أَيْ فِي بَيَانِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ مَبْسُوطًا أَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ الْكَرَاهِيَةِ جَاءَ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ وَالسَّلَفُ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَعْنَاهُ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اِصْطَلَحُوا عَلَى تَخْصِيصِ لَفْظِ الْكَرَاهِيَةِ بِمَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَتَرْكهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ
ثُمَّ حَمَلَ مَنْ حَمَلَ مِنْهُمْ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْاصْطلَاحِ الْحَادِثِ فَغَلِطَ فِي ذَلِكَ
[١٨] قَوْلُهُ (نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بِمُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وياء ومثلثة بن طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ أَبُو عُمَرَ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي ثِقَةٌ فَقِيهٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ قَلِيلًا فِي الْآخِرِ مِنْ الثَّامِنَةِ أَيْ مِنْ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ سَاءَ حِفْظُهُ فِي الْآخِرِ فَمَنْ سَمِعَ مِنْ كِتَابِهِ أَصَحُّ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ حِفْظِهِ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ (عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الْقُشَيْرِيِّ مَوْلَاهُمْ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ إِلَّا أَنَّهُ يَهِمُ بِأَخَرَةٍ رَوَى عَنْ بن الْمُسِيِّبِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيِّ وَخَلْقٍ وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَرِينُهُ وَقَتَادَةُ كَذَلِكَ وَشُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَخَلْقٌ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَالْعِجْلِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مَاتَ سَنَةَ ٩٣١ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ
كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ (عَنْ الشَّعْبِيِّ) هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ بِفَتْحِ الشِّينِ أَبُو عَمْرٍو ثِقَةٌ مَشْهُورٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ مِنْ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ التَّابِعِينَ قَالَ مَكْحُولٌ مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ وكذلك قال أبو مجاز قَالَ الشَّعْبِيُّ أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ بن عيينة كانت الناس تقول بن عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ وَالشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ (عن علقمة) بن قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ الْكُوفِيِّ
ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ عَنْ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبن مَسْعُودٍ وَطَائِفَةٍ وَعَنْهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَخَلْقٌ قال بن الْمَدِينِيِّ أَعْلَمُ النَّاسِ بِابْنِ مَسْعُودٍ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ قال بن سَعْدٍ مَاتَ سَنَةَ ٦٢ اِثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ
قَوْلُهُ (لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ) جَمْعُ عَظْمٍ وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الرَّوْثِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ (فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ) قال الطيبي الضمير في فإنه راجح إِلَى الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ كَمَا وَرَدَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَفِي بَعْضِهَا وَجَامِعِ
[ ١ / ٧٤ ]
التِّرْمِذِيِّ فَإِنَّهَا فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْعِظَامِ وَالرَّوْثُ تَابِعٌ لَهَا وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وقال بن حَجَرٍ وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الرَّوْثِ لِأَنَّ كَوْنَهُ زَادًا لَهُمْ إِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لِدَوَابِّهِمْ انْتَهَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ لَيْلَةِ الْجِنِّ وَسَأَلُوهُ عَنْ الزَّادِ فَقَالَ لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ لِدَوَابِّكُمْ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ الْجِنِّ وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالرَّوْثِ وَالْعَظْمِ وَالْعِلَّةُ أَنَّهُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ الْعِظَامُ لَهُمْ وَالرَّوْثُ لِدَوَابِّهِمْ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ وَقَالَ إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ عَلَّلَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِأَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ وَعُلِّلَتْ الرَّوْثَةُ بِأَنَّهَا رِكْسٌ وَالتَّعْلِيلُ بِعَدَمِ التَّطْهِيرِ فِيهَا عَائِدٌ إِلَى كَوْنِهَا رِكْسًا وَأَمَّا عَدَمُ تَطْهِيرِ الْعَظْمِ فَإِنَّهُ لَزِجٌ لَا يَتَمَاسَكُ فَلَا يُنَشِّفُ النجاسة ولا يقطع البلة قال ولاتنافي بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فَقَدْ يُعَلَّلُ الْأَمْرُ الْوَاحِدُ بِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هريرة وسلمان وعلي وبن عُمَرَ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَفِي بَابِ ذِكْرِ الْجِنِّ وَأَمَّا حَدِيثُ سَلْمَانَ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ بِلَفْظِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن يتمسح بعظم أو بعر وحديث بن مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ
قَوْلُهُ (وَقَدْ رَوَى هذا الحديث إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بْنُ مِقْسَمٍ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمْ أبو بشر البصري المعروف بن عُلَيَّةَ ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنْ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ وَخَلْقٍ وَعَنْهُ أحمد وبن رَاهْوَيْهِ وَعَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ قَالَ شعبة بن عُلَيَّةَ رَيْحَانَةُ الْفُقَهَاءِ قَالَ أَحْمَدُ إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى في التثبت وقال بن مَعِينٍ كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا وَرِعًا تَقِيًّا (الْحَدِيثَ بِطُولِهِ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَتَمَّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْقَافِ وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ
[ ١ / ٧٥ ]
وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ هَلْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَالَ مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ وَلَكِنْ اِفْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ اُغْتِيلَ اُسْتُطِيرَ مَا فُعِلَ بِهِ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا أَوْ كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ قَالَ فَذَكَرُوا الَّذِي كَانُوا فِيهِ قَالَ فَقَالَ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ قَالَ فَانْطَلَقَ فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ قَالَ الشَّعْبِيُّ سَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ الْجَزِيرَةِ فَقَالَ كُلُّ عَظْمٍ يُذْكَرُ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أو فرما كان لحما وكل بعرة أوروثة علف لدوابهم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَكَأَنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) والفرق بين روايتيهما أَنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ مَقْطُوعَةٌ وَرِوَايَةَ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ مُسْنَدَةٌ وَوَجْهُ كَوْنِ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ أَصَحَّ أَنَّ حَفْصًا خَالَفَ أَصْحَابَ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ فَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُسْنَدَةً وَهُمْ رَوَوْهَا مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مسلم قال الدارقطني انتهى حديث بن مَسْعُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّعْبِيِّ كَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ دَاوُدَ الرَّاوِي عَنِ الشعبي وبن علية وبن زريع وبن أبي زائدة وبن إِدْرِيسَ وَغَيْرِهِمْ هَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ مرويا عن بن مَسْعُودٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَإِلَّا فَالشَّعْبِيُّ لَا يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن جابر وبن عُمَرَ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا وَهُوَ تكرار