أَقُولُ: تحويل المال من بلد إلى آخر على صورتين:
الصورة الأولى: أن يعطي جهة التحويل عملة سعودية مثلًا على أن يستلمها المحول له في البلد الآخر عملة يمنية، وهذه مصارفة ربوية لعدم التقابض فيها، ويشترط في المصارفة التقابض في المجلس.
لكن إن دفع لجهة التحويل عملة سعودية مثلًا على أن يستلمها المحول له في البلد الآخر عملة يمنية وأعطته جهة التحويل وثيقة بالعملة اليمنية، فهل يعد قبض هذه الوثيقة كقبض العملة اليمنية فيتم التقابض بذلك. هذا مما تنازع فيه أهل العلم.
[ ٨ / ٣٩٦ ]
فمن أهل العلم من أجاز ذلك، وجعل قبض السند كقبض المال، ومن أهل العلم من منع من ذلك، لأنَّ قبض السند لا يعد قبضًا للمال، ويدل على ذلك أنَّ الحق لا يضيع بضياع السند أو تلفه.
وممن أجاز ذلك اللجنة الدائمة.
فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩): «س ١: ما حكم المال المحول من عملة لعملة أخرى، مثلًا أقبض راتبي بالريال السعودي، وأحوله للريال السوداني، علمًا بأنَّ الريال السعودي يساوي ثلاثة ريالات سودانية، هل هذا ربا؟
ج ١: يجوز تحويل الورق النقدي لدولة إلى ورق نقدي لدولة أخرى، ولو تفاوت العوضان في القدر؛ لاختلاف الجنس، كما في المثال المذكور في السؤال، لكن بشرط التقابض في المجلس، وقبض الشيك أو ورقة الحوالة حكمه حكم القبض في المجلس.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
[ ٨ / ٣٩٧ ]
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤): «س: عندي مبلغ من المال بالريال السعودي في البنك، وأريد تحويله إلى دولارات أو أي عملة أجنبية، والبنك لا يحوله إلى حسابي بنفس العملة المطلوبة نقدًا، أو يفتح له حسابًا خاصًا، إنَّما يعطيني مقابل هذا المبلغ شيكًا على حسابه بقيمة العملة المطلوبة، قابلًا لبيعه عليه أو على غيره من البنوك بنفس سعره اليوم في السوق، فهل هذا جائز؟ إذا أراد المسافر إلى أي بلد خارجي هل يجوز له أخذ شيكات من حسابه بالريال محولًا إلى عملة بالبلد المسافر إليه؟
ج: أولًا: إذا أردت شراء عملة أجنبية بالنقد المحلي فلا مانع بشرط التقابض في المجلس، ويقوم استلام الشيك مقام قبض النقود التي تضمنها الشيك المصدق.
ثانيًا: يجوز للمسافر استبدال النقد المحلي بعملة أجنبية بالشرط السابق، أي: يدًا بيد.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: ومنع من ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقد جاء في "فتاوى نور على الدرب": «المرسل م. م. ي من الرياض يسأل عن التحويل بواسطة النقود يقول ما حكم تحويل الدراهم عن طريق البنك بمعنى أن أدفع ريالًا سعوديًا هنا في
[ ٨ / ٣٩٨ ]
السعودية، ويعطي لي درهمًا مغربيًا هناك بموجب الشيك يسلم إليَّ وأبعثه إلى المغرب عن طريق البريد وبعد ذلك يستلم به المبلغ المبعوث هناك والمتفق عليه؟.
فأجاب رحمه الله تعالى: فهمنا من هذا السؤال أنَّه يريد صرف نقد بنقد بدون قبض بمعنى أنَّه يصرف دراهم سعودية إلى دراهم مغربية بدون أن يقبض العوض هذا وجه، وجه آخر أنَّه يقبض الشيك الذي حول إلى دراهم مغربية وقد سلم دراهم سعودية، أمَّا الأول فإنَّه ربا لأننا نرى أنَّ التعامل في هذه الأوراق النقدية يجري فيه ربا النسيئة بمعنى أنَّه لا يصرف بعضها إلى بعض إلَّا يدًا بيد؛ لأنَّها نقود اختلف نوعها فتكون بمنزلة الذهب والفضة، والذهب والفضة إذا بيع أحدهما بالآخر فلا بد أن يكون يدًا بيد، وأمَّا تحويله إلى شيك فهو أيضًا مثل الأول لأنَّ الشيك يعتبر ورقة تحويل وليس قبضًا للعوض وبهذا لو فرض أنَّه لم يجد رصيدًا للجهة التي حول إليها بهذا الشيك يرجع به على الأول ولا يعتبر مستلمًا لما حول به، ما دام أنَّ الشيك بيده حتى يقبض عوضه، فلا فرق بين أن يسلم شيكًا به أو يكتب معه كتاب ويبلغ به الجهة الأخرى هذا هو رأينا في هذه المسألة، هذه الأوراق النقدية اختلف فيها الناس اختلافًا كثيرًا على نحو ستة أقوال لأهل العلم لكن الذي يترجح لي هو ما أشرت إليه أنَّه يجري فيه ربا النسيئة دون ربا الفضل فنقول الآن الطريق السليم إلى هذا أن تشتري من هنا دراهم مغربية وتعطيها للبنك يحولها لك إلى المغرب مثلًا أو تشتري دولارًا أمريكيًا من
[ ٨ / ٣٩٩ ]
هنا وتعطيه البنك يحوله لك في أمريكا وهكذا، وأمَّا أن تعطيهم عملة سعودية ثم تقبض عوضها عملة أخرى في البلد الذي حولت عليه فلا يجوز هذا» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة ما قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀.
ومما يدل على أنَّ استلام الشيك أو السند، أو الصك لا يعتبر قبضًا لما كتب فيه ما رواه مسلم (١٥٢٨) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى»، قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، «فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا»، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
قُلْتُ: فأبو هريرة نهى عن بيع الصكوك، ولو كانت تقوم مقام القبض لما نهى عن ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٩ - ٣٠): «و"الصكوك": جمع صَك. وهي: التواقيع السُّلطانية بالأرزاق. وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنَّما هو بيع من اشتراه من رزقه، لا بيع من رزقه؛ لأنَّ الذي رزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة. ودليل ذلك ما ذكره مالك في "الموطأ"،
[ ٨ / ٤٠٠ ]
قال: إنَّ صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكر الحديث في "الموطأ" أيضًا: أنَّ حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام حتى يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه.
إن قيل: فما في "الموطأ" يدل على فسخ البيعين: بيع المعطى له، وبيع المشترى منه؛ إذ فيه: أنَّ مروان بعث الحرس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يفرق. فالجواب ما قد بينه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعها. وكذلك فعل عمر بحكيم، فإنَّه ردَّ الطعام عليه؛ لأنَّه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه. والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه» اهـ.
قُلْتُ: ووجه الربا فيه ما رواه البخاري (٢١٣٢) عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، «نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: «ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ».
ورواه مسلم (١٥٢٥) عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ»، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: «أَلَا تُرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَسْطَلَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِيِّ] (٤/ ٥٦): «ومعنى الحديث أن يشتري من إنسان طعامًا بدينار إلى أجل ثم يبيعه منه أو من غيره قبل
[ ٨ / ٤٠١ ]
أن يقبضه بدينارين مثلًا فلا يجوز لأنَّه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام غائب فكأنَّه قد باعه ديناره الذي اشترى به الطعام بدينارين فهو ربًا» اهـ.
الصورة الأخرى: وهي أنَّ يحول شخص مالًا من بلده إلى بلد آخر بنفس العملة فيقوم وكيله بالبلد الآخر بأخذ عملة أخرى بسعر اليوم.
وهذه الصورة مما لا إشكال في جوازها، وهي داخلة في قبض الدين بعملة أخرى بسعر يوم القضاء، وذلك أنَّ الحوالات داخلة عندهم أهل العلم في "السفتجة" والسفتجة داخلة في مسائل القرض، وحقيقة هذه المعاملة أنَّ صاحب المصرف مقترض من المحول، ومسدد لقرضه في البلد الآخر، ووكيل المحول في البلد الآخر مستلم للقرض، ومستلم القرض يجوز أن يستلمه بجنسه أو بجنس آخر بمثل سعره في يوم السداد. وتكون حينئذ من المصارفة بين ذمة وعين وهو مشروع في قول أكثر العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٧٥): «فصل: ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الأخر، ويكون صرفًا بعين وذمة، في قول أكثر أهل العلم» اهـ.
فإن قيل: لما لا تكون هذه المعاملة من باب البيع فيكون المحول قد اشترى بما معه من المال مالًا أخر في بلد آخر.
فالجواب: أنَّها لو كانت بيعًا لكانت من المعاملات الربوية، وذلك أنَّه لا يجوز بيع الأثمان بعضها ببعض إلَّا يدًا بيد، ويستوي في ذلك تماثل الأثمان واختلافها.
[ ٨ / ٤٠٢ ]
وقد سئل العلامة ابن عثيمين ﵀ كما في "فتاوى نور على الدرب" فقال السائل:
«ما حكم تحويل ريالات سعودية من المملكة مثلًا إلى دولارات إلى خارج المملكة عن طريق الحوالات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة لها صورتان جائزتان:
الصورة الأولى: أن يصرف الدراهم السعودية في المملكة بدولارات ويأخذ الدولارات ثم يحول هذه الدولارات إلى بلده وهذا لا إشكال في جوازه لأنَّه صرف دراهم سعودية بدولارات مقبوضة.
والصورة الثانية: أن يحول الدراهم السعودية إلى البلد الثاني على أنَّها دراهم سعودية ثم هناك يتعاقد وكيله مع الجهة التي حولت إليها الدراهم السعودية على أن تبدل الدراهم السعودية بدولار بسعره في ذلك المكان فيصرف الدراهم السعودية إلى دولارات بسعرها في ذلك المكان وهذا أيضًا لا إشكال في جوازه.
الصورة الثالثة: فيها إشكال وهي أن يعطيه دراهم سعودية هنا ويقدر قيمتها من الدولار ويتم العقد بينهما ثم يحول الدولارات إلى البلد الثاني فهذه محل نظر لأنَّها مصارفة بدون قبض العوض، لكني أقول إن شاء الله تعالى وأسأل الله أن يعفو عني إن أخطأت أقول: إذا دعت الضرورة إلى هذا ولم يكن سبيل إلى إيصال
[ ٨ / ٤٠٣ ]
الدراهم لبلد الصارف إلَّا بهذه الطريقة فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس لما في ذلك من التيسير على المسلمين وعدم وجود دليل قطعي يمنع ذلك» اهـ.
قُلْتُ: من دفع لجهة التحويل نقدًا لتحويله إلى بلد آخر بنفس العملة فلا يتم في هذه المعاملة تحويل عين المال المدفوع، وإنَّما نظيره من نفس العملة.
وهذه الصورة هي المسمى عند أهل العلم بـ"السفتجة".
وقد تنازع فيها العلماء قديمًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٠٤ - ١٠٥): «وقد نص أحمد على أنَّ من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز، ومعناه: اشتراط القضاء في بلد آخر، وروي عنه جوازها؛ لكونها مصلحة لهما جميعًا.
وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذونها منه.
فسئل عن ذلك ابن عباس، فلم ير به بأسًا، وروي عن علي ﵁ أنَّه سئل عن مثل هذا، فلم ير به بأسًا.
وممن لم ير به بأسًا ابن سيرين، والنخعي. رواه كله سعيد.
وذكر القاضي أنَّ للوصي قرض مال اليتيم في بلد أخرى ليربح خطر الطريق.
والصحيح جوازه؛ لأنَّه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها.
[ ٨ / ٤٠٤ ]
ولأنَّ هذا ليس بمنصوص على تحريمه، ولا في معنى المنصوص، فوجب إبقاؤه على الإباحة» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن الزبير رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٩٤٧) قَالَ: وحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أنا حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَكْتُبُ بِهَا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ، فَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ أَخَذُوا أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِمْ، قَالَ: "لَا بَأْسَ إِذَا أَخَذُوا بِوَزْنِ دَرَاهِمِهِمْ".
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّمَا أَرَادَ وَاللهُ أَعْلَمُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ.
ورواه ابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (٢١٠٢٣) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا «لَا يَرَيَانِ بَأْسًا أَنْ يُؤْخَذَ الْمَالُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، وَيُعْطَى بِأَرْضِ الْعِرَاقِ أَوْ يُؤْخَذَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَيُعْطَى بِأَرْضِ الْحِجَازِ».
قُلْتْ: لَا يَصِحُ أَثَرُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَبَّاسٍ من أجل حجاج بن أرطأة.
لكن روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٠٢٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، كَانَ يُعْطِي التُّجَّارَ الْمَالَ هَهُنَا، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ بِأَرْضٍ أُخْرَى، فَذَكَرْتُ أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: «لَا بَأْسَ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
[ ٨ / ٤٠٥ ]
وأثر علي رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٠٢١، ٢١٠٢٢) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الْمَالَ بِالْمَدِينَةِ وَيَأْخُذَ بِإِفْرِيقِيَّةَ».
وَقَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، بِنَحْوِهِ.
قُلْتُ: وَلَا يَصِحُ هَذَا الْأَثَرُ لجهالة حفص وأبيه.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٠٢٤) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ، وَخَارِجَةَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ «كَانَ يَأْخُذُ الْمَالَ بِالْحِجَازِ وَيُعْطِيهِ بِالْعِرَاقِ، أَوْ بِالْعِرَاقِ وَيُعْطِيهِ بِالْحِجَازِ».
قُلْتُ: وَلَا يَصِحُ هَذَا الْأَثَرُ لما فيه من الضعف والجهالة والإبهام.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦): «والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة ويوجب المضرة المرجوحة كما قد عرف ذلك من أصول الشرع. وهذا كما أنَّ من أخذ "السفتجة" من المقرض وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه في بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر. والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه في بلد دراهم المقرض ويكتب له سفتجة - أي ورقة - إلى بلد دراهم المقترض فهذا يجوز في أصح قولي العلماء. وقيل: ينهى عنه لأنَّه قرض جر منفعة والقرض إذا جر منفعة كان ربا. والصحيح الجواز لأنَّ المقترض
[ ٨ / ٤٠٦ ]
رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض. والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه؛ وإنَّما ينهى عما يضرهم ويفسدهم وقد أغناهم الله عنه. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١١) - عند كلامه على السفتجة -:
«والصحيح أنَّها لا تكره لأنَّ المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعًا» اهـ.
قُلْتُ: وقد منعها الحنفية والشافعية والمالكية، ورواية عن أحمد. والصحيح جواز ذلك.
فإذا تبين أنَّ هذه الحوالة المصرفية من قبيل القرض، يبقى فيها إشكال وهو: أنَّ أصحاب الحوالة المصرفية يشترطون شيئًا من المال لأنفسهم، وحقيقة ذلك اشتراط المقترض أن يسدد للمقرض أقل مما اقترض، فإنَّ المحول إن حول مثلًا عشرة آلاف ريالًا سعوديًا، ودفع للمحول مائة ريالًا سعوديًا من أجل التحويل، فكأنَّه دفع له عشرة آلاف ومائة ريالًا على أن يقضي وكيله في اليمن عشرة آلاف ريالًا سعوديًا، فقد اشترط عليه المقترض أن يسدد لوكيله أقل مما اقترض.
وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء بين مجيز ومانع.
ومن أجاز ذلك نظر إلى أنَّ اشتراط النقصان من جهة المقترض، لا من جهة المقرض، والمحذور أن يشترط المقرض زيادة على قرضه، أمَّا التنازل عن بعض
[ ٨ / ٤٠٧ ]
حقه فهو خلاف الربا، وليس القرض من جملة المعاوضات حتى يشترط فيه التماثل من الجانبين، بل هو من عقود الإرفاق، والتبرعات، والصدقات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٠٩): «فصل: وإن شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه، وكان ذلك مما يجري فيه الربا، لم يجز؛ لإفضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه. وإن كان في غيره، لم يجز أيضًا.
وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وفي الوجه الآخر، يجوز؛ لأنَّ القرض جعل للرفق بالمستقرض، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه، بخلاف الزيادة.
ولنا، أنَّ القرض يقتضي المثل، فشرط النقصان يخالف مقتضاه. فلم يجز، كشرط الزيادة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١١١): «ولو أراد رجل أن يبعث إلى عياله نفقة، فأقرضها رجلًا، على أن يدفعها إلى عياله. فلا بأس، إذا لم يأخذ عليها شيئًا» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الكَّافِي] (٢/ ٧٠): «وإن شرط رد دون ما أخذ لم يجز لأنَّه ينافي مقتضاه وهو رد المثل فأشبه شرط الزيادة ويحتمل أنَّه لا يبطله لأنَّه نفع المقترض لا يمنع منه لأنَّ القرض إنَّما شرع رفقًا به فأشبه شرط الأجل بخلاف الزيادة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ١٠٢): «الثانية: شرط النقص كشرط الزيادة على الصحيح من المذهب جزم به في المغنى والشَّرْحُ والحاويين وغيرهم وقدمه في الفروع والرعايتين.
[ ٨ / ٤٠٨ ]
وقيل: يجوز. قال في الفروع ويتوجه أنَّه فيما لا ربا فيه» اهـ.
أَقُولُ: أضف إلى ذلك أنَّ حاجة الناس إلى التعامل مع هذه الجهات لتحويل أموالهم حاجة ماسة للغاية، فإنَّه يتعسر على الشخص أن يجد مسافرًا يرسل معه شيئًا من ماله كلما أراد أن يرسل إلى أهله شيئًا من المال، وقد يكون الأمر مستعجلًا لا يحتمل التأخير، وقد يكون المال كثيرًا لا يمكن إرساله مع المسافرين خشية قطاع الطرق، وغير ذلك من الأعذار.
ولا يمكن إلزام جهات التحويل أن تقوم بتحويل المال من غير أن تأخذ على ذلك شيئًا، فإنَّ جهات التحويل لا تقوم إلَّا بأموال كبيرة، فإنَّ فيها العمال الذين يتعاطون أجورهم، وفيها المكاتب المستأجرة المنتشرة في كثير من البلدان.
فإلزام هذه الجهات بعدم أخذ شيء من المال معناه إغلاق هذه الجهات، وفي ذلك ضرر عظيم على الناس، والشريعة لا تنهى عمَّا فيه مصلحة راجحة للناس. فالذي يظهر لي جواز مثل ذلك للمصلحة الراجحة. والله أعلم.
وَجَاء فِي [أَبْحَاثِ هَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ] (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٠): «ثم إنَّ بين المعاملات التي يقوم بها الأفراد والمعاملات التي تقوم بها المصارف فرقًا شاسعًا، فالمقترض في السفتجة القديمة لا يقوم بعمل للمقرض ولا يتحمل مئونة؛ لأنَّه إن كان مسافرًا فهو مسافر لحاجة نفسه، وغالبًا ما يتجر في بلده أو في طريقه أو في البلد
[ ٨ / ٤٠٩ ]
الذي يصل إليه، وقد أصبح المال الذي اقترضه ملكًا له، فأرباحه كلها تخصه، وما صنع شيئًا للمقرض سوى كتابته الصك، ثم توفية الدين له أو لصديقه مثلًا.
أمَّا المصرف الذي اعتبر مقترضًا في عملية التحويل فيختلف عن المقترض في السفتجة، فهو شخصية اعتبارية تجمع موظفين وعمالًا يتقاضون رواتب شهرية غير مرتبطة بالعمل قلة وكثرة، ويتخذ مقرًا مجهزًا بأثاث وأدوات وآلات كثيرة لاستقبال العملاء وقضاء حاجاتهم. ثم إنَّ العملية ليست كتابة ورقة فحسب وإنَّما هي إجراءات كثيرة، ذات كلفة مالية، فلو لم يأخذ عمولة لما استطاع تغطية النفقات الطائلة التي ينفقها، فاشتراط العمولة محقق للعدالة ومتفق مع أصل التشريع الإسلامي، وليس هناك نص أو إجماع على منع مثل ذلك» اهـ.
وَجَاءَ في [فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ] (١٣/ ٤٥٤): «س ٣: هل يجوز أخذ عمولة على صرف وتحويل العملات؟
ج ٣: يجوز.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَقَالْتْ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ كَمَا فِي [فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ] (١٣/ ٣٤٩): «أمَّا تحويل مبلغ عن طريق البنك بأجرة فيجوز.
[ ٨ / ٤١٠ ]
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (٢٩/ ٤٠٣ - ٤٠٤): «وأمَّا التحويل عن طريق البنوك: إن لم يأخذ البنك عليها عوضًا فلا إشكال في جوازه، وإن اتخذ على ذلك عوضًا فإن حصل تحويل عن طريق غير هذا الطريق فهو أولى، وإن لم يحصل سوى هذه الطريق فلا بأس بها للحاجة، وقد منع منها بعض العلماء لأنَّها إعطاء دراهم مع الفضل، وهذا ربا، لكن وجه الرخصة فيه أمران:
الأول: دعاء الحاجة إلى ذلك مع عدم كونها من الربا صريحًا.
الثاني: أنَّ العوض الذي يأخذه البنك على التحويل بمنزلة أجرة حملها إلى المكان الذي حولت إليه، وإذا لم يتحقق كونها من الربا وكانت الحاجة داعية إليها فلا وجه لمنعها» اهـ.
قُلْتُ: وقد منع من ذلك بعض العلماء.
[ ٨ / ٤١١ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٧/ ١٦٨):
«من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الأخ الشيخ قاسم بن علي بن قاسم الثاني سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: -
فقد وصل إلينا كتابك المتضمن الاستفتاء عن المسائل الآتية:
المسألة الأولى: عن حكم ما يأخذه البنك على عميله عندما يحول له دراهم من بلد إلى بلد. هل يجوز مثل هذا ويعتبر كالأجرة أو يمنع لما فيه من الزيادة خشية الوقوع في الربا.
والجواب: الحمد لله. اختلف كلام العلماء في مثل هذا، فمنهم من قال: هو حرام؛ لما فيه من الزيادة. ومنهم من قال: هو مكروه ومنهم من قال: بجوازه عند الحاجة؛ لأنَّه من جنس السفتجة؛ بشرط أن يكون ما يأخذه البنك بمقدار أجرته فأقل، ولم يكن هناك تحيل على الربا.
والذي أراه في مثل هذا منع الزيادة مطلقًا؛ سدًا للذريعة، وسد الذرائع أصل من أصول الشريعة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ حَمُودُ التُّوَيْجِرِيُّ ﵀ فِي [الإِيْضَاحِ وَالتَّبْيِينِ لِمَا وَقَعَ فِيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِيْنَ] (ص: ٢٠٨): «ومن شرط جواز السفتجة
[ ٨ / ٤١٢ ]
إلَّا يأخذ أحدهما من الآخر زيادة فإن أخذ أحدهما من الآخر زيادة كما يفعله أهل البنوك فالزيادة ربا» اهـ.