(من الصحاح):
" عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير" الحديث.
" يستفتح الصلاة " أي: يبتدئها، ويجعل التكبير فاتحتها، و"القراءة" عطف على الصلاة، أي: يبتديء القراءة بسورة الفاتحة، فيقرؤها، ثم يقرأ السورة، ذلك لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح، فإنه
[ ١ / ٢٧٤ ]
لا يسمى في العرف قراءة، ولا يدل على أن التسمية ليست من الفاتحة، إذ ليس المراد أنه كان يبتديء القراءة بلفظ: ﴿الحمد لله﴾، بل المراد: أنه كان يبتديء بقراءة السورة التي مفتتحها ﴿الحمد لله﴾ كما يقال: قرأت: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص:١].
" وكان إذا ركع لم يشخص رأسه " أي: لم يرفعه، من: شخصت كذا: إذا رفعته، وشخص شخوصا: إذا ارتفع، و" لم يصوبه " أي: لم يرسله، وأصل الصوب: النزول من أعلى نحو أسفل، و" لكن بين يديك "، أي: يجعل رأسه بين التصويب والتشخيص، بحيث يستوي ظهره وعنقه كالصفحة الواحدة، و(بين): وإن كان من حقه أن يضاف إلى شيئين فصاعدا، إلا أن ذلك لما كان بمعنى شيئين من حيث وقع مشارا به إلى مصدري الفعلين المذكورين، حسن إضافته إليه.
" وكان رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما ": دليل على وجوب الرفع والاعتدال، لأن فعله في الصلاة دليل الوجوب ما لم يعارضه ما يدل على أنه ندب، لقوله ﵇: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجب الاعتدال ولا الرفع، بل لو انحط من الركوع إلى السجود جاز، وروي عن مالك وجوب الرفع وعدمه.
" وكان يقول في كل ركعتين التحية " أي: يتشهد في كل ركعتين،
[ ١ / ٢٧٥ ]
سمي الذكر المعين: تحية وتشهدا، لاشتماله على التحية والشهادة.
" وكان ينهى عن عقبة الشيطان " أي: الإقعاء في الجلسات، وهو أن يضع إليتيه على عقبيه، " وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع " أي: أن يبسط ذراعيه كما تفترشها السباع، ولا يقلها مخويا إذا سجد، وتقييد النهي بالرجل يدل على أن المرأة لا تحوي.
٢١٦ - ٥٥٦ - وقال أبو حميد الساعدي في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ: أنا أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته ".
" وقال أبو حميد الساعدي في نفر من الصحابة: أنا أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ " الحديث.
اتفقت الأئمة على أن رفع اليد عند التحريم مسنون، واختلفوا
[ ١ / ٢٧٦ ]
في كيفيته، فذهب مالك والشافعي: إلى أن السنة أن يرفع المصلي يديه حيال منكبيه، لهذا الحديث ونحوه، وقال أبو حنيفة: يرفعهما حذو أذنيه.
واختلفوا في كيفية الجلسات، فقال أبو حنيفة: يجلس المصلي مفترشا فيها جميعا، وقال مالك: يجلس متوركا فيها كلها، وقال الشافعي: يتورك في التشهد الأخير ويفترش في الأول، كما رواه الساعدي في هذا الحديث، وألحق بالتشهد الأول الجلسات الفاصلة بين السجود، لأنها يعقبها انتقالات، وهي من المفترش أيسر.
وقوله: " هصر ظهره " أي: ثناه، كأنه كسر ظهره لشدة انحنائه ومده، يقال: هصرت كذا ك إذا مددته، وأصل الهصر: أن تأخذ رأس الشيء ثم تكسره إليك من غير بينونة.
٢١٧ - ٥٥٩ - وروى مالك بن الحويرث: عن رسول الله ﷺ رفع اليدين إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وقال: حتى يحاذي بهما أذنيه.
وفي رواية: " إلى فروع أذنيه ".
" وروى مالك بن الحويرث عن رسول الله ﷺ: رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع " الحديث.
[ ١ / ٢٧٧ ]
صدر الحديث يدل على أن رفع اليد مشروع للركوع والاعتدال، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في إحدى الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يرفع إلا في تكبيرة الافتتاح.
وآخره تمسك به الحنيفية في كيفية الرفع.
روي: أن الشافعي لما قدم العراق اجتمع عليه العلماء، فسئل عن أحاديث الرفع، فقال: أرى أن يرفع بحيث تحاذي أطراف أصابعه أذنيه وإبهامه شحمة أذنيه وكفاه منكبيه، فاستحسن منه ذلك.
و(فروع الأذن): أعاليه، وفرع كل شيء: أعلاه.
و" مالك بن الحويرث ": ليثي من ليث بن بكر بن عبد مناة، يكنى: أبا سليمان، سكن بالبصرة، ومات بها سنة أربع وسبعين.
٢١٨ - ٥٦٠ - وعن مالك بن الحويرث: أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا.
" وعنه: أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا ".
هذا دليل على استحباب جلسة الاستراحة، والمراد بالوتر: الركعة الأولى والثانية من الرباعيات.
[ ١ / ٢٧٨ ]
من الحسان:
٢١٩ - ٥٦٥ - قال أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر، ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصبي رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: " سمع الله لمن حمده "، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا، ثم يقول: " الله أكبر "، ثم يهوي إلى الأرض ساجدا، فيجافي يديه عن جنبيه، ويفتح أصابع رجليه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا، ثم يسجد، ثم يقول " الله أكبر " ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم على موضعه، ثم ينهض، ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى، وقعد متوركا على شقه الأيسر، ثم سلم، قالوا: صدقت هكذا كان يصلي، صحيح.
وفي رواية من حديث أبي حميد: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه، وقال: ثم
[ ١ / ٢٧٩ ]
سجد فأمكن أنفه وجبهته الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه، وفرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه، يعني: السبابة.
وفي رواية: وإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة.
(من الحسان):
" قال أبو حميد الساعدي ﵁ في عشرة من أصحاب النبي ﷺ: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فاعرض "الحديث.
أكثر علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم على: أن رفع اليد في المواضع الأربعة مسنون، ولم يذكر الشافعي رفع اليدين عند القيام من السجود إلى الركعة الأخرى، لأنه بنى قوله على حديث ابن شهاب عن سالم، وهو لم يتعرض له، لكن مذهبه اتباع السنة، فإذا ثبت لزم القول به.
وقوله: " فلا يصبي رأسه " أي: لا يخفضه، من: (صبا): إذا مال و" لا يقنع " أي: لا يرفع، يقال: (أقنع رأسه): إذا رفعه وأقبل بطرفه على ما بين يديه، و(أقنع يديه): إذا رفعهما مستقبلا ببطونهما
[ ١ / ٢٨٠ ]
وجهه، و"يفتخ أصابع رجليه " أي: ينصبها ويغمز مفاصلها إلى باطن الرجل، وقيل: يوسعها ويلينها، والفتخ: هو اللين في المفاصل، ومنه قيل للعقاب: فتخاء، لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها وغمزتهما.
" ووتر يديه " أي: جعلهما كوتر القوس.
١٠ - باب