وصورتها المرادة هنا أن يشتري مثلًا رجل من تاجر بضاعة بمائتين ريالًا، ويدفع له المشتري خمس مائة ريالًا، ولا يكون عند البائع باقي المال، فيؤجل له الباقي إلى أجل معلوم.
فهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء، فمنهم من منعها لأنَّها عبارة عن بيع وصرف، ولا يجوز في الصرف التأجيل، ومنهم من أجازها باعتبار أنَّها عبارة بيع واستئمان في الباقي.
[ ٨ / ٣٩١ ]
وقد ذهب الشيخ ابن عثيمين في بعض فتاويه إلى تحريم ذلك، كما ذكره في حاشيته على "اقتضاء الصراط المستقيم" وغير ذلك.
وجاء في [لِقَاءِ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ] اللقاء (٧٢):
«فضيلة الشيخ! ذكرت في شريط: الأسلوب الأمثل في الدعوة: أنَّك إذا اشتريت مثلًا من صاحب بقالة بقيمة أربعين ريالًا فأعطيته خمسين وبقي لك عشرة ريال فقُلْتُ: إنَّه ربا نسيئة، ما هو الدليل على ذلك لأنَّ كثيرًا من الناس وقع في ذلك؟
فأجاب الشيخ ﵀: هذه الصفقة بارك الله فيك جمعت بين بيع وصرف، الخمسين ريالًا الآن صارت عوضًا لصرف وبضاعة فأمَّا البضاعة فمعروف أنَّه ليس بينها وبين الدراهم ربا، وأمَّا الصرف الذي هو باقي قيمة الخمسين فهو بيع نقد بنقد، فلا يجوز أن تفارقه حتى تأخذ منه ما بقي من الخمسين، وحل هذه المشكلة سهل بدلًا من أن يقول: هذه الخمسين ويبقى عندك لي عشرة ريالات يذهب إلى جاره ويصرف الخمسين ويعطيه أربعين» اهـ.
وله فتوى أخرى بجواز ذلك.
قال أحمد القاضي في [ثَمَرَاتِ التَّدْوِيْنِ مِنْ مَسَائِلِ ابْنِ عَثَيْمِيْن] (ص: ٩٦ - ٩٧): «مسألة (٣٩٩) (٨/ ١١/ ١٤١٧ هـ) سئل شيخنا ﵀: يشتري بعض الناس السلعة من المحل بعشرة مثلًا، فلا يكون معه إلَّا مائة ريال ورقة واحدة، فيعطيه البائع ثمانين، يبقى عنده عشرة في الذمة فهل هذا صحيح؟
فأجاب: نعم صحيح. لأنَّ المتبقي بمنزلة الأمانة لدى البائع.
[ ٨ / ٣٩٢ ]
فسألته: أليست هذه الأوراق النقدية جنسًا ربويًا واحدًا فيشترط فيه التقابض والتماثل؟
فأجاب: هذا لو أراد أن يصرف المائة بعشرات (أي فئة مائة بعشر ورقات فئة عشرة) فلم يجد إلَّا تسعين، فلا يصح التأجيل. وشيخنا عبد الرحمن السعدي يرى أنَّهن أجناس مختلفة فيجوز التفاضل؛ أي مائة بتسعين، ولكنا لا نرى ذلك. أمَّا العشرة الورقية بتسعة معدنية فلا بأس، لأنَّهما جنسان مختلفان» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [لِقَاءِ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ] الجلسة (١٥٦):
«لكن إذا قال صاحب الدكان: أنا ما أعطيك إلَّا أن تعطيني ثمن البضاعة، نقول: أعطه المائة الريال ويبقى عنده عشرون ريالًا بخلاف الصرف، فلو أتيت إلى الصراف وقُلْتَ: هذه المائة ريال أعطني فيها من فئة عشرة، قال: ما عندي إلَّا تسع ورقات فئة عشرة، ما يجوز هذا الصرف، لابد أن يعطيك المائة كلها وإلَّا ابحث عن غيره» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٣/ ١٨٠ - ١٨٢):
«أفيدكم بأنِّي صاحب بقالة، وقد واجهتني مشكلة في البيع، وهي إني أحيانًا إذا جاءني المشتري واشترى بعض الأشياء وأعطاني مبلغًا فيبقى له باقي، فإذا لم يكن لدي صرف أي بقي له عندي مبلغ يقول: غدا آتيك وآخذ الباقي، مثال ذلك: (إذا اشترى بمبلغ ٥٠ ريالًا يعطيني ١٠٠، فلا أجد عندي ٥٠ ريالًا، فيقول:
[ ٨ / ٣٩٣ ]
أبقها عندك إلى وقت آخر)، فهذه يا سماحة الشيخ أخبروني بعض الناس أنَّها صورة من صور الربا، وأنا لا أستطيع إقناع المشترين، فأرجو من سماحتكم تزويدي بفتوى خطية عاجلة لكي أكون على بصيرة.
ج: ليس في إبقاء المشتري بعض نقوده عند البائع شيء من الربا؛ لأنَّ هذا من باب البيع وائتمان البائع على بقية الثمن، وليس من باب الصرف.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس بكر أبو زيد. صالح الفوزان. عبد الله بن غديان. عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: وشبيه بهذه المسألة قول الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٨٤): «فصل: ولو صارف رجلًا دينارًا بعشرة دراهم، وليس معه إلَّا خمسة دراهم، لم يجز أن يتفرقا قبل قبض العشرة كلها، فإن قبض الخمسة وافترقا، بطل الصرف في نصف الدينار.
وهل يبطل فيما يقابل الخمسة المقبوضة؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة.
وإن أراد التخلص، فسخا الصرف في النصف الذي ليس معه عوضه، أو يفسخان العقد كله، ثم يشترى منه نصف الدينار بخمسة، ويدفعها إليه، ثم يأخذ الدينار كله، فيكون ما اشتراه منه له، وما بقي أمانة في يده، ثم يفترقان، ثم إذا صارفه بعد
[ ٨ / ٣٩٤ ]
ذلك بالباقي له من الدينار، أو اشترى به منه شيئًا، أو جعله سلمًا في شيء أو وهبه له، جاز، وكذلك إن وكله فيه» اهـ.
قُلْتُ: إذا اشترى المشتري ببعض ماله كالدينار مثلًا بضاعة من البائع، وبقى له شيء من الدينار عند البائع كنصفه مثلًا، فله أن يصارفه على هذا النصف بشرط التقابض، فإن لم يكن عند البائع مالًا للمصارفة، فالحيلة للتخلص من الربا أن يجعل ما بقي له من الدينار أمانة عند البائع، ثم إذا توفر المال عند البائع صارفه المشتري، لكن لا بد أن يكون عين ذلك الدينار حاضرًا حتى يتم التقابض عند المصارفة على نصفه، وهذا مما لا يراعيه من يتعامل بمثل هذه المعاملة.
والمعروف في تعامل الناس بهذه المعاملة أنَّ البائع يتملك جميع المال ويتصرف فيه، بغرض أن يعطيه ما بقي له من مال آخر، ولا يجعل ما بقي أمانة عنده، وهذه هي حقيقة المصارفة، وليس فيها كما ترى مراعاة للتقابض المشروط فيها، وهذا مما لا يجوز. والله أعلم.
فإن قيل: هو لم يستأمنه على نصف الدينار الذي دفعه، وإنَّما على نظيره من مال آخر. قيل: هذه هي حقيقة المصارفة ولا بد فيها من التقابض في المجلس.
فإن قيل: هل له أن يحتال على ذلك بأن يجعل نصف الدينار قرضًا لا أمانة، حتى يجوز له التصرف فيه مع رد نظيره؟
قُلْتُ: الذي يظهر لي جواز ذلك. والله أعلم.
[ ٨ / ٣٩٥ ]
وعند سداد القرض يحتاج أن يدفع له دينارًا كاملًا يأخذ منه نصفه ويصارفه في النصف الباقي، ويمكن أن يأخذ عند السداد ما يقابل نصف الدينار من الدراهم بسعر يوم السداد.
وهناك حيلة أخرى في المسألة السابقة وهي أن يعطيه الدينار ويقول له: خذ نصف الدينار مقابل ما اشتريته منك، وقد وكلتك في النصف الآخر أن تصرفه لي من مالك أو من مال غيرك بخمسة دراهم مثلًا وقد أشار إلى ذلك العلامة ابن قدامة ﵀ في قوله السابق: «وكذلك إن وكله فيه». والله أعلم.