلفوا فيما له زمان معين كصوم رمضان والنذر المطلق، فشرطه الأكثرون فيه أخذا بعموم الحديث، غير أن مالكا وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين عنه قالوا: لو نوى أول ليلة من رمضان صوم جميع الشهر أجزأه، لأن صوم الكل كصوم يوم، وهو قياس مردود في مقابلة النص، ولم يشترط أصحاب الرأي، وخصصوا الحديث بما روي أنه ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء: " إن من أكل منكم فليمسك بقية نهاره، ومن لم يأكل فليصم " وكان صوم عاشوراء حينئذ فرضا، وبالقياس على النفل.
والجواب عن الحديث: أن صوم عاشوراء لم يكن فرضا، وإلا لأمر الآكلين بالقضاء، وعن القياس: أن المعنى في النفل التكثير والترغيب فيه بالترفيه والتسهيل، وذلك مفقود في الفرض، وأنه معارض بالقياس على سائر الفرائض.
٣ - باب
تنزيه الصوم
من الصحاح:
٤٠٥ - ١٤٢٠ - قال رسول الله ﷺ: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ".
[ ١ / ٤٩٦ ]
(باب تنزيه الصوم)
(من الصحاح):
" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " الحديث.
المقصود من إيجاب الصوم وشرعه: ليس نفس الجوع وعطشه، بل ما يتبعه من كسر الشهوة وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل له شيء من ذلك، ولم تتأثر به نفسه، ولم يكن له من من صيامه إلا الجوع والعطش لا يبالي الله تعالى بصومه، ولا ينظر إليه نظر قبول، إذ لم يقصد به مجرد جوعه وعطشه، فيحتفل به ويقبل منه.
وقوله: " فليس لله حاجة " مجاز عن عدم الالتفات والقبول والميل إليه، نفي السبب، وأراد نفي المسبب.
٤٠٦ - ١٤٢١ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه ".
" وفي حديث عائشة ﵂: وكان أملككم لإربه ".
أي: لحاجة نفسه، تريد: الشهوة، تعني: لا يستولي سلطان
[ ١ / ٤٩٧ ]
شهوته ولا يغلب عليه بحيث يحمله على ما لا ينبغي أن يفعل.
٤٠٧ - ١٤٢٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت، وأهلكت، فقال: " ما شأنك؟ " قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، قال: " فأعتق رقبة " قال: ليس عندي، قال: " فصم شهرين متتابعين "، قال: لا أستطيع، قال: " فأطعم ستين مسكينا "، قال: لا أجد، قال: اجلس، فجلس، فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر - والعرق: المكتل الضخم - قال: " خذ هذا فتصدق به " قال: على أفقر منا؟، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، قال: " أطعمه عيالك ".
" وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت، قال: ما شأنك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: فأعتق رقبة " الحديث.
دل الحديث على أن من واقع في نهار رمضان، أي: أفطر بالوقاع فيه، فعليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإنه أمره بالأول، ثم رتب الثاني بالفاء على فقده، ثم رتب الثالث على العجز عن الثاني.
وحكي عن ابن جبير والنخعي وقتادة: أنهم قالوا: لا كفارة
[ ١ / ٤٩٨ ]
عليه، ولعل الحديث لم يصل إليهم، وعن مالك: أن المجامع مخير بين الخصال الثلاث.
واختلف في قدر الطعام، فقال الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد: يطعم ستين مدا ستين مسكينا، إذ صح عن أبي هريرة أنه قال: " فأتى بعرق قدر خمسة عشر صاعا "، وقاسوا عليه سائر الكفارات، إلا فدية الأذى لحديث ورد فيها.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: يطعم كل مسكين نصف صاع، وكذا في سائر الكفارات، لما روي مرسلا في كفارة الظهار: أنه - ﵇ - قال لسلمة بن صخر: " أطعم عنك ستين مسكينا وسقا من تمر "، ولما روي عن محمد بن إسحاق بن يسار.
(العرق): مكتل يسع ثلاثين صاعا، وهو مكتل ضخم ينسج من خوص النخل.
واختلف في قوله: " أطعمه عيالك "، فمنهم من قال: إنه مخصوص به، ومنهم من جعله منسوخا، ومنهم من جوز صرف الكفارة إلى من في نفقته.
والأحسن: ما قاله الشافعي وهو: أن الرجل لما أخبره أن لا أجوع منه في المدينة لم ير أن يتصدق على الأجانب ويدع عياله في الضر، فأمره أن ينفق عليهم ويؤخر الكفارة إلى اليسار.
***
[ ١ / ٤٩٩ ]
من الحسان:
٤٠٨ - ١٤٣٤ - عن شداد بن أوس قال: رأى النبي ﷺ رجلا يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، قال: " أفطر الحاجم والمحجوم ".
قال المصنف ﵀: وتأوله بعض من رخص في الحجامة، أي: تعرضا للإفطار، والمحجوم للضعف، والحاجم لأنه لا يأمن من أن يصل شيء إلى جوفه بمص الملازم.
(من الحسان):
" عن شداد بن أوس قال: رأى النبي ﷺ رجلا يحتجم لثماني عشرة خلت من رمضان، قال: أفطر الحاجم والمحجوم ".
ذهب إلى ظاهر الحديث جمع من الأئمة، قالوا: يفطر الحاجم والمحجوم، ومنهم أحمد وإسحاق، وقال قوم منهم مسروق والحسن وابن سيرين: تكره الحجامة للصائم، ولا يفسد الصوم بها، وحملوا الحديث على التغليظ، وأولوا قوله: " أفطر الحاجم والمحجوم " بأنهما نقصا أجر صيامهما، وأبطلاه بارتكاب هذا المكروه.
وقال الأكثرون: لا بأس بها، إذ صح عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، وإليه ذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقالوا: معنى قوله: " أفطر ": تعرض
[ ١ / ٥٠٠ ]
للإفطار، كما يقال: هلك فلان: إذا تعرض للهلاك، أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه منها، وأما الحاجم فلأنه لا يأمن من أن يصل شيء إلى باطنه بمص الملازم، والله أعلم.
٤ - باب
صوم المسافر
من الصحاح:
٤٠٩ - ١٤٣٩ - وقال جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: " ما هذا؟ " قالوا: صائم، قال: " ليس من البر الصوم في السفر ".