وحكم المسبوق
من الصحاح:
٢٧٨ - ٨١٦ - وقال " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد سجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ".
قال الشيخ الإمام ﵀: وقوله " فصلوا جلوسا " منسوخ بما روي.
(باب ما على المأموم من المتابعة)
(من الصحاح):
" قال النبي ﷺ إنما جعل الإمام ليؤتم به " الحديث.
قال الشارح ﵀: هذا حديث صحيح، أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، والائتمام: الاقتداء والاتباع، أي: جعل الإمام ليقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع ألا يسابق متبوعه ولا يساويه، بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو ما فعله.
وقوله: " وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك
[ ١ / ٣٤٦ ]
الحمد " يوهم أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وهو مذهب مالك وأحمد.
وأجيب عنه: بأنه لما كان الإمام يقوله ينبغي أن يقوله المأموم تحقيقا للائتمام المأمور به في صدر الحديث، والمقصود من قوله هذا: قول تعليم الدعاء، لا المنع عن غيره، وفيه نظر، لأن الفاء تقتضي معاقبة قوله هذا قول الإمام، وذلك بنفي التلفظ بغيره فيما بينهما، وقد انتفى المساوقة في التسميع، لقوله: " ليؤتم به ".
وقوله: " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا "أي: إذا جلس للتشهد فاجلسوا، والمتشهد مصل وهو جالس، وقيل: معناه أن الإمام لو جلس في حال القيام لعذره وافقه المأمومون فيه، وإن لم يكن بهم بأس، ثم اختلفوا فيه، فقيل: إنه محكم ثابت حكمه، وهو قول أحمد وإسحاق، وقيل: إنه منسوخ بحديث عائشة، وهو أنه: صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا، والناس خلفه قياما، وهو مذهب سفيان الثوري وابن المبارك وأبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا يجوز لأحد أن يؤم الناس قاعدا، وكلا الحديثين حجة عليه، ودليله ما روي أنه - ﵇ - قال: " لا يؤم أحد بعدي جالسا، وهو مرسل ومحمول على التنزيه، توفيقا بينه وبينهما.
٢٧٩ - ٨١٧ - عن عائشة ﵂ قالت: لما ثقل
[ ١ / ٣٤٧ ]
رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: " مروا أبا بكر أن يصلي بالناس "، فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن النبي ﷺ وجد في نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن لا يتأخر، فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر ﵁، فكأن أبو بكر يصلي قائما، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر، وفي رواية: وأبو بكر يسمع الناس التكبير.
" وفي حديث عائشة: تهادى بين الرجلين ".
أي: مشى بينهما معتمدا عليهما مائلا يمينا وشمالا، و(التهادي): مشي النساء والإبل الثقال في تمايل يمينا وشمالا، تفاعل، من: الهدي، وهو السكون.
والرجلان: العباس بن عبد المطلب وأسامة بن زيد، وقيل: علي بن أبي طالب وأسامة، وروي: (يهادى) على ما لم يسم فاعله، كأنه لما اعتمد عليهما فهما حملاه.
" رجلاه تخطان في الأرض " أي: تمدان فيها من الضعف.
" فلما سمع أبو بكر حسه " أي: حركته، وفي الحديث: أنه كان في مسجد الخيف، فسمع حس حية، أي: حركتها، ولعله من باب تسمية المفعول بالمصدر
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقوله:" يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر " ليس معناه: أن النبي ﷺ كان إمام أبي بكر وأبو بكر كان إمام القوم، فإنه غير جائز، إذ الاقتداء بالمأموم ممنوع، بل الإمام كان رسول الله ﷺ، وأبو بكر وإن كان إماما في بدء الصلاة لكنه لما دخل النبي ﷺ، وشرع في الصلاة صار هو والقوم يقتدون به، وكان أبو بكر يترجم، ويسمع الناس التكبير، كما صرح به في الرواية الأخرى، فأبو بكر يتبع تكبيرات النبي ﷺ، والقوم يتبعون تكبيرات أبي بكر.
وفيه دليل على جواز إنشاء القدوة في تضاعيف الصلاة، فإن أبا بكر ما كان مقتديا، ثم صار مقتديا، وعلى أن للمأموم أن يقتدي بإمام، فيفارقه ويقتدي بآخر، وأن أبا بكر أفضل الناس بعده وأولاهم بخلافته، كما قالت الصحابة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا، ولا نرضاه لدنيانا؟.
٢٨ - باب