٦٦ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ». ولـ "لِمُسْلِمٍ": «غَيْرَ أَنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ». وَلِلْبُخَارِيِّ: «إلَّا الْفَرَائِضَ».
القبلة: هي الْوَجْهَةُ.
قال العلامة الرحيباني الحنبلي ﵀ في [مطالب أولي النهى] (١/ ٣٧٦):
«قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقِبْلَةُ: الْوَجْهَةُ، وَهِيَ: الْفَعْلَةُ مِنْ الْمُقَابَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ قِبْلَةٌ، وَلَا دَبْرَةٌ، إذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ. وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ: الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ كَالْعِلْمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا. وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا، وَهِيَ تُقَابِلُهُ» اهـ.
قلت: واستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة ويخرج من ذلك العاجز عن استقبالها لمرض أو خوف، وهكذا المتنفل على الراحلة في السفر كما سيأتي.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
ويدل على هذا الشرط ما رواه البخاري (٣٩١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ».
قلت: والحديث يدل على أنَّ استقبال القبلة شرط في الإسلام، وأن من استقبل غير قبلة المسلمين فليس بمسلم.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧):
«وذكر استقبال القبلة إشارة إلى أنَّه لا بد من الإتيان بصلاة المسلمين المشروعة في كتابهم المنزل على نبيهم وهي الصلاة إلى الكعبة، وإلَّا فمن صلى إلى بيت المقدس بعد نسخه كاليهود أو إلى المشرق كالنصارى فليس بمسلم، ولو شهد بشهادة التوحيد.
وفي هذا دليل على عظم موقع استقبال القبلة من الصلاة؛ فإنَّه لم يذكر من شرائط الصلاة غيرها، كالطهارة وغيرها.
وذكره أكل ذبيحة المسلمين، فيه إشارة إلى أنَّه لا بد من التزام جميع شرائع الإسلام الظاهرة، ومن أعظمها أكل ذبيحة المسلمين، وموافقتهم في ذبيحتهم، فمن امتنع من ذلك فليس بمسلم.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وقد كان النبي ﷺ يمتحن أحيانًا من يدخل في الإسلام، وقد كان يرى في دينه الأول الامتناع من أكل بعض ذبيحة المسلمين، بإطعامه مما كان يمتنع من أكله؛ ليتحقق بذلك إسلامه.
فروي أنَّه عرض على قوم - كانوا يمتنعون في جاهليتهم من أكل القلب، ثم دخلوا في الإسلام - أكل القلب، وقال لهم: "إنَّ إسلامكم لا يتم إلَّا بأكله".
فلو أسلم يهودي، وأقام ممتنعًا من أكل ذبائح المسلمين، كان ذلك دليلًا على عدم دخول الإسلام في قلبه، وهذا الحديث يدل على أنَّه لا يصير بذلك مسلمًا» اهـ.
قلت: وكان النبي ﷺ في أول الأمر يستقبل بيت المقدس ومكث على ذلك في المدينة ستة عشر شهرًا ثم أمر باستقبال البيت.
فروى البخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) عَنِ الْبَرَاءِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ».
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وكان النبي ﷺ في مكة يستقبل بيت المقدس والكعبة بين يديه.
فروى أحمد (٢٩٩٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ».
قلت: هذا حديث صحيح.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٩٤):
«وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية» اهـ.
قلت: وقوله: «كَانَ يُسَبِّحُ».
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٣٠):
«التسبيح يطلق على صلاة النافلة وهذا الحديث منه فقوله: "يسبح" أي يصلي النافلة وربما أطلق على مطلق الصلاة وقد فسر قوله سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ بصلاة الصبح وصلاة العصر.
والتسبيح: حقيقة في قول القائل: سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فإمَّا من باب إطلاق اسم البعض على الكل كما قالوا في الصلاة: إنَّ أصلها الدعاء ثم سميت العبادة كلها بذلك لاشتمالها على الدعاء وإمَّا لأن المصلي منزه لله ﷿ بإخلاص العبادة له وحده والتسبيح التنزيه فيكون ذلك من مجاز الملازمة لأنَّ التنزيه يلزم من الصلاة المخلصة وحده» اهـ.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [الاختيارات] (٤٧ - ٤٩):
«وذكر طائفة من الأصحاب أنَّ الواجب في استقبال القبلة هواؤها دون بنيانها بدليل المصلي على جبل أبي قبيس وغيره من الجبال العالية بمكة، فإنَّه إنما يستقبل الهواء لا البنيان، وبدليل ما لو انتقضت الكعبة والعياذ بالله فإنَّه يكفيه استقبال العرصة، قال أبو العباس: الواجب استقبال البنيان، وأمَّا العرصة والهواء فليس بكعبة ولا بناء وأمَّا ما ذكروه من الصلاة على أبي قبيس ونحوه فإنَّما ذلك لأنَّ بين يدي المصلي قبله شاخصة مرتفعة وإن لم تكن مسامته فإنَّ المسامتة لا تشترط كما لم تكن مشروطة في الائتمام بالإمام، وأمَّا إذ زال بناء الكعبة والعياذ بالله فنقول بموجبه وأنَّه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئًا يصلي إليه، لأنَّ أحمد جعل المصلي على ظهر الكعبة لا قبلة له، فعلم أنَّه جعل القبلة البناء الشاخص.
وكذلك قال الآمدي: إن صلى بإزاء الباب وكان مفتوحًا لا تصح صلاته وإن كان مردودًا صحت، وإن كان مفتوحًا وبين يديه شيء منصوب كالسترة صحت، لأنَّه يصلي إلى جزء من البيت. فإن زال بنيان البيت والعياذ بالله وصلى وبين يديه شيء صحت الصلاة، وإن لم يكن بين يديه شيء لم تصح، وهذا من كلام الآمدي يدل على أنَّ البناء لو زال لم تصح الصلاة إلَّا أن يكون بين يديه شيء، وإنَّما يعني به -والله أعلم- ما كان شاخصًا كما قيده فيما لو صلى إلى الباب، ولأنَّه علل ذلك بأنَّه إذا صلى إلى سترة فقد صلى إلى جزء من البيت. فعلم أنَّ مجرد العرصة غير كاف، ويدل على هذا ما ذكره الأزرقي في أخبار مكة أنَّ ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير، لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها ففعل ذلك ابن الزبير، وهذا
[ ٢ / ٤٥٦ ]
من ابن عباس وابن الزبير دليل على أنَّ الكعبة التي يطاف بها ويصلى إليها لا بد أن تكون شيئًا منصوبًا شاخصًا، وأنَّ العرصة ليست قبلة، ولم ينقل أنَّ أحدًا من السلف خالف في ذلك ولا أنكره، نعم لو فرض أنَّه قد تعذر نصب شيء من الأشياء موضعها بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة، كما يكتفي المصلي أن يخط خطًا إذا لم يجد سترة فإنَّ قواعد إبراهيم كالخط، وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا: أنَّ البناء إذا زال صحت الصلاة إلى هواء البيت مع قولهم إنَّه لا يصلي: على ظهر الكعبة، ومن قال هذا يفرق بأنَّه إذا زال البناء لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل، ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدومًا سقوط استقباله إذا كان موجودًا، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز.
وإذا قلنا لا بد من الصلاة إلى شيء شاخص فإنَّه يكفي شخوصه ولو أنَّه شيء يسير كالعتبة التي للباب قاله ابن عقيل، وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز أن يصلي إلى الباب إذا كان مفتوحا، لكن إذا كان بين يديه شيء منصوب كالسترة صحت، فعلى هذا لا يكفي ارتفاع العتبة ونحوها، بل لا بد أن يكون مثل آخرة الرحل؛ لأنَّها السترة التي قدر بها الشارع السترة المستحبة فلأن يكون تقديرها في الواجب أولى، ثم إن كانت السترة التي فوق السطح ونحوه بناء أو خشبة مسمرة ونحو ذلك مما يتبع في مطلق البيع لو كان في موضع مملوك
[ ٢ / ٤٥٧ ]
جازت الصلاة إليه لأنَّه جزء من البيت، وإن كان هناك لبن وآجر بعضه فوق بعض أو خشبة معروضة غير مسمرة ونحو ذلك لم يكن قبلة فيما ذكره أصحابنا لأنَّه ليس من البيت، ويتوجه أن يكتفى في ذلك بما يكون سترة في الصلاة، لأنَّه شيء شاخص ولأنَّ حديث ابن عباس وابن الزبير دليل على الاكتفاء بكل ما يكون قبلة وسترة، فإنَّ الخشب والستور المعدة عليها لا يتبع في مطلق البيع.
وقال ابن حامد وابن عقيل في "الواضح" وأبو المعالي: لو صلى إلى الحجر من فرضه المعاينة لم تصح صلاته، لأنَّه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنَّما وردت الأحاديث بأنَّه كان من البيت فعمل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف دون الاكتفاء به للصلاة احتياطًا للعبادتين، وقال القاضي في التعليق: يجوز التوجه إليه في الصلاة وتصح صلاته كما لو توجه إلى حائط الكعبة، قال أبو العباس: وهذا قياس المذهب لأنَّه من البيت بالسنة الثابتة، وبعيان من شاهده من الخلق الكثير لما نقضه ابن الزبير، ونص أحمد أنَّه لا يصلي الفرض في الحجر، فقال: لا يصلي في الحجر، والحجر من البيت، قال أبو العباس: والحجر جميعه ليس من البيت، وإنَّما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته ألبتة» اهـ.
قلت: جعل ابن الزبير لأعمدة فيها ستور عند نقضه للكعبة رواه مسلم (١٣٣٣) عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ
[ ٢ / ٤٥٨ ]
فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ.
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا. ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ وَلَيْسَ عِنْدِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ".
قَالَ: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ. قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ».
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وروى بعد ذلك بإسناده إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا قَالَ الْحَارِثُ بَلَى أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا
قَالَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ". فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ.
هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الْأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا" قَالَتْ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: "تَعَزُّزًا أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ أَرَادُوا فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ" قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ».
وجاء في بيان ما يدخل من الحجر في الكعبة ما رواه البخاري (١٥٨٦) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ"».
فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، ﵄ عَلَى هَدْمِهِ.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ.
قَالَ جَرِيرٌ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ. قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَا هُنَا. قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ، أَوْ نَحْوَهَا اهـ.
وروى مسلم (١٣٣٣) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنِي ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي يَعْنِي عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتْ الْكَعْبَة».
وروى الأزرقي في [أخبار مكة] (١/ ٢٠١ - ٢٠٦):
حَدَّثَنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «فَلَمَّا هَدَمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ جِئْتُ أَنْظُرُ، هَلْ أَرَى الصِّفَةَ الَّتِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو؟ فَلَمْ أَرَهَا، فَهَدَمُوهَا وَأَعَانَهُمُ النَّاسُ، فَمَا تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ حَتَّى أَلْصَقَهَا كُلَّهَا بِالْأَرْضِ مِنْ جَوَانِبِهَا جَمِيعًا، وَكَانَ هَدْمُهَا يَوْمَ السَّبْتِ النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَلَمْ يَقْرَبِ ابْنُ عَبَّاسٍ مَكَّةَ حِينَ هُدِمَتِ الْكَعْبَةُ حَتَّى فُرِغَ مِنْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: لَا تَدَعِ النَّاسَ بِغَيْرِ قِبْلَةٍ، انْصِبْ لَهُمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ الْخَشَبَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى يَطُوفَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهَا وَيُصَلُّوا إِلَيْهَا. فَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂
[ ٢ / ٤٦١ ]
تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَعَجَزَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، فَتَرَكُوا فِي الْحِجْرِ مِنْهَا أَذْرُعًا، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَأَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهَا، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ بِالْأَرْضِ، بَابًا شَرْقِيًّا يَدْخُلُ مِنْهُ النَّاسُ، وَبَابًا غَرْبِيًّا يَخْرُجُ مِنْهُ النَّاسُ، وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا"؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: "تَعَزُّزًا أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَرِهُوا أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ أَنْ يَرْتَقِيَ، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ هَدْمُهَا، فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا فِي الْحِجْرِ مِنْهَا". فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، فَلَمَّا هَدَمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ وَسَوَّاهَا بِالْأَرْضِ كَشَفَ عَنْ أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَوَجَدُوهُ دَاخِلًا فِي الْحِجْرِ نَحْوًا مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ وَشِبْرٍ، كَأَنَّهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ، آخِذٌ بَعْضُهَا بَعْضًا، كَتَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، يُحَرَّكُ الْحَجَرُ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَتَحَرَّكُ الْأَرْكَانُ كُلُّهَا».
قلت: إسناده حسن إن كان ابن جريج لم يدلسه.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ٤٤٣):
«وَلِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ ابن الزُّبَيْرِ زَادَ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ وَلَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ بن الزُّبَيْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرٍ وَهَكَذَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَدَدٍ لَقِيَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قُرَيْشٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْهُ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا تَجْتَمِعُ عَلَى أَنَّهَا فَوْقَ السِّتَّةِ وَدُونَ السَّبْعَةِ وَأَمَّا رِوَايَةُ عَطَاءٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا لَكُنْتُ أُدْخِلُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَهِيَ شَاذَّةٌ وَالرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ أَرْجَحُ لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ عَنِ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي لِرِوَايَةِ عَطَاءٍ وَجْهٌ وَهُوَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا مَا عَدَا الْفُرْجَةِ الَّتِي
[ ٢ / ٤٦٢ ]
بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْحِجْرِ فَتَجْتَمِعُ مَعَ الرِّوَايَات الْأُخْرَى فَإِنْ الَّذِي عدا الْفُرْجَةَ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَشَيْءٍ وَلِهَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْفَاكِهِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ فَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ وَرِوَايَةُ عَطَاءٍ عَلَى جَبْرِهِ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا بِذَلِكَ وَلَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَنِي إِلَى ذَلِكَ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٩٨ - ٢٠٠):
«أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْعَالِيَةِ عَلَى الْكَعْبَةِ بِقُرْبِهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُسْتَقْبِلًا وَإِنْ وَقَفَ عَلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ نُظِرَ إنْ وَقَفَ على طرفها واستدبر باقبها لم تصح صلاته بالاتفاق لعدم استقبال شئ مِنْهَا وَهَكَذَا لَوْ انْهَدَمَتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَوَقَفَ علي طَرَفَ الْعَرْصَةِ وَاسْتَدْبَرَ بَاقِيَهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَوْ وَقَفَ خَارِجَ الْعَرْصَةِ وَاسْتَقْبَلَهَا صَحَّ بِلَا خلاف أمَّا إذا وقف في وَسْطَ السَّطْحِ أَوْ الْعَرْصَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بين يديه شئ شَاخِصٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ تَصِحُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَكَمَا لَوْ وَقَفَ خَارِجَ الْعَرْصَةِ وَاسْتَقْبَلَهَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ هُنَا مُسْتَقْبِلًا بِخِلَافِ مَا قَاسَ عَلَيْهِ وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي لِابْنِ سُرَيْجٍ جَارٍ فِي الْعَرْصَةِ وَالسَّطْحِ كَمَا ذَكَرْنَا كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَآخَرُونَ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ فِي السَّطْحِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بين يديه شئ شَاخِصٌ مِنْ أَجْزَاءِ
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الْكَعْبَةِ كَبَقِيَّةِ جِدَارٍ وَرَأْسِ حَائِطٍ وَنَحْوِهِمَا فَإِنْ كَانَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ يُشْتَرَطُ ذِرَاعٌ وَقِيلَ يَكْفِي أَدْنَى شُخُوصٍ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ قَدْرَ قَامَةِ المصلي طولا دون عرضا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الذى قطع به الجمهور الاول هو ثُلُثًا ذِرَاعٍ وَلَوْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَتَاعًا وَاسْتَقْبَلَهُ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ شَجَرَةً ثَابِتَةً أَوْ جَمَعَ تُرَابَ الْعَرْصَةِ أَوْ السطح واستقبله أَوْ حَفَرَ حُفْرَةً وَوَقَفَ فِيهَا أَوْ وَقَفَ فِي آخِرِ السَّطْحِ أَوْ الْعَرْصَةِ وَاسْتَقْبَلَ الطَّرَفَ الآخر وهو مرتفع عن موقفه صَحَّتْ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ حَشِيشًا نَابِتًا عَلَيْهَا أَوْ خَشَبَةً أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةً غَيْرَ مسمرة فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَصَا مُثَبَّتَةً أَوْ مُسَمَّرَةً صَحَّتْ بِلَا خِلَافٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَكِنَّهُ يُخْرِجُ بَعْضَهُ عَنْ مُحَاذَاتِهَا وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيمَنْ خَرَجَ بَعْضُ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاةِ بَعْضِ الْكَعْبَةِ لِوُقُوفِهِ عَلَى طَرَفِ رُكْنٍ قَالَ فَفِي هَذَا تَرَدُّدٌ ظَاهِرٌ عِنْدِي وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ هَذَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْعَصَا لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُسْتَقْبِلًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ بَعْضُهُ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ وَلِهَذَا قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِالصِّحَّةِ إذَا كَانَتْ الْعَصَا مُسَمَّرَةً وَقَطَعُوا بِهَا أَيْضًا فِيمَا إذَا بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَصْلِ الْجِدَارِ قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَإِنْ كَانَتْ أَعَالِي بَدَنِهِ خَارِجَةً عَنْ مُحَاذَاتِهِ لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبِلًا بِبَعْضِهِ جُزْءًا شَاخِصًا وَبِبَاقِيهِ هَوَاءَ الْكَعْبَةِ وَأَمَّا الْوَاقِفُ عَلَى طَرَفِ الرُّكْنِ فَلَمْ يَسْتَقْبِلْ ببعضه شيئًا أصلًا» اهـ.
قلت: اللفظ الأول الذي ذكره المؤلف انفرد به البخاري.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
والثاني: رواه البخاري (٩٩٩)، ومسلم (٧٠٠) لكن بلفظ: «كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ».
واللفظ الثالث الذي عزاه لمسلم قد رواه البخاري أيضًا برقم (١٠٩٨)، وهو في مسلم برقم (٧٠٠).
واللفظ الرابع: انفرد به البخاري (١٠٠٠) كما ذكر المؤلف.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] ص (١٣٠):
«الحديث دليل على جواز النافلة على الراحلة وجواز صلاتها حيث توجهت بالراكب راحلته وكأنَّ السبب فيه: تيسير تحصيل النوافل على المسافر وتكثيرها فإنَّ ما ضيق طريقه قل وما اتسع طريقه سهل فاقتضت رحمة الله تعالى بالعباد أن قلل الفرائض عليهم تسهيلًا للكلفة وفتح لهم طريقة تكثير النوافل تعظيمًا للأجور» اهـ.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٥١):
«لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة التطوع على الراحلة في السفر الطويل. قال الترمذي: هذا عند عامة أهل العلم. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّه جائز لكل من سافر سفرًا يقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت يومئ بالركوع والسجود أخفض من الركوع وأمَّا السفر القصير وهو ما لا يباح فيه القصر فإنَّه تباح فيه الصلاة على الراحلة عند إمامنا والليث والحسن بن حيي
[ ٢ / ٤٦٥ ]
والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا يباح إلَّا في سفر طويل لأنَّه رخصة سفر فاختص بالطويل كالقصر» اهـ.
قلت: الصحيح في ذلك جواز التطوع على الراحلة فيما جرى العرف عليه بأنَّه سفر سواء طال أو قصر.
قلت: وأمَّا صلاة الماشي في السفر فاختلف فيها العلماء.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٥٥٤ - ٥٥٥):
«فصل: فأمَّا الماشي في السفر فظاهر كلام الخرقي أنَّه لا تباح له الصلاة في حال مشيه لقوله ولا يصلي في غير هاتين الحالتين فرضًا ولا نافلة إلَّا متوجهًا إلى الكعبة وهو إحدى الروايتين عن أحمد فإنَّه قال: ما أعلم أحدًا قال في الماشي يصلي إلَّا عطاء ولا يعجبني أن يصلي الماشي وهذا مذهب أبي حنيفة والرواية الثانية له أن يصلي ماشيًا نقلها مثنى بن جامع وذكرها القاضي وغيره وعليه أن يستقبل القبلة لافتتاح الصلاة ثم ينحرف إلى جهة سيره ويقرأ وهو ماش ويركع ثم يسجد على الأرض وهذا مذهب عطاء والشافعي، وقال الآمدي: يومئ بالركوع والسجود كالراكب لأنَّها حالة أبيح فيها ترك الاستقبال فلم يجب عليه الركوع والسجود كالراكب وعلى قول القاضي: الركوع والسجود ممكن من غير انقطاعه عن جهة سيره فلزمه كالوقف واحتجوا بأنَّ الصلاة أبيحت للراكب لئلا ينقطع عن القافلة في السفر وهذا المعنى موجود في الماشي ولأنَّه إحدى حالتي سير المسافر فأبيحت الصلاة فيها كالأخرى.
ولنا: أنَّه لم ينقل ولا هو في معنى المنقول لأنَّه يحتاج إلى عمل كثير ومشي متتابع يقطع الصلاة ويقتضي بطلانها وهذا غير موجود في الراكب فلم يصح إلحاقه به
[ ٢ / ٤٦٦ ]
ولأنَّ قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ عام ترك في موضع الإجماع بشروط غير موجودة هاهنا فيبقى وجوب الاستقبال فيما عداه على مقتضى العموم» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٢٧ - ٥٢٨):
«فصل: وهل يجوز التطوع إلى غير القبلة للماشي حيث يجوز للراكب على روايتين:
إحداهما: لا يجوز وهو مقتضى ما ذكره الخرقي والشيخ المصنف وغيرهما لأنَّ ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ إلَّا في حال الركوب وليس الماشي كالراكب لأنَّ الماشي متحرك بنفسه فهو يعمل في الصلاة عملًا كثيرًا وذلك مبطل للصلاة إلَّا إذا كان لضرورة مثل صلاة الخوف ولا ضرورة هنا ولأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ ما زالوا يسافرون مشاة والنبي ﷺ قد كان أحيانًا يتعقب هو وبعض أصحابه على بعير واحد ومع ذلك لم ينقل أنَّهم صلوا مشاة.
والثانية: يجوز اختارها القاضي وأبو الخطاب وكثير من أصحابنا وذكره عن أحمد عن عطاء لعموم قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وقد ذكر ابن عمر أنَّها نزلت في التطوع في السفر لأنَّ راكبها لا أثر له كما سيأتي، وذلك المعنى الذي أبيح للراكب الذي يصلي لأجله موجود في الماشي لأنَّه مسافر سائر فأمَّا أن يترك التطوع حال سيره أو يترك الاستقبال فقط وكونه يعمل عملًا كثيرًا يقابله أنَّ الراكب ليس على مكان مستقر فإنَّ كليهما مبطل ويقابله أنَّ
[ ٢ / ٤٦٧ ]
الراكب بمنزلة الجالس والماشي قائم والقائم صلاته أفضل من صلاة القاعد» اهـ.
قلت: الذي يظهر لي هو عدم تنفل الماشي في السفر لأنَّه لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ لا قولًا ولا فعلًا ولم ينقل ذلك أيضًا عن أحد من أصحاب النبي ﷺ فيما أعلم.
٢ - قوله: «حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ» يستنبط منه ما قاله بعض الفقهاء: من أنَّ جهة الطريق تكون بدلًا عن القبلة حتى لا ينحرف عنها لغير حاجة المسير. قاله ابن دقيق العيد ﵀.
والمنحرف عن جهة سيره إن انحرف إلى جهة أخرى غير جهة القبلة فإنَّ صلاته باطله، وإن انحرف إلى جهة القبلة فتصح صلاته لأنَّها هي الأصل، وجهة السير بدل عنها.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣١٦)
«فَصْلٌ: وَقِبْلَةُ هَذَا الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَتْ وِجْهَتُهُ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهَا نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ عُدُولُهُ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، جَازَ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُهَا لِلْعُذْرِ، فَإِذَا عَدَلَ إلَيْهَا أَتَى بِالْأَصْلِ، كَمَا لَوْ رَكَعَ فَسَجَدَ فِي مَكَانِ الْإِيمَاءِ. وَإِنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا عَمْدًا، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَغْلُوبًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا جِهَةُ سَفَرِهِ، فَهُوَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَيَرْجِعُ إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ عِنْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ. لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى ذَلِكَ. فَأَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦):
[ ٢ / ٤٦٨ ]
«يَنْبَغِي لِلْمُتَنَفِّلِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا أَنْ يَلْزَمَ جِهَةَ مَقْصِدِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ سُلُوكُ نَفْسِ الطَّرِيقِ بَلْ الشَّرْطُ جِهَةُ الْمَقْصِدِ فَلَوْ انْحَرَفَ الْمُتَنَفِّلُ مَاشِيًا أَوْ حَرَفَ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ أَوْ انْحَرَفَتْ نُظِرَتْ فَإِنْ كَانَ الِانْحِرَافُ وَالتَّحْرِيفُ فِي طَرِيقِ مَقْصِدِهِ وَجِهَاتِهِ وَمَعَاطِفِهِ لَمْ يُؤْثِرْ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ طَالَ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَقْصِدِهِ وَمُوصِلٌ إلَيْهِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَسَوَاءٌ طَالَ هذا التحريف أَوَ كَثُرَ أَمْ لَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيفُ وَالِانْحِرَافُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَإِنْ كَانَ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْمَقْصِدِ وَهُوَ عَامِدٌ مُخْتَارٌ عَالِمٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ظَنَّ أَنَّهَا جِهَةُ مَقْصِدِهِ فَإِنْ عَادَ عَلَى قُرْبٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَإِنْ طَالَ فَفِي بُطْلَانِهَا وَجْهَانِ الْأَصَحُّ تَبْطُلُ كَكَلَامِ النَّاسِي لَا تَبْطُلُ بِقَلِيلِهِ وَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَبِهَذَا قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَإِنْ غَلَبَتْهُ الدَّابَّةُ فَانْحَرَفَ بِجِمَاحِهَا وَطَالَ الزَّمَانُ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ تَبْطُلُ كَمَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ فأَمَالَهُ إنْسَانٌ قَهْرًا لِأَنَّهُ نَادِرٌ وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَإِنْ قَصُرَ الزَّمَانُ فَطَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَالطَّوِيلِ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الْوَسِيطِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ لَمْ نَرَ هَذَا الْخِلَافَ لِغَيْرِهِ: وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ لا تبطل قطعًا لعموم الحاجة تم إذَا لَمْ تَبْطُلْ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ قَصُرَ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ لَا يَسْجُدُ وَفِي صُورَةِ الْجِمَاحِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا يَسْجُدُ: وَالثَّانِي لَا وَالثَّالِثُ إنْ طَالَ سَجَدَ
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّفَلَ يَدْخُلُهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَفِيهِ قَوْلٌ غَرِيبٌ سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ» اهـ.
٣ - احتج بالحديث من لم يوجب استقبال القبلة عند استفتاح الصلاة وهي مسألة اختلف فيها العلماء فذهب الجمهور إلى عدم وجوب ذلك احتجاجًا بهذا الحديث وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى وجوبه، وهي رواية عن الشافعي احتجاجًا بما رواه أحمد (١٣١٤٠)، أبو داود (١٢٢٧) من طريق رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَارُودِ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِي الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِى الْجَارُودُ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ».
قلت: هذا حديث حسن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٢٩):
«وأمَّا الراكب فإن كان يشق عليه استقبال القبلة حين الاستفتاح مثل أن تكون دابته مقطورة بغيرها ويشق عليه أن يستدبر، أو تكون الدابة مستعصية يشق إدارتها إلى الكعبة لم يجب عليه في المشهور في المذهب، وقد قيل أنَّه يجب عليه ذلك.
فأمَّا إن تعذر ذلك عليه فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وإن تيسر ذلك عليه وجب عليه في إحدى الروايتين المنصوصتين، وفي الأخرى لا يجب كسائر أجزاء الصلاة لكن يستحب وهذا قول أبي بكر وابن أبي موسى
وجه الأول: وهو اختيار أكثر أصحابنا ما روى أنس بن مالك: "أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته فكبر ثم
[ ٢ / ٤٧٠ ]
صلى حيث كان وجه ركابه". رواه أحمد وأبو داود ومدار تطوع الراكب على فعله ﷺ فإذا كان إنَّما كان يفتتح الصلاة مستقبلًا للكعبة وجب إتباعه في ذلك وحديث أنس قد فسر فعله وسائر الأحاديث لم يتعرض لذلك بنفي ولا إثبات ولأنَّه قد تيسر عليه الاستقبال حيث الافتتاح فأشبه الماشي، وأيضًا فإنَّ الاستقبال شرط من شروط الصلاة فمتى أتى به في أوله جاز أن يستصحب حكمه إلى آخرها إذا شق استصحاب حقيقته كالنية» اهـ.
قُلْتُ: وقد استنكر العلامة ابن القيم ﵀ حديث أنس فقال في [زاد المعاد] (١/ ٤٥٨): «فَصْلٌ: وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَكَانَ يُومِئُ إِيمَاءً بِرَأْسِهِ فِي رُكُوعِهِ، وَسُجُودِهِ، وَسُجُودُهُ أَخْفَضُ مِنْ رُكُوعِهِ، وَرَوَى أحمد، وأبو داود عَنْهُ، مِنْ حَدِيثِ أنس، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، ثُمَّ يُصَلِّي سَائِرَ الصَّلَاةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَسَائِرُ مَنْ وَصَفَ صَلَاتَهُ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَطْلَقُوا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا قِبَلَ أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَلَا غَيْرَهَا، كعامر بن ربيعة، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَحَادِيثُهُمْ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أنس هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٤ - ويدل الحديث على أنَّ صلاة المتنفل على الراحلة في السفر تكون إيماء بالرأس وذلك في حالتي الركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع.
وقد روى الإمام أحمد وغيره (١٥١١٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: «رَأَيْتُ
[ ٢ / ٤٧١ ]
النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يُصَلِّي النَّوَافِلَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ السَّجْدَتَيْنِ مِنَ الرَّكْعَةِ، وَيُومِئُ إِيمَاءً».
ولفظ أبي داود (١٢٢٩)، والترمذي (٣٥١) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَاجَةٍ قَالَ فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّى عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ».
قلت: هذا حديث حسن.
وأصله في البخاري (١٠٩٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ».
والإيماء بالرأس جاء في حديث الباب وهو ما رواه البخاري (١١٠٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
وروى البخاري (١٠٩٧) عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ يُسَبِّحُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ».
قلت: وأمَّا الانحناء بالصدر فلا أعلم له أصلًا من حيث السنة.
٥ - وفي الحديث ما يدل على أنَّ النافلة على الراحلة إلى غير القبلة يشترط فيها شرطان:
الأول: السفر.
والآخر: السير.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
فمن كان مقيمًا أو أقام في أثناء سفره فيجب عليه أن يستقبل القبلة، ولا يشرع له الإيماء.
ومن توقف به السير لبلوغ المنزل، ولو كان في سفر فالواجب عليه أن يستقبل القبلة، ولا يشرع له أيضًا الإيماء لانقطاع سيره، لكن إن توقفت الراحلة في أثناء السير لشغل قبل بلوغ المنزل فعليه أن يستقبل القبلة لتيسرها، ولا يجب عليه أن ينزل لإتمام الأركان وله أن يتم صلاته بالإيماء دفعًا للحرج.
ونحو ذلك توقف السيارة من أجل الزحام أو في نقط التفتيش. والله أعلم.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩):
«قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ التَّنَفُّلِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا دَوَامُ السَّفَرِ وَالسَّيْرِ فَلَوْ بَلَغَ الْمَنْزِلَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ اُشْتُرِطَ إتْمَامُهَا الي القبلة متمكنًا وينزل إن كَانَ رَاكِبًا وَيُتِمُّ الْأَرْكَانَ وَلَوْ دَخَلَ وَطَنَهُ ومحل إقامته أو دَخَلَ الْبَلَدَ الَّذِي يَقْصِدُهُ فِي خِلَالِهَا اُشْتُرِطَ النُّزُولُ وَإِتْمَامُ الصَّلَاةِ بِأَرْكَانِهَا مُسْتَقْبِلًا بِأَوَّلِ دُخُولِهِ الْبُنْيَانَ إلَّا إذَا جَوَّزْنَا لِلْمُقِيمِ التَّنَفُّلَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِقَرْيَةٍ فِي أَثْنَاءِ طَرِيقِهِ صَارَتْ كَمَقْصِدِهِ وَوَطَنِهِ، وَلَوْ مَرَّ بِقَرْيَةٍ مُجْتَازًا فله إتمام الصَّلَاةِ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا حَيْثُ تَوَجَّهَ فِي مَقْصِدِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ وَلَيْسَتْ وَطَنَهُ فَهَلْ يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهَا فِيهِ قَوْلَانِ يَجْرِيَانِ فِي التَّنَفُّلِ وَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَسَائِرِ الرُّخَصِ أَصَحُّهُمَا لَا يَصِيرُ فَيَكُونُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَا أَهْلٌ، وَالثَّانِي: يَصِيرُ فَيُشْتَرَطُ النُّزُولُ وَإِتْمَامُهَا مُسْتَقْبِلًا وَحَيْثُ أَمَرْنَاهُ بِالنُّزُولِ فَذَلِكَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الدَّابَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ مُسْتَقْبِلًا فَلَوْ أَمْكَنَ
[ ٢ / ٤٧٣ ]
الِاسْتِقْبَالُ وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ عَلَيْهِ وَهِيَ وَاقِفَةٌ جَازَ وَإِذَا نَزَلَ وَبَنَى ثُمَّ أَرَادَ الرُّكُوبَ وَالسَّفَرَ فَلِيُتِمَّهَا وَيُسَلِّمَ مِنْهَا ثُمَّ يَرْكَبَ فَإِذَا رَكِبَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَعِنْدَ الْمُزَنِيِّ لَا تَبْطُلُ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالنُّزُولِ. قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ.
قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: الْمُصَلِّي سَائِرًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَلْزَمُهُ الْعُدُولُ إلَى الْقِبْلَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: إذَا دَخَلَ بَلْدَتَهُ أَوْ مَقْصِدَهُ فَيَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنْ لم يفعل بطلت.
الثاني: إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ فِيمَا بَقِيَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ بَطَلَتْ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَصِلَ الْمَنْزِلَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ فَقَدْ انْقَطَعَ سَيْرُهُ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ فَإِنْ تَرَكَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ عَنْ السَّيْرِ بِغَيْرِ نُزُولٍ لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ انْتِظَارِ رَفِيقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ فِيمَا بَقِيَ فَإِنْ تَرَكَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ سَارَ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ وَقَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِسَيْرِ الْقَافِلَةِ جَازَ أَنْ يُتِمَّهَا إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَأَخُّرِهِ عَنْ الْقَافِلَةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرِيدُ لِإِحْدَاثِ السَّيْرِ اُشْتُرِطَ أَنْ يُتِمَّهَا قَبْلَ رُكُوبِهِ لأنَّه بالوقوف لَزِمَهُ التَّوَجُّهُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يجز تركه كالنازل إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ رَكِبَ سَائِرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتِمَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ النَّافِلَةَ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتِمَّهَا عَلَى الدَّابَّةِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀.
* "فَرْعٌ"
[ ٢ / ٤٧٤ ]
لَوْ دَخَلَ بَلَدًا فِي أَثْنَاءِ طَرِيقِهِ وَلَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ لَكِنْ وَقَفَ علي راحلته لانتظار شغل ونحوه وهو في النافلة فَلَهُ إتْمَامُهَا بِالْإِيمَاءِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ في جميعها مادام وَاقِفًا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وآخرون» اهـ.
قلت: ويلحق بالنافلة على الراحلة النافلة على المركوبات الحديثة كالسيارات وغيرها، لكن إذا كان المركوب واسعًا يتمكن فيه الراكب من القيام والركوع والسجود واستقبال القبلة وجب عليه ذلك، وإن تمكن من بعض ذلك كاستقبال القبلة، وجب عليه الاستقبال.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣١٥ - ٣١٦):
«فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي مَكَان وَاسِعٍ، كَالْمُنْفَرِدِ فِي الْعِمَارِيَّةِ يَدُورُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي صَلَاتِهِ، وَيَسْجُدُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَأَوْمَأَ بِهِمَا. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ تَعُمُّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرَهُ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ. وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَإِنْ كَانَ يَعْجِزُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ، كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ لَا تُطِيعُهُ، أَوْ كَانَ فِي قِطَارٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ» اهـ.
وقال العلامة ابن أبي الخير ﵀ في [البيان] (٢/ ١٥٤):
[ ٢ / ٤٧٥ ]
«وإذا دخل الراكب بلدًا وهو في الصلاة، فإن كان بلد إقامته، أو نوى الإقامة فيه … فعليه أن ينزل، ويتم صلاته إلى القبلة، ولا يؤثر النزول في الصلاة؛ لأنَّه عمل يسير.
وإن كان مجتازًا فيه .. فإنَّه يتم صلاته إلى جهة مقصده، ولا تأثير للبنيان.
وإن دخله لينزل فيه، ثم يرتحل .. فإنَّه يمضي على صلاته، ما دام سائرًا، فإذا نزل .. صلى إلى القبلة.
وإن كان له فيه أهل ومال، ولم ينو الإقامة فيه .. ففيه قولان، حكاهما في "الإبانة".
أحدهما: حكمها حكم دار إقامته؛ تغليبًا لأهله وماله.
والثاني: حكمها حكم الصحراء؛ لأنَّه مسافر فيها» اهـ.
قلت: وفي صلاة النافلة على الراحلة في الحضر نزاع، والأظهر عدم مشروعية ذلك لعدم ورود السنة بها، ولأنَّ الأصل وجوب إتمام الأركان واستقبال القبلة ولا يترك ذلك إلَّا بدليل، وهذا مذهب الجمهور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ٣٧):
«وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ بَلْ اسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ. وَهَلْ يَسُوغُ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ» اهـ.
قلت: وذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وأبو سعيد الاصطخري والقفال من الشافعية.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وقال العلامة ابن المنذر ﵀ في [الأوسط] (٥/ ٢٥٠):
«وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ بَلَدِهِ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَافِرَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى دَابَّتِهِ تَطَوُّعًا، يُومِئُ بِرَأْسِهِ إِيمَاءً، رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا» اهـ.
وقال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ١٠٠)
«مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَطَوَّعَ مُضْطَجِعًا بِغَيْرِ عُذْرٍ إلَى الْقِبْلَةِ، وَرَاكِبًا حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ دَابَّتُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا؛ الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٧/ ٧٨):
«وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُصَلِّي فِي الْمِصْرِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ لِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حِمَارٍ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ يُومِئُ إِيمَاءً وَقَالَ الطَّبَرِيُّ يَجُوزُ لِكُلِّ رَاكِبٍ وَمَاشٍ حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ وَرَاحِلَتِهِ وَعَلَى رِجْلَيْهِ وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ جَوَازُ التَّنَفُّلِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَقَالَ الْأَثْرَمُ قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحَضَرِ فَقَالَ أَمَّا فِي السَّفَرِ فَقَدْ سَمِعْنَا وَمَا سَمِعْتُ فِي الْحَضَرِ» اهـ.
وهؤلاء احتجوا بالأدلة المطلقة التي جاء فيها صلاة النبي ﷺ على راحلته من غير تقييد ذلك بالسفر، والواجب حمل المطلق على المقيد كما هو مقرر في الأصول.
وأثر أنس لم أقف عليه مسندًا، وجاء مسندًا من رواية يحيى بن سعيد وليس فيه أنَّه كان في الحضر كما سيأتي قريبًا.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
٦ - يدل الحديث على عدم وجوب الوتر إذ لو كان واجبًا لما فعله على الراحلة كسائر المكتوبات.
٧ - وتسمية صلاة النافلة سبحة دليل على وجوب التسبيح في الصلاة، فإنَّ الصلاة لا تطلق على ما كان مستحبًا فيها، والقول بوجوب ذلك هو مذهب الإمام أحمد، وأمَّا الجمهور فإنَّهم يستحبون ذلك، ولا يوجبونه.
والقول بالوجوب هو الصحيح، وقد نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال كما في [مجموع الفتاوى] (١٦/ ١١٥): «والأقوى أنَّه يتعين التسبيح إمَّا بلفظ "سبحان" وإمَّا بلفظ "سبحانك" ونحو ذلك. وذلك أنَّ القرآن سماها "تسبيحًا" فدل على وجوب التسبيح فيها، وقد بينت السنة أنَّ محل ذلك الركوع والسجود، كما سماها الله "قرآنًا" وقد بينت السنة أنَّ محل ذلك القيام. وسماها "قيامًا"، و"سجودًا"، و" ركوعًا"، وبينت السنة علة ذلك ومحله. وكذلك التسبيح يسبح في الركوع والسجود» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٥٤٩):
«وأيضًا فإنَّه سبحانه قال: ﴿إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فأخبر أنَّه لا يكون مؤمنًا إلاَّ من سجد إذا ذكر بالآيات وسبح بحمد ربه. ومعلوم أنَّ قراءة القرآن في الصلاة هي تذكير بالآيات، ولذلك وجب السجود مع ذلك. وقد أوجب خرورهم سجدًا وأوجب تسبيحهم بحمد ربهم وذلك يقتضي وجوب التسبيح في السجود» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٥٥١):
[ ٢ / ٤٧٨ ]
«وإذا كان الله ﷿ قد سمى الصلاة تسبيحًا فقد دل ذلك على وجوب التسبيح. كما أنَّه لما سماها قيامًا في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا﴾ دل على وجوب القيام. وكذلك لما سماها قرآنًا في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ دل على وجوب القرآن فيها، ولما سماها ركوعًا وسجودًا في مواضع دل على وجوب الركوع والسجود فيها. وذلك: أنَّ تسميتها بهذه الأفعال دليل على أنَّ هذه الأفعال لازمة لها. فإذا وجدت الصلاة، وجدت هذه الأفعال. فتكون من الأبعاض اللازمة كما أنَّهم يسمون الإنسان بأبعاضه اللازمة له. فيسمونه رقبة ورأسًا ووجهًا ونحو ذلك. كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولو جاز وجود الصلاة بدون التسبيح لكان الأمر بالتسبيح لا يصلح أن يكون أمرًا بالصلاة. فإنَّ اللفظ حينئذ لا يكون دالًا على معناه. ولا على ما يستلزم معناه» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ١٤٩):
«وقوله: ﴿ذُكِّرُوا بِهَا﴾ يتناول جميع الآيات فالتذكير بها جميعها موجب للتسبيح والسجود، وهذا مما يستدل به على وجوب التسبيح والسجود. وعلى هذا تدل عامة أدلة الشريعة من الكتاب والسنة تدل على وجوب جنس التسبيح، فمن لم يسبح في السجود فقد عصى الله ورسوله، وإذا أتى بنوع من أنواع التسبيح المشروع أجزأه» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٤٧٩ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ إذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ».
قباء هي منزل الأوس والخزرج قبل الإسلام، وبين قباء والمدينة ثلاثة أميال.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ١٠٠)
«وَقُبَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَفِيهِ لغات الْمَدُّ وَالْقَصْرُ قَالَ الْخَلِيلُ مَقْصُورٌ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مَمْدُودٌ وَيَجُوزُ فِيهَا أَيْضًا الصَّرْفُ وَتَرْكُهُ وَالْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ مَدُّهُ وَتَذْكِيرُهُ وَصَرْفُهُ وَهُوَ قَرْيَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ أَصْلُهُ اسْمُ بِئْرٍ هُنَاكَ» اهـ.
وفي الباب ما رواه مسلم (٥٢٧) عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنَادَى أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ».
قلت: وجاء أنَّ أول صلاة صلاها النبي ﷺ إلى الكعبة هي صلاة العصر.
[ ٢ / ٤٨١ ]
فقد روى البخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) عَنِ الْبَرَاءِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ». هذا لفظ البخاري، وليس عند مسلم ذكر أول صلاة صلاها النبي ﷺ.
وجاء ما يدل على أنَّها الظهر.
فروى النسائي في [الكبرى] (١٠٩٣٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ بْنُ عُثْمَانَ، أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ، أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: «كُنَّا نَغْدُوا لِلْسُوقِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَمُرُّ عَلَى الْمَسْجِدِ فَنُصَلِّي فِيهِ، فَمَرَرْنَا يَوْمًا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقُلْتُ: لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ فَجَلَسْتُ فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ، قُلْتُ لِصَاحِبِي: تَعَالَ نَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَكُونَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى،
[ ٢ / ٤٨٢ ]
فَتَوَارَينَا فَصَلَّيْنَا، ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ».
قلت: لكن في إسناده سعيد بن أبي هلال مختلط، ومروان بن عثمان ضعيف.
وروى البزار في [مسنده] (٦٥٣١) حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثنا أَبُو عَاصِم، حَدَّثنا عُثمَان بن سعد، حَدَّثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: «انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وهُو يُصَلِّي الظُّهْرَ وَانْصَرَفَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا».
قلت: عثمان بن سعد ضعيف، والمعروف في حديث أنس ما أخرجه مسلم وقد سبق.
قلت: ويشكل على هذا حديث الباب، فإنَّ فيه أنَّ تلك الليلة نزل فيها القرآن بالأمر باستقبال القبلة، وظاهر هذا أنَّ أول صلاة كانت إلى الكعبة هي صلاة الفجر، فإن قيل لعلها المغرب أو العشاء.
فالجواب: أنَّه يستبعد تأخر الخبر عن أهل قباء مع قربهم حتى صلاة الفجر.
ولو سلمنا ذلك فما زال الإشكال قائمًا مع حديث البراء.
وحمل الحافظ ابن حجر ﵀ الليلة على الليلة المسبوقة ببعض يوم فقال في [فتح الباري] (١/ ٥٠٦):
«قَوْلُهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ فِيهِ إِطْلَاقُ اللَّيْلَةِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ الْمَاضِي وَاللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ مَجَازًا» اهـ.
وهناك جمع آخر ذكره العلامة الباجي ﵀.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
قال العلامة الزرقاني ﵀ في [شرح الموطأ] (١/ ٦٦٥):
«وَقَالَ الْبَاجِيُّ: أَضَافَ النُّزُولَ إِلَى اللَّيْلِ عَلَى مَا بَلَغَهُ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُعْلِمْ بِنُزُولِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ لَعَلَّهُ ﷺ أَمَرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ بِالْوَحْيِ ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنَ اللَّيْلَةِ، انْتَهَى» اهـ.
قلت: والجمع بين الأدلة بمثل هذا هو المتعين حتى لا تتعارض فيما بينها.
لكن الجمع الأخير يرده ما رواه البخاري (٣٩٩)، ومسلم (٥٢٥) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ - وَهُمُ الْيَهُودُ - مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ».
فهذا الحديث يدل على أنَّ نزول الآية كان متقدمًا لصلاة النبي ﷺ إلى البيت.
قلت: وكان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء في كل سبت راكبًا وراجلًا ويصلي فيه.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
فقد روى البخاري (١١٩٣)، ومسلم (١٣٩٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا»، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ، ﵄ يَفْعَلُهُ.
قلت: وهنالك من أهل العلم من حمل السبت على معنى الأسبوع كأبي شامة في كتابه في [الباعث على إنكار البدع والحوادث] (ص: ٥٣ - ٥٤) حيث قال:
«وَقد صَحَّ أَنْ النَّبِي ﷺ كَانَ يُؤْتى قبَاء كل سبت وَلَكِن معنى هَذَا أَنه كَانَ يزوره فِي كل أُسْبُوع وغبر بالسبت عَنْ الْأُسْبُوع كَمَا يعبر عَنهُ بِالْجمعَةِ وَنَظِيره مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس بن مَالك ﵁ فِي استسقاء النَّبِي ﷺ يَوْم الْجُمُعَة قَالَ فِيهِ فَلَا وَالله مَا رَأينَا الشَّمْس سبتًا وَالله أعلم» اهـ، ومنهم من حمله على يوم السبت كالعلامة النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵏ جميعًا.
قلت: وصلاة النافلة في مسجد قباء تعدل عمرة.
فروى أحمد (١٦٠٧٧) عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ - يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ - فَيُصَلِّيَ فِيهِ كَانَ كَعَدْلِ عُمْرَةٍ».
وروى الترمذي (٣٢٤)، وابن ماجه (١٤١١) عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ الأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ».
قلت: وأحاديث الباب متعددة يقوي بعضها بعضًا.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
قلت: قوله: «فَاسْتَقْبَلُوهَا». رويت بفتح الموحدة وبكسرها، والأكثر على الفتح، ورجح العلامة النووي الكسر.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ١٠):
«فَاسْتَقْبِلُوهَا رُوِيَ فَاسْتَقْبِلُوهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَمَامُ الْكَلَامِ بَعْدَهُ» اهـ.
والكسر هو الصحيح لما رواه البخاري (٤٤٩٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄: «بَيْنَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٠٦):
«قَوْلُهُ: "فَاسْتَقْبَلُوهَا" بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ أَيْ فَتَحَوَّلُوا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ وَفَاعِلُ اسْتَقْبَلُوهَا الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ وَهُمْ أَهْلُ قُبَاءٍ، وَقَوْلُهُ: "وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ" إِلَخْ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لِلتَّحَوُّلِ الْمَذْكُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ اسْتَقْبَلُوهَا النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ وَضَمِيرُ وُجُوهِهِمْ لَهُمْ أَوْ لِأَهْلِ قُبَاءٍ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: "فَاسْتَقْبِلُوهَا" بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَيَأْتِي فِي ضَمِيرِ وُجُوهِهِمُ الِاحْتِمَالَانِ الْمَذْكُورَانِ وَعَوْدِهِ إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ أَظْهَرُ وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ الْكَسْرِ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: "وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا" فَدُخُولُ حَرْفِ الِاسْتِفْتَاحِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ أَمْرٌ لَا أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
[ ٢ / ٤٨٦ ]
١ - استدل به على أنَّ من دخل في صلاته باجتهاد سائغ إلى جهة ثم تبين له الخطأ في أثناء الصلاة أنَّه ينتقل ويبني.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٣/ ١٠٠ - ١٠١):
«وهذا هو قول جمهور العلماء، منهم: ابن المسيب، وعطاء، والحسن، والشعبي، والثوري، وابن المبارك، وأبو حنيفة، والشافعي - في القديم -، وأحمد في ظاهر مذهبه، حتى قال أبو بكر عبد العزيز: لا يختلف قوله في ذلك، وهو قول إسحاق والمزني.
وقال مالك والأوزاعي: يعيد في الوقت، ولا يعيد بعده.
قال ابن عبد البر: وهذا على الاستحباب دون الوجوب.
وقال الشافعي - في الجديد -: يجب عليه أن يعيد.
وعليه عامة أصحابه، وهو قول المغيرة المخزومي من المالكية، وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد.
وفرقوا بين هذا وبين أهل قباء، بأنَّ أهل قباء لم يعتمدوا في صلاتهم على اجتهاد يحتمل الخطأ، بل على نص تمسكوا به، والناسخ له لم يبلغهم إلَّا في أثناء الصلاة.
فإن قيل: إنَّ النسخ لا يثبت في حقهم إلَّا بعد بلوغهم، فلم يثبت في حقهم إلَّا في أثناء صلاتهم، فلذلك بنوا على ما مضى منها.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وإن قيل: يثبت في حقهم قبل ذلك، فقد تمسكوا بنص لا يجوز لهم تركه ولا الاجتهاد في خلافه، ولا يلزمهم البحث عن استمراره، فلا ينسبون إلى تفريط، بخلاف المجتهد المخطئ.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنَّ أهل قباء قد صح أنَّهم بلغهم ذلك في صلاة الصبح، وقد ثبت بحديث البراء أنَّ القبلة حولت في العصر، وبينهما زمان طويل، في مثله تنتشر الحوادث المهمة الواقعة، ولا سيما مثل هذه الحادثة المتعلقة بالصلاة، فإذا لم ينسبوا ذلك إلى نوع التفريط، فالمجتهد في طلب القبلة بما يسوغ له الاعتماد عليه أولى أن لا ينسب إلى تفريط وتقصير، إذا استفرغ جهده في الاستدلال والطلب، فإنَّ ذلك يقع في الأسفار كثيرًا، فالأمر بالإعادة يشق بخلاف الأمر بإعادة صلاة واحدة.
هذا حكم من خفيت عليه القبلة واجتهد في طلبها وأخطأ.
فإن تعذر الاجتهاد لظلمة ونحوها أو فقدت الأمارات أو تعارضت، وصلى بحسب حاله، ففي الإعادة وجهان لأصحابنا، أصحهما: لا يعيد، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وغيرهما، لأنَّه شرط عجز عنه فسقط كالطهارة والسترة، وكذا الجاهل بأدلة القبلة، إذا لم يجد من يسأله.
ومن أصحابنا من قال: لا إعادة عليه، وجهًا واحدًا.
وهذا كله في السفر.
فأمَّا في الحضر فلو أخطأ في القبلة أعاد عند الثوري، وأحمد في ظاهر مذهبه» اهـ.
٢ - ويستدل به على أنَّ حكم الخطاب لا يتعلق بالمكلف قبل بلوغه إياه.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
٣ - ويستدل به على قبول خبر الواحد الثقة في أمور الديانات مع إمكان السماع من الرسول ﷺ بغير واسطة، فمع تعذر ذلك أولى وأحرى.
٤ - ويستدل به على نسخ المتواتر - وهو الصلاة إلى بيت المقدس - بخبر الواحد. واعترض باستبعاد أن يكون مستند ذلك الخبر المتواتر عند أهل قباء بل الظاهر أن مستند ذلك هو مشاهدتهم لصلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس أو مشافهتهم به وذلك لقربهم من النبي ﷺ.
قلت: الاستدلال على هذه المسألة ما زال قائمًا وذلك أنَّ مشاهدة المرء للفعل بعينه أو سماعه القول من المتكلم أقوى عنده في إفادة العلم من أن يأتيه خبر متواتر، فإذا جاز نسخ هذا بخبر الآحاد فجواز ذلك في المتواتر أولى. والله أعلم.
٥ - قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٧٨):
«وفيه: أنَّه يجوز أن يفتح من ليس في الصلاة على من في الصلاة إذا عدم المصلى اليقين؛ لأنَّ الذي أخبرهم وهم في الصلاة بصلاة النبي إلى الكعبة كان حاضرًا واقتدي بقوله» اهـ.
٦ - قوله: «قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ». يدل على أنَّ الآية الواحدة تسمى قرآنًا وبناءً على هذا تدخل في قول النبي ﷺ: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
٧ - وفيه أنَّ العمل في الصلاة وإن كان كثيرًا في مصلحتها لا يبطل الصلاة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٥٠٧):
[ ٢ / ٤٨٩ ]
«وَتَصْوِيره أَنَّ الْإِمَام تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانه فِي مُقَدَّم الْمَسْجِد إِلَى مُؤَخَّر الْمَسْجِد؛ لِأَنَّ مَنْ اِسْتَقْبَلَ الْكَعْبَة اِسْتَدْبَرَ بَيْت الْمَقْدِس، وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانه لَمْ يَكُنْ خَلْفه مَكَان يَسَع الصُّفُوف، وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَام تَحَوَّلَتْ الرِّجَال حَتَّى صَارُوا خَلْفه وَتَحَوَّلَتْ النِّسَاء حَتَّى صِرْنَ خَلْف الرِّجَال، وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاة فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل تَحْرِيم الْعَمَل الْكَثِير كَمَا كَانَ قَبْل تَحْرِيم الْكَلَام، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اُغْتُفِرَ الْعَمَل الْمَذْكُور مِنْ أَجْل الْمَصْلَحَة الْمَذْكُورَة، أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْد التَّحْوِيل بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَة. وَاللهُ أَعْلَم» اهـ.
٨ - وفيه ثبوت النسخ خلافًا لمن أنكره وهم اليهود.
والصلاة إلى بيت المقدس أول حكم نسخ في شريعة الإسلام.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٤٥٢):
«وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ شَأْنُ الْقِبْلَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا صُرِفَ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأُمِرَ بِالصَّلَاةِ إِلَى الْكَعْبَةِ بِالْمَدِينَةِ» اهـ.
٩ - وفيه أنَّ الأمر للنبي ﷺ أمر له لأمته.
١٠ - قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٩):
«وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى جِهَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَنْ صَلَّى إِلَى جِهَةٍ بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إِلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى حَتَّى لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ فَصَلَّى كُلَّ رَكْعَةٍ مِنْهَا إِلَى جِهَةٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ أَهْلَ هَذَا الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ اسْتَدَارُوا فِي صَلَاتِهِمْ وَاسْتَقْبَلُوا الْكَعْبَةَ وَلَمْ يَسْتَأْنِفُوهَا» اهـ.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢٢):
«فَصْلٌ: إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، كَالْحَاكِمِ إذَا اجْتَهَدَ فِي حَادِثَةٍ، ثُمَّ حَدَثَ مِثْلُهَا، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ عَمِلَ بِالثَّانِي فِي الْحَادِثَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ الْأَوَّلَ. وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الصَّلَاةِ، اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْآمِدِيُّ: لَا يَنْتَقِلُ، وَيَمْضِي عَلَى اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ؛ لِئَلَّا يَنْقُضَ الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، وَلِأَنَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا، كَسَائِرِ مَحَالِّ الْوِفَاقِ، وَلَيْسَ هَذَا نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ أَنْ لَوْ أَلْزَمْنَاهُ إعَادَةَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ نَعْتَدَّ لَهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ اجْتِهَادُهُ وَظَنُّهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى، وَلَمْ يُؤَدِّهِ اجْتِهَادُهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا. وَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِي الصَّلَاةِ، بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ خَبَرٍ عَنْ يَقِينٍ، اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الصَّوَابِ، وَبَنَى كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا أُخْبِرُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَبَنَوْا.
[ ٢ / ٤٩١ ]
وَإِنْ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ ظَاهِرٌ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ. وَإِنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ، وَلَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، كَرَجُلٍ كَانَ يُصَلِّي إلَى جِهَةٍ، فَرَأَى بَعْضَ مَنَازِلِ الْقَمَرِ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ فِي الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ، وَاحْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَيْسَتْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا، فَبَطَلَتْ، لِتَعَذُّرِ إتْمَامِهَا» اهـ.
١١ - وفيه جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ.
١٢ - جاء الحديث في البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ».
وجاء في النسائي (٧٤٥) وغيره بلفظ: «وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ».
وقد احتج باللفظ الذي في الصحيحين من قال: إنَّ الواجب على البعيد استقبال عين الكعبة، وهو مذهب الإمام الشافعي، وخالفه أكثر العلماء فذهبوا إلى أنَّ البعيد يكفيه أن يستقبل الجهة.
وما ذهب إليه الإمام الشافعي خلاف أدلة الكتاب والسنة والإجماع.
أمَّا أدلة الكتاب:
فقول الله تعالى: قول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩].
وقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
والشطر الجهة، والمسجد الحرام يشمل جميع الأرض الحرام.
وأمَّا أدلة السنة فمنها:
ما رواه الترمذي (٣٤٢)، وابن ماجه (١٠١١) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ».
قلت: هذا حديث حسن بشواهده.
ومن ذلك ما رواه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨): «فنهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول وأمر باستقبالها في الصلاة فالقبلة
[ ٢ / ٤٩٣ ]
التي نهى عن استقبالها واستدبارها بالغائط والبول هي القبلة التي أمر المصلي باستقبالها في الصلاة» اهـ.
وقال أيضًا كما [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢١٣): «ونهى عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول ومعلوم باتفاق المسلمين أنَّ المنهي عنه من ذلك ليس هو أن يكون بين المتخلي وبين الكعبة خط مستقيم: بل المنهي عنه أعم من ذلك وهو أمر باستقبال القبلة في حال كما نهي عن استقبالها في حال. وإن كان النهي قد يتناول ما لا يتناوله الأمر لكن هذا يوافق قوله: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ"» اهـ.
وقال ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٣٨): «وهذا بيان لأنَّ ما سوى التشريق والتغريب استقبال للقبلة أو استدبار لها وهذا خطاب لأهل المدينة ومن كان على سمتهم وقريبًا من سمتهم أهل الشام والعراق واليمن ونحوهم» اهـ.
وأمَّا دلالة الإجماع على استقبال الجهة دون العين.
فقد ثبت في هذا الموضع أربع إجماعات:
الإجماع الأول: إجماع الصحابة ﵃ أجمعين على استقبال الجهة دون العين للبعيد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٣٨ - ٥٤٠):
«ولأنَّ ذلك إجماع الصحابة ﵃ قال عمر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة كله إلَّا عند البيت" رواه أبو حفص وذكره أحمد، وقال: "ما بين المشرق
[ ٢ / ٤٩٤ ]
والمغرب قبلة إلَّا عند البيت" فهذا لا يكون ثَم لأنَّه يأتم بالبيت كيف دار، وإن صلى قريبًا من الركن فزال عن الركن قليلًا ترك القبلة فمكة غير البلدان.
وفي رواية: إذا توجهت قِبَلَ البيت. وروى الأثرم عن عمر وعلي وابن عباس أنَّهم قالوا: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" وعن عثمان أنَّه قال: كيف يخطي الرجل الصلاة وما بين المشرق والمغرب قبلة ما لم يتحر المشرق عمدًا".
وروى أبو حفص عن ابن عمر قال: "إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل المشرق" يعني به أهل العراق ونحوهم.
وروى أبو حفص عن المطلب بن حنطب أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا وجهت وجهك نحو البيت الحرام". يعني والله أعلم إذا وجهت وجهك قبله وتجاهه وذلك يحصل باستقبال جهته كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي نحوه وتلقاءه وأراد أن يبين ﷺ أنَّه لا بد من قصد جهتها» اهـ.
الإجماع الثاني: إجماع العلماء على صحة صلاة الصف المستطيل الزائد طوله على سمة الكعبة مع استقامته.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
الإجماع الثالث: إجماع العلماء على صحة صلاة أهل البلد الذي فيه مساجد كثيرة تصلي كلها إلى جهة واحدة مع ابتعاد بعضها عن بعض يمنة ويسرى، فربما يكون بين المسجد وسائر المساجد التي عن يمينه أو يساره عشرات الكيلوات وجميعها تتجه إلى جهة واحدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (٤/ ٥٣٨ - ٥٤٠):
«وأيضًا فإنَّهم أجمعوا على صحة صلاة الصف المستطيل الزائد طوله على سمة الكعبة مع استقامته بل على صحة صلاة أهل البلد الذي فيه مساجد كثيرة تصلي كلها إلى جهة واحدة مع أنَّها يمتنع أن تكون قبلتها على خط مستقيم وهي كلها على سمت عين الكعبة.
فإن قيل مع البعد تحصل المواجهة والمحاذاة لكل واحد مع كثرة المحاذين وطول صفهم لأنَّ المحاذي مع البعد وإن احتاج إلى تقوس وانحناء فهو مع البعد شيء يسير لا يضبط مثله.
قلنا: لو كان المفروض محاذاة نفس العين لوجب مراعاة ذلك الشيء اليسير من الانحناء مع القدرة وأن لا يتعمد تركه كما في القريب فمتى سلم جواز تعمد تركه فلا يعني باستقبال جهة الكعبة إلاَّ ذلك فيرتفع الخلاف. وهذا المعنى هو الفارق
[ ٢ / ٤٩٦ ]
بين القريب والبعيد فإنَّ البعد إذا طال يكون المستقبل للجهة والعين متقاربين جدًا حتى لا يكاد يميز بينهما ومثل هذا يعفى عنه كما عفونا عن سائر الشرائط عما يشق مراعاته مثل يسير النجاسة ويسير العورة والتقدم اليسير بالنية وشبه ذلك فإنَّ الدين أيسر من تكلف هذا.
وقد روي عن النبي ﷺ من وجهين فيهما أنَّه قال: "البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي"» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٠٨):
«وهكذا قال غير واحد من الصحابة: مثل عمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وغيرهم. ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك نزاع» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٩١): «وروي هذا المعنى - أيضًا - عن عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس ﵃، ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ (٢/ ٢٩٦): «وقد اجتمعت الأمة على صحة الصف المستطيل مع البعد عن الكعبة، مع العلم بأنَّه لا يمكن أن يكون كل واحد
[ ٢ / ٤٩٧ ]
منهم مستقبلًا لعينها بحيث أنَّه لو خرج من وسط وجهه خط مستقيم لوصل إلى الكعبة على الاستقامة، فإن هذا لا يمكن إلَّا مع التقوس ولو شيئًا يسيرًا، وكلما كثر البعد قلَّ هذا التقوس لكن لابد منه.
ومن حكى عن الإمام أحمد رواية بوجوب التقوس لطرفي الصف الطويل فقد أخطأ، وقال عليه ما لم يقله، بل لو سمعه لبادر إلى إنكاره والتبري من قائله، وهو خلاف عمل المسلمين في جميع الأمصار والأعصار» اهـ.
الإجماع الرابع: إجماع العلماء على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة.
قال العلامة عبد الرحمن بن قدامة ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير] (١/ ٤٨٥):
«ولأنَّا أجمعنا على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة، وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو لا يمكن أن يصيب عين الكعبة إلاَّ من كان بقدرها، فإن قيل مع البعد يتسع المحاذي، قلنا: إنَّما يتسع مع التقوس وأمَّا مع عدمه فلا. والله أعلم» اهـ.
فرع: وإذا تبيَّن لك أنَّ البعيد يجب عليه أن يستقبل جهة الكعبة فاعلم أنَّ لمعرفة ذلك طرق منها:
[ ٢ / ٤٩٨ ]
سماوية:
ومنها: الشمس، وهي أيسر العلامات وأظهرها، فإنَّ الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب فمن كان في جنوب الكعبة كأهل اليمن فإنَّه إذا جعل المشرق على يمينه والمغرب على شماله فقد استقبل جهة الكعبة، ومن كان في شمال الكعبة فعلى العكس من ذلك.
والأحسن التوسط في الجهة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ٥٥١):
«قال أبو عبد الله ﵀: بين المشرق والمغرب قبلة ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء إذا صلى بينهما فصلاته جائزة إلَّا أنَّا نستحب أن يستقبل القبلة ويجعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره فيكون وسطًا من ذلك وإن هو صلى فيما بينهما وكان إلى أحد الشقين أميَّل فصلاته جائزة إذا كان بين المشرق والمغرب ولم يخرج من بينهما» اهـ.
ويمكن أن يتوسط الجهة عن طريق الشمس والقمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ٥٥٢):
«ويستدل أيضًا باستواء الشمس وقت الزوال لمن يعرفه بزيادة الظل فإنَّها تكون حينئذ بين المشرق والمغرب والظل بعد يميل إلى جهة المشرق فمتى جعلها على رأسه أو تجاهه والفيء عن يساره كان مستقبلًا جهة القبلة وكذلك القمر ليلة
[ ٢ / ٤٩٩ ]
سابعة وقت المغرب وليلة إحدى وعشرين وقت المشرق يكون في وسط الفلك فمن جعله فوق راسه أو تجاهه فقد استقبل القبلة» اهـ.
قلت: وقوله: «والفيء عن يساره». هذا باعتبار من كان شمال البيت كأهل المدينة والشام والعراق، وأمَّا من كان في جنوب البيت كأهل اليمن فإنَّ الفيء يكون عن يمينه.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢١):
«وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا، عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهَا، وَتَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي حَالِ تَوَسُّطِهَا فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، وَفِي الصَّيْفِ مُحَاذِيَةً لِقِبْلَتِهِ» اهـ.
ومنها: القمر: فإنَّه في النصف الأول من الشهر يغرب من جهة المغرب.
وفي النصف الآخر من الشهر يطلع من جهة المشرق لا سيما آخر الشهر فإنَّه يطلع في آخر الليل من المشرق.
وليلة السابع في وقت المغرب، والحادي والعشرين في آخر الليل وقت الفجر يكون في وسط السماء بين المشرق والمغرب كما سبق.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢١):
«فَصْلٌ: وَالْقَمَرُ يَبْدُو أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ هِلَالًا فِي الْمَغْرِبِ، عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مَنْزِلًا، حَتَّى يَكُونَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، أَوْ مَائِلًا عَنْهَا قَلِيلًا، ثُمَّ يَطْلُعُ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الْمَشْرِقِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بَدْرًا تَامًّا، وَلَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ يَكُونُ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا،
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وَقْتَ الْفَجْرِ، وَلَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ يَبْدُو عِنْدَ الْفَجْرِ كَالْهِلَالِ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهُ بِاخْتِلَافِ مَنَازِلِهِ» اهـ.
ومنها: النجوم: قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧].
وهي أنواع:
فمنها منازل القمر الثمانية والعشرون، وهي نجوم تطلع من المشرق وتغرب في المغرب.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢٠ - ٣٢١):
«فَصْلٌ: وَمَنَازِلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا، وَهِيَ: السَّرَطَانُ، وَالْبُطَيْنُ، وَالثُّرَيَّا، وَالدَّبَرَانُ، وَالْهَقْعَةُ، وَالْهَنْعَةُ، وَالذِّرَاعُ، وَالنَّثْرَةُ، وَالطَّرْفُ، وَالْجَبْهَةُ، وَالزُّبْرَةُ، وَالصَّرْفَةُ، وَالْعَوَّاءُ، وَالسِّمَاكُ، وَالْغَفْرُ، وَالزُّبَانَى، وَالْإِكْلِيلُ، وَالْقَلْبُ، وَالشَّوْلَةُ، وَالنَّعَائِمُ، وَالْبَلْدَةُ، وَسَعْدٌ الذَّابِحُ، وَسَعْدُ بُلَعَ، وَسَعْدُ السُّعُودِ، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ، وَالْفَرْعُ الْمُقَدَّمُ؛ وَالْفَرْعُ الْمُؤَخَّرُ، وَبَطْنُ الْحُوتِ.
[ ٢ / ٥٠١ ]
مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةٌ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ أَوْ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشَّمَالِ قَلِيلًا، أَوَّلُهَا السَّرَطَانُ، وَآخِرُهَا السِّمَاكُ. وَمِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةٌ، تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ مَا يَلِيهِ إلَى التَّيَامُنِ، أَوَّلُهَا الْغَفْرُ؛ وَآخِرُهَا بَطْنُ الْحُوتِ.
وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ، وَيَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِمَنْزِلَةٍ مِنْهَا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩].
وَالشَّمْسُ تَنْزِلُ بِكُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ عَوْدُهَا إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ يَكُونُ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا، وَمِنْ طُلُوعِهَا إلَى غُرُوبِهَا مِثْلُ ذَلِكَ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مِنْهَا مَنْزِلَانِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَنْزِلٌ، وَهُوَ نِصْفُ سُدُسِ سَوَادِ اللَّيْلِ، وَسَوَادُ اللَّيْلِ اثْنَا عَشَرَ مَنْزِلًا، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، إلَّا أَنَّ أَوَائِلَ الشَّامِيَّةِ وَآخِرَ الْيَمَانِيَّةِ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ، بِحَيْثُ إذَا طَلَعَ جَعَلَ الطَّالِعَ مِنْهَا مُحَاذِيًا لِكَتِفِهِ الْأَيْسَرِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ آخِرُ الشَّامِيَّةِ.
وَأَوَّلُ الْيَمَانِيَّةِ يَكُونُ مُقَارِبًا لِذَلِكَ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الشَّامِيَّةِ، وَهُوَ الذِّرَاعُ وَمَا يَلِيهِ مِنْ جَانِبَيْهِ، يَمِيلُ مَطْلَعُهُ إلَى نَاحِيَةِ الشَّمَالِ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ - نَحْوُ الْعَقْرَبِ، وَالنَّعَائِمِ، وَالْبَلْدَةِ، وَالسُّعُودِ - تَمِيلُ مَطَالِعُهَا إلَى الْيَمِينِ، فَالْيَمَانِيُّ مِنْهَا يَجْعَلُهُ مِنْ أَمَامِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَالشَّامِيُّ يَجْعَلُهُ خَلْفَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ قَرِيبًا مِنْهَا، وَالْغَارِبُ مِنْهَا يَجْعَلُهُ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ كَذَلِكَ.
وَإِنْ عَرَفَ الْمُتَوَسِّطَ مِنْهَا بِأَنْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُفُقِ السَّمَاءِ سَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا وَسَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا، اسْتَقْبَلَهُ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ نُجُومٌ تُقَارِبُهُ، وَتَسِيرُ بِسَيْرِهِ، مِنْ عَنْ يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ، يَكْثُرُ عَدَدُهَا، حُكْمُهَا حُكْمُهُ، وَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا تَدُلُّ
[ ٢ / ٥٠٢ ]
عَلَيْهِ، كَالنَّسْرَيْنِ والشعريين، وَالنَّظْمِ الْمُقَارِنِ لِلْهَقْعَةِ، وَالسِّمَاكِ الرَّامِحِ، وَالْفَكَّةِ، وَغَيْرِهَا، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَسُهَيْلٌ نَجْمٌ كَبِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ نَحْوِ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَجَاوَزُهَا، ثُمَّ يَغْرُبُ قَرِيبًا مِنْ مَهَبِّ الدَّبُورِ، وَالنَّاقَةُ أَنْجُمٌ عَلَى صُورَةِ النَّاقَةِ، تَطْلُعُ فِي الْمَجَرَّةِ مِنْ مَهَبِّ الصَّبَا، ثُمَّ تَغِيبُ فِي مَهَبِّ الشَّمَالِ» اهـ.
ومنها: الجدي: فإنَّه يدل على جهة الشمال، ولهذا يقال له: نجم الشمال.
وأمَّا القطب فليس بنجم في الحقيقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢١٢ - ٢١٤):
«والدليل المشهور لهم الجدي والقطب فمنهم من يقول: القطب هو الجدي وهو كوكب خفي وهذا خطأ من ثلاثة أوجه؛ فإنَّ القطب ليس هو الجدي والجدي ليس بكوكب خفي؛ بل كوكب نير والقطب ليس أيضًا كوكبًا. ومنهم من يقول: الجدي هو كوكب خفي وهو خطأ. وجمهورهم يقولون: القطب كوكب خفي ويحكون قولين في القطب هل يدور أو لا يدور؟ وهذا تخليط؛ فإنَّ القطب الذي هو مركز الحركة لا يتغير عن موضعه كما أنَّ قطب الرحى لا يتغير عن موضعه. ولكن هناك كوكب صغير خفي قريب منه. وهذا إذا سمي قطبًا كان تسميته باعتبار كونه أقرب الكواكب إلى القطب وهذا يدور؛ فالكواكب تدور بلا ريب ومدار الحركة الذي هو قطبها لا يدور بلا ريب فحكاية قولين في ذلك كلام من لم يميز بين هذا وهذا والدليل الظاهر هو الجدي. والاستدلال به على العين إنَّما يكون في بعض الأوقات؛ لا في جميعها؛ فإنَّ القطب إذا كانت الشمس في
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وسط السماء عند تناهي قصر الظلال يكون القطب محاذيًا للركن الشامي من البيت الذي يكون عن يمين المستقبل للباب فمن كان بلده محاذيًا لهذا القطب كأهل حران ونحوهم كانت صلاتهم إلى الركن. ولهذا يقال أعدل القبل قبلتهم. ومن كان بلده غربي هؤلاء - كأهل الشام - فإنَّهم يميلون إلى جهة المشرق قليلًا بقدر بعدهم عن هذا الخط فكلما بعدوا ازدادوا في الانحراف ومن كان شرقي هؤلاء - كأهل العراق - كانت قبلته بالعكس؛ ولهذا كان أهل تلك البلاد يجعلون القطب وما قرب منه خلف أقفائهم وأهل الشام يميلون قليلًا فيجعلون ما بين الأذن اليسرى ونقرة القفا أو خلف الأذن اليسرى بحسب قرب البلد وبعده عن هؤلاء وأهل العراق يجعلون ذلك خلف الأذن اليمنى، ومعلوم أنَّ النبي ﷺ والصحابة لم يأمروا أحدًا بمراعاة القطب ولا ما قرب منه ولا الجدي ولا بنات نعش ولا غير ذلك. ولهذا أنكر الإمام أحمد على من أمر بمراعاة ذلك وأمر أن لا تعتبر القبلة بالجدي وقال: ليس في الحديث ذكر الجدي؛ ولكن ما بين المشرق والمغرب قبلة وهو كما قال؛ فإنَّه لو كان تحديد القبلة بذلك واجبًا أو مستحبًا لكان الصحابة أعلم بذلك وإليه أسبق ولكان النبي ﷺ بين ذلك؛ فإنَّه لم يدع من الدين شيئًا إلَّا بينه فكيف وقد صرح بأنَّ ما بين المشرق والمغرب قبلة ونهى عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول ومعلوم باتفاق المسلمين أن المنهي عنه من ذلك ليس هو أن يكون بين المتخلي وبين الكعبة خط مستقيم: بل المنهي عنه أعم من ذلك وهو أمر باستقبال القبلة في حال كما نهي عن استقبالها في حال. وإن كان النهي قد يتناول ما لا يتناوله الأمر لكن هذا يوافق قوله: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"» اهـ.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣١٩ - ٣٢٠):
«وَآكَدُهَا الْقُطْبُ الشَّمَالِيُّ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ حَوْلَهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ الرَّحَى، فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ، وَفِي الْآخَرِ الْجَدْيُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ، مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقُ وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَسْفَلُ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةُ حَوْلَ الْقُطْبِ، دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً، فِي اللَّيْلِ نِصْفُهَا وَفِي النَّهَارِ نِصْفُهَا، فَيَكُونُ الْجَدْيُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْفَرْقَدَيْنِ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ، وَالْأَزْمِنَةِ، لِمَنْ عَرَفَهَا، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا، وَحَوْلَهَا بَنَاتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الْفَرْقَدَيْنِ تَدُورُ حَوْلَهَا، وَالْقُطْبُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ سَفُّودُ الرَّحَى بِدَوَرَانِهَا.
وَقِيلَ: إنَّهُ يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا لَا يَتَبَيَّنُ، وَلَا يُؤَثِّرُ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ النَّظَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَمَرُ طَالِعًا، فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ، فَإِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ فِي الْأَرْضِ الشَّامِيَّةِ، كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا الْكَعْبَةَ.
وَقِيلَ: إنَّهُ يَنْحَرِفُ فِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ. وَإِنْ كَانَ بِحَرَّانَ وَمَا يُقَارِبُهَا اعْتَدَلَ، وَجَعَلَ الْقُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَدِلًا مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ. وَقِيلَ: أَعْدَلُ الْقِبَلِ قِبْلَةُ حَرَّانَ. وَإِنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ جَعَلَ الْقُطْبَ حَذْوَ ظَهْرِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى عَلَى عُلُوِّهَا، فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا بَابَ الْكَعْبَةِ إلَى الْمَقَامِ، وَمَتَى اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ أَوْ الْجَدْيَ، فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَنُزُولِ الْآخَرِ، عَلَى الِاعْتِدَالِ، كَانَ ذَلِكَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وَإِنْ اسْتَدْبَرَهُ، فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ، فَإِذَا اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهَا، كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الْغَرْبِ قَلِيلًا، وَإِذَا اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الشَّرْقِ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتَ نَعْشٍ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ انْحِرَافَهُ أَكْثَرُ» اهـ.
قلت: وبنات نعش الصغرى تسمى في هذه الأزمان كوكبة الدب الأصغر.
وبنات النعش الكبرى تسمى كوكبة الدب الأكبر.
ومن الدلائل السماوية: المَجَرَّة. وهي البياض الممتد في السماء.
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ١٣):
«وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْقِبْلَةِ: الْمَجَرَّةُ فِي السَّمَاءِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فَتَكُونُ مُمْتَدَّةً عَلَى كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ فِي الصَّيْفِ، وَفِي الشِّتَاءِ تَكُونُ أَوَّلَ اللَّيْلِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ إلَى نَحْوِ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الصَّيْفِ» اهـ.
وقال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [كشاف القناع] (١/ ٣٠٩):
«قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا: الْمَجَرَّةُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي نَاحِيَةِ السَّمَاءِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ مِنْ الْإِنْسَانِ، إذَا كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَشْرِقِ ثُمَّ تَصِيرُ مِنْ آخِرِهِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا أَيْضًا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَأَمَّا فِي الصَّيْفِ فَإِنَّهَا تَتَوَسَّطُ السَّمَاءَ» اهـ.
قلت: وكلامهما ها هنا باعتبار من كان في جهة الشمال كأهل الشام، وأمَّا من كان في الجنوب فينعكس عليه الأمر. والله أعلم.
وأمَّا الدلائل الهوائية: فهي الرياح.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ٥٥٦ - ٥٥٧):
«وأمَّا الدلائل الهوائية فهي الرياح، ومهابها أربع تخرج من زوايا الأرض الأربعة ويقال: إنَّ الكعبة مبنية على مهابها فجدر الكعبة الأربعة مستقبلة لمهاب الريح وأركان الكعبة مستقبلة بجهات الأرض الأربعة.
إحداهنَّ الصبا سميت بذلك لأنَّها تصبو إلى الكعبة وهي تهب إلى وجهها ما بين مطلع الثريا ومطلع الجدي.
والدبور تجاهها تهب إلى دبر الكعبة ما بين مطلع سهيل ومغرب الثريا.
والجنوب تهب إلى جانب الكعبة اليماني ما بين مطلع الثريا ومطلع سهيل.
والشمال تجاهها ما بين مطلع الجدي ومغرب الثريا فهذه الرياح من عرف خواصها وصفاتها أمكنه أن يستدل بها إذا كان في فضاء من الأرض حيث تجري الريح على سنها ثم نسبة المصلي إليها تختلف باختلاف مكانه ولهذا تختلف عبارة أصحابنا العراقيين والشاميين وغيرهم في نسبة الرياح والشمس والقمر والجدي إلى المصلي لأنَّ كل قوم وصفوا دلائل قبلة أرضهم خاصة على سبيل التحديد» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢١):
«فَصْلٌ: وَالرِّيَاحُ كَثِيرَةٌ يُسْتَدَلُّ مِنْهَا بِأَرْبَعٍ، تَهُبُّ مِنْ زَوَايَا السَّمَاءِ؛ الْجَنُوبُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ، مُسْتَقْبِلَةً بَطْنَ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ، مِمَّا يَلِي
[ ٢ / ٥٠٧ ]
وَجْهَهُ إلَى يَمِينِهِ، وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشَّمَالِ؛ مَارَّةً إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ.
وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْيَمَنِ، مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ، مَارَّةً إلَى الزَّاوِيَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا. وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي. وَرُبَّمَا هَبَّتْ الرِّيَاحُ بَيْنَ الْحِيطَانِ وَالْجِبَالِ فَتَدُورُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا.
وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ، لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ، وَتُعْرَفُ الرِّيَاحُ بِصِفَاتِهَا وَخَصَائِصِهَا» اهـ.
وقال ﵀ في [الكافي] (١/ ٢٣٦):
«ويستدل من الرياح بأربع تهب من زوايا السماء، الدبور تهب مما بين المغرب والقبلة، مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن، والصبا مقابلتها تهب من ظهره إلى كتفه اليسرى مارة إلى مهب الدبور، والجنوب تهب مما بين المشرق والقبلة مارة إلى الزاوية المقابلة لها، والشمال تهب من مقابلتها مارة إلى مهب الجنوب» اهـ.
قلت: وريح الصَّبا هي التي تلقح السحاب والثمار. وهي تهب من الشرق.
وريح الدبور هي ريح العذاب. وهي تهب من الغرب.
وتهب أول الليل وآخر النهار وتنقطع سريعًا في أول الليل.
وريح الشمال هي التي يحصل منها النسيم. وتأتي من الشمال إلى الجنوب.
وريح الجنوب هي التي تسير سحب الأمطار.
وقد قيل: إنَّ من اتجه إلى باب الكعبة فما جاءه من الرياح عن شمال الكعبة متجهًا إلى يمينها فهي ريح الشمال وهي التي تلي الحجر الأسود.
وما جاء عن يمين الكعبة متجهًا إلى شمالها فهو ريح الجنوب.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وما جاء من خلفك متجهًا إلى باب الكعبة فهي الصبا.
وما جاء من أمامك متجهًا إلى دبر الكعبة فهي الدبور.
وقال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسير] (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠):
«قَالَ الْعُلَمَاءُ: الرِّيحُ تُحَرِّكُ الْهَوَاءَ، وَقَدْ يَشْتَدُّ وَيَضْعُفُ. فَإِذَا بَدَتْ حَرَكَةَ الْهَوَاءِ مِنْ تُجَاهِ الْقِبْلَةِ ذَاهِبَةً إِلَى سَمْتِ الْقِبْلَةِ قِيلَ لِتِلْكَ الرِّيحِ: " الصَّبَا". وَإِذَا بَدَتْ حَرَكَةُ الْهَوَاءِ مِنْ وَرَاءِ الْقِبْلَةِ وَكَانَتْ ذَاهِبَةً إِلَى تُجَاهِ الْقِبْلَةِ قِيلَ لِتِلْكَ الرِّيحِ: " الدَّبُورُ". وَإِذَا بَدَتْ حَرَكَةُ الْهَوَاءِ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ ذَاهِبَةً إِلَى يَسَارِهَا قِيلَ لَهَا: " رِيحُ الْجَنُوبِ". وَإِذَا بَدَتْ حَرَكَةُ الْهَوَاءِ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ ذَاهِبَةً إِلَى يَمِينِهَا قِيلَ لَهَا: " رِيحُ الشَّمَالِ". وَلِكُلِ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ طَبْعٌ، فَتَكُونُ مَنْفَعَتُهَا بِحَسَبِ طَبْعِهَا، فَالصَّبَا حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالدَّبُورُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ، وَالْجَنُوبُ حَارَّةٌ رَطْبَةٌ، وَالشَّمَالُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ. وَاخْتِلَافُ طِبَاعِهَا كَاخْتِلَافِ طَبَائِعِ فُصُولِ السَّنَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ لِلزَّمَانِ أَرْبَعَةَ فُصُولٍ مَرْجِعُهَا إِلَى تَغْيِيرِ أَحْوَالِ الْهَوَاءِ، فَجَعَلَ الرَّبِيعَ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْفُصُولِ حَارًّا رَطْبًا، وَرَتَّبَ فِيهِ النَّشْءَ وَالنُّمُوَّ فَتَنْزِلُ فِيهِ الْمِيَاهُ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ زَهْرَتَهَا وَتُظْهِرُ نَبَاتَهَا، وَيَأْخُذُ النَّاسُ فِي غَرْسِ الْأَشْجَارِ وَكَثِيرٍ مِنَ الزَّرْعِ، وَتَتَوَالَدُ فِيهِ الْحَيَوَانَاتُ وَتَكْثُرُ الْأَلْبَانُ. فَإِذَا انْقَضَى الرَّبِيعُ تَلَاهُ الصَّيْفُ الَّذِي هُوَ مُشَاكِلٌ لِلرَّبِيعِ فِي إِحْدَى طَبِيعَتَيْهِ وَهِيَ الْحَرَارَةُ، وَمُبَايِنٌ لَهُ فِي الْأُخْرَى وَهِيَ الرُّطُوبَةُ، لِأَنَّ الْهَوَاءَ فِي الصَّيْفِ حَارٌّ يَابِسٌ، فَتَنْضَجُ فِيهِ الثِّمَارُ وَتَيْبَسُ فِيهِ الْحُبُوبُ الْمَزْرُوعَةُ فِي الرَّبِيعِ. فَإِذَا انْقَضَى الصَّيْفُ تَبِعَهُ الْخَرِيفُ الَّذِي هُوَ مَشَاكِلٌ لِلصَّيْفِ فِي إِحْدَى طَبِيعَتَيْهِ وَهِيَ الْيُبْسُ، وَمُبَايِنٌ لَهُ فِي الْأُخْرَى وَهِيَ الْحَرَارَةُ، لِأَنَّ الْهَوَاءَ فِي الْخَرِيفِ بَارِدٌ يَابِسٌ، فَيَتَنَاهَى فِيهِ
[ ٢ / ٥٠٩ ]
صَلَاحُ الثِّمَارِ وَتَيْبَسُ وَتَجِفُّ فَتَصِيرُ إِلَى حَالِ الِادِّخَارِ، فَتُقْطَفُ الثِّمَارُ وَتُحْصَدُ الْأَعْنَابُ وَتَفْرُغُ مِنْ جَمْعِهَا الْأَشْجَارُ. فَإِذَا انْقَضَى الْخَرِيفُ تَلَاهُ الشِّتَاءُ وَهُوَ مُلَائِمٌ لِلْخَرِيفِ فِي إِحْدَى طَبِيعَتَيْهِ وَهِيَ الْبُرُودَةُ، وَمُبَايِنٌ لَهُ فِي الْأُخْرَى وَهُوَ الْيُبْسُ، لِأَنَّ الْهَوَاءَ فِي الشِّتَاءِ بَارِدٌ رَطْبٌ، فَتَكْثُرُ الْأَمْطَارُ والثلوج وتمهد الْأَرْضُ كَالْجَسَدِ الْمُسْتَرِيحِ، فَلَا تَتَحَرَّكُ إِلَّا أَنْ يعيد اللَّهُ ﵎ إِلَيْهَا حَرَارَةَ الرَّبِيعِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الرُّطُوبَةِ كَانَ عِنْدَ ذَلِكَ النَّشْءِ وَالنُّمُوِّ بِإِذْنِ اللَّهِ ﷾. وَقَدْ تَهُبُّ رِيَاحٌ كَثِيرَةٌ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ، إِلَّا أَنَّ الْأُصُولَ هَذِهِ الْأَرْبَعُ. فَكُلُّ رِيحٍ تَهُبُّ بَيْنَ رِيحَيْنِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ فِي هُبُوبِهَا أَقْرَبُ إِلَى مَكَانِهَا وَتُسَمَّى" النَّكْبَاءَ"» اهـ.
قلت: وأمَّا الدلائل الأرضية فهي: الجبال والأنهار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ٥٥٧ - ٥٥٨):
«وأمَّا دلائل الأرض فقد قال بعض أصحابنا: إنَّ ذلك لا ينضبط انضباطًا عامًا لكن من كان في موضع قد علم جهات ما فيه من الجبال والأنهار والأبنية ونحو ذلك أمكنه الاستدلال.
فأمَّا بدون ذلك فإنَّ الجبال والأنهار ليست كلها على وجهة واحدة حتى يحكم عليها بحكم عام.
وقال كثير من أصحابنا يستدل بالجبال والأنهار الكبار.
أمَّا الجبال فإنَّ لها وجوها يعرفها سكانها ولذلك لكل شيء وجه يعرف بالمشاهدة قالوا: ووجوه الجبال جميعها إلى جهة بيت الله ﷾.
[ ٢ / ٥١٠ ]
أمَّا الأنهار فقالوا: أكثر الأنهار الكبار التي خلقها الله ﷾ لم يحتفرها الناس لاغراضهم تجري من مهب الريح الشمال إلى مهب الريح الجنوب مثل الفرات ودجلة قالوا إلَّا نهرين أحدهما: بالشام يسمى العاصي والآخر بخراسان يسمى سيحون يسمى كل واحد منهما المقلوب فإذا كانت هذه الأنهار تجري من يمنة المصلي إلى يسرته وقرب كتفه الأيمن من الماء وبعدها اليسرى منه إذا كان الماء أمامه وإن كان الماء خلفه فبالعكس فقد استقبل جهة الكعبة، والنهران المقلوبات يجعلهما بالعكس جاريين من ميسرته إلى ميمنته وهذا والله أعلم في قبلة أهل العراق وخراسان ومن قاربهم من أهل الشام ونحوهم وإلَّا فنيل مصر يجري من الجنوب إلى الشمال ونهر الأردن بالشام يجري إلى ناحية الجنوب وهي ناحية القبلة» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٢١ - ٣٢٢):
«وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِدْلَالَ بِالْمِيَاهِ، وَقَالُوا: الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ كُلُّهَا تَجْرِي عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْدُثُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ إلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا بِالسَّوَاقِي وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا، وَلَا بِنَهْرَيْنِ يَجْرِيَانِ مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَمِينِهِ، أَحَدُهُمَا الْعَاصِي بِالشَّامِ، وَالثَّانِي سَيْحُونُ بِالْمَشْرِقِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطٍ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَنْهَارِ الشَّامِ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، فَالْأُرْدُنُّ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ،
[ ٢ / ٥١١ ]
حَيْثُ كَانَ مِنْهَا حَتَّى يَصُبَّ فِيهِ. وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّامِ سِوَى الْعَاصِي، وَالْفُرَاتُ حَدُّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ» اهـ.
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الإقناع] (١/ ١٠٤):
«وَمِنْهَا الْجِبَالُ الْكِبَارُ، فَكُلُّهَا مُمْتَدَّةٌ عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، وَهَذِهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لَكِنْ تَضْعُفُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُصَلِّي يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ هَلْ يَجْعَلُ الْجَبَلَ الْمُمْتَدَّ خَلَفَهُ أَوْ قُدَّامَهُ؟ فَتَحْصُلُ الدَّلَالَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَالِاشْتِبَاهُ عَلَى جِهَتَيْنِ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ وَجْهَ الْجَبَلِ فَإِنَّ وُجُوهَ الْجِبَالِ إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ مَا فِيهِ مِصْعَدُهُ» اهـ.
قلت: والمصعد من الجبل هو موضع الصعود منه.
والاستدلال بالجبال على معرفة القبلة ضعيف ولا ينضبط، نعم من كان في موضع يعرف فيه اتجاه الجبال فيمكن أن يستدل بها على جهة القبلة.
قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١٢٧):
«قَالُوا: وَبِالْجِبَالِ، فَكُلُّ جَبَلٍ لَهُ وَجْهٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ يَعْرِفُهُ أَهْلُهُ وَمَنْ مَرَّ بِهِ، وَذَلِكَ
ضَعِيفٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ» اهـ.
قلت: ويمكن أيضًا معرفة جهة القبلة عن طريق الآلات الحديثة كالبوصلة، والجوجل.
* * *
[ ٢ / ٥١٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّامِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ - يَعْنِي عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ - فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ فَقَالَ: «لَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ مَا فَعَلْتُهُ».
اللفظ الذي ذكره المصنف هو لفظ البخاري (١١٠٠)، ولفظ مسلم (٧٠٢): «تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ فَقُلْتُ لَهُ رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ».
وقوله في رواية مسلم: «حِينَ قَدِمَ الشَّامَ». مشكل مع رواية البخاري.
لكن قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٥/ ٢١٢):
«هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ وَقِيلَ إِنَّهُ وَهْمٌ وَصَوَابُهُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْبَصْرَةِ لِلِقَائِهِ حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ قُلْتُ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ وَمَعْنَاهَا تَلَقَّيْنَاهُ فِي رُجُوعِهِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ وَإِنَّمَا حَذَفَ ذِكْرَ رُجُوعِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٧٦):
«قوله: "فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ" هو موضع بطريق العراق مما يلي الشام وكانت به وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر بين خالد بن الوليد والأعاجم ووجد بها غلمانًا
[ ٢ / ٥١٣ ]
من العرب كانوا رهنًا تحت يد كسرى منهم جد الكلبي المفسر وحمران مولى عثمان وسيرين مولى أنس» اهـ.
قلت: عين التمر تابعة لكربلاء وهي من مدن العراق، وهي قريبة من الأنبار غربي الكوفة.
قال ياقوت الحموي في [معجم البلدان] (٤/ ١٧٦):
«بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة بقربها موضع يقال له شفاثا، منهما يجلب القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهو بها كثير جدّا، وهي على طرف البرية، وهي قديمة افتتحها المسلمون في أيام أبي بكر على يد خالد بن الوليد في سنة ١٢ للهجرة، وكان فتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، فمن ذلك السبي والدة محمد بن سيرين، وسيرين اسم أمه، وحمران بن أبان مولى عثمان بن عفان» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - فيه جواز صلاة النافلة على الراحلة في السفر.
وأمَّا ما جاء عن أنس من الصلاة على الراحلة في أزقة المدينة لم أقف عليه مسندًا.
لكن قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (١٧/ ٧٨):
«وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُصَلِّي فِي الْمِصْرِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ لِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حِمَارٍ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ يُومِئُ إِيمَاءً. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يَجُوزُ لِكُلِّ رَاكِبٍ وَمَاشٍ حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ وَرَاحِلَتِهِ وَعَلَى رِجْلَيْهِ وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ جَوَازُ التَّنَفُّلِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي
[ ٢ / ٥١٤ ]
الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَقَالَ الْأَثْرَمُ قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحَضَرِ فَقَالَ أَمَّا فِي السَّفَرِ فَقَدْ سَمِعْنَا وَمَا سَمِعْتُ فِي الْحَضَرِ» اهـ.
قلت: حديث يحيى بن سعيد جاء بغير هذا اللفظ، وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٨٥١٦) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَنَسًا يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ يُومِئُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ».
ورواه مالك في [الموطأ] (٢٦) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي السَّفَرِ وَهُوَ «يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، إِيمَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى شَيْءٍ».
قلت: إسناده صحيح.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨):
«ذَكَرَ مَالِكٌ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هَذَا عَنْ أَنَسٍ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ بَلْ قَالَ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي السَّفَرِ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِيمَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ على شيء.
وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَحَدٌ يُقَاسُ بِمَالِكٍ وَقَدْ قَالَ فِيهِ فِي السَّفَرِ فَبَطُلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الْحَضَرَ» اهـ.
٢ - وفيه أنَّه لا يجب استقبال القبلة في صلاة النافلة على الراحلة في السفر. كما سبق.
٣ - وفيه دليل على جواز الصلاة على الحمار.
[ ٢ / ٥١٥ ]
وقد روى مسلم (٧٠٠) من طريق عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ».
قلت: لكن قال الحافظ النسائي في [السنن] (٢/ ٣٩٢):
«لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى عَلَى قَوْلِهِ: "يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ"، وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ الصَّوَابُ مَوْقُوفٌ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال الحافظ الزيلعي ﵀ في [نصب الراية] (٢/ ١٥١):
«وقد غلط الدارقطني. وغيره عمرو بن يحيى في ذلك، والمعروف على راحلته، وعلى البعير، انتهى» اهـ.
وروى النسائي (٧٤١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ، «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ رَاكِبٌ إِلَى خَيْبَرَ وَالْقِبْلَةُ خَلْفَهُ».
لكن قال العلامة الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (١٢/ ٨٨ - ٩٠):
«يرويه داود بن قيس الفراء، واختلف عنه؛ فرواه إسماعيل بن عمر أبو المنذر، عن داود بن قيس، عن ابن عجلان، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، عن النبي ﷺ.
وخالفه عبد الله بن المسيح، وإسحاق بن سليمان الرازي، فروياه عن داود بن قيس، عن يحيى بن سعيد، عن أنس مرفوعًا أيضًا، ولم يذكروا فيه عن ابن عجلان.
[ ٢ / ٥١٦ ]
وخالفهم مالك بن أنس، وابن عيينة، ووهيب، ويحيى القطان، وعمرو بن الحارث، وزهير، وعبد الله بن عمرو، وعبد الوهاب الثقفي، وعبد العزيز القسملي، وزفر بن الهذيل، وهشيم، وعبد الرحمن بن اليمان شيخ يروي عنه الأوزاعي فقط، والدراوردي، وأبو حمزة السكري، وعبدة بن سليمان، فرووه عن يحيى بن سعيد، عن أنس موقوفًا، وهو الصواب» اهـ.
قلت: ومن ذهب إلى نجاسة الحمار اشترط لمن أراد أن يصلي عليه النافلة أن يجعل بينه وبين بدن الحمار سترة طاهرة، والصحيح عدم الاشتراط لطهارة بدن الحمار.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣١٥):
«لَكِنْ إنْ صَلَّى عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ طَاهِرَةٌ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٢٤٠):
«يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُلَاقِي بَدَنَ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ وَثِيَابِهِ مِنْ السَّرْجِ وَالْمَتَاعِ وَاللِّجَامِ وَغَيْرِهَا طَاهِرًا وَلَوْ بَالَتْ الدَّابَّةُ أَوْ وَطِئَتْ نَجَاسَةً أَوْ كَانَ عَلَى السَّرْجِ نَجَاسَةٌ فَسَتَرَهَا وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمْ يَضُرَّ وَلَوْ أَوْطَأَهَا الرَّاكِبُ نَجَاسَةً لَمْ يَضُرَّ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ النَّجَاسَةَ وَلَا حَمَلَ مَا يُلَاقِيهَا وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَلَوْ دَمِيَ فَمُ الدَّابَّةِ وَفِي يَدِهِ لِجَامُهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى وَفِي يَدِهِ حَبْلٌ طَاهِرٌ طَرَفُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَلَوْ وَطِئَ الْمُتَنَفِّلُ مَاشِيًا عَلَى نَجَاسَةٍ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَتَحَفَّظَ وَيَتَصَوَّنَ وَيَحْتَاطَ فِي الْمَشْيِ لِأَنَّ
[ ٢ / ٥١٧ ]
الطَّرِيقَ يَغْلِبُ فِيهَا النَّجَاسَةُ وَالتَّصَوُّنُ مِنْهَا عَسِرٌ فَمُرَاعَاتُهُ تَقْطَعُ الْمُسَافِرَ عَنْ أَغْرَاضِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ انْتَهَى إلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ لَا يَجِدُ عَنْهَا مَعْدِلًا فَهَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ قَالَ وَلَا شَكَّ لَوْ كَانَتْ رَطْبَةً فَمَشَى عَلَيْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَامِلَ نَجَاسَةٍ» اهـ.
٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٥٧٧):
«وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى أنَّ من صلى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه أنَّ صلاته صحيحة لأنَّ الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها» اهـ.
قلت: ومثل ذلك لو صلى على بساط في طرفه نجاسة فصلاته صحيحه إذا لم يباشر النجاسة ببدنه.
وهكذا تصح الصلاة على الشيء النجس إذا بسط عليه بساط كثيف، وقد أفتى بذلك الإمام مالك ﵀ وجماعة من العلماء فقد جاء في [التهذيب في اختصار المدونة] (١/ ٢٤٤) اختصار أبي القاسم القيرواني:
«وجائز أن يصلي المريض على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبًا طاهرًا كثيفًا» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٥٧):
«فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ نَجِسَةً، فَطَيَّنَهَا بِطَاهِرٍ، أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، ﵀. وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مَدْفِنُ النَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَقْبَرَةَ. وَلَنَا أَنَّ
[ ٢ / ٥١٨ ]
الطَّهَارَةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَمَوْضِعِ صَلَاتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَلَّى بَيْنَ الْقُبُورِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفِنًا لِلنَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؛ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ١٥٨):
«قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَزْبَلَةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ فَوْقَ حَائِلٍ طَاهِرٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَقْبَرَةِ» اهـ.
قلت: ومن هذا أيضًا الصلاة على سطح الحمام أو الكنيف فإنَّ الصحيح صحة الصلاة لأنَّ المصلي لم يباشر النجاسة ببدنه، ولأنَّه لا يدخل في مسنى الصلاة في الحمام والكنيف ولا في معنى ذلك.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤):
«فَصْلٌ: وَإِنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْحُشِّ أَوْ الْحَمَّامِ أَوْ عَطَنِ الْإِبِلِ أَوْ غَيْرِهَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي فِيهَا؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَدَخَلَ سَطْحَهَا، حَنِثَ، وَلَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ إلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ.
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنْ كَانَ تَعَبُّدِيًّا فَالْقِيَاسُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ عُلِّلَ فَإِنَّمَا تَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي سَطْحِهَا» اهـ.
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ كما في [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين] (١٢/ ٣٨٠):
[ ٢ / ٥١٩ ]
«الصلاة فوق سطوح حماماتنا المعروفة لا بأس بها، لأن الحمامات عندنا لا تستقل ببناء خاص ويكون سطحها سطح جميع البيوت، والصلاة فوق سطح مجامع الفضلات النجسة لا بأس بها أيضًا لدخولها في عموم قوله ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"» اهـ.
وجاء في [فتاوى اللجنة الدائمة]- ١ (٦/ ٢١٢ - ٢١٤) الفتوى رقم (٣٠٥١):
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه .. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفتاء المقدم لسماحة الرئيس العام من مدير عام الشئون الإدارية بوزارة التجارة المحال من سماحته برقم ١٩٣٩ في ٢٩\ ٤ \ ١٤٠٠ هـ، ونصه: أود إحاطة فضيلتكم علمًا أنَّ هذه الوزارة قد انتهت منذ بضعة شهور من إنشاء مسجد ضمن مبنى الوزارة في الرياض أعني وزارة التجارة لتمكين الموظفين من أداء الصلاة فيه. ويقع هذا المسجد في الدور الأول من مبنى الوزارة وتحته مباشرة مكاتب للموظفين ودورة مياه (حمام) تحت مؤخرة المسجد، وقد ذكر بعض موظفي الوزارة أنَّ الصلاة لا تجوز في جزء المسجد الواقع فوق سطح دورة المياه بحجة وجود نص شرعي معناه عدم جواز الصلاة في أرضية الحمام، وأنَّ هناك من يرى أنَّ هذا الحكم ينسحب على سطح الحمام باعتباره جزءًا من بنائه ونظرًا لأهمية هذا الموضوع فقد رأينا استفتاء فضيلتكم في ذلك … مع إحاطتكم علما بأن المسافة بين أرضية الحمام وسقفه هي ثلاثة أمتار، وأن سماكة الصبة الخرسانية المسلحة التي تكون السقف
[ ٢ / ٥٢٠ ]
هي ١٥ سم يلي ذلك بلاطة بسماكة ١٠ سم، وأن أرضية المسجد مفروشة بكاملها ببساط سميك … أرجو إفادتنا عن الحكم الشرعي في ذلك.
وأجابت بما يلي:
إذا كان الواقع كما ذكر جاز أن يصلي على سطح دورة المياه المذكورة ولا حرج إن شاء الله ولا كراهية في ذلك لأن السطح لا يتبع الأصل في مثل هذا، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء في هذه المسألة، كما صرح بذلك أبو محمد ابن قدامة المقدسي ﵀ في كتابه المغني.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قلت: ونُقل المنع عن الإمام أحمد فقد قال العلامة الشاشي ﵀ في [حلية العلماء] (٢/ ٥١):
«وَقَالَ أَحْمد لَا تجوز الصَّلَاة فِي الْحمام وَلَا على سطحه» اهـ.
قلت: وجمهور العلماء يصححون الصلاة في الحمام إذا صلى في موضع طاهر منه فمن باب أولى أنَّهم يصححون الصلاة على سطحه.
٥ - ويدل الحديث أيضًا على طهارة الحمار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٥٢٠):
[ ٢ / ٥٢١ ]
«وَلَكِنَّ الْحَمِيرَ فِيهَا خِلَافٌ: هَلْ هِيَ طَاهِرَةٌ أَوْ نَجِسَةٌ؟ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهَا؟ وَالصَّحِيحُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ شَعْرَهَا طَاهِرٌ إذْ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ شَعْرَ الْكَلْبِ طَاهِرٌ فَشَعْرُ الْحِمَارِ أَوْلَى» اهـ.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: