١٩٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ.
فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟».
فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ: «فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ. وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ». قُلْتُ: أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا. فَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ دَاوُد. وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ». فَقُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أَخِي دَاوُد - شَطْرَ الدَّهْرِ - صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - تقرير الشخص بما قال قبل نصحه.
٢ - وفيه أنَّ على العبد الاقتصاد في العبادة فلا يكلف نفسه ما يشق عليه فيعجز عنه.
وروى البخاري (٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
[ ٦ / ٥١٩ ]
وروى البخاري (٦٤٦٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ] (٢/ ٤٦٥):
«يَعْنِي اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ. فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَسْتَعِينُ عَلَى قَطْعِ مَسَافَةِ السَّفَرِ بِالسَّيْرِ فِيهَا» اهـ.
٣ - وفيه كراهة صوم الدهر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٥٤ - ٥٦):
«وهو نص في أنَّ صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصيام ولو كان سرد الصيام مشروعًا أو مستحبًا لكان أكثر عملًا فيكون أفضل إذ العبادة لا تكون إلَّا راجحة فلو كان عبادة لم يكن مرجوحًا وقد تأول قوم هذا على أنَّ المعنى لا أفضل من ذلك للمخاطب وحده لما علم من حاله ومنتهى قوته وأنَّ ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه ويقطعه عن القيام بما عليه من الحقوق وهذا تأويل باطل من وجوه:
أحدها: أنَّ سياق الحديث يرده فإنَّه إنَّما كان عن المطيق فإنَّه قال: "فإنِّي أطيق أفضل من ذلك". فسبب الحديث في المطيق فأخبره أنَّه لا أفضل من ذلك للمطيق الذي سأل ولو أنَّ رجلًا سأل من يفضل السرد وَقَالَ: إنِّي أطيق أفضل من صوم يوم وفطر يوم لقال له: السرد أفضل.
الثاني: أنَّه أخبر عنه بثلاث جمل:
[ ٦ / ٥٢٠ ]
إحداها: أنَّه أعدل الصيام.
والثانية: أنَّه صوم داود.
والثالثة: أنَّه لا أفضل منه.
وهذه الأخبار تمنع تخصيصه بالسائل.
الثالث: أنَّ في بعض ألفاظ مسلم فيه: "فإنِّي أقوى".
قال فلم يزل يرفعني حتى قال: "صم يومًا وأفطر يومًا فإنَّه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود" فعلل ذلك بكونه أفضل الصيام وأنَّه صوم داود مع إخباره له بقوته ولم يقل له فإن قويت فالسرد أفضل.
الرابع: أنَّ هذا موافق لقوله فيمن صام الأبد: "لا صام ولا أفطر". ومعلوم أنَّ السائل لم يسأله عن الصوم المحرم الذي قد استقر تحريمه عندهم ولو قدر أنَّه سأله عنه لم يكن ليجيب عنه بقوله: "لا صام ولا أفطر". بل كان يجيب عنه بصريح النهي والسياق يدل على أنَّه إنَّما سأله عن الصوم المأذون فيه لا الممنوع منه ولا يعبر عن صيام الأيام الخمسة وعن المنع منها بقوله: "لا صام من صام الأبد" ولا هذه العبارة مطابقة للمقصود بل هي بعيدة منه جدًا.
الخامس: أنَّه ﷺ أخبر أنَّ أحب الصيام إلى الله صيام داود وأحب القيام إلى الله قيام داود وأخبر بهما معًا، ثم فسره بقوله: "كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا". رواه البخاري ومسلم.
[ ٦ / ٥٢١ ]
وهذا صريح في أنَّه إنَّما كان أحب إلى الله لأجل هذا الوصف وهو ما يتخلل الصيام والقيام من الراحة التي تجم بها نفسه ويستعين بها على القيام بالحقوق وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وإلى الكراهة ذهب أحمد في رواية وإسحاق، وذهب ابن حزم إلى تحريمه، وذهب الجمهور إلى استحبابه لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقًا.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٥٥٦) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا يَصُومُ الدَّهْرَ، فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: «كُلْ يَا دَهْرُ كُلْ يَا دَهْرُ».
قُلْتُ: إِسَنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ومما احتج به على كراهة، أو تحريم صيام الدهر، ما جاء في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند البخاري (١٩٧٩): «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ». وفي لفظ عند البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩): «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ» مرتين.
قُلْتُ: والمراد بهذا النفي لا الْدُعَاء عليه بعدم التمكن من الصيام؛ ويدل على ذلك ما جاء عند مسلم (١١٦٢) في حديث أبي قتادة بلفظ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ - أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٢٢):
«والمعنى بالنفي أنَّه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر لأنَّه أمسك» اهـ.
[ ٦ / ٥٢٢ ]
قُلْتُ: وقد حمل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ الحديث على معنى آخر فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٠٣): «فإنَّه يصير الصيام له عادة كصيام الليل فلا ينتفع بهذا الصوم ولا يكون صام ولا هو أيضًا أفطر» اهـ.
قُلْتُ: وحمل المجوزون لصيام الدهر هذا الحديث على من صام الأيام الخمسة المحرمة، وهي: العيدان، وأيام التشريق الثلاثة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٠٢):
«وقوله: "من صام الدهر فلا صام ولا أفطر". وغيرها صريحة في أنَّ هذا ليس بمشروع. ومن حمل ذلك على أنَّ المراد صوم الأيام الخمسة فقد غلط فإنَّ صوم الدهر لا يراد به صوم خمسة أيام فقط وتلك الخمسة صومها محرم ولو أفطر غيرها فلم ينه عنها لكون ذلك صومًا للدهر ولا يجوز أن ينهى عن صوم أكثر من ثلاثمائة يوم والمراد خمسة بل مثال هذا مثال من قال: ائتني بكل من في الجامع وأراد به خمسة منهم.
وأيضًا فإنَّه علل ذلك بأنَّك إذا فعلت ذلك: هجمت له العين ونفهت له النفس وهذا إنَّما يكون في سرد الصوم لا في صوم الخمسة.
وأيضًا فإنَّ في الصحيح أنَّ سائلًا سأله عن صوم الدهر. فقال: "من صام الدهر فلا صام ولا أفطر". قال: فمن يصوم يومين ويفطر يومًا فقال: "ومن يطيق ذلك". قال: فمن يصوم يومًا ويفطر يومين فقال: "وددت أنِّي طوقت ذلك". فقال: فمن يصوم يومًا ويفطر يومًا فقال: "ذلك أفضل الصوم". فسألوه عن صوم الدهر ثم عن صوم ثلثيه ثم عن صوم ثلثه ثم عن صوم شطره» اهـ.
[ ٦ / ٥٢٣ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٨٠ - ٨١):
«وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرمة، فإنَّه ذكر ذلك جوابًا لمن قال: أرأيت من صام الدهر؟ ولا يقال في جواب من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر، فإنَّ هذا يؤذن بأنَّه سواء فطره وصومه لا يثاب عليه، ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم الله عليه من الصيام، فليس هذا جوابًا مطابقًا للسؤال عن المحرم من الصوم، وأيضًا فإنَّ هذا عند من استحب صوم الدهر قد فعل مستحبًا وحرامًا، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرمًا بالنسبة إلى أيام التحريم، وفي كل منهما لا يقال: "لا صام ولا أفطر" فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر.
وأيضًا فإنَّ أيام التحريم مستثناة بالشرع، غير قابلة للصوم شرعًا، فهي بمنزلة الليل شرعًا، وبمنزلة أيام الحيض، فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها، وقد علموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: "لا صام ولا أفطر"، فإنَّ هذا ليس فيه بيان للتحريم» اهـ.
ومما احتجوا به ما رواه أحمد (١٩٧٢٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ وَكِيعٌ: وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ أَبُو الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا» وَقَبَضَ كَفَّهُ.
قُلْتُ: رواية الضحاك وهو ابن يسار مرفوعة، وقد رواها أيضًا الطيالسي (٥١٦)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٢٦٠)، ورواها أيضًا ابن حبان (٣٥٨٤)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦٠٠)، و[الْأَوْسَطِ] (٢٥٦٢)، والعقيلي في
[ ٦ / ٥٢٤ ]
[الْضُعَفَاءِ] (٨٤١)، وَقَالَ ﵀: «وقد روي هذا أيضًا، عن أبي موسى موقوفًا، ولا يصح مرفوعًا» اهـ.
قُلْتُ: الضحاك قال فيه أبو حاتم: "لا بأس به"؛ لكن قال ابن معين: "يضعفه البصريون"؛ وهذا جرح غير مفسر؛ لكن يتقوى هذا الجرح باعتبار أنَّ الضحاك بصري، وأهل البلد أبصر بأحوال أهله، وضعفه ابن عدي، وأبو داود، وذكره بن الجارود، والساجي، والعقيلي في الْضُعَفَاءِ.
ورواية قتادة موقوفة، وقد رواها أيضًا الطيالسي (٥١٥)، ومن طريقه البزار (٣٠٦٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٢٦١)، و[الْصُغْرَى] (١٤١٧)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٧٨٤)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٦٤٦).
وقد اختلف فيه على قتادة فرواه شعبة عنه موقوفًا، وتابع شعبة في ذلك همام بن يحيى وحديثه عند عبد بن حميد في [الْمُنْتَخَبِ] (٥٦٣)، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي عند الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٧٨٣).
وقد خالفهم سعيد بن أبي عروبة فرواه عن قتادة مرفوعًا، وحديثه عند ابن خزيمة (٢١٥٤، ٢١٥٥).
وَقَالَ ﵀ بعد روايته له: «لم يسند هذا الخبر عن قتادة غير ابن أبي عدي عن سعيد» اهـ.
ورواها أيضًا البزار (٣٠٦٢)، وابن الجارود في [الْمُنْتَقَى] (٥٦٤)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٧٨٢)، والروياني في [مُسْنَدِه] (٥٦٦).
[ ٦ / ٥٢٥ ]
قُلْتُ: وقد تابع قتادة في ذلك سفيان الثوري، فروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٨٦٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ جَهَنَّمَ هَكَذَا، وَعَقَدَ عَشْرًا».
قُلْتُ: لكن في السند انقطاع بين الثوري، وأبي تميمة؛ فإنَّ الثوري ولد في السنة التي مات فيها أبو تميمة وهي سنة ٩٧ هـ.
قُلْتُ: الصحيح في هذا الحديث الوقف؛ لكن له حكم الرفع.
وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ﵀ في [صَحِيْحِهِ] (٣/ ٣١٣):
«سألت المزني عن معنى هذا الحديث فقال: يشبه أن يكون عليه معناه أي: ضيقت عنه جهنم فلا يدخل جهنم ولا يشبه أن يكون معناه غير هذا لأنَّ من ازداد لله عملًا وطاعة ازداد عند الله رفعة وعليه كرامة وإليه قربة هذا معنى جواب المزني» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٨٣):
«قد اختلف في معنى هذا الحديث. فقيل: ضيقت عليه حصرًا له فيها، لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن هدى رسول الله ﷺ، واعتقاده أنَّ غيره أفضل منه. وَقَالَ آخرون: بل ضيقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع، ورجحت هذه الطائفة هذا التأويل، بأنَّ الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات وطرقها بالصوم، ضيق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان، لأنَّه ضيق طرقها عنه، ورجحت الطائفة الأولى تأويلها، بأن قالت: لو أراد هذا المعنى، لقال ضيقت عنه، وأمَّا التضييق عليه، فلا يكون إلَّا وهو فيها. قالوا:
[ ٦ / ٥٢٦ ]
وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأنَّ فاعله بمنزلة من لم يصم. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: واحتج المجوزون لصيام الدهر بأدلة:
الدليل الأول: ما رواه البخاري (١٩٤٢)، ومسلم (١١٢١) واللفظ له عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: «صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢١٢):
«قوله: "أسرد الصوم" أي أتابعه، واستدل به على أنَّه لا كراهية في صيام الدهر، ولا دلالة فيه لأنَّ التتابع يصدق بدون صوم الدهر، فإن ثبت النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح» اهـ.
قُلْتُ: ويدل على ذلك أيضًا قول أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ الْأَيَّامَ يَسْرُدُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ الْأَيَّامَ حَتَّى لَا يَكَادَ أَنْ يَصُومَ …». الحديث رواه أحمد (٢١٨٠١)، والنسائي (٢٣٥٩) مِنْ طَرِيْقِ ثابت بن قيس الغفاري، عن أبي سعيد المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن أسامة بن زيد.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وهذا الحديث ظاهر الدلالة في أنَّه يصدق السرد على ما دون صوم الدهر فلا حجة في الحديث على مشروعية صيام الدهر والله أعلم.
[ ٦ / ٥٢٧ ]
الدليل الثاني: حديث الباب وهو قوله: «وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ».
الدليل الثالث: حديث أبي قتادة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفيه: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». رواه مسلم (١١٦٢).
الدليل الرابع: ما رواه مسلم (١١٦٤) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ».
قُلْتُ: ووجه الشاهد من هذه الأحاديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ شبه صيام هذه الأيام المستحبة بصيام الدهر، والمشبه به أفضل من المشبه؛ فدل ذلك على استحباب صيام الدهر.
وقد أجاب على ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٣٠٣):
«وأمَّا قوله: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر". وقوله: "من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر. الحسنة بعشر أمثالها". ونحو ذلك. فمراده أنَّ من فعل هذا يحصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر حصل له أجر صوم الدهر بدون شهر رمضان. وإذا صام رمضان وستًا من شوال حصل بالْمَجْمُوْع أجر صوم الدهر وكان القياس أن يكون استغراق الزمان بالصوم عبادة لولا ما في ذلك من المعارض الراجح وقد بين النبي ﷺ الراجح وهو إضاعة ما هو أولى من الصوم وحصول المفسدة راجحة فيكون قد فوت مصلحة راجحة واجبة
[ ٦ / ٥٢٨ ]
أو مستحبة مع حصول مفسدة راجحة على مصلحة الصوم. وقد بين ﷺ حكمة النهي فقال: "من صام الدهر فلا صام ولا أفطر". فإنَّه يصير الصيام له عادة كصيام الليل فلا ينتفع بهذا الصوم ولا يكون صام ولا هو أيضًا أفطر» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٧٠ - ٧١): «وأمَّا السؤال السادس وهو الاستدلال به على استحباب صيام الدهر فقد استدل به طائفة ممن يرى ذلك قالوا: ولو كان صوم الدهر مكروهًا لما وقع التشبيه به بل هذا يدل على أنَّه أفضل الصيام. وهذا الاستدلال فاسد جدًا من وجوه:
أحدها: أنَّ في الحديث نفسه أنَّ وجه التشبيه هو أنَّ الحسنة بعشر أمثالها فستة وثلاثون يومًا بسنة كاملة ومعلوم قطعًا أنَّ صوم السنة الكاملة حرام بلا ريب والتشبيه لا يتم إلَّا بدخول الْعِيْدَيْنِ وأيام التشريق في السنة وصومها حرام فعلم أنَّ التشبيه المذكور لا يدل على جواز وقوع المشبه به فضلًا عن استحبابه فضلًا عن أن يكون أفضل من غيره. ونظير هذا قول النبي لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد فقال: "لا تستطيعه هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر". قال: لا قال: "فذلك مثل المجاهد". ومعلوم أنَّ هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع.
فإن قيل: يحمل قوله: "فكأنَّما صام الدهر". على ما عدا الأيام المنهي عن صومها.
[ ٦ / ٥٢٩ ]
قيل تعليله حكمة هذه المقابلة وذكره الحسنة بعشر أمثالها وتوزيع الستة والثلاثين يومًا على أيام السنة يبطل هذا الحمل.
الثاني: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ سئل عمن صام الدهر فقال: "لا صام ولا أفطر". وفي لفظ: "لا صام من صام الأبد". فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضل الصيام.
الثالث: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ثبت عنه في الصحيحين أنَّه قال: "أفضل الصيام صيام داود". وفي لفظ: "لا أفضل من صوم داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا". فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال يبين أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصوم مع أنَّه أكثر عملًا، وهذا يدل على أنَّه مكروه لأنَّه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه فإنَّ العبادة لا تكون مستوية الطرفين ولا يمكن أن يقال هو أفضل من الفطر بشهادة النص له بالإبطال فتعين أن يكون مرجوحًا وهذا بين لكل منصف ولله الحمد» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٨١ - ٨٢):
«فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: "من صام رمضان، وأتبعه ستة أيام من شوال، فكأنَّما صام الدهر". وَقَالَ فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: "إنَّ ذلك يعدل صوم الدهر"، وذلك يدل على أنَّ صوم الدهر أفضل مما عدل به، وأنَّه أمر مطلوب، وثوابه أكثر من ثواب الصائمين، حتى شبه به من صام هذا الصيام.
قيل: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدر، لا يقتضى جوازه فضلًا عن استحبابه، وإنَّما يقتضى التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبًا، والدليل عليه، من نفس الحديث، فإنَّه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر، إذ الحسنة بعشر
[ ٦ / ٥٣٠ ]
أمثالها، وهذا يقتضى أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أنَّ هذا حرام قطعًا، فعلم أنَّ المراد به حصول هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا، وكذلك قوله في صيام ستة أيام من شوال، إنَّه يعدل مع صيام رمضان السنة، ثم قرأ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فهذا صيام ستة وثلاثين يومًا، تعدل صيام ثلاثمائة وستين يومًا، وهو غير جائز بالاتفاق، بل قد يجئ مثل هذا فيما يمتنع فعل المشبه به عادة، بل يستحيل، وإنما شبه به من فعل ذلك على تقدير إمكانه، كقوله لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم ولا تفتر، وأن تصوم ولا تفطر"؟ ومعلوم أنَّ هذا ممتنع عادة، كامتناع صوم ثلاثمائة وستين يومًا شرعًا، وقد شبه العمل الفاضل بكل منهما يزيده وضوحًا: أنَّ أحب القيام إلى الله قيام داود، وهو أفضل من قيام الليل كله بصريح السنة الصحيحة، وقد مثل من صلى العشاء الآخرة، والصبح في جماعة، بمن قام الليل كله» اهـ.
٤ - وفيه كراهة قيام جميع الليل.
قُلْتُ: وهذا في غير العشر الأواخر فإنَّه يستحب إحياءها ولو بقيام جميع الليل؛ لما روى البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ».
[ ٦ / ٥٣١ ]
وروى أبو داود (١٣٧٧)، الترمذي (٨٠٦)، والنسائي (١٦٠٥)، وابن ماجه (١٣٢٧) مِنْ طَرِيْقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِقِيَّةَ الشَّهْرِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وغير ذلك من الأدلة.
٥ - وفيه استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
٦ - ولم يعين النبي ﷺ لصيام الثلاثة الأيام وقتًا محددًا، فتجزئ في أول الشهر، وآخره، ووسطه، وهكذا يدخل في ذلك إذا صامها في الاثنين، والخميس.
وروى مسلم (١١٦٠) عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ: «أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟» قَالَتْ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ لَهَا: «مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟» قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ».
٧ - وفيه أنَّ صيام داود هو أفضل الصيام.
٨ - وفيه أنَّ الحسنة بعشر أمثالها.
٩ - لم يأمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو بأن يكفر عن يمينه، ولعل السبب في ذلك عدم خفاء ذلك عليه.
* * *
[ ٦ / ٥٣٢ ]
١٩٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ، صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - أنَّ أفضل القيام قيام داود ﵊، وهو قيام الثلث بعد النصف من الليل.
٢ - وفيه استحباب النوم آخر الليل من أجل التقوي على صلاة الفجر. وقد كان هذا أيضًا هدي النبي ﷺ، فقد روى البخاري (١١٣٣)، ومسلم (٧٤٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا» تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه البخاري (١١١٩) عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ - أَوْ أَرْبَعِينَ - آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ سَجَدَ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ: فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ».
[ ٦ / ٥٣٣ ]
فليس في الحديث أنَّ تحدث النبي ﷺ كان مع عائشة حتى يطلع الفجر؛ وإن دلَّ على ذلك فهو محمول على ما ندر من فعله ﵊، وحديثها الأول يدل على الأمر الغالب من فعله ﵊. والله أعلم.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٣/ ٥٢):
«والنومُ بعد القيام آخرَ الليل مستحسن، مذهِب لكَلَلِ السهر وذبول الجسم وصفرة اللون بسببه، بخلاف إيصال السهر بالصباح» اهـ.
٣ - وفيه استحباب ابتداء القيام من بعد نصف الليل لمن أراد أن يقوم ثلث الليل؛ فيصلي سدسًا من الليل قبل الثلث الأخير من الليل، ويصلي سدسًا آخر في الثلث الأخير من الليل.
٤ - وفيه استحباب النوم في أول الليل من أجل أن يكون ذلك أنشط في قيام الليل.
وقوله: «كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ» أي في نصف الليل، أو إلى نصف الليل ويكون ذلك من الوقت المعتاد بعد العشاء، وذلك أنَّ نوم جميع النصف يلزم منه النوم من غروب الشمس وهذا غير مراد قطعًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْسِّنْدِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى سَنَنِ ابْنِ مَاجَه] (١/ ٥٢٣): «أَيْ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي كَانُوا يَعْتَادُونَهُ لَا مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِذْ يُسْتَبْعَدُ النَّوْمُ مِنْهُ» اهـ.
٥ - وفيه استحباب صيام يوم وإفطار يوم، لمن لم يمنعه ذلك عن واجب، أو يوقعه في محرم، أو يصده عمَّا هو أحب إلى الله ﷿ منه.
[ ٦ / ٥٣٤ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢/ ١):
«فأخبر ﷺ أنَّ فضل صوم داود نبي الله ﷺ على غيره إنَّما كان من أجل أنَّه كان مع صومه ذلك لا يضعف عن القيام من الأعمال التي هي أفضل من الصوم، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء الزحف، وتركه الفرار منهم هنالك والهرب. فإذ كان ﷺ إنَّما قضى لصوم داود بالفضل على غيره من معاني الصوم النفل؛ لما ذكرنا من السبب، فكل من كان صومه لا يورثه ضعفًا عن أداء فرائض الله تعالى، وعمَّا هو أفضل من صومه ذلك من نفل الأعمال في حال من أحوال عمره وهو صحيح، فغير مكروه له صومه ذلك. وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيء من فرائض الله ﷿؛ فغير جائز له أن يصوم صومه ذلك، بل هو محظور عليه، وهو بصومه ذلك حرج، فإن لم يكن يضعفه صومه ذلك عن أداء شيء من فرائض الله، وكان يضعفه عمَّا هو أفضل منه من نفل الأعمال، فإنَّ صومه ذلك له مكروه؛ غير محبوب، وإن لم يؤثمه؛ للذي وصفنا من تركه ما اختار رسول الله ﷺ لأمته من ذلك على غيره» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٢٧٥): «وإلَّا فمن الناس من إذا صام يومًا وأفطر يومًا شغله عمَّا هو أفضل من ذلك فلا يكون الصوم أفضل في حقه. وكان النبي ﷺ هكذا فإنَّه كان أفضل من صوم داود. ومع هذا فقد ثبت عنه في الصحيح أنَّه سئل عمن يصوم الدهر فقال: "من صام الدهر فلا صام ولا أفطر". وسئل عمن يصوم يومين ويفطر يومًا فقال: "ومن يطيق ذلك". وسئل عمن يصوم يومًا ويفطر
[ ٦ / ٥٣٥ ]
يومين فقال: "وددت أني طوقت ذلك". وسئل عمن يصوم يومًا ويفطر يومًا فقال: "ذلك أفضل الصيام". فأخبر أنَّه ود أن يطيق صوم ثلث الدهر؛ لأنَّه كان له من الأعمال التي هي أوجب عليه وأحب إلى الله ما لا يطيق معه صوم ثلث الدهر» اهـ.
قُلْتُ: وروى أبو عبيد في [فَضَائِلِ الْقُرْآنِ] (٢٢)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٨١٥)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (١٨٦٢) مِنْ طَرِيْقِ مِنْ طَرِيْقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّكَ تُقِلُّ الصَّوْمَ، قَالَ: «إِنِّي إِذَا صُمْتُ ضَعُفْتُ عَنِ الْقُرْآنِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إِلَيَّ».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٠٩١) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصَّوْمِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ عن ابن مسعود ﵁.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٩٠٣)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٨٧٧٨، ٨٧٧٩، ٨٧٨٤)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٨١٣، ٨١٤)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٧/ ٤١٩)
مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُقِلُّ الصِّيَامَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّكَ تُقِلُّ الصِّيَامَ قَالَ: «إِنِّي إِذَا صُمْتُ ضَعُفْتُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ عن ابن مسعود ﵁. وهو عند الطبراني، والطبري، والطحاوي مِنْ طَرِيْقِ شعبة عن أبي إسحاق.
[ ٦ / ٥٣٦ ]
وجاء هذا الأثر من طرق أخرى لا تخلوا من ضعف.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٩٠٢)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٨٧٨٣)، ورواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٨١٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ صَائِمًا قَطُّ غَيْرَ يَوْمَيْنِ إِلَّا رَمَضَانَ قَالَتْ: لَا أَدْرِي مَا كَانَ شَأْنُ ذَلِكَ الْيَوْمَيْنِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وأم أبي عبيده هي زينب الثقفية زوج ابن مسعود صحابية فاضلة ﵂.
وروى سعيد بن منصور في [سُنَنِه] (٢٤٢٤)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٨١٧)، وابن الجعد في [مُسْنَدِه] (١٣٦١) ومن طريقه البغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٨٢٩) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، قَالَ: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَكَادُ يَصُومُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْتُهُ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
* * *
[ ٦ / ٥٣٧ ]
١٩٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاثٍ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ويشمل ذلك الصيام في أوله، أو آخره، أو وسطه.
وروى مسلم (١١٦٠) عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ: «أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟» قَالَتْ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ لَهَا: «مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟» قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ».
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على استحباب ذلك في غرة كل شهر؛ فروى أبو داود (٢٤٥٠)، والنسائي (٢٣٦٨)، والترمذي (٧٤٢) مِنْ طَرِيْقِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ يَعْنِي مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وقد اختلف في رفعه ووقفه.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٥/ ٥٩ - ٦٠): «يرويه عاصم بن أبي النجود، واختلف عنه؛ فرواه شيبان، وقيس، وأبو حمزة السكري.
[ ٦ / ٥٣٨ ]
وقيل: عن الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ووقفه شعبة، عن عاصم. ورفعه صحيح» اهـ.
وذهب جمع من العلماء إلى استحباب أن تكون في الأيام البيض، وهي الثالث العشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر غير شهر ذي الحجة للنهي عن صيام أيام التشريق.
وقد جاء في صيام الأيام البيض أحاديث منها:
حديث عبد الله بن عباس ﵄.
فروى النسائي (٢٣٤٥) أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ لَا يَثْبُتُ أخطأ فيه جعفر وهو ابن أبي المغيرة القمي، وقد قال فيه ابن منده: «ليس بالقوي في سعيد بن جبير» اهـ.
والمحفوظ في الحديث ما رواه البخاري (١٩٧١)، ومسلم (١١٥٧) مِنْ طَرِيْقِ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «مَا صَامَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ».
قُلْتُ: وجعفر بن إياس من أوثق الناس في سعيد بن جبير. وتابعه عثمان بن حكيم الأنصاري، وحديثه في مسلم (١١٥٧).
ومن ذلك حديث أبي ذر ﵁.
[ ٦ / ٥٣٩ ]
رواه أحمد (٢١٣٨٨، ٢١٤٧٤، ٢١٥٧٧)، والنسائي (٢٤٢٢، ٢٤٢٣) واللفظ له، والترمذي (٧٦١) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَامٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ كُلِّ شَهْرٍ أَيَّامِ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ يحيى بن سام لم يوثقه معتبر، وَقَالَ فيه الحافظ ابن حجر ﵀ في "التقريب": "مقبول".
قُلْتُ: وقد اختلف فيه على موسى بن طلحة فرواه عنه يحيى بن سام كما سبق.
ورواه الْحَكَمِ ابْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ، قَالَ أُبَيٌّ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ أَرْنَبٌ قَدْ شَوَاهَا وَخُبْزٌ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ بِهَا دَمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَضِيرُ كُلُوا»، وَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: «كُلْ» قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: «صَوْمُ مَاذَا؟» قَالَ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَعَلَيْكَ بِالْغُرِّ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ». ر
واه النسائي (٢٤٢٧) وقال: «الصَّوَابُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ مِنَ الْكُتَّابِ ذَرٌّ، فَقِيلَ أَبِي» اهـ.
قُلْتُ: وفي الإسناد إليه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف الحديث؛ وقد خالفه سفيان بن حسين فروى الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٦٩٦٩) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُغَدِّي النَّاسَ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلُمَّ قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: وَأَيُّ الشَّهْرِ تَصُومُ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَهُ وَأَوْسَطَهُ.
[ ٦ / ٥٤٠ ]
فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُوا لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَأُبِيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَسَمَّى رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءُوا، فَقَالَ: هَلْ تَحْفَظُونَ يَوْمَ جَاءَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْأَرْنَبِ فِي وَادِي كَذَا، يَوْمَ كَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ عُمَرُ: فَحَدِّثُوا الرَّجُلَ، فأَنْشَئُوا يُحَدِّثُونَ الرَّجُلَ. فَقَالُوا: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي كَذَا، يَوْمَ كَذَا، فَأَتَاهُ رَاعٍ بِأَرْنَبٍ مَشْوِيَّةٍ هَدِيَّةً، فَقَالَ الرَّاعِي: أَمَا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ بِهَا دَمًا، فَأَمَرَ الْقَوْمَ أَنْ يَأْكُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ، فَقَالَ لِلرَّاعِي: «اجْلِسْ فَكُلْ مَعَهُمْ» فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ: «كَيْفَ صَوْمُكَ؟» قَالَ: أَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. قَالَ: «وَأَيُّ ثَلَاثَةٍ تَصُومُ؟» قَالَ: مِنْ أَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَكَمَا يَكُونُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صُمِ الثَّلَاثَةَ الْبِيضَ».
قُلْتُ: وسفيان بن حسين حسن الحديث في غير الزهري.
ورواه طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بن طَلْحَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِأَرْنَبٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ الَّذِي جَاءَ بِهَا: إِنِّي رَأَيْتُ بِهَا دَمًا، فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، وَأَمَرَ الْقَوْمَ أَنْ يَأْكُلُوا، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مُنْتَبِذٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «فَهَلَّا ثَلَاثَ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ». رواه النسائي (٢٤٢٨، ٢٤٢٩)، وطلحة بن يحيى حسن الحديث.
ورواه حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ ابْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ حَاضِرُنَا يَوْمَ الْقَاحَةِ؟ قَالَ: قَالَ
[ ٦ / ٥٤١ ]
أَبُو ذَرٍّ: أَنَا أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَرْنَبٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ بِهَا: إِنِّي رَأَيْتُهَا تَدْمَى فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: «كُلُوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: «وَمَا صَوْمُكَ؟» قَالَ: مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، قَالَ: «فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْبِيضِ الْغُرِّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ؟». رواه النسائي (٤٣١١).
قُلْتُ: حكيم بن جبير متروك الحديث لكنه متابع، وعمرو بن عثمان هو ابن عبد الله بن موهب القرشي ثقة، ومحمد بن عبد الرحمن هو ابن عبيد القرشي ثقة. ورواه أحمد (٢١٣٧٢) مِنْ طَرِيْقِ حكيم بن جبير به.
ورواه أَبُو حَنِيفَةَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ، قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَنِ الْأَرْنَبِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَزِيدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ أَنْقُصَ مِنْهُ لَحَدَّثْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ سَأُرْسِلُ إِلَى مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ فَقَالَ لَهُ: حَدِّثْ هَؤُلَاءِ حَدِيثَ الْأَرْنَبِ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَهْدَى أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْنَبًا مَشْوِيَّةً فَأَمَرَنَا بِأَكْلِهَا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَاعْتَزَلَ رَجُلٌ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَقَالُوا لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ: «صَوْمُ مَاذَا؟» فَقَالَ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُنَّ الْبِيضَ»؟ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: إِنِّي رَأَيْتُ بِهَا دَمًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ بِشَيْءٍ». رواه أبو يعلى في [مُسْنَدِه] (١٦١٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩١٨٣).
قُلْتُ: أبو حنيفة هو النعمان بن ثابت صاحب المذهب المشهور، وهو ضعيف الحديث، وقد جعل الحديث كما ترى من مسند عمار.
[ ٦ / ٥٤٢ ]
ورواه الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَتَاهُ الْأَعْرَابِيُّ بِأَرْنَبٍ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا، جَاءَ بِهَا الْأَعْرَابِيُّ قَدْ نَظَّفَهَا وَصَنَعَهَا يُهْدِيهَا لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُوا»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُهَا تَدْمَى، فَأَكَلَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَأْكُلِ الْأَعْرَابِيُّ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا تَأْكُلُ»؟ قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: «فَهَلَّا الْبِيضَ؟». رواه أبو يعلى في [الْمُسْنَد] (١٨٥).
ورواه عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ أَرْنَبٌ قَدْ شَوَاهَا وَمَعَهَا صِنَابُهَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا، فَقَالَ: «كُلُوا» وَأَمْسَكَ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ألَا تَأْكُلُ» فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ: «صُمِ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ».
رواه أبو نعيم في [أَخْبَارِ أَصْبَهَان] (٤٠٣٤٣).
ومن ذلك حديث قتادة بن ملحان القيسي ﵁.
روى أحمد (١٧٥٤٨، ٢٠٣٣٤، ٢٠٣٣٦)، والنسائي (٢٤٣٠، ٢٤٣١)، وابن ماجه (١٧٠٧) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي الْمِنْهَالِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ الْبِيضِ، قَالَ: «هِيَ صَوْمُ الشَّهْرِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ عبد الملك بن المنهال لم يوثقه معتبر.
[ ٦ / ٥٤٣ ]
ورواه أحمد (٢٠٣٣١، ٢٠٣٣٥)، وأبو داود (٢٤٤٩)، والنسائي (٢٤٣٢)، وابن ماجه (١٧٠٧) مِنْ طَرِيْقِ هَمَّامٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَخِي مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، قَالَ: وَقَالَ «هُنَّ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ».
قُلْتُ: هكذا سمى همام صحابي الحديث قتادة بن ملحان، وخالفه في ذلك شعبة، ورواية همام أصح.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٢٩٤):
«وروينا عن يحيى بن معين: أنَّه قال: هذا خطأ إنَّما هو عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي» اهـ.
وَقَالَ ابن ماجه ﵀ بعد روايته للحديث مِنْ طَرِيْقِ شعبة، وهمام: «أخطأ شعبة وأصاب همام» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي "التهذيب" في ترجمة قتادة بن ملحان: «فذكر البخاري وغير واحد أنَّ شعبة أخطأ في ذلك، وقد روى عن شعبة على الصواب أيضًا فيما حكاه العسكري وابن عبد البر» اهـ.
ومن ذلك حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
فروى النسائي (٢٤٢٠) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَأَيَّامُ الْبِيضِ صَبِيحَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ».
[ ٦ / ٥٤٤ ]
قُلْتُ: أبو إسحاق السبيعي مدلس وقد عنعن، ولا أعلم من أثبت له السماع من جرير.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٢٣٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى اللَّخْمِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَجَلِيِّ وَهُوَ ابْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلْيَصُمِ اللَّيَالِيَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ».
قُلْتُ: الحسن البجلي هو ابن عمارة متروك الحديث، وإسماعيل بن جرير لم أقف فيه على جرح ولا تعديل.
ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٨٣٠)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٣٣٩٠)، عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالْآخَرُ مِنْ ثَقِيفٍ فَسَبَقَهُ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلثَّقَفِيِّ: «يَا أَخَا ثَقِيفٍ سَبَقَكَ الْأَنْصَارِيُّ»، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَا أَبَدُّهُ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «يَا أَخَا ثَقِيفٍ سَلْ عَنْ حَاجَتِكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُخْبِرَكَ عَمَّا جِئْتَ بِهِ تَسْأَلُ عَنْهُ» قَالَ: فَذَاكَ أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ تَفْعَلَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ تَسْأَلُنِي عَنْ صَلَاتِكَ، وَعَنْ رُكُوعِكَ، وَعَنِ سُجُودِكَ، وَعَنْ صِيَامِكَ، وَتَقُولُ: مَاذَا لِي فِيهِ؟»، قَالَ: إِي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، قَالَ: «فَصَلِّ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَآخِرَهُ، وَنَمْ وَسَطَهُ» قَالَ: فَإِنْ صَلَّيْتُ وَسَطَهُ، قَالَ: «فَأَنْتَ إِذًا - قَالَ - فَإِذَا
[ ٦ / ٥٤٥ ]
قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَرَكَعْتَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوٍ إِلَى مَفْصِلِهِ، وَإِذَا سَجَدْتَ فَأَمْكِنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَا تَنْقُرْ، وَصُمِ اللَّيَالِيَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ». وذكر حديثًا طويلًا.
ورواه والفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٩١٨) من طريق ابن مجاهد به.
قُلْتُ: ابن مجاهد هو عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المكي متروك الحديث.
ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁.
فروى ابن المقرئ في [مُعْجَمِهِ] (٤٥٠)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (١٢/ ٦ - ٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي زُرْعَةَ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ حَرْبِ بْنِ شَبِيبٍ التَّمِيمِيُّ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَصْرِيُّ، ثنا عَبْسُ بْنُ عَفَّارٍ الْعَوْذِيُّ، ثنا عُرْوَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «حَفِظْتُ مِنْ خَلِيلِي ﷺ ثَلَاثًا: الْوِتْرُ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ أَيَّامِ الْبِيضِ، وَالِاغْتِسَالُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ».
قُلْتُ: حديث أبي هريرة ثابت في الصحيحين من غير ذكر الأيام البيض، ولا الاغتسال يوم الجمعة، ومطر الوراق لا يعتمد عليه في مثل هذا، وفي الإسناد من لم أقف له على ترجمة.
ومن ذلك حديث الحسين بن علي ﵄.
فروى ابن شاهين في [التَّرْغِيْبِ] (٥٣٥) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عِيسَى الْعَبْسِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جُمُعَةَ، بِقَزْوِينَ، ثنا عِيسَى بْنُ حُمَيْدٍ، ثنا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ
[ ٦ / ٥٤٦ ]
أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَوْمُ أَيَّامِ الْبِيضِ: أَوَّلُ يَوْمٍ يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ، وَالْيَوْمُ الثَّانِي يَعْدِلُ عَشْرَةَ آلَافِ سَنَةٍ، وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ يَعْدِلُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ».
قُلْتُ: عبد الملك بن هارون بن عنترة كذاب.
ومن ذلك حديث قرة بن إياس ﵁.
روى الدارمي (١٧٤٧)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (١٥٣٩٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صِيَامُ الْبِيضِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِفْطَارُهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. لكن رواه غير الطيالسي ولم يذكروا الأيام البيض، وإنَّما جاء في حديثهم ذكر ثلاثة أيام من كل شهر ومنهم:
وكيع وحديثه عند أحمد (١٥٦٢٢).
وعفان وحديثه عند أحمد (١٦٢٩٤).
ووهب بن جرير وحديثه عند أحمد (٢٠٣٨٧).
وأبو داود الطيالسي في [مُسْنَدِه] (١١٧٠).
وإسماعيل بن علية عند الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٨٣١).
وغندر محمد بن جعفر عند الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٨٣٢)، والروياني في [مُسْنَدِه] (٩٤٥).
وحجاج بن محمد المصيصي عند ابن الجعد في [مُسْنَدِه] (١٠٩١).
والحكم بن أسلم عند ابن قانع في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (١٤٢١).
[ ٦ / ٥٤٧ ]
فهذا هو المحفوظ في حديث شعبة. والله أعلم.
وعلى كل حال فبعض أحاديث الباب ضعفها يسير فتتقوى ببعضها وترتقي إلى الحسن لغيره.
٢ - استحباب ركعتي الضحى.
وقد كان النبي ﷺ لا يصليها إلَّا لسبب من الأسباب فقد روى البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا».
وقد عارض ذلك ما رواه مسلم (٧١٩) عَنْ مُعَاذَةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂، كَمْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: «أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ».
وروى البخاري (١١٧٥) عَنْ مُوَرِّقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: «لَا إِخَالُهُ».
قُلْتُ: نفيهما لصلاة النبي ﷺ للضحى محمول على صلاتها من غير سبب يقتضي ذلك؛ فأمَّا صلاته لها لسبب من الأسباب فقد دلت على ذلك الأدلة المتكاثرة منها:
صلاة النبي ﷺ يوم الفتح ثمان ركعات ضحىً.
[ ٦ / ٥٤٨ ]
فروى البخاري (١١٠٣)، ومسلم (٣٣٦) عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ».
ومن ذلك صلاته في بيت عتبان بن مالك.
فروى البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ» قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ … وذكر الحديث.
ومن ذلك صلاته في المسجد عند رجوعه من السفر ضحىً.
فروى البخاري (٣٠٨٨) عَنْ كَعْبٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، ضُحًى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ».
[ ٦ / ٥٤٩ ]
ورواه مسلم (٧١٦) عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ».
وروى مسلم (٧١٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: «لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ».
ومن ذلك أنَّه كان يصلي في الضحى ثنتي عشرة ركعة إذا فاتته صلاة الليل.
فروى مسلم (٧٤٦) عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً».
قُلْتُ: وقد ذكر الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٣٤١ - ٣٦٠) اختلاف العلماء في صلاة الضحى على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: استحباب صلاتها.
المذهب الثاني: عدم استحبابها.
المذهب الثالث: استحباب فعلها غبًا، فتصلى في بعض الأيام دون بعض، وهذا أحد الروايتين عن أحمد.
المذهب الرابع: أنَّها تفعل بسبب من الأسباب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ بعد ذكره لهذا المذهب الأخير (١/ ٣٥٧):
«ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة، وجدها لا تدل إلَّا على هذا القول، وأمَّا أحاديث الترغيب فيها، والوصية بها، فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدل على أنَّها سنة راتبة لكل أحد، وإنَّما أوصى أبا هريرة بذلك، لأنَّه قد روي أنَّ أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره
[ ٦ / ٥٥٠ ]
بالضحى بدلًا من قيام الليل، ولهذا أمره ألا ينام حتى يوتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة» اهـ.
وَقَالَ شيخه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥):
«ومن هذا الباب "صلاة الضحى" فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يكن يداوم عليها باتفاق أهل العلم بسنته ومن زعم من الفقهاء أنَّ ركعتي الضحى كانتا واجبتين عليه فقد غلط. والحديث الذي يذكرونه "ثلاث هن علي فريضة ولكم تطوع: الوتر والنحر وركعتا الضحى". حديث موضوع؛ بل ثبت في حديث صحيح لا معارض له أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يصلي وقت الضحى لسبب عارض؛ لا لأجل الوقت: مثل أن ينام من الليل فيصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة ومثل أن يقدم من سفر وقت الضحى فيدخل المسجد فيصلي فيه. ومثل ما صلى لما فتح مكة ثماني ركعات وهذه الصلاة كانوا يسمونها "صلاة الفتح" وكان من الأمراء من يصليها إذا فتح مصرا فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ إنَّما صلاها لما فتح مكة. ولو كان سببها مجرد الوقت كقيام الليل لم يختص بفتح مكة؛ ولهذا كان من الصحابة من لا يصلي الضحى».
ثم ذكر أحاديث واردة في فضل صلاة الضحى، وقال:
«وهذه الأحاديث الصحيحة وأمثالها تبين أنَّ الصلاة وقت الضحى حسنة محبوبة. بقي أن يقال: فهل الأفضل المداومة عليها؟ كما في حديث أبي هريرة أو الأفضل ترك المداومة اقتداء بالنبي ﷺ؟ هذا مما تنازعوا فيه.
[ ٦ / ٥٥١ ]
والأشبه أن يقال: من كان مداومًا على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى كما كان النبي ﷺ يفعل ومن كان ينام عن قيام الليل فصلاة الضحى بدل عن قيام الليل.
وفي حديث أبي هريرة أنَّه أوصاه أن يوتر قبل أن ينام وهذا إنَّما يوصي به من لم يكن عادته قيام الليل وإلَّا فمن كانت عادته قيام الليل وهو يستيقظ غالبًا من الليل فالوتر آخر الليل أفضل له كما ثبت في الحديث الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "من خشي أن لا يستيقظ آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يستيقظ آخره. فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل". وقد ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ فقال: "قيام الليل"» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول كما ترى أقوى الأقوال وبه تجتمع الأدلة، والله أعلم.
٣ - وفيه أنَّ أقل الضحى ركعتان.
قُلْتُ: وإضافة الركعتين إلى الضحى من باب إضافة الشيء إلى وقته.
ويبدأ وقت الضحى من ارتفاع الشمس بمقدار رمح إلى قبيل زوال الشمس؛ لما رواه أبو داود (١٢٧٧) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَتَرْتَفِعَ قِيسَ رُمْحٍ، أَوْ رُمْحَيْنِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحُ ظِلَّهُ، ثُمَّ
[ ٦ / ٥٥٢ ]
أَقْصِرْ، فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ، وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا، فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ فلا يصح لأبي سلام سماع من أبي أمامة كما ذكره أبو حاتم. لكن يتقوى بما سيأتي.
فرواه النسائي (٥٧٢) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ قَالُوا: سَمِعْنَا أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ يَقُولُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ مِنَ الْأُخْرَى أَوْ هَلْ مِنْ سَاعَةٍ يُبْتَغَى ذِكْرُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ. إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الرَّبُّ ﷿ مِنَ الْعَبْدِ جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ ﷿ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ وَهِيَ سَاعَةُ صَلَاةِ الْكُفَّارِ، فَدَعِ الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ وَيَذْهَبَ شُعَاعُهَا، ثُمَّ الصَّلَاةُ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَعْتَدِلَ الشَّمْسُ اعْتِدَالَ الرُّمْحِ بِنِصْفِ النَّهَارِ؛ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَتُسْجَرُ فَدَعِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَفِيءَ الْفَيْءُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ؛ فَإِنَّهَا تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَهِيَ صَلَاةُ الْكُفَّارِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[ ٦ / ٥٥٣ ]
ورواه أحمد (١٧٠٥٥، ١٧٠٦٠) مِنْ طَرِيْقِ عكرمة بن عمار قال حدثني شداد بن عبد الله وكان قد أدرك نفرًا من أصحاب النبي ﷺ عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة فذكره.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ، وعكرمة بن عمار أكثر الحفاظ على توثيقه، وإنَّما تكلموا في روايته عن يحيى بن أبي كثير وأنها مضطربة.
قُلْتُ: وأفضل وقتها عند اشتداد الحر؛ لما رواه مسلم (٧٤٨) عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٨٨):
«هو بفتح التاء والميم يقال: رمض يرمض كعلم يعلم، والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس، أي حين يحترق أخفاف الفصال وهي الصغار من أولاد الإبل - جمع فصيل - من شدة حر الرمل. والأواب: المطيع، وقيل: الراجع إلى الطاعة. وفيه: فضيلة الصلاة هذا الوقت. قال أصحابنا: هو أفضل وقت صلاة الضحى، وإن كانت تجوز من طلوع الشمس إلى الزوال» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٤/ ٣٦):
«والرمضاء الرمل الذي اشتدت حرارته من الشمس أي حين يبول الفصلان من شدة الحر في أخفافها» اهـ.
[ ٦ / ٥٥٤ ]
قُلْتُ: ولا حد لأكثرها على الصحيح؛ لما رواه مسلم (٧١٩) عَنْ مُعَاذَةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂، كَمْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: «أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ».
قُلْتُ: ويدخل في صلاة الضحى صلاة الركعتين بعد ارتفاع الشمس؛ لمن صلى الفجر في جماعة وقعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين.
وفي ذلك أحاديث منها:
حديث أنس بن مالك ﵁.
رواه الترمذي (٥٨٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ البَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف أبي ظلال، واسمه: هلال بن أبي هلال؛ لكنَّه حديث حسن لما له من الشواهد.
ومن ذلك حديث أبي أمامة ﵁.
رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٧٦٤٢)، وفي [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (٨٨٥) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثنا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ
[ ٦ / ٥٥٥ ]
فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، انْقَلَبَ بِأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ».
قُلْتُ: عثمان بن عبد الرحمن هو الحراني أكثر من الرواية عن الْضُعَفَاءِ والمجاهيل فضعف من أجل ذلك، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ فإنَّ شيخه موسى بن علي لا يعرف من هو، وقد خالفه الهيثم بن حميد وهو حسن الحديث فروى أبو داود (٥٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ».
وقد تابع الهيثمَ، إسماعيلُ بنُ عياش عند أحمد (٢٢٣٥٨)، وصدقة بن خالد عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٤٦٨٩)، والوليد بن مسلم عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٧/ ٢٠٠)، ومحمد بن شعيب بن شابور عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٧٦٥٥)، وسويد بن عبد العزيز عند الطبراني في [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (٨٧٨).
قُلْتُ: هذا هو المعروف في الحديث، وأمَّا حديث موسى بن علي فيعد منكرًا.
ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄، أو أبي أمامة، أو عتبة بن عبد على اختلاف فيه.
رواه ابن عدي في [الْكَامِلِ] (١/ ٤١٥)، وابن حبان في [الْمَجْرُوحَيْنَ] (١/ ١٧٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَحْوَصِ، عنِ ابْنِ عُمَر، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ وَجَلَسَ فِي مُصَلاهُ يَذْكُرُ اللَّهَ ﷿
[ ٦ / ٥٥٦ ]
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الضُّحَى كَانَ صَلاتُهُ عَدْلُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ».
قُلْتُ: الأحوص بن حكيم ضعيف الحديث، وأبو معاوية هو محمد بن خازم.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٧٥٦٠) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ غَابِرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ يَثْبُتُ فِيهِ حَتَّى يُصَلِّيَ سُبْحَةَ الضُّحَى، كَانَ كَأَجْرِ حَاجٍّ، أَوْ مُعْتَمِرٍ تَامًّا حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ».
ورواه البغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٢/ ٢٦٧) مِنْ طَرِيْقِ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَابِرٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ وَجَلَسَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَسَبَّحَ تَسْبِيحَةَ الضُّحَى، فَإِنَّ لَهُ عَدْلَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ».
ورواه المحاملي في [أَمَالِيْهِ] (٤٩٣) مِنْ طَرِيْقِ ابن فضيل ثنا الأحوص بن حكيم حدثني عبد الله بن غابر عن عتبة بن عبد السلمي عن أبي أمامة الباهلي فذكره.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٧٥٣٥) مِنْ طَرِيْقِ مَرْوَانِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، ثنا أَبُو عَامِرٍ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وعُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَانَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً، ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى يُسَبِّحَ تَسْبِيحَةَ الضُّحَى، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ تَامٍّ لَهُ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ».
[ ٦ / ٥٥٧ ]
ورواه ابن شاهين في [التَّرْغِيْبِ فِي فَضَائَلِ الْأَعْمَالِ] (١٦٦) مِنْ طَرِيْقِ الوليد بن القاسم بن الوليد الهمداني، ثنا الأحوص بن حكيم الشامي، حدثني عبد الله بن غابر، أنَّ أبا أمامة، وعتبة بن عبد، حدثاه عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول. فذكره.
قُلْتُ: هذا الاضطراب ما أراه إلَّا من الأحوص بن حكيم وهو ضعيف الحديث، وحديثه هذا يتقوى بحديث أنس إن شاء الله.
ومن ذلك حديث الحسن بن علي ﵁.
رواه البيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٣٦٧١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْعَلَاءِ، وَأَبِي الْجَهْمِ، قَالَا: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ جَالِسًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَدَعَاهُ وَجُلَسَاءَهُ إِلَى طَعَامٍ فَأَضْرَبَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ فَدَعَاهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ لِجُلَسَائِهِ: قُومُوا فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أُجِيبَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ ذَكَرَ اللهَ ﷿ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَمْ تَمَسَّ جِلْدَهُ النَّارُ»، وَأَخَذَ الْحَسَنُ بِجِلْدِهِ فَمَدَّهُ فَإِذَا الَّذِي دَعَاهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَلَمَّا وَضْعَ الطَّعَامَ، قَالَ الْحَسَنُ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَتْحِفُوهُ بِتُحْفَةٍ، فَأُتِيَ بِغَالِيَةٍ وَمِجْمَرٍ، فَطَيَّبَ وَجَمَّرَ.
قُلْتُ: عبيدة بن حسان منكر الحديث، قال ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٦/ ٩٢): «سألت أبى عنه فقال: منكر الحديث» اهـ.
[ ٦ / ٥٥٨ ]
وَقَالَ ابن حبان ﵀ في [الْمَجْرُوحَيْنَ] (٢/ ١٨٩): «كان ممن يروى الموضوعات عن الثقات» اهـ.
ورواه ابن شاهين في [التَّرْغِيْبِ فِي فَضَائَلِ الْأَعْمَالِ] (١١١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، ثنا جَدِّي، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، ثنا سَعْدُ بْنُ طَرِيفٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ مَأْمُونِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَلْفَحَهُ، أَوْ تَطْعَمَهُ».
قُلْتُ: سعد بن طريف شيعي متروك الحديث، وعمير بن مأمون، قال فيه الْدَارَقُطْنِي: "لا شيء".
٤ - وفيه مشروعية الوتر قبل النوم، وهذا في حق من علم من نفسه عدم الاستيقاظ في السحر؛ فأمَّا من علم من نفسه الاستيقاظ في السحر؛ فالوتر حينئذٍ هو الأفضل؛ لما روى الترمذي (٣٥٧٩) عن عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
ولما رواه مسلم (١٧٦٣) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ».
[ ٦ / ٥٥٩ ]
وروى البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ».
* * *
[ ٦ / ٥٦٠ ]
١٩٥ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».
قُلْتُ: هذه الزيادة عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٢٧٦٠).
ورواية مسلم (١١٤٣) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ: أَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - النهي عن صوم يوم الجمعة، والمراد إفراده بذلك.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٤):
«واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام ونقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية وكأنَّه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النهى عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم فهذا قد يشعر بأنَّه يرى تحريمه.
وَقَالَ أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأنَّ الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده.
[ ٦ / ٥٦١ ]
ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر. قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة وذهب الجمهور إلى أنَّ النهى فيه للتنزيه وعن مالك وأبي حنيفة لا يكره. قال مالك: لم أسمع أحدًا ممن يقتدى به ينهى عنه. قال الداودي: لعل النهى ما بلغ مالكًا وزعم عياض أنَّ كلام مالك يؤخذ منه النهى عن إفراده لأنَّه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة فيكون له في المسألة روايتان».
إلى أن قال ﵀ (٤/ ٢٣٥):
«والمشهور عند الشافعية وجهان: أحدهما: ونقله المزني عن الشافعي أنَّه لا يكره إلَّا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والْدُعَاء والذكر. والثاني: وهو الذي صححه المتأخرون كقول الجمهور» اهـ.
قُلْتُ: المشهور في مذهب الإمام أحمد كراهة صومه دون تحريمه.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٣٧٨)
«وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ صَوْمِ أَعْيَادِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَا قِيَامُ لَيْلَتِهَا» اهـ.
وقد عارض النهي عن صيام الجمعة ما رواه أحمد (٣٨٦٠)، والترمذي (٧٤٢)، والنسائي (٢٣٦٨)، وابن ماجه (١٧٢٥) مِنْ طَرِيْقِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٤٠):
[ ٦ / ٥٦٢ ]
«وهو حديث صحيح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٧/ ٦٥):
«وقد روى النسائي عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وقلما رأيته يفطر يوم الجمعة وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ولا معارضة بينه وبين أحاديث النهي إذ ليس فيه أنَّه كان يفرده بالصوم، والنهي إنَّما هو عن الإفراد فمتى وصلهن بغيره زال النهي» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥):
«وليس فيه حجة لأنَّه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعًا بين الحديثين ومنهم من عده من الخصائص وليس بجيد لأنَّها لا تثبت بالاحتمال» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف في سبب نهي النبي ﷺ عن صيام يوم الجمعة على أقوال عديدة أحسنها قول من قال: نهى عن صيامه لأنَّه يوم عيد، وقد جاء في ذلك ما رواه أحمد (٨٠١٢، ١٠٩٠٣) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ لُدَيْنٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ، إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ».
قُلْتُ: هذا إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، والحديث حسن لغيره، أبو بشر هو مؤذن مسجد دمشق وثقه العجلي، وَقَالَ ابن معين: "أبو بشر عن أبي الزاهرية، لا شيء"، وعامر
[ ٦ / ٥٦٣ ]
بن لدين لم يوثقه معتبر، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وهما متساهلان في توثيق المجاهيل.
ويشهد له ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٨١١) عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَنَزَلْنَا بِأَبِي ذَرٍّ فَصَنَعَ لَنَا طَعَامًا، وَكَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِينَا رَجُلٌ صَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا طَعِمْتَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ اسْتَأْنَفْتَ الشَّهْرَ، وَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ: «إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَتَكُونُ مُفْطِرًا خَيْرٌ لَكَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٣٣٥) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَطَوِّعًا مِنَ الشَّهْرِ أَيَّامًا، فَلْيَكُنْ صَوْمُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَلَا يَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، وَذِكْرٍ فَيَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَيْنِ صَالِحَيْنِ يَوْمَ صِيَامِهِ وَيَوْمَ نُسُكِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ، عمران بن ظبيان ضعيف الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٤١٩ - ٤٢٠):
«وذكر ابن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: إنَّهم كرهوا صوم الجمعة ليقووا على الصلاة.
قُلْتُ: المأخذ في كراهته: ثلاثة أمور، هذا أحدها، ولكن يشكل عليه زوال الكراهية بضم يوم قبله، أو بعده إليه.
[ ٦ / ٥٦٤ ]
والثاني: أنَّه يوم عيد، وهو الذي أشار إليه ﷺ وقد أورد على هذا التعليل إشكالان. أحدهما: أنَّ صومه ليس بحرام، وصوم يوم العيد حرام. والثاني: إنَّ الكراهة تزول بعدم إفراده، وأجيب عن الإشكالين، بأنَّه ليس عيد العام، بل عيد الأسبوع، والتحريم إنَّما هو لصوم عيد العام. وأمَّا إذا صام يومًا قبله، أو يومًا بعده، فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيدًا، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلًا في صيامه تبعًا، وعلى هذا يحمل ما رواه الْإِمَام أحمد ﵀ في "مُسْنَدِه" والنسائي، والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود إن صح قال: "قلما رأيت رسول الله ﷺ يفطر يوم جمعة". فإن صح هذا، تعين حمله على أنَّه كان يدخل في صيامه تبعًا، لا أنَّه كان يفرده لصحة النهي عنه. وأين أحاديث النهي الثابتة في "الصحيحين"، من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح، وقد حكم الترمذي بغرابته، فكيف تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة، ثم يقدم عليها؟!.
والمأخذ الثالث: سد الذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس فيه، ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية، وينضم إلى هذا المعنى: أنَّ هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام، كان الداعي إلى صومه قويًا، فهو في مظنة تتابع الناس في صومه، واحتفالهم به ما لا يحتفلون بصوم يوم غيره، وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه. ولهذا المعنى -والله أعلم - نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي، لأنَّها من أفضل الليالي، حتى فضلها بعضهم على ليلة القدر، وحكيت رواية عن أحمد، فهي في مظنة تخصيصها
[ ٦ / ٥٦٥ ]
بالعبادة، فحسم الشارع الذريعة، وسدها بالنهي عن تخصيصها بالقيام. والله أعلم» اهـ.
واختار هذا أيضًا الحافظ ابن حجر ﵀ فقال في [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٥): «وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها» اهـ.
وأول هذه الأقوال هو قوله: «واختلف في سبب النهى عن إفراده على أقوال أحدها لكونه يوم عيد والعيد لا يصام» اهـ.
٢ - جواز القسم على الخبر لتوكيده.
* * *
[ ٦ / ٥٦٦ ]
١٩٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ».
لفظ البخاري (١٩٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ».
ولفظ مسلم (١١٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ، أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - جواز صيام الجمعة لمن صام يومًا قبله أو يومًا بعده.
٢ - فيه مشروعية صيام يوم السبت مع يوم الجمعة.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد في [الْمُسْنَد] (٢٦٩٥٤)، وأبو داود ﵀ (٢٤٢١)، الترمذي (٧٤٤) وابن ماجه (١٧٢٦) والنسائي في [الْكُبْرَى] (٢٧٧٦) مِنْ طَرِيْقِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا عُودَ عِنَبٍ، أَوْ لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ».
فهو حديث شاذ مخالف للأحاديث المتواترة الدالة على جواز صيامه في غير الفريضة، وقد بينت ما يتعلق بهذا الحديث برسالة مستقلة سميتها: "تدفق الأنهار العريضة على حديث النهي عن صيام السبت في غير الفريضة".
[ ٦ / ٥٦٧ ]
٣ - واحتج به على أنَّ النهي الوارد عن صيام الجمعة للتنزيه إذ لو كان محرمًا لما جاز صيامه مطلقًا كيومي العيد، وأيام التشريق.
قُلْتُ: والأظهر في النهي التحريم، وحرمة صيامه أخف من حرمة صيام الْعِيْدَيْنِ.
[ ٦ / ٥٦٨ ]
* * *
١٩٧ - عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: «شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ: تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - النهي عن صيام يومي العيد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ٢٠٧):
«وأمَّا نهيه عن صيام يوم الفطر ويوم النحر فلا خلاف بين العلماء أنَّه لا يجوز صيامهما لناذر ولا متطوع ولا يقضى فيهما رمضان ولا يصامان في صيام التتابع؛ والذي يصومهما بعد علمه بالنهي المجتمع عليه عاص عند الجميع» اهـ.
٢ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٨٩):
«وفي الحديث دلالة على أنَّ الخطيب يستحب له أن يذكر في خطبته ما يتعلق بوقته من الأحكام كذكر النهي عن صوم يوم العيد في خطبة العيد فإنَّ الحاجة تمس إلى مثل ذلك وفيه إشعار وتلويح بأنَّ علة الإفطار في يوم الضحى: الأكل من النسك» اهـ.
٣ - وفيه مشروعية الأكل من النسك، وقد أمر الله ﷿ بذلك فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال: ﴿إِذَا وَجَبَتْ
[ ٦ / ٥٦٩ ]
جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
٤ - وفيه تعليل النهي عن صيام الْعِيْدَيْنِ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٩): «قيل وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنَّه يستلزم النحر ويزيد فائدة التنبيه على التعليل» اهـ.
٥ - قد يحتج به على عدم حرمة صيام أيام التشريق، وذلك أنَّ الحديث فيه النهي عن صيام يوم النحر فقط.
والصحيح تحريم صيام أيام التشريق إلَّا للمتمتع الذي لم يجد الهدي.
لما رواه البخاري (١٩٩٧) عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ».
وما رواه مسلم (١١٤١) عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».
وروى مسلم (١١٤٢) عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».
[ ٦ / ٥٧٠ ]
وروى مالك في [الْمُوَطَأِ] (١٣٧)، ومن طريقه أحمد (١٧٧٦٨)، وأبو داود (٢٤١٨)، وابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢٩٦١) عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى أَبِيهِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِذَا هُوَ يَتَغَذَّى فَدَعَانَا إِلَى الطَّعَامِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: «أَمَّا عَلِمْتَ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِهِنَّ وَأَمَرَ بِفِطْرِهِنَّ، فَأَمَرَهُمْ فَأَفْطَرُوا». أَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى الْآخَرِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وهذا لفظ ابن خزيمة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٤٢):
«وَقد روى بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَأَبِي طَلْحَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا وَعَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمَنْعَ مُطلقًا وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ الشَّافِعِي وَعَنْ بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي آخَرِينَ مَنْعُهُ إِلَّا لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي لَا يَجِدُ الْهَدْيَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ يَصُومُهَا أَيْضًا الْمُحْصَرُ وَالْقَارِنُ» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الإمام أحمد فلا يرى صيامها في النفل، وفي الفرض روايتان، والحديث وإن كان واردًا في صيام المتمتع الذي لم يجد الهدي لكنَّه قاس كل صيام مفروض على ذلك.
ولم ير الحنفية الصوم في أيام التشريق في حق من لم يجد الهدي.
* * *
[ ٦ / ٥٧١ ]
١٩٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ. وَعَنْ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَعَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ».
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الصَّوْمَ فَقَطْ.
قُلْتُ: قول المؤلف: «وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الصَّوْمَ فَقَطْ». ليس بصحيح بل أخرجه البخاري بتمامه في: "بَابُ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ". برقم (١٩٩١) عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ، ﵁، قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَعَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - النهي عن صيام الْعِيْدَيْنِ، وهو مذهب عامة العلماء كما سبق بيان ذلك، وإنَّما تنازع العلماء هل ينعقد النذر فيهما، فالأكثر على عدم انعقاده، وذهب أبو حنيفة إلى انعقاده ويقضيه في غيره.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣٩):
[ ٦ / ٥٧٢ ]
«وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ صَوْمِ يَوْمَيِ الْعِيدِ سَوَاءٌ النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ وَالتَّطَوُّعُ وَالْقَضَاءُ وَالتَّمَتُّعُ وَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَدِمَ فَصَامَ يَوْمَ عِيدٍ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومٍ زَيْدٍ فَقَدِمَ يَوْمَ الْعِيدِ فَالْأَكْثَرُ لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَفِي رِوَايَةٍ يَلْزَمُهُ الْإِطْعَامُ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ يَقْضِي إِلَّا إِنْ نَوَى اسْتِثْنَاءَ الْعِيدِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ يَقْضِي إِنْ نَوَى الْقَضَاءَ وَإِلَّا فَلَا» اهـ.
٢ - وفيه النهي عن اشتمال الصماء.
وقد فسر ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقال في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٥٢): «والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه».
إلى أن قال ﵀: «واشتمال الصماء عند أحمد وأصحابه أن يضطبع بالثوب وهو أن يجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه فوق عاتقه الأيسر أو بالعكس لأنَّه كذلك جاء مفسرًا في الحديث إن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب وفي الآخر ليس على أحد شقيه منه شيء» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء هذا التفسير فيما رواه أحمد (١١٩٢٣)، وأبو داود (٣٣٧٨) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، أَمَّا اللِّبْسَتَانِ: فَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ أَنْ يَشْتَمِلَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَضَعَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَيَتَّزِرَ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَالْأُخْرَى أَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيُفْضِيَ بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَأَمَّا الْبَيْعَتَانِ: فَالْمُنَابَذَةُ وَالْمُلَامَسَةُ، وَالْمُنَابَذَةُ
[ ٦ / ٥٧٣ ]
أَنْ يَقُولَ: إِذَا نَبَذْتَ هَذَا الثَّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَالْمُلَامَسَةُ: أَنْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ وَلَا يَلْبَسَهُ، وَلَا يُقَلِّبَهُ إِذَا مَسَّهُ وَجَبَ الْبَيْعُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وهو أحسن ما يفسر به اشتمال الصماء، ويكون النهي عن ذلك من أجل انكشاف أحد العاتقين؛ وهذا إذا اضطبع عند اشتماله بالثوب، وهو أيضًا مظنة انكشاف العورة فيمن لم يكن عليه إزار، ولأنَّ ذلك خلاف الزينة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٥٤):
«وذلك لأنَّ هذا تبدو معه العورة غالبًا ويظهر من غير أن يشعر اللابس بذلك، والحكمة إذا كانت غالبة غير منضبطة علق الحكم بالمظنة وأقيمت مقام الحقيقة لوجودها معها غالبًا ولعدم انضباطها كما أقيم النوم مقام الحدث ولأنَّ الله أمر بالزينة عند الصلاة ومن لبس هذه اللبسة لم يتزين لله في الصلاة.
وأمَّا اضطباع المحرم فذلك موضع مخصوص من النهي لما كان فيه أولًا من إظهار الجلد ثم صار سنة وشعارًا ولهذا لا يشرع إلَّا في أول طواف يطوفه الأفقي خاصة ولهذا فإنَّه إذا أراد إن يصلي ركعتي الطواف سوى ردائه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٥٥ - ٣٥٧):
«فإن قيل فقد قال أبو عبيد: اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوب يجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبًا تخرج فيه يده كأنَّه يذهب به إلى أنَّه لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه ولا يقدر عليه.
وتفسير الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه. قال: والفقهاء أعلم بالتأويل.
[ ٦ / ٥٧٤ ]
وقد ذكر أبو عبد الله السامري من أصحابنا مثل ما حكاه أبو عبيد عن العرب فقال: اشتمال الصماء هو إن يلتحف بالثوب ويرفعه إلى حد جانبيه فلا يكون ليده موضع تخرج منه فلذلك تسمى الصماء.
قال بعض الفقهاء: يحتاج أن يخرج يده من صدره فتبدو عورته.
والتفسير الذي ذكرتموه مخالف لهذين. قلنا:
أمَّا التفسير الذي ذكرناه فهو منصوص مفسر في الحديث والتفسير الذي حكاه أبو عبيد عن الفقهاء يدل عليه الحديث أيضًا لأنَّه قال: الصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه وهذا يعم ما إذا اضطبع بالثوب من الناحية الأخرى أو لم يضطبع فإنَّه إذا اضطبع أبدى منكبه الأيمن وستر منكبه الأيسر وبقي شقه الأيسر غير مستور، والصورة التي ذكر أبو عبيد يكون المنكب الأيمن مستورًا والمنكب الأيسر؛ لكن الشق الأيسر باديًا وظهور العورة فيه أشد لكن المنكبين مستوران وهذا أيضًا مما يحرم وتبطل الصلاة معه بلا ريب واشتمال الصماء يعمهما.
وأمَّا الذي نقل عن ابن عباس أنَّه يخرج يده من قبل صدره فإن أخرجها من فوق حاشية الرداء صار مضطبعًا وإن أخرجها من تحت الرداء فهو الذي ذكره أبو عبيد.
وأمَّا التفسير المحكي عن العرب فهو أشبه بالاشتقاق لأنَّ الصخرة الصماء التي لا منفذ فيها ومنه الأصم وهو الذي لا ينفذ الصوت إليه ويؤيده ما روى أبو
[ ٦ / ٥٧٥ ]
بكر بإسناده عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يلبس الرجل ثوبًا واحدًا يأخذ بجوانبه على منكبه فتدعى الصماء.
وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نهى عن الصماء اشتمال اليهود واليهود تلتحف ولا تضطبع وهذه الصورة مكروهة أيضًا لما يخاف معها من انكشاف العورة وهي السدل المتقدم وربما عرض الشيء فلا يستطيع أن يخرج يده إلَّا أن تبدو سوءته وهذه اللبسة مكروهة في الصلاة وخارج الصلاة.
فظهر أنَّ اشتمال الصماء يعم هذا كله لكن منه ما يحرم ويبطل ومنه ما يكره فقط ومنه ما اختلف فيه كما تقدم» اهـ.
قُلْتُ: حديث أبي هريرة رواه أحمد (١٠٥٤٢) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ: أَنْ يَحْتَبِيَ أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ اشْتِمَالِ الْيَهُودِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وهذا الحديث وارد فيمن لم يكن عليه غير ثوب واحد، وأمَّا من كان معه غيره من الثياب التي تستر أعلى البدن وأسفله كالقميص ففي كراهته روايتان عن أحمد، والأظهر الجواز؛ إلَّا إذا أدخل يديه جميعًا فيكره ذلك لما فيه من المشقة في أداء أفعال الصلاة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٣٥٥):
«ومن أصحابنا من قال يكره الاضطباع على المئزر ولا يكره على القميص وهذا قول قوي فإنَّ الأغلب على القوم كان الارتداء فوق المآزر وقد نهوا عن
[ ٦ / ٥٧٦ ]
الاشتمال ولأنَّ في ذلك كشفًا للمنكب في الصلاة وهو مكروه أو مبطل لما تقدم وقد نص أحمد على كراهته ولأنَّ الذي في الحديث كراهة بروز الشق الأيمن ولو لم يكن تحته مئزر لكانت العورة قد تظهر من الناحية اليسرى فكان التعليل بكشف العورة أولى من التعليل ببروز الشق فقط» اهـ.
٣ - وفيه النهي عن الاحتباء في الثوب الواحد، وهذا إذا لم يكن معه ثوب آخر يستر به عورته، ويدل على ذلك ذكر الثوب الواحد، وقد جاء الحديث عند أحمد وأبي داود بلفظ: «وَالْأُخْرَى أَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيُفْضِيَ بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ». وقد سبق قريبًا.
وجاء عند أحمد من حديث أبي هريرة: «أَنْ يَحْتَبِيَ أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ». وقد سبق قريبًا أيضًا.
٤ - وفيه النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر وقد مضى القول في ذلك.
* * *
[ ٦ / ٥٧٧ ]
١٩٩ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب الصيام في سبيل الله.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّةِ] (١/ ٦٥): «قيل هو السفر في الجهاد قبل لقاء العدو، وقيل عند لقائه، وقد يدخل في هذا السفر الحج لأنَّه من سبيل الله، وقيل سبيل الله طريقه والمراد إخلاص نيته وإن كان في المقام» اهـ.
أَقُوْلُ: الأصل في إطلاق كلمة في سبيل الله في نصوص الكتاب والسنة أن يراد بها الجهاد في سبيل الله.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٨):
«قال ابن الجوزي: إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد» اهـ.
قُلْتُ: ونص كلام ابن الجوزي ﵀ في [كَشْفِ الْمُشْكِلِ] (٣/ ١٥٣):
«إِذا أطلق ذكر سَبِيل الله كَانَ الْمشَار بِهِ إِلَى الْجِهَاد.
[ ٦ / ٥٧٨ ]
والخريف زمَان مَعْلُوم من السّنة تخترف فِيهِ الثِّمَار. المُرَاد بِهِ هَا هُنَا السّنة كلهَا، وَالْمعْنَى: مسيرَة سبعين سنة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ١٥٦):
«فيه فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقًا، ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه، ومعناه: المباعدة عن النار، والمعافاة منها، والخريف: السنة. والمراد: سبعين سنة» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ الصيام في سبيل الله من أسباب المباعدة عن النار.
٣ - وفيه أنَّ هذه المباعدة لصيام اليوم الواحد، فإذا صام أكثر من ذلك فإنَّه يباعد أكثر من ذلك.
* * *
[ ٦ / ٥٧٩ ]