من الصحاح:
١٠٤ - ١٩١ - عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:" الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء،والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها "، وفي رواية أخرى:" ولا إله إلا الله والله أكبر يملآن ما بين السماء والأرض ".
(كتاب الطهارة)
(من الصحاح):
" عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: الطهور شطر الإيمان "، الحديث.
قد جاء فعول في كلام العرب لمعان مختلفة:
منها: المصدر، وهو قليل، كالقبول والولوع والوزوع.
[ ١ / ١٦٥ ]
ومنها: الفاعل، كالعفو والصفوح والشكور، وفيه مبالغة ليست في الفاعل.
ومنها: المفعول، كالركوب والضبوث والحلوب.
ومنها: ما يفعل به، مثل الوضوء والغسول والفطور.
ومنها: الاسمية، كالذنوب، وقد حمل الشافعي ﵁ قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان:٤٨] على المعنى الرابع، لقوله تعالى ﴿ليطهركم به﴾ [الأنفال:١١]،ولقوله ﵇:" وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا ".
وهو هاهنا بمعنى المصدر، والمراد به: المشترك بين طهارتي الحدث والخبث.
وبـ (الإيمان): الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]،أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
وإنما جعل الطهارة شطر الصلاة – وشطر الشيء نصفه – لأن صحة الصلاة والاعتداد بها باجتماع أمرين: الأركان والشرائط، وأظهر الشروط وأقواها: الطهارة، فجعل الطهارة كأنها الشرط كله، والشرط شطر ما لا بد منه حتى ينعقد صحيحا.
وقال بعض المحققين: الطهور: تزكية النفس عن العقائد الزائغة والأخلاق الذميمة، وهي شطر الإيمان الكامل، فإنه عبارة عن مجموع
[ ١ / ١٦٦ ]
أحدهما: تزكية النفس عن ذلك.
وثانيهما: التحلية بالاعتقادات الحقة والشمائل المحمودة.
" وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض "، أي: يملأ ما يترتب عليهما من الثواب – بفرض الجسمية – ما بين السماوات والأرض.
واشتقاق (النور): من نار ينور: إذا نفر لما فيه من الحركة والاضطراب، و(البرهان): الدليل الواضح، و(الضياء): النور القوي، والإضاءة: فرط الإنارة، قال الله تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس:٥]، فـ"الصلاة نور " يهتدي بها في ظلمات الهوى، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، أو: نور يسعى بين يدي صاحبها يوم القيامة،"والصدقة برهان "،أي: دليل واضح على صدق صاحبها في دعوى الإيمان، أو على أنه على الهدى والفلاح، و"الصبر ضياء" تنكشف به الكرات، وتنقلع به الظلمات، إذ الصبر: ثبات النفس على المكاره وحبسها عن الشهوات، فمن صبر على ما أصابه من مكروه – علما بأنه من قضاء الله وقدره – هان عليه ذلك، وكفى عنه شره، وادخر له أجره، ومن اضطرب فيه وأكثر الجزع له، لم ينفع تعبه، ولم يدفع سعيه شيئا من قدر الله، بل يتضاعف به همه، ويتحبط به أجره، وكذا من صبر على مشاق التكاليف والكف عن الملاهي والمحرمات فاز في الدارين
[ ١ / ١٦٧ ]
فوزا عظيما، ومن استأثر الاستراحة واتبع الهوى، فقد خسر خسرانا مبينا.
و" القرآن حجة " لمن عمل به، يدل على فوزه ونجاته، وحجة على من أعرض عنه، يدل [علي] سوء مآبه.
و(الغدو): ضد الرواح، مأخوذ من: الغدوة، وهو ما بين الصبح والطلوع.
و(البيع): المبادلة، والمعنى به هاهنا: صرف النفس واستعماله في عرض ما يتوخاه ويتوجه نحوه، فإن كان خيرا يرضى به الله تعالى، فقد أعتق نفسه عن عذابه، وإن كان شرا فقد أوبقها، أي: أهلكها، بأن جعلها بسببه عرضة لأليم عقابه.
١٠٥ – ١٩٢ – وقال:" ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط،رواه أبو هريرة ﵁.
" عن أبي هريرة ﵁: أنه – ﵊ – قال: ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره " الحديث.
[ ١ / ١٦٨ ]
"إسباغ الوضوء على المكاره ": إتمامه وتكميله حال ما يكره استعمال الماء، كالتوضؤ بالماء البارد في الشتاء.
و" الرباط ": المرابطة، وهي ملازمة ثغر العدو، مأخوذ من (الربط) وهو الشد، والمعنى: أن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقية، لأنها تسد طرق الشيطان على النفس، وتقهر فيها الهوى، وترعبها في التقى، وتمنعها عن قبول الوساوس واتباع الشهوات، فيغلب بها حزب الله جنود الشيطان، وذلك هو الجهاد الأكبر، إذ الحكمة في شرع الجهاد تكميل الناقصين ومنعهم عن الإفساد والإغواء.
١٠٦ – ١٩٥ – وقال:" ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله "، رواه عثمان ﵁.
" وعن عثمان ﵁: أنه – ﵇ – قال: ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة " الحديث.
" الصلاة المكتوبة ": المفروضة، من: كتب كتابا، إذا فرض وهو مجاز من (الكتبة)، فإن الحاكم إذا كتب شيئا على أحد كان ذلك حكما وإلزاما.
[ ١ / ١٦٩ ]
و(إحسان الوضوء): الإتيان بفرائضه وسننه.
و(خشوع الصلاة):الإخبات فيها بانكسار الجوارح، و(إحسانها): أن يأتي بكل ركن على وجه أكثر تواضعا وخضوعا، وتخصيص الركوع بالذكر تنبيه على إنافته على غيره، وتحريض عليه، فإنه من خصائص صلاة المسلمين.
و" ما لم يأت كبيرة " أي: لم يعمل، وفي "كتاب مسلم ": "ما لم يؤت " – بكسر التاء – من (الإيتاء) على بناء الفاعل، والأكثر: " ما لم تؤت " على بناء المفعول، وكأن الفاعل يعطي العمل، أو يعطيه الداعي له والمحرض عليه، أو الممكن له منه.
" وذلك الدهر كله ": إشارة إلى التكفير،أي: لو كان يأتي بالصغائر كل يوم، ويؤدي الفرائض كملا يكفر كل فرض ما قبله من الذنوب، كما قال ﵊:" الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر ". أو إلى ما قبلها،أي: المكتوبة تكفر ما قبلها، ولو كان ذنوب العمر كله.
من الحسان:
١٠٧ – ٢٠٠ – قال رسول الله ﷺ:" استقيموا ولن تحصوا
[ ١ / ١٧٠ ]
واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "، رواه ثوبان ﵁.
" عن ابن عمرو ﵄: أنه - ﵊ - قال: استقيموا ولن تحصوا "الحديث.
المراد بـ (الاستقامة): اتباع الحق والقيام بالعدل وملازمة المنهج المستقيم، وذلك خطب عظيم لا يتصدى لإحصائه إلا من استضاء قلبه بالأنوار القدسية، وتخلص عن الظلمات الإنسية، وأيده الله من عنده، وأسلم شيطانه بيده وقليل ما هم، فأخبرهم بعد الأمر بذلك: أنكم لا تقدرون على إيفاء حقه والبلوغ إلى غايته، كيلا تغفلوا عنه، ولا تتكلوا على ما تأتون به، ولا تيأسوا من رحمة الله، فيما تذرون عجزا وقصورا، لا تقصيرا.
وقيل: و(لن تحصوا) معناه: ولن تحصوا ثوابه، و(الإحصاء) في الأصل، وهو العد،من (الحصى) بمعنى العدد، والله أعلم.
***
[ ١ / ١٧١ ]
٢ - باب