ومن تحل له
من الصحاح:
٣٩٤ - ١٢٩٧ - عن قبيصة بن مخارق قال: " تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: " أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها، ثم قال: " يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوب الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من
[ ١ / ٤٧٩ ]
عيش - فما سواهن من المسألة - يا قبيصة - سحت، يأكلها صاحبها سحتا ".
(باب من لا تحل له الصدقة ومن تحل له)
" عن قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها " الحديث.
(الحمالة) بفتح الحاء: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية وغرامة، والمراد بها في الحديث: أن يكون بين القوم تشاجر وتحارب في دم أو مال، فيسعى الرجل في إصلاح ذات بينهم، والتزم ما لا يبذل في تسكين تلك النائرة.
قوله: " اجتاحت ماله " أي: استأصلته وأهلكته الحاجة، " قواما من عيش " معناه: ما يقوم به عيشه، و(السداد) بكسر السين: ما يسد به الخلل، ومنه: سداد القارورة.
قوله: " ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة "، وليس من باب الشهادة، ولا يريد به التنصيص على أن الفاقة لا تثبت إلا بثلاثة شهود، إذ لم يسمع أن أحدا من الأمة قال به، ولم نجد لهذا العدد من الرجال مدخلا في شيء من الشهادات، بل لعله ذكره على وجه الاستحباب وطريقة الاحتياط، ليكون أدل على براءة السائل عن التهمة، وأدعى الناس إلى سد حاجته.
[ ١ / ٤٨٠ ]
و(الحجى): العقل، و(السحت): كل حرام يحيق آكله منه عار، ولذلك غلب في الرشا، سمي بذلك لأنه يكون فيه هلكة، من قولهم: أسحت الله الظالم وسحته، بمعنى: أهلكه واستأصله، قال الله تعالى: ﴿فيسحتكم بعذاب﴾ [طه: ٦١] أي: يهلككم.
٣٩٤ - ١٢٩٩ - وقال: " ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم ".
" وفي حديث ابن عمر: ما يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم ".
(المزعة) بضم الميم وكسرها: القطعة، من: مزعت اللحم: إذا قطعته، والمراد به: ما يلحقه في الآخرة من الهوان وذل السؤال.
٣٩٥ - ١٣٠٢ - وقال حكيم بن حزام: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: " يا حكيم!، إن هذه المال خضرة حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله!، والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا ".
" وفي حديث حكيم بن حزام: لا أرزأ بعدك أحدا شيئا "، أي:
[ ١ / ٤٨١ ]
لا أثقل أحدا بالسؤال والأخذ منه غيرك، والإرزاء: إصابة الضر، و(الرزء): المصيبة، أو: لا أسال أحدا أنقصه ماله، من الرزء، وهو النقصان، يقال: ما رزأته ماله، أي: ما نقصته، ومنه: رزأت الرجل أرزؤه رزءا: إذا أصبت منه خيرا.
٣٩٦ - ١٣٠٨ - وقال: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، أو خدوش، أو كدوح "، قيل: يا رسول الله! وما يغنيه؟، قال: " خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب ".
٣٩٦ - م - ١٣٠٩ - وقال: " من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار "، قالوا يا رسول الله، وما يغنيه؟، قال: " قدر ما يغديه، أو يعشيه ".
وفي رواية: " شبع ليلة ويوم ".
وقال: " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافا ".
" وعن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: من سأل الناس وله ما يغنيه " الحديث.
(الخدش): قشر الجلد بعود ونحوه، و(الخمش): قشر بالأظفار، و(الكدح): العض، وهي في أصلها مصادر، لكنها لما جعلت أسماء للآثار جوز جمعها، ولما كان السؤال على ثلاثة أصناف: مقل ومفرط،
[ ١ / ٤٨٢ ]
ومتوسط ذكر هذه الآثار الثلاثة المتفاوتة بالشدة والضعف وردد بينها.
وقوله: " خمسون درهما " في جواب: " ما يغنيه " بظاهره يدل على أن من ملك خمسين درهما أو عدلها، أي: مثلها من جنس آخر فهو غني لا يحل له السؤال وأخذ الصدقة، وبه قال ابن المبارك وأحمد وإسحاق.
والظاهر: أن من وجد قدر ما يغذيه ويعيشه على دائم الأوقات، وفي أغلب الأحوال فهو غني كما ذكر في الحديث الذي بعده، سواء حصل له ذلك بكسب يد أو تجارة، لكن لما كان الغالب عليهم التصرف والتجارة، وكان يكفي هذا القدر أن يكون رأس مال يحصل بالتصرف فيه ما يسد الحاجة في غالب الأمر = قدره تخمينا في هذا الحديث، وقدر في الحديث الثالث ما يقرب منه، وقال: " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها "، والأوقية يومئذ: أربعون درهما، وعلى هذا لا تنافي بينها ولا نسخ.
وقيل: حديث " ما يعيشه " منسوخ بحديث الأوقية، وهو بهذا الحديث، ثم هو منسوخ بما روي مرسلا أنه قال: " ومن سأل الناس، وله عدل خمس أواق، فقد سأل إلحافا "، وعليه أصحاب الرأي.
***
[ ١ / ٤٨٣ ]
(٧)
كتاب الصوم
[ ١ / ٤٨٥ ]
(٧)