وذهب بعض العلماء إلى كراهة الأذان قبل طلوع الفجر منهم إبراهيم النخعي.
فروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٢٢٥) حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ».
قلت: إسناده حسن.
ومنهم سفيان الثوري.
[ ٢ / ٤١٢ ]
فروى الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٨٧٠) حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدٍ، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أُؤَذِّنُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ السَّمَاءِ بِالنِّدَاءِ. فَقَالَ سُفْيَانُ: «لَا، حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ».
قلت: إسناده صحيح، وابن أبي عمران هو أبو جعفر أحمد الفقيه أحد الثقات من أهل الرأي.
والذي يظهر لي هو في الأذان الذي في الليل أن يكون قريبًا من طلوع الفجر لما رواه البخاري (١٩١٨، ١٩١٩) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ».
قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلاَّ أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا اهـ.
ورواه أحمد (٢٤٢١٤، ٢٤٣١٨)، والنسائي (٦٣٨) من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا.
قلت: هذا إسناد صحيح.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٢/ ١٢٤):
[ ٢ / ٤١٣ ]
«وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري قال القاسم أي في روايته عن عائشة».
وقال في [طرح التثريب] (٢/ ٣١٣):
«هذه الرواية التي رواها الشيخ ﵀ من مسند أحمد صريحة في أن القائل: "ولا أعلمه إلَّا كان قدر ما ينزل هذا ويرقى هذا" راوية الحديث عائشة ﵂ فإن فيها قالت لكن في صحيح البخاري في كتاب الصيام قال القاسم: "ولم يكن بين أذانهما إلَّا أن يرقى ذا وينزل ذا" فكان شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني ﵀ يعتمد هذه الرواية ويجعل هذا الكلام في غيرها مدرجًا وفيه نظر لأنَّ في رواية أحمد التصريح بأنَّه من قول عائشة ففيها زيادة علم يجب الأخذ بها.
والظاهر أن قول البخاري قال القاسم أي في روايته عن عائشة وذلك لأنَّه روى الحديث المذكور من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ومن طريق القاسم بن محمد عن عائشة ثم بين أن هذه الزيادة في رواية القاسم أي عن عائشة وليست في حديث ابن عمر لأنَّه لو أطلق ذكرها لتوهم أنَّها في الإسنادين معًا، ولم يرد بذلك أنَّ القاسم قالها من عند نفسه بدليل رواية أحمد التي ذكرتها والله أعلم» اهـ.
قلت: وروى مسلم (١٠٩٢) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
«كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا».
[ ٢ / ٤١٤ ]
لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٢٤):
«وقد وقع عند مسلم في رواية بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر مثل هذه الزيادة وفيها نظر أوضحته في كتاب "المدرج"» اهـ.
وروى الطيالسي (١٦٦١)، ومن طريقه ابن سعد في [الطبقات الكبرى] (٨/ ٣٦٤)، والبيهقي (١٦٦٦):
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي أُنَيْسَةُ، قَالَتْ: كَانَ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». فَكُنَّا نَحْبِسُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَنِ الْأَذَانِ فَنَقُولُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى نَتَسَحَّرَ، كَمَا أَنْتَ حَتَّى نَتَسَحَّرَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانَهِمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا اهـ.
قلت: هذا حديث صحيح.
قلت: والذي يظهر لي أنَّه لا بد أن يكون هنالك فاصل يمكن للمتسحر أن يتسحر، ومن أراد الوتر أن يوتر، لما رواه البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ، أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ، أَوْ يُنَادِي - بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ».
٢ - مشروعية أذان الأعمى إذا كان هناك من يخبره بالوقت. وهو قول الجمهور وكرهه أبو حنيفة.
٣ - اتخاذ مؤذنين لصلاة الفجر.
[ ٢ / ٤١٥ ]
قلت: أمَّا اتخاذ مؤذنين فأكثر في غير الفجر فأجاز ذلك العلماء ولا أعلم من أنكر ذلك إلَّا ما جاء عن ابن عمر من إنكاره للأذان الأول للجمعة الذي فعله عثمان ﵁.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٠/ ٦١):
«وفيه اتخاذ مؤذنين وإذا جاز اتخاذ اثنين منهم جاز أكثر إلَّا أن يمنع منه ما يجب التسليم له» اهـ.
وقال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى شرح الموطأ] (١/ ١٦٩):
«ولا بأس أن يتخذ في المسجد أربعة مؤذنين وخمسة قال ابن حبيب ولا بأس فيما اتسع وقته من الصلوات كالصبح والظهر والعشاء أن يؤذن خمسة إلى عشرة واحد بعد واحد وفي العصر من الثلاثة إلى الخمسة ولا يؤذن في المغرب إلَّا واحد» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [الكافي] (١/ ١٩٩): «ولا بأس أن يؤذن اثنان أحدهما بعد الآخر لأنَّ النبي ﷺ كان يؤذن له بلال وابن أم مكتوم إذا نزل هذا طلع هذا ولا يسن أكثر من هذا إلَّا أن تدعو إليه الحاجة فيجوز لأنَّ عثمان ﵁ اتخذ أربعة مؤذنين» اهـ.
وقال ﵀ في [المغني] (١/ ٤٧٧): «فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ، بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. إلَّا أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا فَيَجُوزَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ. وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، كَانَ مَشْرُوعًا، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ وَكَانَ الْوَاحِدُ يُسْمِعُ النَّاسَ،
[ ٢ / ٤١٦ ]
فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ لِأَنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَحَدُهُمَا يُؤَذِّنُ بَعْدَ الْآخَرِ. وَإِنْ كَانَ الْإِعْلَامُ لَا يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ، أَذَّنُوا عَلَى حَسَبِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ إِمَّا أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَنَارَةٍ أَوْ نَاحِيَةٍ، أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: قَالَ أَحْمَدُ إنْ أَذَّنَ عِدَّةٌ فِي مَنَارَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ خَافُوا مِنْ تَأْذِينِ وَاحِدٍ بَعْدَ الْآخَرِ فَوَاتَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً» اهـ.
قلت: لم أقف لأثر عثمان على أصل. فالله أعلم.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ٨٢):
«وفي هذا الحديث استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر عند طلوعه كما كان بلال وبن أم مكتوم يفعلان. قال أصحابنا فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ ثلاثة وأربعة فأكثر بحسب الحاجة وقد اتخذ عثمان ﵁ أربعة للحاجة عند كثرة الناس.
قال أصحابنا: ويستحب أن لا يزاد على أربعة إلَّا لحاجة ظاهرة.
قال أصحابنا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعدًا فالمستحب أن يؤذنوا دفعة واحدة بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه فإن تنازعوا في الابتداء به أقرع بينهم وإن ضاق الوقت فإن كان المسجد كبيرًا أذنوا متفرقين في أقطاره وإن كان ضيقًا وقفوا معًا وأذنوا وهذا إذا لم يؤد اختلاف الأصوات إلى تهويش فإن أدى إلى ذلك لم يؤذن إلَّا واحد فإن تنازعوا أقرع بينهم.
وأمَّا الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول أحق بها إن كان هو المؤذن الراتب أو لم يكن هناك مؤذن راتب فإن كان الأول غير المؤذن الراتب فأيهما أولى بالإقامة
[ ٢ / ٤١٧ ]
فيه وجهان لأصحابنا أصحهما أنَّ الراتب أولى لأنَّه منصبه ولو أقام في هذه الصور غير من له ولاية الإقامة اعتد به على المذهب الصحيح المختار الذي عليه جمهور أصحابنا وقال بعض أصحابنا: لا يعتد به كما لو خطب بهم واحد وأم بهم غيره فلا يجوز على قول وأمَّا إذا أذنوا معًا فإن اتفقوا على إقامة واحد وإلَّا فيقرع.
قال أصحابنا ﵏: ولا يقيم في المسجد الواحد إلَّا واحد إلَّا إذا لم تحصل الكفاية بواحد.
وقال بعض أصحابنا: لا بأس أن يقيموا معًا إذا لم يؤد إلى التهويش» اهـ.
وقال العلامة ابن حزم الظاهري ﵀ في [المحلى] (٢/ ١٨٠):
«وَجَائِزٌ أَنْ يُؤَذِّنَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ لِلْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ: فَإِنْ تَشَاحُّوا، وَهُمْ سَوَاءٌ فِي التَّأْدِيَةِ وَالصَّوْتِ وَالْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأَوْقَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، سَوَاءٌ عَظُمَتْ أَقْطَارُ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ تَعْظُمْ» اهـ.
قلت: ومما يدل على جواز اتخاذ أكثر من مؤذن ما رواه البخاري (٦٨٣٠) عن ابن عباس في "باب رجم الحبلى من الزنا" ذكر حديث الرجم الطويل عن عمر ﵁ وفيه: «فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ».
وفي [المسند] (٣٩١): «فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ، قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ».
ويمكن أن يحمل على معنى الجنس.
قلت: واتخاذ أكثر من مؤذن إنَّما يكون في الحضر دون السفر وذلك لأنَّه لم ينقل عن النبي ﷺ أنَّه كان له في السفر مؤذنان، يؤذن أحدهما بعد الآخر.
[ ٢ / ٤١٨ ]
٤ - وفي الحديث دليل على جواز شهادة الأعمى على ما استيقنه من الأصوات.
وقبول شهادة الأعمى على ما يتقينه من الأصوات مذهب مالك وأحمد، وروي عن شريح وكثير من السلف. ومنع منها أبو حنيفة والشافعي.
قلت: الصحيح جواز ذلك.
فائدة:
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٣٢):
«والأحاديث التي فيها أنَّ بلالًا كان لا يؤذن إلَّا بعد طلوع الفجر أسانيدها غير قوية، ويمكن أن تحمل- على تقدير ثبوتها- على أنَّه كان يؤذن بعد طلوع الفجر الأول، وقبل طلوع الفجر الثاني» اهـ.
٥ - واحتج به بأنَّ قول المؤذن في أذان الفجر "الصلاة خير من النوم" يكون في أذان الليل، وذلك أنَّ التثويب قد جاء في أذان بلال، وبلال كان يؤذن بليل فدل ذلك أنَّ التثويب يكون في أذان الليل.
فروى ابن المنذر في [الأوسط] (١١٢٨) حَدَّثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: أنا يَعْلَى، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنْ سُوَيْدٍ، عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي أَذَانِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ».
قلت: إسناده ضعيف فيعلى بن عبيد ضعيف الحديث في سفيان الثوري، وأبو محمد هو محمد بن عبد الوهاب، وعمران هو ابن مسلم الجعفي، وسويد هو ابن غفلة.
وللحديث ما يشهد له كما سيأتي.
والجواب على ذلك من وجهين:
[ ٢ / ٤١٩ ]
الوجه الأول: أنَّه سبق معنا في أول شرح هذا الحديث أنَّه ثبت عن بلال التأذين عند طلوع الفجر فلم يكن أذانه بليل في جميع الأزمان.
والوجه الثاني: أنَّه ثبت عن بلال التثويب في الأذان عند طلوع الفجر.
فمن ذلك ما رواه الخِلَعِي في [فوائده] (٥٩٥) أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد البزاز، قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أيوب بن حبيب بن يحيى الرقي المعروف بالصموت، قراءة عليه وأنا أسمع سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة قال: حدثنا أبو عمر هلال بن العلاء بن هلال الباهلي قال: حدثنا أبي، وعبد الله بن جعفر قالا: حدثنا عبيد الله بن عمر عن زيد بن أبي أنيسة عن الحكم عن سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قال: سمعت بلالًا يؤذن وكان لا يثوب إلَّا في الفجر، ويقول فيها: الصلاة خير من النوم، زاد أبي: إذا فرغ من حي على الفلاح، قال: ولا يؤذن لصلاة الفجر حتى ينشق الفجر».
قلت: هذا إسناد حسن ومحمد بن أيوب الصموت لم أقف فيه على جرح وتعديل لكنه من الحفاظ المشهورين بالطلب وروى عنه جماعة من حفاظ الحديث فمثل حديثه لا ينزل عن الحسن، والله أعلم، وليس هو محمد بن أيوب الرقي الذي ضعفه أبو حاتم فذاك متقدم الطبقة، وهذا متأخر.
وهذه الرواية صريحة في أنَّ بلالًا نادى بالصلاة خير من النوم في الأذان الثاني وهو الأذان عند طلوع الفجر.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ومن ذلك ما رواه ابن شَبَّةَ في [تاريخ المدينة] (١٦٤٩)، والبيهقي في [الكبرى] (١٨٣٤) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَذَكَرَ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَرُؤُيَاهُ إِلَى أَنْ قَالَ: «ثُمَّ زَادَ بِلَالٌ فِي التَّأْذِينِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ بِلَالًا أَتَى بَعْدَ مَا أَذَّنَ التَّأْذِينَةَ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيُؤْذِنَ النَّبِىَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّبِي ﷺ نَائِمٌ. فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. فَأُقِرَّتْ فِي التَّأْذِينِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ».
قلت: وهذا مرسل من أصح المراسيل فإنَّ مراسيل ابن المسيب هي أجود المراسيل، وسيأتي ما يشهد له.
وأصله عند ابن ماجه (٧١٦) من طريق معمر عن الزهري عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقِيلَ: هُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ».
قلت: هذا إسناد منقطع بين سعيد وبلال.
ومحل الشاهد من الحديث أنَّ بلالًا بعد أن أذن التأذينة الأولى لصلاة الصبح جاء إلى النبي ﷺ ليؤذنه لإقامة الصلاة، فدل ذلك على أنَّ الأذان
[ ٢ / ٤٢١ ]
الأول الذي أذنه بلال هو الأذان الثاني في عرفنا فإنَّه هو الذي تعقبه الإقامة، ولأنَّ المؤذن لطلوع الفجر هو الذي يقيم الصلاة دون غيره.
وقوله: «فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ» يدل على أنَّ المراد به الأذان لطلوع الفجر، فإنَّه هو تأذين الفجر، وما قبل ذلك فهو تأذين ليل.
لكن رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٨٢٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَمَنْ أَرَادَ الصَّوْمَ، فَلَا يَمْنَعُهُ أَذَانُ بِلَالٍ حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَ: وَكَانَ أَعْمَى فَكَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ جَاءَ يُؤَذِّنُ النَّبِيَّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ نَائِمٌ، فَنَادَى بِلَالٌ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي الصُّبْحِ.
وهذه الرواية تدل أنَّ بلالًا نادى بالصلاة خير من النوم في الأذان الأول لقوله:
«فلما كان ذات ليلة أذن بلال» لكن الصحيح رواية شعيب بن أبي حمزة فإنَّه من أوثق الناس في الزهري فروايته مقدمة على رواية معمر.
وروى الطحاوي في [شرح مشكل الآثار] (٦٠٨٥) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنُ: «أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُؤَذِّنُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ قُبَاءَ، حَتَّى انْتَقَلَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ، فَأَذَّنَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وَسَلَّمَ، فَزَعَمَ حَفْصٌ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ أَهْلِهِ أَنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُؤَذِّنُهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَمَا أَذَّنَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَائِمًا، فَنَادَى بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأُقِرَّتْ فِي تَأْذِينِ الْفَجْرِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ».
قلت: عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعيف الحديث، وحفص بن عمر لم يوثقه معتبر، وأهله لايعرف من هم لكن يقويه مرسل ابن المسيب الماضي.
وهذه الرواية فيها: «أَنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُؤَذِّنُهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَمَا أَذَّنَ». وهذا يدل على أنَّ أذانه كان بعد طلوع الفجر فإنَّه الأذان الذي تعقبه الإقامة.
وروى أحمد (٢٤٤٠٩)، والترمذي (١٩٨) من طريق أَبي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا أُثَوِّبَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ».
قلت: فيه أبو إسرائيل وهو إسماعيل بن خليفة ضعيف الحديث، والحكم هو ابن عتيبة، وهو منقطع أيضًا بين ابن أبي ليلى وعمر.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وروى أحمد (٢٤٤١٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا أُثَوِّبَ إِلَّا فِي الْفَجْرِ».
قلت: فيه عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ وهو التيمي ضعيف، وعطاء مختلط، وهو منقطع أيضًا بين ابن أبي ليلى وعمر.
والشاهد قوله: «إِلاَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» والمعنى إلَّا في أذان صلاة الفجر، وأذان صلاة الفجر هو الكائن عند طلوع الفجر.
وهكذا قوله: «إِلاَّ فِي الْفَجْرِ» يدل على الأذان عند طلوع الفجر.
قلت: وقد ثبت التثويب في الأذان بعد طلوع الفجر عن ابن عمر.
وهو ما رواه ابن وهب في [جامعه] (٤٨١) قال عبد الله وأسامة قال نافع:
«وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى الْفَجْرَ أَذَّنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ بِالنِّدَاءِ الْأُولَى، وَيَقُولُ فِي آذَانِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ».
قلت: هذا أثر حسن لغيره، فعبد الله هو ابن عمر العمري، وأسامة قد يكون الليثي أو ابن زيد بن أسلم فكلاهما رويا عن نافع، وروى عنهما عبد الله بن وهب وحديثهما يقوي بعضه بعضًا.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وجاء أيضًا عن أبي محذورة، وهو ما رواه الدارقطني (٩١٠)، والطبراني في [الكبير] (٦٥٩٩)، وأبو نعيم في [الحلية] (٨/ ٣١٠)، وابن أبي خيثمة في [تاريخه] (٩٤٦) من طرق عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مَحْذُورَةَ قَالَ: «كُنْتُ غُلَامًا صَيِّتًا فَأَذَّنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْفَجْرَ فَلَمَّا بَلَغْتُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْحَقْ فِيهَا الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ"».
قلت: إسناده صحيح. وفي إسناد أكثرهم يحيى الحماني، وقد اتهم بسرقة الحديث لكن تابعه عبد الحميد بن صالح بن عجلان، وسليمان بن داود الشاذكوني، وسعيد بن داود عند أبي نعيم.
والشاهد منه قوله: «فَأَذَّنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْفَجْرَ» وذلك أنَّ أذان الفجر هو الثاني، وكون الأذان حصل يوم حنين فهو يدل على أنَّه كان بعد طلوع الفجر، وذلك أنَّ اليوم يبدأ من طلوع الفجر.
وبهذا يتبيَّن أنَّ قول النبي ﷺ لأبي محذورة: «وَإِذَا أَذَّنْتَ بِالأَوَّلِ مِنَ الصُّبْحِ فَقُلْ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَقُلْهَا مَرَّتَيْنِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ».
[ ٢ / ٤٢٥ ]
رواه أحمد (١٥٤٥٠)، وروى نحوه أبو داود (٥٠١)، والنسائي (٦٣٣). أنَّ المراد بالأول من الصبح ما نسميه الأذان الثاني.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٦٢٦) عن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ».
فالمراد بقولها: «بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْر» هو الأذان الثاني في عرفنا قطعًا فإنَّ صلاة النبي ﷺ للركعتين الخفيفتين تكون بعد الأذان الثاني في عرفنا، وقولها: «بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ» ظاهر في هذا، وهكذا قولها: «حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ» ظاهر في هذا المعنى أيضًا.
ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٨٩٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: كَمْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَذِّنُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ:
«أَذَانَيْنِ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَذَّنَ بِالْأُولَى فَأَمَّا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فَإِقَامَةٌ، إِقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ، كَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا التَّأَذِينُ لِجَيْشٍ أَوْ رَكْبٍ سَفَرٍ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ، فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ لِيَجْتَمِعُوا لَهَا فَأَمَّا رَكْبٌ هَكَذَا، فَإِنَّمَا هِيَ الْإِقَامَةُ».
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قلت: هذا أثر صحيح.
وسبق ما رواه ابن وهب في [جامعه] (٤٨١) قال عبد الله وأسامة قال نافع:
«وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى الْفَجْرَ أَذَّنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ بِالنِّدَاءِ الْأُولَى، وَيَقُولُ فِي آذَانِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ».
وسبق ما رواه ابن شَبَّةَ في [تاريخ المدينة] (١٦٤٩)، والبيهقي في [الكبرى] (١٨٣٤) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَذَكَرَ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَرُؤُيَاهُ إِلَى أَنْ قَالَ: «ثُمَّ زَادَ بِلَالٌ فِي التَّأْذِينِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ بِلَالًا أَتَى بَعْدَ مَا أَذَّنَ التَّأْذِينَةَ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيُؤْذِنَ النَّبِىَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّبِي ﷺ نَائِمٌ. فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. فَأُقِرَّتْ فِي التَّأْذِينِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ».
وأصله عند ابن ماجه (٧١٦).
وبهذا يتبيَّن أنَّ "الأولى من الصبح" في عرف الصحابة والتابعين هو ما يسميه من جاء بعدهم بالأذان الثاني، والذي ينبغي أن تحمل الأدلة على العرف السابق لا على العرف الحادث.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وبهذا يتبيَّن أنَّ الصحيح من أقوال العلماء هو أن التثويب يقال في أذان الفجر وهو ما نسميه الأذان الثاني دون الأذان الذي يكون بليل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ١٠٩) -عند كلامه على التثويب في أذان الفجر -:
«ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك وهذا لأنَّ الصبح مظنة نوم الناس في وقتها فاستحب زيادة ذلك فيها بخلاف سائر الصلوات وسواء أذن مغلسًا أو مسفرًا لأنَّه مظنة في الجملة» اهـ.
قلت: قوله: «وسواء أذن مغلسًا أو مسفرًا» يدل على أنَّ التثويب يقال في الأذان الثاني، وذلك أنَّ التغليس والإسفار يكونان بعد طلوع الفجر.
وقال العلامة الحجاوي الحنبلي ﵀ في [الإقناع] (١/ ٧٧):
«ويسن أن يقول في آذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين بعد الحيعلة سواء أذن مغلسًا أو مسفرًا وهو التثويب».
* * *
[ ٢ / ٤٢٨ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ».
الحديث رواه البخاري (٦١١)، ومسلم (٣٨٣) بلفظ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ».
وأمَّا اللفظ الذي ذكره المؤلف فهو وارد خارج الصحيحين.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - احتج به من قال بوجوب إجابة المؤذن وهم الحنفية والظاهرية، وابن وهب، وخالفهم في ذلك جمهور العلماء فذهبوا إلى استحباب الإجابة وصرفوا الأمر في هذا الحديث من الوجوب إلى الاستحباب لما رواه مسلم (٣٨٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَلَى الْفِطْرَةِ". ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَرَجْتَ مِنْ النَّارِ". فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى».
والشاهد منه أنَّ النبي ﷺ لم يجب أذان الراعي ولو كان واجبًا لأجابه.
٢ - احتج به من قال: يقال في الحيعلتين مثل ما يقول المؤذن.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وهذا القول ضعيف فإنَّ حديث أبي سعيد مخصوص بما رواه مسلم (٣٨٥) عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
وبما رواه البخاري (٦١٢) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى نَحْوَهُ.
قَالَ يَحْيَى وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَاَ حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨):
«واختلف العلماء: هل يجيب المؤذن، فيقول كقوله في جميع ما يقول، أم لا؟
فقالت طائفة: يقول مثل ما يقول سواء في جميع أذانه؛ لظاهر حديث أبي سعيد.
وفي "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول".
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وقد روي عن طائفة من السلف، أنَّهم قالوا: يقول مثل قول المؤذن، ولم يستثنوا، منهم: النخعي:
وروي عن أبي عمر، أنَّه كان يقول مثل ما يقول المؤذن.
وهو ظاهر قول الخرقي من أصحابنا.
وقالت طائفة: يقول كقوله، إلَّا في قوله: "حي على الصلاة، حي على الفلاح "، فإنَّه يقول: "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله".
وهذا مروي عن الحسن، وهو منصوص عن أحمد، والشافعي، وهو قول طائفة من الحنفية والمالكية.
وهؤلاء؛ جعلوا حديث أبي سعيد وما في معناه عامًا، وحديث عمر ومعاوية وما في معناهما خاصة، فتقضي على النصوص العامة.
ومن الحنفية من قال: يقول عند قوله: "حي على الصلاة": "لا حول ولا قوة إلَّا بالله". وعند: "حي على الفلاح": "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن".
وقالت طائفة: هو مخير بين أن يقول مثل قول المؤذن في الحيعلة، وبين أن يقول: "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله"، وجمعوا بين الأحاديث بذلك، وهذا قول أبي بكر الأثرم ومحمد بن جرير الطبري.
وقالت طائفة: بل يجمع بين أن يقول مثل قول المؤذن، وبين قوله: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله".
وهذا قول بعض أصحابنا، وهو ضعيف؛ لأنَّ الجمع لم يرد.
[ ٢ / ٤٣١ ]
وكان بعض شيوخنا يقول: يجمع بين الأحاديث في هذا بأنَّ من سمع المؤذن وهو في المسجد قال مثل قوله، فإن سمعه خارج المسجد قال: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله"؛ لأنَّه يحتاج إلى سعي فيستعين بالله عليه.
وقالت طائفة: يجيب المؤذن إلى آخر الشهادتين، ولا يجيبه فيما زاد على ذلك، وهو رواية عن مالك.
وفي "تهذيب المدونة": أنَّه يجيبه إلى قوله: "اشهد أنَّ محمدًا رسول الله"، وإن أتم الأذان معه فلا بأس.
وظاهره: أنَّه يتمه معه بلفظ الأذان.
وهؤلاء؛ قد يحتجون ببعض روايات حديث معاوية التي فيها الإجابة إلى الشهادتين، ولكن قد روي عنه عن وجوه: إجابته في تمام الأذان.
وروي من حديث الحكم بن ظهير، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، أنَّ النبي ﷺ أجاب المؤذن إلى الشهادتين، ثم سكت.
ذكره أبو بكر الأثرم، وقال: هو حديث واه.
يشير إلى أنَّ الحكم بن ظهير ضعيف جدًا.
وروى أبو نعيم في "كتاب الصلاة": ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي جعفر، قال: كان النبي ﷺ إذا سمع المنادي يقول: "أشهد أن لا إله إلَّا الله" قال: "وأنا". وإذا قال: "أشهد أن محمدًا رسول الله" قال: "وأنا"، ثم سكت.
وهذا مرسل.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وحكى ابن عبد البر عن قوم، أنَّهم رأوا إجابة المؤذن الحيعلتين خاصة. وعن قوم. أنَّهم رأوا إجابته في الشهادتين خاصة، دون ما قبلهما وبعدهما.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن قتادة، أنَّ عثمان كان إذا سمع المؤذن يؤذن يقول كما يقول، في التشهد والتكبير كله، فإذا قال: "حي على الصلاة" قال: ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلَّا بالله. فإذا قال: "قد قامت الصلاة" قال: مرحبًا بالقائلين عدلًا، وبالصلاة مرحبًا وأهلاَّ. ثم ينهض إلى الصلاة.
وبإسناده عن مجاهد، أنَّه كان إذا قال المؤذن: "حي على الصلاة" قال: المستعان الله. فإذا قال: "حي على الفلاح" قال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله.
وفي "مسند الإمام أحمد" عن علي بن أبي طالب، انه كان إذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول، فإذا قال: "أشهد أن لا الله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله" قال علي: أشهد أن لا اله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله.
وخرج ابن السني بإسناد لا يصح، عن معاوية، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذن قال: "حي على الفلاح" قال: "اللهم اجعلنا مفلحين".
وذكر ابن جرير بإسناده، عن سعيد بن جبير، أنَّه كان إذا سمع المؤذن يقول: "حي على الصلاة" يقول: سمعنا واطعنا» اهـ.
قلت: أثر عثمان رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٣٦٦)، والطبراني في [الدعاء] (٤٦١) من طريق سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عُثْمَانَ، كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، فَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ،
[ ٢ / ٤٣٣ ]
قَالَ: «مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، وَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا»، ثُمَّ يَنْهَضُ إِلَى الصَّلَاةِ.
قلت: إسناده منقطع فقتادة لم يدرك عثمان.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٩٧٧٣) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا، ثُمَّ يَنْهَضُ إِلَى الصَّلَاةِ».
ورواه ابن شبة في [تاريخ المدينة] (٣/ ٩٦١) حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، يَقُولُ: رَأَيْتُ الْمُؤَذِّنَ يَأْتِي عُثْمَانَ ﵁ فَيَقُولُ: الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَيَقُولُ عُثْمَانُ: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا».
قلت: الواقدي متروك وفي الإسناد بعض المجاهيل.
ورواه الطبراني في [الدعاء] (٤٥٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا أَبِي، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ حُنَيْفِ الْمُؤَذِّنِ، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ ﵁ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا».
قلت: محمد بن عثمان بن أبي شيبة مختلف فيه منهم من وثقه ومنهم من كذبه وعلى كل لا يحتج به، وحنيف قال فيه ابن معين شيخ.
ورواه الطبراني في [الدعاء] (٤٦٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ
[ ٢ / ٤٣٤ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، عَنْ عُثْمَانَ، ﵁ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا».
قلت: عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف، والقرشي لم أعرفه.
وهو في [المطالب العالية] (٢٤٠، ٣٩٠٨) بإسقاط القرشي.
والذي يظهر عدم ثبوت الأثر عن عثمان ﵁، وقد وقع فيه الإختلاف متى كان يقول: «مَرْحَبًا بِالْقَائِلِينَ عَدْلًا، وَبِالصَّلَاةِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا».
قلت: الصحيح في ذلك أنَّ المردد خلف المؤذن يقول مثل ما يقول المؤذن إلَّا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلَّا بالله كما جاءت بذلك السنة وحديث أبي سعيد هذا من العام المخصوص. والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٣/ ١٢٩):
«ولهذا كان المسنون أن يقول كما يقول المؤذن إلَّا في الحيعلة فإنَّه يقول: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله" كما جاء مفسرًا في رواية عمر وغيره نص عليه.
واستحب بعض أصحابنا أن يجمع بين ذلك وبين الحيعلة أخذًا بظاهر القول: "فقولوا مثل ما يقول". مع أمره بالحوقلة والصحيح الأول لأنَّ الروايات المفسرة من أمره وقوله تبين الرواية المطلقة، ولأنَّ كلمات الأذان كلها ذكر لله سبحانه فاستحب ذكر الله سبحانه عند ذلك أمَّا الحيعلة فإنَّها دعاء للناس إلى الصلاة وسامع المؤذن لا يدعو أحدًا فلم يستحب أن يتكلم بما لا فائدة فيه لكن لما كان هو من جملة المدعوين شرع له أن يقول ما يستعين به على أداء ما دعي إليه وهو لا حول ولا قوة إلَّا بالله» اهـ.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
قلت: وأمَّا إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم فقد ذهب جمع من العلماء إلى استحباب قول المجيب صدقت وبررت. قالوا: لأنَّ إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وليس هو بذكر حتى يأتي به بلفظه.
قلت: ولا أصل لذلك في السنة كما صرح بذلك جمع من العلماء.
قال الأمير الصنعاني ﵀ في [سبل السلام] (١/ ١٢٧):
«وهل يجيب عند الترجيع أو لا يجيب وعند التثويب فيه خلاف. وقيل يقول في جواب التثويب صدقت وبررت. وهذا استحسان من قائله وإلَّا فليس فيه سنة تعتمد» اهـ.
قلت: وقد ذهب إلى ذلك كثير من علماء الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية والمشهور عن المالكية أنَّه لا يقال شيء عندها. واختار العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والعلامة ابن عثيمين أنَّه يقال عندها مثل ما يقول المؤذن عملًا بعموم هذا الحديث ونحوه.
والأظهر السكوت لأنَّه ليس بذكر، ولأنَّ المؤذن يخاطب غيره بذلك، والسامع لا يخاطب أحدًا.
ومثل ذلك إذا قال المؤذن: صلوا في رحالكم، أو صلوا في بيوتكم، ولا أعلم من قال بالترديد وراء المؤذن في ذلك.
فائدة: قول المؤذن عند نزوال الأمطار ونحوها: صلوا في بيوتكم أوفي رحالكم جاء على ثلاث صور:
الصورة الأولى: بدل الحيعلة.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
فقد روى البخاري (٩٠١)، ومسلم (٦٩٩) أَنَّ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: «إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا قَالَ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ».
وفيه احتمالان:
الأول: أن يقول ذلك بدلًا عن الحيعلتين وهو الظاهر من قوله: «فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ».
والآخر: أن لا يبادر إلى قوله حيَّ على الصلاة ويقدم عليه قوله: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ».
قال في [طرح التثريب] (٢/ ٣٢٠):
«وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ أَذَانٌ كَامِلٌ زَادَ فِيهِ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ لَا تَقُلْهَا بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ بَلْ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ أَوَّلًا وَأَتِمَّ الْأَذَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ» اهـ.
وقال العلامة زكريا الأنصاري الشافعي ﵀ في [أسنى المطالب] (١/ ١٣٣):
«قَالَ فِي "الْمُهِمَّاتِ" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُهُ عِوَضًا عَنْ الْحَيْعَلَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ يَعْنِي النَّوَوِيَّ مِنْ كَوْنِهِ يَقُولُهُ بَعْدَهَا انْتَهَى وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ» اهـ.
قلت: حمل الحديث على قولها بعد الحيعلتين تأويل فيه بعد وتكلف.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وهناك من أهل العلم من فهم أنَّ الحذف يكون لجملة حيَّ على الصلاة دون حيَّ على الفلاح.
ومنهم الحافظ ابن خزيمة ﵀ في [صحيحه] (٣/ ١٨٠):