على علمه بهذه القضايا، فإن الفعل المتقن يدل على علم فاعله، وأن الصلاة تعبد ليس للإمام فيها مزيد تصرف، فاقتصارها غالبا لا يخلو عن ترك أو استعجال، ولا كذلك الخطبة، فإنها منوطة ببلاغة الخطيب، فكم من قائل طول ولم يعرب عما هو المقصود! وكم من بليغ يجمع في كلمات معدودة معاني جمة، فيستغني بها عن الإطالة! فإذا أطال الصلاة وخفف الخطبة مع الإتمام والتكميل دل ذلك على علمه بأحوال الصلاة، وحسن تعهده لها، وكمال فصاحته، وإليه أشار بقوله بعده ك " وإن من البيان سحرا "، وسنذكر معناه في (باب البيان والشعر).
٤٦ - باب
صلاة العيد
من الصحاح:
٣١٨ - ١٠٠٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف.
[ ١ / ٣٩٣ ]
(باب صلاة العيدين)
(من الصحاح):
" في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: وإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه ".
أي: لو أراد في الخطبة أن يرسل جيشا إلى موضع لأرسله، ولم تمنعه الخطبة عن ذلك.
هذا دليل على أن الكلام في أثناء الخطبة على الخطيب غير محرم، و(البعث): الجيش الذي يبعث إلى موضع، من: بعثته إلى كذا إذا أرسلته، مصدر بمعنى مفعول، و(قطع): ميزه وأخرجه من القبائل، وكان يعين السرايا ويقطعهم بالعيد، لاجتماع الناس هنالك.
٣١٩ - ١٠٠٦ - وعن عائشة ﵂: أن أبا بكر ﵁ دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدفقان وتضربان - وفي رواية: تغنيان - بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، والنبي ﷺ متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: " دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد، وفي رواية: " يا أبا بكر! إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا ".
" وقالت عائشة ﵂: إن أبا بكر دخل عليها، وعندها
[ ١ / ٣٩٤ ]
جاريتان في أيام منى " الحديث.
المدخول عليها: عائشة، والراوي حكى قولها بعبارة نفسه.
و" أيام منى ": أيام التشريق، " تدفقان " أي: تضربان الدف، و" تضربان ": تدفقان، من: ضرب الأرض إذا وطئها، و" ما تقاولت الأنصار": ما يخاطب به الأنصار بعضهم بعضا في الحرب من مفاخر الحزبين: الأوس والخزرج، والتفاؤل: التفاوض.
و" بعاث " بالعين المهملة: اسم حصن كان للأوس، ويوم بعاث: يوم جرى الحرب فيه عند هذا الحصن بين القبيلتين، وبقيت تلك المحاربة والتطارد بينهم مئة وعشرين سنة، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فألف الله بينهم بيمن مقدمه، ونزل فيهم قوله تعالى: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ [الأنفال: ٦٣] والتغشي: التغطي بالثوب، ونهر وانتهر بمعنى: زجر.
وقوله: " فإنها أيام عيد " تعليل الجواز، وأيام التشريق تسمى: أيام العيد، لإشراكها له في أنها أيام أكل وشرب.
***
[ ١ / ٣٩٥ ]