الحمد لله الحكيم العليم الذي خلق الخلق في أحسن تقويم، وهداهم إلى الصراط المستقيم، وقسَّمهم إلى مؤمن، وكافر أثيم ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾ [الحج: ٥٠]. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [البقرة: ١٠٤] و[المجادلة: ٤].
اصطفى من شاء من خلقه لنيل قليل من علمه، ومنَّ عليهم بتيسير حفظه وفهمه، وفتح عليهم كنوزًا من خزائن حكمه.
وألبسهم من العلم كل ثوب محبور، وجعلهم هداةً للناس كالبدور، فكم أزال بهم من الشرور، وأصلح بهم ما فسد من الأمور.
إن نزلت بالمسلمين معضلة كشفوا نقابها، وإن أقبلت عليهم فتنة أغلقوا أبوابها، وإن انتشرت فيهم شبة تولوا جوابها.
أسهروا ليلهم في التنقيب عن خفايا المسائل، وقضوا نهارهم في التأليف والتدريس أو إجابة سائل، قد سارت أرواحهم مع السلف الأوائل، وعاشوا مع الناس بأجساد وبينهم وبين الناس ألف حائل وحائل.
نهمتهم في العلم أعظم نهمة، وخيرهم في الكون قد شاع وعمَّه، بموت أحدهم تموت أمة، وتحصل في الإسلام أعظم ثلمة.
[ ١ / ٣ ]
هم ورثة الأنبياء، ونجوم السماء، وبدور التمام في الليالي الظلماء، ولا يعدل مدادهم إلَّا دم الشهداء. قد سطعت من وجوههم الأنوار، وجرت بأقلامهم البحار، وتفجرت من كلماتهم الأنهار.
أمَّا بعد/
فقد وفقني الله تعالى لتدريس كتاب "عمدة الأحكام" للعلامة الحافظ محيي السنة وقامع البدعة، الصادع بالحق الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، الزاهد العابد الورع عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسي رحمه الله تعالى وجعل الجنة مأوانا ومأواه، وفي أثناء تدريسي للكتاب عزمت على شرحه لعل الله أن ينفع به من وقف عليه.
وكتاب عمدة الأحكام من أحسن كتب متون الفقه المختصرة، وذلك أنَّ مؤلفه اقتصر فيه على أحاديث الأحكام المتفق عليها بين البخاري، ومسلم، وهذا من أرفع مراتب الصحة عند أهل الحديث.
وهذا الكتاب مع صغر حجمه لكنه قد اشتمل على جل مسائل الفقه التي يحتاج إلى معرفتها المسلم.
ومن أجل هذه المزايا وغيرها اهتم العلماء بشرحه اهتمامًا بالغًا، وقد ألفوا الكتب الكثيرة في شرحه ما بين مختصر، ومتوسط، ومبسوط.
وقد أحببت أن أشارك في خدمة هذا الكتاب كما خدمه غيري، ولا أزعم أنَّي أتيت في شرحي ما لم يأت به أحد ممن شرح هذا الكتاب، ولكنَّ الكتب يكمل بعضها بعضًا.
[ ١ / ٤ ]
واقتصرت في شرحي هذا على المسائل المستفادة من الحديث، وقد أعرِّج في النادر على غير ذلك من ذكر معنىً لغوي، أو فائدة، أو تنبيه على وهم وقع فيه المؤلف ﵀، وسميته: "تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل".
فأسأل الله ﷿ أن ينفع به كاتبه وقارئه إنَّه جواد كريم، والحمد لله أولًا، وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
[ ١ / ٥ ]