قُلْتُ: ولا يدخل في هذا تحويط القبر بالحجارة فإنَّ هذا لا يشرع وهو من البناء على القبور.
وقد روى مسلم (٩٧٠) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ».
قَالَ الْعلَّامَةُ أَبُو مَحَمَدٍ الْقَيْرَوَانِي ﵀ فِي [النَّوَادِرِ] (١/ ٦٥٢):
[ ٥ / ٤٧٢ ]
«من الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم: وكره مالك أن يرصص على القبور بالحجارة والطين، أو يبنى عليها بطوب أو حجارة» اهـ.
وأمَّا ما ذكره ابْنُ عَابِدِيْنَ الْحَنَفِي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٢٣٧) من قوله:
«نَعَمْ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْكُبْرَى: وَالْيَوْمَ اعْتَادُوا التَّسْنِيمَ بِاللَّبِنِ صِيَانَةً لِلْقَبْرِ عَنْ النَّبْشِ، وَرَأَوْا ذَلِكَ حَسَنًا. وَقَالَ ﷺ "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ". اهـ» اهـ. فهو خطأ محض لمخالفته للسنة في النهي عن البناء على القبور.
مسألة: إدخال الميت من قبل رجلي القبر.
روى أبو داود (٣٢١١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرِ، وَقَالَ: «هَذَا مِنَ السُّنَّةِ».
قُلْتٌ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَيُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ" الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ "رِجْلَيْهِ" يَعُودُ إلَى الْقَبْرِ. أَيْ: مِنْ عِنْدِ مَوْضِعِ الرِّجْلَيْنِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ رَأْسُ الْمَيِّتِ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ، ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا إلَى الْقَبْرِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُوضَعُ الْجِنَازَةُ عَلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يُدْخَلُ الْقَبْرَ مُعْتَرِضًا؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَلِأَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ
[ ٥ / ٤٧٣ ]
رَأَى أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يُدْخِلُونَ مَوْتَاهُمْ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَأَنَّ السَّلَّ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، "أَنَّ الْحَارِثَ أَوْصَى أَنْ يَلِيَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْقَبْرَ، فَأَدْخَلَهُ مِنْ رِجْلَيْ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا السُّنَّةُ".
وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا" وَمَا ذُكِرَ عَنْ النَّخَعِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَنْ يُغَيِّرُوا سُنَّةً ظَاهِرَةً فِي الدَّفْنِ إلَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، أَوْ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ.
قَالَ: وَلَمْ يُنْقَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَوْ ثَبَتَ فَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فِعْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ أَخْذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مِنْ رَأْسِ الْقَبْرِ، فَلَا حَرَجَ فِيهِ، لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ أَخْذِهِ مِنْ رِجْلَيْ الْقَبْرِ، إنَّمَا كَانَ طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ فَإِذَا كَانَ الْأَسْهَلُ غَيْرَهُ كَانَ مُسْتَحَبًّا. قَالَ أَحْمَدُ ﵀: كُلٌّ لَا بَأْسَ بِهِ» اهـ.
مسألة: وضع القطيفة في القبر.
روى مسلم (٩٦٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ».
وقد قيل: إنَّ الذي ألقاها شقران ولا يثبت فروى ابن ماجه (١٦٢٨) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعَثُوا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ،
[ ٥ / ٤٧٤ ]
وَكَانَ يَضْرَحُ كَضَرِيحِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَبَعَثُوا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ هُوَ الَّذِي يَحْفِرُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَلْحَدُ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِمَا رَسُولَيْنِ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ خِرْ لِرَسُولِكَ، فَوَجَدُوا أَبَا طَلْحَةَ، فَجِيءَ بِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ جِهَازِهِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَالًا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا الصِّبْيَانَ، وَلَمْ يَؤُمَّ النَّاسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ، لَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُحْفَرُ لَهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: يُدْفَنُ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَالَ قَائِلُونَ: يُدْفَنُ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ" قَالَ: فَرَفَعُوا فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ عَلَيْهِ، فَحَفَرُوا لَهُ، ثُمَّ دُفِنَ ﷺ، وَسَطَ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَقُثَمُ أَخُوهُ وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ وَهُوَ أَبُو لَيْلَى، لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحَظَّنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: انْزِلْ، وَكَانَ شُقْرَانُ مَوْلَاهُ، أَخَذَ قَطِيفَةً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَدَفَنَهَا فِي الْقَبْرِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَلْبَسُهَا أَحَدٌ بَعْدَكَ أَبَدًا، فَدُفِنَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: حسين بن عبد الله ضعيف.
ويقال إنَّ السبب في وضعها أنَّ المدينة أرض سبخة أي مالحة.
[ ٥ / ٤٧٥ ]
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٥٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «جُعِلَ فِي لَحْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، كَانَ أَصَابَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ» قَالَ: فَجَعَلُوهَا لِأَنَّ الْمَدِينَةَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى الحسن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ٣٧٧):
«وَيُسْتَحَبُّ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ، كَالْمِخَدَّةِ لِلْحَيِّ، وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَيُكْرَهُ قَطِيفَةٌ تَحْتَهُ، لِكَرَاهَةِ الصَّحَابَةِ. وَنَصُّهُ: لَا بَأْسَ بِهَا مِنْ عِلَّةٍ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ شُقْرَانَ وَضَعَهَا تَحْتَ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمْ، وَيُكْرَهُ مِخَدَّةٌ "و" وَالْمَنْصُوصُ: مُضَرَّبَةٌ "و" قَالَ أَحْمَدُ: مَا أُحِبُّهُمَا.
وَيُدْنِيهِ مِنْ قِبْلَةِ اللَّحْدِ، وَيُسْنَدُ مِنْ خَلْفِهِ، وَيُنْصَبُ عَلَيْهِ لَبِنٌ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٤):
«هَذِهِ الْقَطِيفَةُ أَلْقَاهَا شُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ كَرِهْتُ أَنْ يَلْبَسَهَا أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ وَضْعِ قَطِيفَةٍ أَوْ مِضْرَبَةٍ أَوْ مِخَدَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ وَشَذَّ عَنْهُمُ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالَ فِي كِتَابهِ التَّهْذِيبِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّوَابُ كَرَاهَتُهُ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ شُقْرَانَ انْفَرَدَ بِفِعْلِ ذَلِكَ لَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا عَلِمُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ شُقْرَانُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ أَنْ يَلْبَسَهَا أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهَا وَيَفْتَرِشُهَا فَلَمْ
[ ٥ / ٤٧٦ ]
تَطِبْ نَفْسُ شُقْرَانَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهَا أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فروى البيهقي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْعَلَ تَحْتَ الْمَيِّتِ ثَوْبٌ فِي قَبْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْقَطِيفَةُ كِسَاءٌ له خمل» اهـ.
مسألة: في الكتابة على القبر.
جاء في النهي عن ذلك ما رواه الترمذي (١٠٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ " وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فِي تَطْيِينِ القُبُورِ "، وقَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَا بَأْسَ أَنْ يُطَيَّنَ القَبْرُ» اهـ.
ورواه أبو داود (٣٢٢٦) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عُثْمَانُ: «أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ»، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: «أَوْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ: «أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «خَفِيَ عَلَيَّ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ حَرْفُ وَأَنْ» اهـ.
ورواه ابن ماجه (١٥٦٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْقَبْرِ شَيْءٌ».
[ ٥ / ٤٧٧ ]
وروى النسائي (٢٠٢٧) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ» زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: «أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ».
قُلْتُ: الصحيح رواية حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر، وهذا إسناد منقطع بين سليمان وجابر.
قَالَ في [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٤/ ١٣٣):
«قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنِ الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا كَكِتَابِ اسْمِ صَاحِبِ الْقَبْرِ وَتَارِيخِ وَفَاتِهِ أَوْ كِتَابَةِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلتَّبَرُّكِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُوطَأَ أَوْ يَسْقُطَ عَلَى الْأَرْضِ فَيَصِيرَ تَحْتَ الْأَرْجُلِ.
قَالَ الْحَاكِمُ بَعْدَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ الْإِسْنَادُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ يَكْتُبُونَ عَلَى قُبُورِهِمْ وَهُوَ شَيْءٌ أَخَذَهُ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ وَلَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ فِيهِ تَحْرِيمُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقُبُورِ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ كِتَابَةِ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْقَبْرِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ اسْتَثْنَتِ الْهَادَوِيَّةُ رَسْمَ الِاسْمِ فَجَوَّزُوهُ لَا عَلَى وَجْهِ الزَّخْرَفَةِ قِيَاسًا عَلَى وَضْعِهِ ﷺ الْحَجَرَ عَلَى قَبْرِ عُثْمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ وَقَدْ قَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ لَا أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ كَمَا قَالَ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ وَلَكِنِ الشَّأْنُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْقِيَاسِ انْتَهَى» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِ الْمَالِكِي ﵀ في [الْمَدْخَلِ] (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣):
[ ٥ / ٤٧٨ ]
«وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ نَقْشِ اسْمِ الْمَيِّتِ وَتَارِيخِ مَوْتِهِ عَلَى الْقَبْرِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ فِي الْحَجَرِ الْمُعَلَّمِ بِهِ قَبْرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ مِنْ السُّنَّةِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ كَانَ النَّقْشُ عَلَى الْبِنَاءِ الَّذِي اعْتَادُوهُ عَلَى الْقَبْرِ مَعَ كَوْنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ مَمْنُوعًا كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ كَانَ فِي بَلَاطَةٍ مَنْقُوشَةٍ أَوْ فِي لَوْحٍ مِنْ خَشَبٍ. وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عَمُودٍ كَانَ رُخَامًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالرُّخَامُ أَشَدُّ كَرَاهَةً. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَمُودُ مِنْ خَشَبٍ فَيُمْنَعُ أَيْضًا. ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى الْبِدْعَةِ كَيْفَ تَجُرُّ إلَى الْمُحَرَّمِ أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمَّا أَنْ ارْتَكَبَ بِدْعَةَ النَّقْشِ، وَفِي ذَلِكَ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَاحْتَوَتْ مَعَ ذَلِكَ عَلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى اسْمِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ حُرْمَةٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ثُمَّ تَنْدَثِرُ تِلْكَ التُّرْبَةُ وَيَنْدَثِرُ أَهْلُهَا وَمَعَارِفُهَا فَيَقَعُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ إنْ سَلِمَ مِنْ السَّرِقَةِ، وَقَدْ يَبِيعُهُ السَّارِقُ لِمَنْ يَجْعَلُهُ فِي مَوَاضِعَ لَا تَلِيقُ بِهِ مِثْلُ عَتَبَةِ بَابٍ أَوْ فِي مَوْضِعِ مِرْحَاضٍ وَيَجْعَلُ نَاحِيَةَ الْكِتَابَةِ إلَى الْأَرْضِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَلَا يَشْعُرُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ فِيهِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ لِنَصْرَانِيٍّ أَوْ يَهُودِيٍّ فَذَلِكَ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ امْتِهَانَ مَا تُعَظِّمُهُ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، وَإِنْ سَلِمَ مِنْ السَّرِقَةِ فَيَبْقَى مَوْطُوءًا بِالْأَقْدَامِ مُمْتَهَنًا حَتَّى كَأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ. وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يُوقَفَ عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ عَمُودٌ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَشْ عَلَيْهِ شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رُخَامٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخُيَلَاءِ وَالسَّرَفِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَمَا بَالُك بِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ. وَفِيهِ مِنْ الْقُبْحِ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يُرِيدُ الظُّهُورَ وَبَقَاءَ اسْمِهِ وَأَثَرِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ إنْ كَانَ وَصَّى بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ
[ ٥ / ٤٧٩ ]
يُحِبُّهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَفَعَلَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَبِدْعَةُ ذَلِكَ مُخْتَصَّةٌ بِفَاعِلِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ» اهـ.
وَقَالَ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِي ﵀ في [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (٢/ ٢٤٣):
«وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةٌ وَيَكْتُبُ فِيهَا» اهـ.
وقَالَ الْسَّمَرْقَنْدِي الْحَنَفِي ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ] (١/ ٢٥٦)
«وَعَنْ أبي يُوسُف أَنه قَالَ أكره أَنْ يكْتب عَلَيْهِ لما رُوِيَ عَنْ النَّبِي ﵇ أَنه نهى عَنْ تربيع الْقُبُور وَعَنْ تجصيصها وَعَنْ الْكِتَابَة عَلَيْهَا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٩٨):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُكْرَهُ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ اسْمُ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُكْرَهُ» اهـ.
قُلْتُ: والأحكام المتعلقة بالدفن متعددة اقتصرنا على بعضها.
مسألة: في تغطية اللحد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٧٢):
«فَإِذَا فَرَغُوا نَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا. وَيُسَدُّ خَلَلُهُ بِالطِّينِ لِئَلَّا يَصِلَ إلَيْهِ التُّرَابُ، وَإِنْ جَعَلَ مَكَانَ اللَّبِنِ قَصَبًا، فَحَسَنٌ.
لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ: جُعِلَ عَلَى لَحْدِ النَّبِيِّ ﷺ طُنُّ قَصَبٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ.
قَالَ الْخَلَّالُ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَمِيلُ إلَى اللَّبِنِ، وَيَخْتَارُهُ عَلَى الْقَصَبِ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ. وَمَالَ إلَى اسْتِحْبَابِ الْقَصَبِ عَلَى اللَّبِنِ، وَأَمَّا الْخَشَبُ فَكَرِهَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
[ ٥ / ٤٨٠ ]
وَرَخَّصَ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ اسْتِحْبَابُ اللَّبِنِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْقَصَبِ؛ لِقَوْلِ سَعْدٍ: انْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ. ﷺ وَقَوْلُ سَعْدٍ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَرَ، وَلَمْ يَحْضُرْ، وَأَيُّهُمَا فَعَلَهُ كَانَ حَسَنًا. قَالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَبِنٌ؟ قَالَ يُنْصَبُ عَلَيْهِ الْقَصَبُ وَالْحَشِيشُ، وَمَا أَمْكَنَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ» اهـ.
قُلْتُ: وجاء في استعمال الإذخر في القبور ما رواه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ».
وكانوا يستعملونه بين اللبنات حتى لا يدخل التراب إلى الميت.
مسألة: في تسنيم القبور.
والتسنيم أحسن من التسطيح والتربيع.
لما رواه البخاري (٢/ ١٠٣) عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: «أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٧٧):
«فَصْلٌ: وَتَسْنِيمُ الْقَبْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَسْطِيحِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَسْطِيحُهُ أَفْضَلُ. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ. وَعَنْ الْقَاسِمِ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُسَطَّحَةً. وَلَنَا مَا رَوَى سُفْيَانُ التَّمَّارُ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى
[ ٥ / ٤٨١ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِشِعَارِ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَكَانَ مَكْرُوهًا.
وَحَدِيثُنَا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَصَحُّ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى» اهـ.
قُلْتُ: كلام القاسم لا يثبت رواه الشافعي بلاغًا كما في [الْمَعْرِفَةِ] (٥/ ٣٣٠) برقم (٧٧٢٧) للبيهقي حيث قال: وَقَدْ بَلَغَنَا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مُسَطَّحَةً.
مسألة: ويستحب الانتظار بعد الدفن للدعاء للميت بالتثبيت والاستغفار له.
لما رواه أبو داود (٣٢٢١) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وروى مسلم (١٢١) عَنْ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ، وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي».
مسألة: في ضرب الفسطاط على القبور بعد الدفن.
[ ٥ / ٤٨٢ ]
روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٢٠٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي عَطَاءٍ قَالَ: «شَهِدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ حِينَ مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائفِ كَبَّرَ أَرْبَعًا وَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ حَتَّى أَدْخَلَهُ قَبْرَهُ وَضَرَبَ عَلَيْهِ فُسْطَاطًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٥٠) من طريق عمران به.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وروى أحمد (٧٩١٤) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: «لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ، وَأَسْرِعُوا بِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ السُّوءُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: يَا وَيْلَهُ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي؟ "».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٤٨) ثنا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ لَا يَضْرِبُوا عَلَى قَبْرِهِ فُسْطَاطًا.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وابن مهران صدوق احتج به مسلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٧٨):
«وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُضْرَبَ عَلَى الْقَبْرِ فُسْطَاطٌ وَأَوْصَى أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَنْ لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا» اهـ.
قَالَ الْعلَّامَةُ أَبُو مَحَمَدٍ الْقَيْرَوَانِي ﵀ فِي [النَّوَادِرِ] (١/ ٦٦٥):
[ ٥ / ٤٨٣ ]
«قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ضرب الفسطاط على قبر الْمَرْأَة أجوز منه على قبر الرجل، لما يستر منها عند إقبارها، وقد ضربه عمر على قبر زينب بنت جحش، فأما على قبر الرجل فأجيز، وكره، ومن كرهه، فإنما كرهه من جهة النفخة والسمعة، وكرهه أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وابن المسيب، وقد ضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس، أقام عليه ثلاثة أَيَّام. فأراه واسعًا، ولا بأس أن يقر عليه ليومين والثلاثة، ويبات فيه إذا خيف من نبش، أو غيره. وإن عائشة ضربته على قبر أخيها، فنزعه ابن عمر» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر أنَّ الفسطاط لا يضرب عند القبر إلَّا دعت الحاجة كأن يخشى من نبش القبر.
وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٥١) ثنا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّ عُمَرَ، «ضَرَبَ عَلَى قَبْرِ زَيْنَبَ فُسْطَاطًا».
فلا يثبت فأبو معشر نجيح بن عبد الرحمن ضعيف مختلط، وابن المنكدر عن عمر منقطع.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٢٠٧) عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ قَالَ: «أَوَّلُ فُسْطَاطٍ ضُرِبَ عَلَى قَبْرِ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَعَلَى قَبْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا».
قُلْتُ: يحيى بن العلاء متروك ورمي بالوضع.
مسألة: في التلقين بعد الدفن.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
[ ٥ / ٤٨٤ ]
رواه مسلم (٩١٦، ٩١٧) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.
وهذا الحديث محمول عند العلماء على التلقين عند نزول الموت، وليس بعد الدفن.
وجاء في التلقين بعد الدفن ما لا يثبت من الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (١/ ٣٧٣):
«سئل أحمد ﵁ عن تلقين الميت في قبره فقال: ما رأيت أحدًا يفعله، إلَّا أهل الشام» اهـ.
قُلْتُ: وقد استحب ذلك كثير من المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٢٩٦):
«هَذَا التَّلْقِينُ الْمَذْكُورِ قَدْ نُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِهِ كَأَبِي أمامة الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِ. وَرُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُ مِمَّا لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ؛ وَلَمْ يَكُنْ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ هَذَا التَّلْقِينَ لَا بَأْسَ بِهِ فَرَخَّصُوا فِيهِ وَلَمْ يَأْمُرُوا بِهِ، وَاسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ.» اهـ.
وَقَالَ (٢٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨):
[ ٥ / ٤٨٥ ]
«تَلْقِينُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ وَاجِبًا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِ بَيْنَهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ. بَلْ ذَلِكَ مَأْثُورٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ كَأَبِي أمامة وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ. فَمِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَقَدْ اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَكْرَهُهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ. فَالْأَقْوَالُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ: الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ. فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَلَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهَا فِي الْأُخْرَى. وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِيهَا لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ قَبْرِهِ بِفَوَاتِحِ الْبَقَرَةِ وَخَوَاتِيمِهَا، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَالْقِرَاءَةُ عِنْدَ الدَّفْنِ مَأْثُورَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَلْ فِيهِ أَثَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ (٢٤/ ٢٩٩):
«وَأَمَّا تَلْقِينُ الْمَيِّتِ فَقَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّين مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَاسْتَحْسَنُوهُ أَيْضًا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي، وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ نَفْسُهُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِيهِ شَيْءٌ. وَمِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ يَفْعَلُهُ، كَأَبِي أمامة الْبَاهِلِيِّ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ. وَمِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد مَنْ اسْتَحَبَّهُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: الأظهر ترك ذلك لأنَّه لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من هدي الخلفاء الراشدين والثابت في السنة قول النبي ﷺ «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ». ولم يقل: لقنوه.
[ ٥ / ٤٨٦ ]
مسألة: في رش القبر وتطيينه، وتحصيبه.
لا بأس بذلك حتى لا يندثر وتزول معالمه.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٩٨):
«يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْقَبْرِ حَصْبَاءُ وَهُوَ الْحَصَا الصِّغَارُ لِمَا سَبَقَ وَأَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ» اهـ.
وَقَالَ (٥/ ٢٩٨):
«وَأَمَّا تَطْيِينُ الْقَبْرِ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يكره ونقل أبوعيسى الترمذي في جامعه المشهور أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ لَا بَأْسَ بِتَطْيِينِ الْقَبْرِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ لَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ» اهـ.
وقَالَ أَبُو دَاودَ ﵀ فِي [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ] (ص: ٢٢٤):
«سَمِعْتُ أَحْمَدَ، سُئِلَ عَنْ تَطْيِينِ الْقُبُورِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٧٦):
«وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَشَّ عَلَى الْقَبْرِ مَاءٌ لِيَلْتَزِقَ تُرَابُهُ» اهـ.
قُلْتُ: ولا يثبت في ذلك شيء من السنة.
ذكر بعض المسائل المتعلقة بتشييع الجنازة.
يحرم رفع الصوت بالتهليل وغيره من الأذكار عند تشييع الجنازة لأنَّه من البدع والمحدثات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْأَذْكَارِ] (١٦٠):
[ ٥ / ٤٨٧ ]
«اعلم أنَّ الصواب المختار ما كان عليه السلف ﵃: السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوتًا بقراءة، ولا ذكر، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره، وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترن بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: ألزم طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين» اهـ.
قُلْتُ: وقد كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز مطلقًا.
فروى وكيع في [الزُّهْدُ] (٢٠٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٩٧٤) حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَادٍ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ وَعِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الذِّكْرِ».
قُلْتُ: وَسَنَدُهُ صَحِيْحٌ.
واستحب أكثر العلماء السير أمام الجنازة.
لما رواه أحمد (٤٥٣٩)، وأبو داود (٣١٧٩)، والترمذي (١٠٠٨)، والنسائي (١٩٤٤، ١٩٤٥)، وابن ماجه (١٤٨٢) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ».
قُلْتُ: لكن حفاظ الحديث رجحوا إرساله.
قَالَ الْحَافِظُ التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي [سُنَنِه] (٣/ ٣٣٠):
[ ٥ / ٤٨٨ ]
«حديث ابن عمر هكذا رواه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد عن الزهري عن سالم عن أبيه نحو حديث ابن عيينة وروى معمر ويونس بن يزيد ومالك وغير واحد من الحفاظ عن الزهري أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يمشي أمام الجنازة قال الزهري وأخبرني سالم أنه أباه كان يمشي أمام الجنازة وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ النَّسَائِي ﵀ فِي [سُنَنِه] (٤/ ٥٦): «هذا خطأ والصواب مرسل» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر الحافظ الْدَارَقُطْنِي اختلافًا كثيرًا في هذا الحديث في [الْعِلَلِ] (١٢/ ٢٨٦) وَقَالَ في آخره: «والزهري وإن كان لقي ابن عمر، فإنَّ هذا القول وهم من روايه؛ لأنَّ الحفاظ رووه عن الزهري، عن سالم: أنَّه رأى ابن عمر. وهو الصواب» اهـ.
وروى الترمذي (١٠١٠)، وابن ماجه (١٤٨٣) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ».
قَالَ أَبُو عِيْسَى: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا الحَدِيثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الجَنَازَةِ». قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي سَالِمٌ: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الجَنَازَةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: «هَذَا أَصَحُّ» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في ذلك عدة آثار منها:
[ ٥ / ٤٨٩ ]
ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٢٧)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٢٦٠) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقْدُمُ النَّاسَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ، فِي جَنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٣٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَمْشِيَانِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٣٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا قَتَادَةَ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا أُسَيْدَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ورواية ابن أبي ذئب عن مولى التوأمة قبل الاختلاط.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٤٠) حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ حَتَّى إِذَا تَبَاعَدُوا عَنْهَا قَامُوا يَنْتَظِرُونَهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ من أجل سهيل.
[ ٥ / ٤٩٠ ]
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٤٥) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: «مَشَيْتُ مَعَ الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وأبو مالك هو سعد بن طارق بن أشيم.
قُلْتُ: وأمَّا المشي خلف الجنازة فقد جاء فيها من الحديث:
ما رواه أحمد (٣٥٨٥، ٣٧٣٤، ٣٩٣٩، ٣٩٧٨، ٤١١٠)، وأبو داود (٣١٨٤)، والترمذي (١٠١١)، وابن ماجه (١٤٨٤) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى إِمَامِ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مَاجِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَشْيِ خَلْفَ الجَنَازَةِ؟ قَالَ: «مَا دُونَ الخَبَبِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا عَجَّلْتُمُوهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَلَا يُبَعَّدُ إِلَّا أَهْلُ النَّارِ، الجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَا تَتْبَعُ، وَلَيْسَ مِنْهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا».
قَالَ أَبُو عَيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يُضَعِّفُ حَدِيثَ أَبِي مَاجِدٍ هَذَا، وقَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ الحُمَيْدِيُّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قِيلَ لِيَحْيَى، مَنْ أَبُو مَاجِدٍ هَذَا؟ قَالَ: طَائِرٌ طَارَ فَحَدَّثَنَا اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ جِدًا لضعف يحيى، وأبو ماجدة قال فيه الْدَارَقُطْنِي: مجهول، متروك.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْتِّرْمِذِيُّ ﵀ في [الْعِلَلِ الْكَبِيْر] (١/ ٣٠٦):
[ ٥ / ٤٩١ ]
«سألت محمدًا عن حديث شعبة، عن يحيى، إمام بني تيم الله، عن أبي ماجد، عن عبد الله، قال: سألنا رسول الله ﷺ عن المشي خلف الجنازة فقال: "ما دون الخبب" الحديث. فقال: أبو ماجد منكر الحديث وضعفه جدًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٥/ ٢٣١):
«وهو حديث واه لأجل يحيى الجابر وأبي ماجدة، أما يحيى فضعفوه، منهم أحمد ويحيى والبخاري، قال أحمد: ليس بشيء؛ إنما يحدث عن أبي ماجدة، وذلك غير معروف. وأما أبو ماجد ويقال له: أبو ماجدة أيضًا، واسمه عابد بن نضلة كما قاله أبو حاتم، وهو حنفي، ويقال: عجلي؛ فمجهول منكر الحديث، قال الترمذي والْدَارَقُطْنِي: مجهول. زاد الْدَارَقُطْنِي: وهو متروك. وَقَالَ ابن عدي: منكر الحديث. روى عنه يحيى الجابر إن كان حفظ عنه، سمعت ابن حماد يقوله عن النسائي. وَقَالَ الحاكم أبو أحمد بعد أن روى هذا الحديث في "كناه": أرى أبا ماجدة هذا غير أبي ماجدة الحنفي الذي حديثه ليس بالقائم، وهذا قول آخر في الفرق بينهما، وَقَالَ الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وسمعت البخاري يضعفه، قال محمد: قال ابن عيينة: قيل ليحيى: من أبو ماجدة؟ قال: طائر طار فحدثنا. وفي رواية عن يحيى: إنه منكر الحديث. قُلْتُ: وفي "تاريخ البخاري" هذه الحكاية أيضًا، لكنه قال: "طارئ طرأ علينا فحدثنا" بدل ما ذكره الترمذي» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٥٥) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ مَرِيحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ أُمَّةٍ قُرْبَانٌ وَقُرْبَانُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَوْتَاهَا، فَاجْعَلُوا مَوْتَاكُمْ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ».
[ ٥ / ٤٩٢ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ مريح لم يوثقه معتبر وقد أرسل الحديث.
وروى أحمد (١٠٨٤٣، ١٠٨٩٣)، وأبو داود (٣١٧١) مِنْ طَرِيْقِ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي بَابُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ صَوْتٌ وَلَا نَارٌ، وَلَا يُمْشَى بَيْنَ يَدَيْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ باب لا يعرف حاله، وفيه رجل مبهم يروي عن أبيه ولا يعرف من هو.
وروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٨٢٦) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، ثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَشَى خَلْفَ جَنَازَةِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ حَافِيًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ شيخ الحاكم لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، وبقية مدلس وقد عنعن.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (٥٧٢٠)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٧/ ١٩٣) مِنْ طَرِيْقِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَلَمَةَ الْخَبَائِرِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ، ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْشِي خَلْفَ الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ الخبائري متروك الحديث، والعطار، وعبد الحميد ضعيفان.
[ ٥ / ٤٩٣ ]
وجاء فيها من الآثار ما رواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٥٠، ١١٣٩٩، ١١٨٣٦)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣١٥١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ حَبِيبٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِّ، قَالُوا: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «مِنْ تَمَامِ أَجْرِ الْجِنَازَةِ أَنْ يُشَيِّعَهَا مِنْ أَهْلِهَا وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ عامر تفرد الْدَارَقُطْنِي بتوثيقه وأخبر أنَّه لم يسمع من أبي الدرداء.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٥٣)، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أَبْزَى، قَالَ: كُنْتُ فِي جِنَازَةٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَمَامَهَا وَعَلِيٌّ يَمْشِي خَلْفَهَا قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ لَهُ: الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ أَوِ الْمَشْيُ أَمَامَهَا، فَإِنِّي أَرَاكَ تَمْشِي خَلْفَهَا، وَهَذَانِ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا قَالَ: فَقَالَ لِي: «لَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ مِنْ أَمَامِهَا مِثْلَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْفَذِّ، وَلَكِنَّهُمَا يَسِيرَانِ مُيَسِّرَانِ يُحِبَّانِ أَنْ يُيَسِّرَا عَلَى النَّاسِ».
قُلْتُ: يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث.
ورواه البزار في [الْمُسْنَد] (٤٩٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٦٥٩) مِنْ طَرِيْقِ شعبة عن أبي فروة الجهني عن زائدة الهمداني عن بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه به.
قُلْتُ: زائدة هو ابن خراش لم يوثقه معتبر.
ورواه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٢٢٨) مِنْ طَرِيْقِ سفيان بن عيينة قال: حدثنا أبو فروة الهمداني قال: سمعت سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، يحدث عن أبيه. ولم يذكر زائدة الهمداني.
[ ٥ / ٤٩٤ ]
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٧٦١) حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، مَا تَقُولُ فِي الْمَشْيِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى التَّطَوُّعِ». قَالَ: قُلْتُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا يَكْرَهَانِ أَنْ يُحْرِجَا النَّاسَ».
قُلْتُ: عبد الله بن يسار لم يوثقه معتبر.
وسئل الْدَارَقُطْنِي ﵀ عن هذا الحديث فقال في [الْعِلَلِ] (٤/ ١٢ - ١٣):
«فقال رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبزى حدث به يزيد بن أبي زياد عنه.
ورواه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه.
حدث به عنه زائدة بن خراش الهمداني رواه عنه أبو فروة عروة بن الحارث واختلف عنه رواه شعبة والثوري وأبو الأحوص وأبو حمزة السكري وعمار بن رزيق عن أبي فروة عن زائدة عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه.
ورواه ابن عيينة عن أبي فروة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، ولم يذكر زائدة بن خراش.
ورواه جرير، عن أبي فروة، عن زائدة، عن عبد الرحمن بن أبزى، ولم يذكر ابنه.
وكذلك رواه حجاج بن أرطأة واختلف عنه فقال ابن نمير عن حجاج عن زائدة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه.
[ ٥ / ٤٩٥ ]
وقيل عن يزيد بن هارون عن حجاج عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه وهو وهم وإنما أراد زائدة.
وَقَالَ سويد بن إبراهيم أبو حاتم عن الحجاج عن عثمان أبي اليقظان عن زاذان عن علي.
والصواب قول بن نمير عن حجاج» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٨٣):
«وهو موقوف له حكم المرفوع لكن حكى الأثرم عن أحمد أنَّه تكلم في إسناده» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء مرفوعًا ولا يصح ولفظه: «فَضْلُ الْمَاشِي خَلْفَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْمَاشِي أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاة الْمَكْتُوبَة على التَّطَوُّع».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ في [الْضَّعِيْفَةِ] (٤٠٠٨):
«أخرجه الديلمي (٢/ ٣٣١) عن أبي الشيخ معلقًا، مِنْ طَرِيْقِ مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن علي بن أبي طالب رفعه.
قُلْتُ: وهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيْفٌ؛ مسلسل بالْضُعَفَاءِ: مطرح هذا؛ قال الذهبي: "مجمع على ضعفه"،
وَقَالَ أبو حاتم: "ليس بالقوي في الحديث، روى أحاديث عن علي بن يزيد، فلا أدري البلاء منه أو من علي بن يزيد؟ "، وَقَالَ الآجري عن أبي داود: زعموا أن البلية من قبل علي بن يزيد. قُلْتُ: وهو الألهاني. وقد قال ابن حبان في ابن زحر: "يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات،
[ ٥ / ٤٩٦ ]
وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن؛ لم يكن ذلك الخبر إلاَّ مما عملته أيديهم"!» اهـ.
قُلْتُ: وجاء في الراكب يمشي خلف الجنازة ما رواه أحمد (١٨١٨٧، ١٨١٩٩، ١٨٢٠٦، ١٨٢٣٢)، وأبو داود (٣١٨٠)، والترمذي (١٠٣١)، والنسائي (١٩٤٢، ١٩٤٣، ١٩٤٨) مِنْ طَرِيْقِ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ».
ورواه ابن ماجه (١٤٨١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ، سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ».
قُلْتُ: هكذا رواه روح عن سعيد عن زياد ولم يقل عن أبيه وقد خالفه في ذلك عبد الواحد بن واصل الحداد عند أحمد والنسائي، ووكيع عند أحمد، وإسماعيل بن سعيد بن عبيد الله عند الترمذي، وبشر السري عند النسائي، وخالد بن الحارث عند النسائي.
وهكذا رواه المبارك بن فضالة عن زياد عند أحمد، ويونس بن عبيد عن زياد عند أحمد وأبي داود.
قُلْتُ: وحديث هؤلاء هو المحفوظ.
وقد اختلف أيضًا في رفعه ووقفه كما بيَّن ذلك الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي.
[ ٥ / ٤٩٧ ]
فقد سئل ﵀ عن هذا الحديث فقال في [الْعِلَلِ] (٧/ ١٣٤ - ١٣٦):
«يرويه زياد بن جبير، عن أبيه، واختلف عنه؛ فرواه سعيد بن عبيد الله ثقفي الجبيري، وأخوه المغيرة بن عبيد الله، عن زياد بن جبير مرفوعًا.
ورواه يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، واختلف عنه؛ فرفعه عبد الله بن بكر المزني، عن يونس.
ورواه قبيصة، عن الثوري، عن يونس فشك في رفعه، ووقفه الباقون عن يونس إلَّا أن ابن علية، وعنبسة بن عبد الواحد، قالا: عن يونس، وأهل زياد يرفعونه قال يونس: وأما أنا فلا أحفظ رفعه» اهـ.
قُلْتُ: وخلاصة كلام الحافظ الْدَارَقُطْنِي أنَّه اختلف في رفع الحديث ووقفه على زياد بن جبير فرواه عنه مرفوعًا سعيد بن عبيد الله وأخوه مغيره، وسعيد هذا وثقه أحمد ابن معين وأبي زرعة، وَقَالَ النسائي لا بأس به، وَقَالَ الْدَارَقُطْنِي: ليس بالقوى، يحدث بأحاديث يسندها وغيره يوقفها.
وأخوه المغيرة لم يوثقه معتبر.
قُلْتُ: وقد خالفهما يونس بن عبيد على الصحيح عنه فرواه عن زياد بن جبير فأوقفه، ويونس بن عبيد من الثقات الأثبات.
فالذي يظهر لي أنَّ الوقف أرجح. والله أعلم.
قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٢٨١ - ٢٨٥): «الثانية: فيه أنَّ الأفضل لمشيع الجنازة أن يكون قدامها وفيه مذاهب:
أحدها: هذا وإليه ذهب أبو بكر وعمر وعثمان كما قد عرفته وهو مذهب الشافعي وقول في مذهب مالك وروى ابن أبي شيبة في مُصَنَفِه المشي أمام الجنازة
[ ٥ / ٤٩٨ ]
عن ابن عمر وأبي هريرة والحسن والحسين بن علي وأبي قتادة وأبي أسيد وعبد الله بن الزبير وأصحاب محمد ﷺ وعلقمة والأسود وسالم والقاسم بن محمد ومحمد بن سيرين وعبيد بن عمير.
ورواه الأثرم عن طلحة والزبير وابن عباس وأبي هريرة والسائب بن يزيد وغيرهم وحكاه ابن المنذر أيضًا عن شريح القاضي والزهري ومالك والشافعي وأحمد انتهى.
وحكاه الْخَطَّابِي عن أكثر أهل العلم قال وكان أكثر الصحابة يفعلونه وحكاه ابن عبد البر عن الليث بن سعد والفقهاء المدنيين السبعة وأكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وذكر ابن عبد البر عن سويد بن علقمة قال: إنَّ الملائكة لتمشي أمام الجنازة.
وروى البيهقي عن زياد بن قيس الأشعري قال: "أتيت المدينة فرأيت أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار يمشون أمام الجنازة".
القول الثاني: أنَّ الأفضل أن يكون خلفها وهو مذهب الحنفية وقول في مذهب مالك وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه.
وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي والأوزاعي وفي مصنف ابن أبي شيبة عن سويد بن علقمة قال: الملائكة يمشون خلف الجنازة، وعن أبي الدرداء أنَّ من تمام أجر الجنازة أن يشيعها مع أهلها والمشي خلفها.
[ ٥ / ٤٩٩ ]
وعن أبي معمر أنه قال في جنازة أبي ميسرة: امشوا خلف جنازة أبي ميسرة فإنه كان مشاء خلف الجنائز وعن عبد الرحمن بن أبي أبزى قال: كنت في جنازة وأبو بكر وعمر أمامها وعلي يمشي خلفها فجئت إلى علي فقلت له المشي خلفها أفضل أو أمامها؛ فإني أراك تمشي خلفها وهذان يمشيان أمامها؟ فقال علي: لقد علمنا أن المشي خلفها أفضل من أمامها مثل صلاة الجماعة على الفذ، ولكنهما ميسران يحبان أن ييسرا على الناس.
وحكى الأثرم عن أحمد أنَّه تكلم في إسناده وعن ابن مسعود: الجنازة متبوعة ولا تتبع ليس معها من تقدمها وهو في سنن أبي داود والترمذي مرفوعًا. واتفقوا على ضعفه كما قال النووي.
وعن مسروق قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: "لكل أمة قربان وإن قربان هذه الْأُمة موتاها فاجعلوا موتاكم بين أيديكم".
وعن أبي أمامة لأنَّ لا أخرج معها أحب إلي أن أمشي أمامها وعن علقمة أنه قيل له أتكره المشي خلف الجنازة قال لا إنما يكره السير أمامها وعن الحسن وابن سيرين أنهما كانا لا يسيران أمام الجنازة واستدل لهذا القول بحديث البراء: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع فذكر منها اتباع الجنائز.
وبقوله ﵊: "من تبع جنازة" أجيب عنهما بأنه لا يلزم من اتباعها أن يكون خلفها وَقَالَ البيهقي: الآثار في المشي أمامها أكثر وأصح.
وَقَالَ النووي: أحاديث المشي خلفها كلها ضعيفة.
القول الثالث: أنَّ المشي أمامها وخلفها كلاهما سواء حكاه ابن عبد البر والقاضي عياض والنووي عن سفيان الثوري. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قالت طائفة إنَّما
[ ٥ / ٥٠٠ ]
أنتم متبعون فكونوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها هذا قول مالك بن أنس ومعاوية بن قرة وسعيد بن جبير انتهى.
وروى ابن أبي شيبة عن أنس في الجنازة أنتم مشيعون لها تمشون أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها وعن أبي العالية خلفها قريب وأمامها قريب وعن يسارها قريب وعن يمينها قريب وعن سليمان التيمي قال: رأيت أبا قلابة غير مرة يجعل الجنازة عن يمينه.
القول الرابع: أنَّ الأفضل للماشي أن يكون أمامها، وللراكب أن يكون خلفها وهو المشهور من مذهب مالك وكذا قال الحنابلة ويستحب المشي وأن يكون أمامها فإن ركب فالسنة أن يكون خلفها وكذا حكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يسير الراكب أمامها. وحكاه ابن المنذر عن علقمة.
وأخرج الْخَطَّابِي الراكب عن موضع الخلاف وَقَالَ فأمَّا الراكب فلا أعلمهم اختلفوا في أن يكون خلف الجنازة وتبعه على ذلك الرافعي في "شرح مسند الشافعي" فحكى الاتفاق على أن الراكب يكون خلفها وهو مردود فلا خلاف عندنا أنه يكون قدامها مطلقًا وقد ذهب إلى هذا طائفة من السلف فروى ابن أبي شيبة في "مُصَنَفِه" الركوب أمام الجنازة عن ابن عمر وشريح القاضي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح.
وقد ورد في حديث ما يقتضي قولًا خامسًا وهو أن الراكب يتعين كونه خلف الجنازة والماشي مخير رواه أصحاب السنن وابن حبان عن المغيرة بن شعبة قال:
[ ٥ / ٥٠١ ]
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها". الحديث لفظ النسائي.
وحكى ابن عبد البر هذا القول عن محمد بن جرير الطبري وبه قال ابن حزم وقال: أحب ذلك إلينا خلفها» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر في الركوب أمام الجنازة لا يصح رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٣٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَبَّاسٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى بَغْلٍ رَاكِبًا أَمَامَ الْجِنَازَةِ».
قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأة وهو مع ضعفه مدلس وقد عنعن.
قُلْتُ: وهكذا أثر شريح رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٣٦٣) وفيه حجاج بن أرطأة.
وأمَّا أثر الحسن وعطاء فهما صحيحان.
مسألة: في القيام للجنازة.
روى البخاري (١٣٠٧، ١٣٠٨)، ومسلم (٩٥٨) عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ، فَقُومُوا لَهَا، حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ».
وفي لفظ للبخاري: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا، فَلْيَقُمْ حَتَّى يَخْلُفَهَا أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ».
وروى البخاري (١٣٠٩) عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ
[ ٥ / ٥٠٢ ]
﵁ فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: قُمْ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ.
وروى البخاري (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ، فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ».
وروى البخاري (١٣١١)، ومسلم (٩٦٠) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا بِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ، فَقُومُوا».
وروى البخاري (١٣١٢)، مسلم (٩٦١) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا».
قُلْتُ: ومن ذهب إلى نسخها احتج بما رواه مسلم (٩٦٢) عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَنَحْنُ فِي جَنَازَةٍ قَائِمًا، وَقَدْ جَلَسَ يَنْتَظِرُ أَنْ تُوضَعَ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ لِي: مَا يُقِيمُكَ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَظِرُ أَنْ تُوضَعَ الْجَنَازَةُ، لِمَا يُحَدِّثُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ نَافِعٌ: فَإِنَّ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَعَدَ».
[ ٥ / ٥٠٣ ]
قُلْتُ: الصحيح عدم النسخ وحديث علي يدل على عدم وجوب القيام ولا يدل على النسخ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٣٦١):
«وَيُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ إذَا مَرَّتْ بِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (١/ ٥٠٢):
«فَصْلٌ: وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَامَ لِلْجِنَازَةِ لَمَّا مَرَّتْ بِهِ، وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ لَهَا، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَعَدَ، فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: الْقِيَامُ مَنْسُوخٌ، وَالْقُعُودُ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ، وَقِيلَ: بَلِ الْأَمْرَانِ جَائِزَانِ، وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَتَرْكُهُ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ ادِّعَاءِ النَّسْخِ» اهـ.
قُلْتُ: وما رواه الترمذي (١٠٢٠)، وابن ماجه (١٥٤٥) من طريق صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اتَّبَعَ الجَنَازَةَ لَمْ يَقْعُدْ، حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَعَرَضَ لَهُ حَبْرٌ، فَقَالَ: هَكَذَا نَصْنَعُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: «خَالِفُوهُمْ»:
قَالَ الْتِرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَبِشْرُ بْنُ رَافِعٍ لَيْسَ بِالقَوِيِّ فِي الحَدِيثِ اهـ.
قُلْتُ: هُوَ حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف بشر بن رافع.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٨٠)
«ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَسْخِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا هَذَانِ الْقِيَامَانِ مَنْسُوخَانِ فَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِالْقِيَامِ الْيَوْمَ سَوَاءٌ مَرَّتْ بِهِ أَمْ تَبِعَهَا إلَى الْقَبْرِ ثُمَّ قَالَ
[ ٥ / ٥٠٤ ]
الْمُصَنِّفُ وَجَمَاعَةٌ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ الْقِيَامُ لَهَا إذَا لَمْ يَرِدْ الْمَشْيَ مَعَهَا مِمَّنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ سَلِيمُ الرَّازِيّ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ قَالَ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ لَهَا وَخَالَفَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ الْجَمَاعَةَ فَقَالَ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ أَنْ يَقُومَ لَهَا وَإِذَا كَانَ مَعَهَا لَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ هُوَ الْمُخْتَارُ فَقَدْ صَحَّتْ الْأَحَادِيثُ بِالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ وَلَمْ يَثْبُتْ في القعود شيء إلَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي النَّسْخِ بَلْ لَيْسَ فِيهِ نَسْخٌ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ الْقُعُودِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ:
قد ذكرنا أنَّ مَذْهَبَنَا فِي ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ لَهُ الْقُعُودُ حَتَّى تُوضَعَ الْجِنَازَةُ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَدَاوُد» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٥٨):
«فَصْلٌ: وَمَنْ يَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ، مِمَّنْ رَأَى أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ" وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ
[ ٥ / ٥٠٥ ]
وَالسَّبَبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ، فَيَعُمُّ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِأَمْرِ مُحْتَمَلٍ، وَلِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَعَدَ. يَدُلُّ عَلَى ابْتِدَاءِ فِعْلِ الْقِيَامِ، وَهَا هُنَا إنَّمَا وُجِدَتْ مِنْهُ الِاسْتِدَامَةُ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْوَضْعِ وَضْعُهَا عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ الْحَدِيثَ: "إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ" وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ "حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ" وَحَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُّ. فَأَمَّا مَنْ تَقَدَّمَ الْجِنَازَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَدَّمُونَ الْجِنَازَةَ، فَيَجْلِسُونَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِمْ، فَإِذَا جَاءَتْ الْجِنَازَةُ لَمْ يَقُومُوا لَهَا. لِمَا تَقَدَّمَ» اهـ.
قُلْتُ: قَالَ أَبُو دَاوُدً فِي [سُنَنِهِ] (٣/ ٢٠٣):
«رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ فِيهِ: "حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ"، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، قَالَ: "حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ» اهـ.
مسألة: ولا تتبع الجنازة بنار.
فقد روى أحمد (١٠٨٨٠)، وأبو داود (٣١٧١) مِنْ طَرِيْقِ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا بَابُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي
[ ٥ / ٥٠٦ ]
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ، وَلَا يُمْشَى بَيْنَ يَدَيْهَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فباب ومن فوقه مجاهيل.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١١٨٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ، وَلَا بِنَارٍ، وَلَا يُمْشَى أَمَامَهَا».
سُئِلَ الْحَافِظُ الْدَّارَقُطْنِي ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١١/ ٢٤٣) عَنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ».
فَقَالَ: «يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛
فَرَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَخَالَفَهُمْ شَيْبَانُ، فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَوْلُ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ» اهـ.
وروى ابن ماجه (١٤٨٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى الْفُضَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَرِيزٍ، أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: أَوْصَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَقَالَ: «لَا تُتْبِعُونِي بِمِجْمَرٍ، قَالُوا لَهُ: أَوَسَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
قُلْتُ: فيه أبو حريز عبد الله بن حسين مختلف فيه والأظهر ضعفه.
[ ٥ / ٥٠٧ ]
وروى مسلم (١٢١) عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ، وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي».
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١١٧٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، «أَوْصَى أَنْ لَا تَتْبَعُونِي بِصَوْتٍ، وَلَا نَارٍ، وَتَرْمُونِي بِالْحِجَارَةِ، يَعْنِي الْمَدَرَ، الَّذِي يَكُونُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وأبو الأشهب هو جعفر بن حيان الأسدي، وبكر هو ابن عبد الله المزني.
وقد ذكرنا فيما مضى ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٣٠) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَهْلِهَا: «أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا مِتُّ، ثُمَّ حَنِّطُونِي، وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٢٢٤) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا قَالَتْ عِنْدَ مَوْتِهَا: «إِذَا أَنَا مِتُّ، فَاغْسِلُونِي، وَكَفِّنُونِي، وَأَجْمِرُوا ثِيَابِي».
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وليس فيه «وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ» وهي زيادة صحيحة.
وروى أحمد (٧٩١٤) حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: «لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ، وَأَسْرِعُوا بِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
[ ٥ / ٥٠٨ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ السُّوءُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: يَا وَيْلَهُ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي؟ "».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وعبد الرحمن بن مهران روى له مسلم حديثًا واحدًا في الأصول وهو حديث:
«أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٨١):
«قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَأَصْحَابُنَا يُكْرَهُ أَنْ تُتْبَعَ الْجِنَازَةُ بنار.
قال ابن الصباغ وغيره: المراد انه يُكْرَهَ الْبَخُورُ فِي الْمِجْمَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا إلَى الْقَبْرِ وَلَا خِلَافَ فِي كَرَاهَتِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَتِهِ قَالَ وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ ذلك عمر وأبو هريرة وعبد الله ابن مُغَفَّلٍ وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَائِشَةُ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ أَوْصَوْا أَنْ لَا يُتْبَعُوا بِنَارٍ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا كَرِهَ لِلنَّصِّ وَلِأَنَّهُ تَفَاءَلَ بِذَلِكَ فَأْلَ السَّوْءِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ الِاتِّبَاعِ هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ مَعَ الْجِنَازَةِ الْمَجَامِرُ وَالنَّارُ فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ فَهُوَ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَإِنْ أَرَادَ التَّحْرِيمَ فَشَاذٌّ مَرْدُودٌ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ مِجْمَرَةٌ حَالَ الدَّفْنِ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٢٤):
[ ٥ / ٥٠٩ ]
«قَدْ رُوِيَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ".
وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ.
وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ وَصَّوْا بِأَنْ لَا يُتْبِعُوا بِنَارٍ وَلَا نَائِحَةَ وَلَا يُجْعَلَ عَلَى قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ.
وَأَظُنُّ اتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ بِالنَّارِ كَانَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ نُسِخَ بِالْإِسْلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَشَبَّهَ بِأَفْعَالِهِمْ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ أَوْ قَالَ لَا يُخَضِّبُونَ فَخَالِفُوهُمْ".
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا تَجْعَلُوا آخِرَ زَادِي إِلَى قَبْرِي نَارًا.
وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ في اتباع الميت بالنار فيه عدة محاذير منها:
١ - الفأل السيء.
٢ - التشبه بأهل الجاهلية.
٣ - التشبه بالنصارى.
قُلْتُ: وإذا احتاجوا إلى النار ليلًا من أجل الدفن فلا بأس بذلك، والإضاءات هذه الأزمان تغني عن النار.
وأمَّا ما رواه الترمذي (١٠٥٧) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ اليَمَانِ، عَنْ المِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ، فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ القِبْلَةِ، وَقَالَ: «رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ».
[ ٥ / ٥١٠ ]
فلا يصح لضعف المنهال والحجاج.
لكن يغني عنه ما رواه أبو داود (٣١٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَى نَاسٌ نَارًا فِي الْمَقْبَرَةِ، فَأَتَوْهَا فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «نَاوِلُونِي صَاحِبَكُمْ» فَإِذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، من أجل محمد بن مسلم وهو الطائفي
قُلْتُ: وصار كثير من الناس يتبعون الجنائز والسجائر مشتعلة في أفواههم، وهذا منكر من وجهين:
الأول: لحرمة شربها.
الآخر: لاتباع الجنائز بها.
* * *
[ ٥ / ٥١١ ]