٧٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟!».
لفظ الحديث عند البخاري (٦٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ، أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ».
ولفظه عند مسلم (٤٢٧): «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ».
وفي لفظ له: «مَا يَأْمَنُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ».
قلت: ويراعي في الإمامة من قدمه رسول الله ﷺ.
وذلك فيما روى مسلم (٦٧٣) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً
[ ٢ / ٥٩٧ ]
فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ».
وفي لفظ له: «أَكْبَرُهُمْ سِنًّا» بدل: «سِلْمًا».
قلت: وقد قدَّم النبي ﷺ الأقرأ على غيره في الإمام، وهو محمول على من كان عنده علم بأمور الصلاة وأحكامها، فإذا كان هنالك رجلان أحدهما: أقرأ من صاحبه لكنه جاهل بأحكام الصلاة، والآخر عنده من القراءة ما يحتاجه في صلاته وهو عالم بأحكام الصلاة، فالثاني مقدم على الأول، وذلك أنَّه قد تعرض عليه بعض الأمور في صلاته كالسهو وغيره فلا يدري ما يصنع.
قال العلامة الكاساني الحنفي ﵀ في [بدائع الصنائع] (١/ ١٥٧):
«ثُمَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَجْرَى الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَدَّمَ الْأَقْرَأَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ بِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ مِنْ الْقِرَاءَةِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَهُوَ أَوْلَى، كَذَا ذُكِرَ فِي آثَارِ أَبِي حَنِيفَةَ لِافْتِقَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْقِرَاءَة إلَى الْعِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ تَدَارُكِ مَا عَسَى أَنْ يَعْرِضَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْعَوَارِضِ، وَافْتِقَارِ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا إلَى الْعِلْمِ بِالْخَطَأِ الْمُفْسِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهَا، فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَعْلَمُ أَفْضَلَ» اهـ.
وقال العلامة عثمان الزيلعي الحنفي ﵀ في [تبيين الحقائق] (١/ ١٣٣):
«وَقَوْلُهُ ﵊ "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ لِلْقُرْآنِ مِنْهُ مِثْلُ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْقَوْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا فَتَقْدِيمُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهَا أَوْلَى إذَا عَلِمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا تَقُومُ بِهِ سُنَّةُ
[ ٢ / ٥٩٨ ]
الْقِرَاءَةِ؛ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِإِقَامَةِ رُكْنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ رُكْنٌ زَائِدٌ أَيْضًا وَالْفِقْهُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَمُسْتَحَبَّاتِهَا» اهـ.
وقال العلامة الماوردي الشافعي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٣٥٢):
«فَالْفَقِيهُ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنَ الْقَارِئِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَحْصُورٌ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفِقْهِ غَيْرُ محصور؛ لكثرة أحكامها، ووقوع حوادثها
وإن قِيلَ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ ﷺ: " يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ " قُلْنَا هَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ خَارِجٌ عَلَى حَسَبِ حَالِهِمْ، وَكَانَ أَقْرَؤُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَفْقَهَهُمْ، بِخِلَافِ هَذَا الزَّمَانِ؛ لأنهم كانوا يتفقهون ثم يقرؤون ومن في زماننا يقرؤون ثُمَّ يَتَفَقَّهُونَ» اهـ.
قلت: وخالفت الحنابلة في ذلك.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٣٣ - ١٣٤):
«لَا خِلَافَ فِي التَّقْدِيمِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ عَلَى غَيْرِهِمَا. وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ عَلَى صَاحِبِهِ؟ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، ﵀، تَقْدِيمُ الْقَارِئِ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ إذَا كَانَ يَقْرَأُ مَا يَكْفِي فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ مَا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ فِيهِ إلَّا بِالْفِقْهِ، فَيَكُونُ أَوْلَى، كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَالْحُكْمِ.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وَلَنَا مَا رَوَى أَوْسُ بْنُ ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا". أَوْ قَالَ: "سِلْمًا". وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ" رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ، مَوْضِعٌ بِقُبَاءَ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد. وَكَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ.
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا". وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ الْقَادِرُ عَلَيْهَا أَوْلَى، كَالْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ مَعَ الْعَاجِزِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَقْدِيمِ الْقَارِئِ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَفْقَهَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ تَعَلَّمُوا مَعَهُ أَحْكَامَهُ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا لَا نُجَاوِزُ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى نَعْرِفَ أَمْرَهَا، وَنَهْيَهَا، وَأَحْكَامَهَا.
قُلْنَا: اللَّفْظُ عَامُّ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ، وَلَا يُخَصُّ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ، عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ". فَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْقَارِئَ لِزِيَادَةِ عِلْمٍ لَمَا نَقَلَهُمْ عِنْدَ التَّسَاوِي فِيهِ إلَى الْأَعْلَمِ بِالسُّنَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْفِقْهِ عَلَى قَدْرِ الْقِرَاءَةِ لَلَزِمَ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْقِرَاءَةِ التَّسَاوِي فِيهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
[ ٢ / ٦٠٠ ]
"أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ". فَقَدْ فَضَّلَ بِالْفِقْهِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ بِالْقِرَاءَةِ، وَفَضَّلَ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ بِالْقَضَاءِ وَالْفَرَائِضِ وَعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" أَهُوَ خِلَافُ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ - عِنْدِي - "يُصَلِّي بِالنَّاسِ" لِلْخِلَافَةِ، يَعْنِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَأَ مِنْهُ، فَأَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِالصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِخْلَافَهُ» اهـ.
قلت: وما قالته الحنابلة حسن لكن يخص من ذلك القاريء الجاهل بأحكام الصلاة الذي لا يدري ما يصنع إذا نابه شيء في الصلاة كالسهو.
والأظهر أنَّ الأجود قراءة مقدم على الأكثر حفظًا.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٣٥):
«وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ حِفْظًا، وَالْآخَرُ أَقَلَّ لَحْنًا وَأَجْوَدَ قِرَاءَةً، فَهُوَ أَوْلَى» اهـ.
قلت: والأظهر أنَّ الأعلم بأحكام الصلاة مقدم على الأعلم بغيرها.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٣٥):
«وَإِنْ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ، أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَالْآخَرُ أَعْرَفُ بِمَا سِوَاهَا، فَالْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ أَوْلَى، لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ» اهـ.
[ ٢ / ٦٠١ ]
قلت: وأضافت الحنفية وغيرهم صفات للإمام لا أصل لها في السنة فمن ذلك ما قاله قال العلامة الكاساني الحنفي ﵀ في [بدائع الصنائع] (١/ ١٥٨):
«فَإِنْ، كَانُوا فِيهِ سَوَاءً فَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا؛ لِأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ مِنْ بَابِ الْفَضِيلَةِ، وَمَبْنَى الْإِمَامَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِيهِ سَوَاءً فَأَحْسَنُهُمْ وَجْهًا؛ لِأَنَّ رَغْبَةَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ أَكْثَرُ» اهـ.
وقال العلامة ابن نجيم المصري الحنفي ﵀ في [البحر الرائق] (١/ ٣٦٩):
«وَزَادَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ عَلَى ذَلِكَ أَوْصَافًا ثَلَاثَةً أُخْرَى وَهِيَ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَكْبَرَهُمْ رَأْسًا وَأَصْغَرَهُمْ عُضْوًا، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَكْثَرُهُمْ مَالًا أَوْلَى حَتَّى لَا يَطَّلِعَ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ فَأَكْثَرُهُمْ جَاهًا أَوْلَى وَزَادَ فِي الْمِعْرَاجِ ثَانِيَ عَشَرَ وَهُوَ أَنْظَفُهُمْ ثَوْبًا» اهـ.
وقال حسن الشرنبلالي الحنفي ﵀ في [نور الإيضاح] مع شرحها (ص: ١١٤): «فالأعلم أحق بالإمامة ثم الأقرأ ثم الأورع ثم الأسن ثم الأحسن خلقًا ثم الأحسن وجهًا ثم الأشرف نسبًا ثم الأحسن صوتًا ثم الأنظف ثوبًا» اهـ.
وقال في [مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح] (ص: ١١٤):
«ثم "الأقرأ" أي الأعلم بأحكام القراءة لا مجرد كثرة حفظ دونه "ثم الأورع" الورع اجتناب الشبهات أرقى من التقوى لأنَّها اجتناب المحرمات "ثم الأسن" لقوله ﷺ: "وليؤمكما أكبركما" "ثم الأحسن خلقًا بضم الخاء واللام أي ألفة بين الناس "ثم الأحسن وجهًا" أي أصبحهم لأنَّ حسن الصورة يدل على حسن السيرة لأنَّه مما يزيد الناس رغبة في الجماعة "ثم الأشرف نسبًا"
[ ٢ / ٦٠٢ ]
لاحترامه وتعظيمه "ثم الأحسن صوتًا" للرغبة في سماعه للخضوع "ثم الأنظف ثوبًا" لبعده عن الدنس ترغيبًا فيه فالأحسن زوجة لشدة عفته فأكبرهم رأسًا وأصغرهم عضوًا فأكثرهم مالًا فأكبرهم مالًا فأكبرهم جاهًا، واختلف في المسافر مع المقيم قيل هما سواء وقيل المقيم أولى "فإن استووا يقرع" بينهم فمن خرجت قرعته قدم "أو الخيار إلى القوم فإن اختلفوا فالعبرة بما اختاره الأكثر وإن قدموا غير الأولى فقد أساؤوا» اهـ.
وقال الطحطاوي الحنفي ﵀ في [حاشيته على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح] (ص: ٣٠١):
«قوله: "فأكبرهم رأسًا" أي كبرًا غير فاحش وإلَّا كان منفرًا. قوله: "وأصغرهم عضوًا" فسره بعض المشايخ بالأصغر ذكرًا لأنَّ كبره الفاحش يدل غالبًا على دناءة الأصل ويحرر، ومثل ذلك لا يعلم غالبًا إلَّا بالاطلاع أو الأخبار وهو نادر، ويقال مثله في الأحسن زوجة المتقدم» اهـ.
قلت: وهذه الصفات التي ذكرها الحنفية لا يلتفت لها، وفي كثير منها نكارة بالغة ككبر الرأس، وصغر العضو أي الذكر، وحسن الزوجة.
وقد ألغى كثير من الناس جل هذه الصفات وتمسكوا بما لا دليل عليه وهو حسن الصوت.
وقد كان أبو موسى من أحسن الناس صوتًا ولم يقدمه النبي ﷺ في الإمامة فروى البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣) عَنْ أَبِي مُوسَى،
[ ٢ / ٦٠٣ ]
﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».
قلت: وقد جعل كثير من العلماء حسن الصوت من الصفات المستحسنة في الإمام لكن بعد توفر الصفات التي دلت عليها السنة، وهذا لا بأس به، وإنَّما الخطأ تقديم حسن الصوت على الصفات المذكورة في حديث أبي مسعود.
قال العلامة الطحاوي ﵀ في [شرح مشكل الآثار] (٤/ ١٠):
«فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَانَ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ، وَكَانَ مَنْ رَغِبَ عَنْ ذَلِكَ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ حُسْنِ الصَّوْتِ رَاغِبًا عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَذْمُومًا فِي اخْتِيَارِهِ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ يُبَاشِرَ الْمَوْتُ أَمْثَالَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ لِيَرِقَّ لَهُ قَلْبُهُ، أَوْ لِيَرِقَّ لَهُ قُلُوبُ سَامِعِيهِ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، وَلَوِ اجْتَمَعَ اثْنَانِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فَكَانَا بِذَلِكَ مُسْتَحِقَّيْنِ لِلْإِمَامَةِ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْتِحْقَاقَهُمَا لَهَا بِهِ مَا كَانَ مَكْرُوهًا أَنْ يُقَدَّمَ لَهَا مِنْهُمَا أَحْسَنُهُمَا صَوْتًا عَلَى الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ حُسْنُ صَوْتٍ، وَلَا يَكُونُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُعَنَّفًا» اهـ.
قلت: وقد قدم بحسن الوجه ونظافة الثوب وغير ذلك بعض علماء الشافعية واحتجوا على حسن الوجه بما لا يثبت.
قال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٣٥٣):
«وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا لِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى
[ ٢ / ٦٠٤ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يَؤُمُّكُمْ أَحْسَنُكُمْ وَجْهًا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ أحسنكم خلقًا"» اهـ.
وقال أبو حامد العزالي الشافعي في [الوسيط] (٢/ ٢٢٩):
«فَإِنْ تَسَاوَت هَذِه الصِّفَات فيرجح بِحسن المنظر ونظافة الثَّوْب» اهـ.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٨٣):
«قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ السِّتِّ قُدِّمَ بِنَظَافَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ عَلَى الْأَوْسَاخِ وَبِطِيبِ الصَّنْعَةِ وَحُسْنِ الصَّوْتِ وَشِبْهِهَا مِنْ الْفَضَائِلِ وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ بَعْضِ مُتَقَدِّمِي الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمْ فَقِيلَ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا وَقِيلَ أَحْسَنُهُمْ ذِكْرًا هَكَذَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَانِ التَّقْسِيمَانِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يُقَدَّمُ بِنَظَافَةِ الثَّوْبِ ثُمَّ حُسْنِ الصَّوْتِ ثُمَّ حُسْنِ الصُّورَةِ وَالْمُخْتَارُ تَقْدِيمُ أَحْسَنِهِمْ ذِكْرًا ثُمَّ أَحْسَنِهِمْ صَوْتًا ثُمَّ حَسَنِ الْهَيْئَةِ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٣٦):
«فَإِذَا اسْتَوَوْا فِي هَذَا كُلِّهِ قُدِّمَ أَشْرَفُهُمْ، أَيْ أَعْلَاهُمْ نَسَبًا، وَأَفْضَلُهُمْ فِي نَفْسِهِ، وَأَعْلَاهُمْ قَدْرًا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا".
فَصْلٌ: فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، قُدِّمَ أَتْقَاهُمْ وَأَوْرَعُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ فِي الدِّينِ، وَأَفْضَلُ وَأَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَقَدْ جَاءَ: " إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ ". ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " رِسَالَتِهِ "، وَيُحْمَلُ تَقْدِيمُ هَذَا
[ ٢ / ٦٠٥ ]
عَلَى الْأَشْرَفِ، لِأَنَّ شَرَفَ الدِّينِ خَيْرٌ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. فَإِذَا اسْتَوَوْا فِي هَذَا كُلِّهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، ﵀. وَذَلِكَ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَذَانِ، فَالْإِمَامَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ» اهـ.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٨٦): «وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ". فَمَنْ سَبَقَ إلَى هَجْرِ السَّيِّئَاتِ بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا فَهُوَ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَيُقَدَّمُ فِي الْإِمَامَةِ» اهـ.
قلت: وقد كان السلف يبتعدون عن إمامة الناس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (ص: ١٣٨ - ١٣٩): «ولأنَّ الإمامة من باب الإمامة والولاية إذ هي الإمامة الصغرى ولذلك قال عثمان لابن عمر: اقض بين الناس فاستعفاه. وقال: لا أقضي بين اثنين ولا أؤم رجلين. رواه أحمد. وهي فتنة لما فيها من الشرف والرئاسة حتى ربما كان طلبها مثل طلب الولايات والإمارات الذي هو من إرادة العلو في الأرض وهذا مضر بالدين، وقد روى كعب بن مالك عنه ﷺ أنَّه قال:
"مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ" قال الترمذي حديث حسن صحيح، ولأنَّه يخاف على صاحبها انتفاخه
[ ٢ / ٦٠٦ ]
بذلك واختياله وأن يفتن باشتهاره، ولذلك صلى حذيفة بن اليمان مرة إمامًا ثم قال: "لتصلن وحدانًا أو لتلتمسن لكم إمامًا غيري فإنِّي لما أممتكم خيل إلي أنَّه ليس فيكم مثلي".
وقيل لمحمد بن سيرين في بعض المرات ألا تؤم أصحابك فقال: "كرهت أن يتفرقوا فيقولوا أمنا محمد بن سيرين".
ولأنَّ الإمام يتحمل صلاة المأمومين الذي دل عليه حديث الضمان والآذان سليم من هذه المخاوف كلها بل ربما زهد الشيطان فيه وثبط عنه حتى يفوض إلى أطراف الناس، ولذلك قال عمر ﵁ لبعض العرب من يؤذن لكم قالوا عبيدنا قال ذلك شر لكم، وأمَّا إمامته ﷺ وإمامة الخلفاء الراشدين ﵃ فمثل الإمارة والقضاء وذلك أنَّ الولايات وإن كانت خطرة لكن إذا أقيم أمر الله فيها لم يعدلها شيء من الأعمال وإنَّما يهاب الدخول فيها أولًا خشية أن لا يقام أمر الله فيها لكثرة نوائبها وخشية أن يفتن القلب بالولاية لما فيها من الشرف والعز ويكره طلبها لأنَّه من حب الشرف وإرادة العلو في الأرض يكون في الغالب ولأنَّه تعرض للمحنة والبلوى فإذا ابتلي المرء بها صار القيام بها فرضًا عليه وكذلك إذا تعينت عليه فإمامته وإمامة الخلفاء الراشدين كانت متعينة عليهم فإنَّها وظيفة الإمام الأعظم» اهـ.
قلت: أثر حذيفة رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤١١٤) قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ فِي سَفَرٍ فَتَقَدَّمَ فَأَمَّهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «لَتَلْتَمِسُنَّ إِمَامًا غَيْرِي، أَوْ لَتُصَلُّنَّ وُحْدَانًا».
[ ٢ / ٦٠٧ ]
قلت: هذا أثر صحيح، وله طرق أخرى. ورواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ في [مصنفه] (١٨٧٩)، والبيهقي في [الكبرى] (٥٣٣٣)، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَدَافَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: «لَتَتْلُنَّ لَهَا إِمَامًا أَوْ لَتُصَلُّنَّ فُرَادَى». قَالَ: فَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْسَ هَكَذَا قَالَ: أَبُو مَعْمَرٍ: قَالَ: قَالَ لِي حُذَيْفَةُ: «لَتَتْلُنَّ لَهَا إِمَامًا أَوْ لَتُصَلُّنَّ وُحْدَانًا». فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «سَوَاءٌ، وُحْدَانًا، وَفُرَادَى سَوَاءٌ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وأثر ابن سيرين ﵀ رواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٤١٢١) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ سِيرِينَ، فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا حَضَرِتِ الصَّلَاةُ، قَالَ: فَلَمَّا أُقِيمَتْ، قِيلَ لِابْنِ سِيرِينَ: تَقَدَّمْ، فَقَالَ «لِيَتَقَدَّمْ بَعْضُكُمْ، وَلَا يَتَقَدَّمْ إِلَّا مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ» قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: «تَقَدَّمْ»، فَتَقَدَّمْتُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ، فَلَمَّا فَرِغْتُ قُلْتُ فِي نَفْسِي: مَاذَا صَنَعْتُ شَيْئًا كَرِهُهُ ابْنُ سِيرِينَ لِنَفْسِهِ تَقَدَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَمَرْتَنِي بِشَيْءٍ كَرِهْتَهُ لِنفْسِكَ، فَقَالَ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ يَمَرَّ الْمَارُّ فَيَقُولَ هَذَا ابْنُ سِيرِينَ يَؤُمُّ النَّاسَ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وروى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في [مصنفه] (١٨٧٤) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنْ أَؤُمَّ أَحَدًا أَبَدًا إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ إِنْ نَقَصَ مِنَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ، إِثْمَ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَصَلَاتِهِمْ، وَأَشْيَاءُ يَحِقُّ عَلَى الْإِمَامِ، وَرَآهُ يَخْشَى أَنْ لَا يُؤَدِّيَهَا».
قلت: هذا أثر صحيح.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب متابعة الإمام.
وهذا محمول على الإمام الذي تصح إمامته، وأمَّا من كان لا تصح أمامته فللشخص إن خشى الفتنة بخروجه أن يصلي على نية الانفراد ولا يضره أن يوافقه أو يتأخر عنه أو يسبقه.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٢):
«فَصْلٌ: وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالْإِنْسَانُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَلْفَهُ، وَأَعَادَ وَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ وَحْدَهُ، وَوَافَقَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا عَلَى الْكَمَالِ، فَلَا تَفْسُدُ بِمُوَافَقَتِهِ غَيْرَهُ فِي الْأَفْعَالِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُوَافَقَةَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعِيدُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، فَتُقَامُ الصَّلَاةُ، وَيَكُونُ الرَّجُلُ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَهُ، وَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: إنْ خَرَجَ كَانَ فِي ذَلِكَ شُنْعَةٌ، وَلَكِنْ يُصَلِّي مَعَهُ، وَيُعِيدُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ بِصَلَاتِهِ، وَيَكُونَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِنَفْسِهِ وَيَرْكَعُ لِنَفْسِهِ، وَيَسْجُدُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُبَالِي أَنْ يَكُونَ سُجُودُهُ مَعَ سُجُودِهِ، وَتَكْبِيرُهُ مَعَ تَكْبِيرِهِ.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
قُلْت: فَإِنْ فَعَلَ هَذَا لِنَفْسِهِ أَيُعِيدُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَكَيْفَ يُعِيدُ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْأَوْلَى، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ: "اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً". قَالَ: إنَّمَا ذَاكَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَنَوَى الْفَرْضَ، أَمَّا إذَا صَلَّى مَعَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِهَا فَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ هَذَا. فَقَدْ نَصَّ عَلَى الْإِعَادَةِ، وَلَكِنَّ تَعْلِيلَهُ إفْسَادَهَا بِكَوْنِهِ نَوَى أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِهَا، يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا وَإِجْزَائِهَا إذَا نَوَى الِاعْتِدَادَ بِهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِينَ لَا يَرْضَوْنَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَمَاعَةً، فَأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَوَافَقُوا الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، كَانَ جَائِزًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وقد اختلف العلماء في إمامة بعض الناس منهم:
-المبتدع: فذهب أحمد إلى عدم الصلاة خلف المبتدع الداعية، ومن صلى خلفه أعاد، وفي رواية له لا يصلي خلف المبتدع مطلقًا، وفي رواية له ذهب فيها إلى صحة الصلاة خلفه وللإمام مالك روايتان.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأكثر العلماء إلى صحة الصلاة خلفه.
والأظهر صحة الصلاة خلفه ما لم تكن بدعته مكفرة، ولا ينبغي للشخص أن يصلي خلف المبتدع الداعي إلى بدعته إذا تمكن من الصلاة خلف صاحب السنة من غير كلفة، وذلك لأنَّ الأصل هو هجر أهل البدع والأهواء، ومن هجرهم عدم الصلاة خلفهم.
وليس للشخص أن يدع الجمعة والجماعة مطلقًا بحجة أنَّ الإمام مبتدع، فإنَّ هذا من البدع التي أنكرها السلف.
[ ٢ / ٦١٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١): «وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْجُمَعَ وَالْأَعْيَادَ وَالْجَمَاعَاتِ لَا يَدَعُونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَسْتُورًا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بِدْعَةٌ وَلَا فُجُورٌ صَلَّى خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَ مَنْ عُلِمَ بَاطِنُ أَمْرِهِ بَلْ مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِ نَبِيِّهِمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْمُسْلِمِ الْمَسْتُورِ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَ مِنْ الْمُصَلِّي بِدْعَةٌ أَوْ فُجُورٌ وَأَمْكَنَ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ أَوْ فَاسِقٌ مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ خَلْفَ غَيْرِهِ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُصَحِّحُونَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ أَوْ الْفَاجِرِ كَالْجُمُعَةِ الَّتِي إمَامُهَا مُبْتَدِعٌ أَوْ فَاجِرٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ جُمُعَةٌ أُخْرَى فَهَذِهِ تُصَلَّى خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاجِرِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ. وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا كَثُرَتْ الْأَهْوَاءُ يُحِبُّ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَهُ. وَلَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ إنَّهُ لَا تَصِحُّ إلَّا خَلْفَ مَنْ أَعْرِفُ حَالَهُ.
وَلَمَّا قَدِمَ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مَرْزُوقٍ إلَى دِيَارِ مِصْرَ وَكَانَ مُلُوكُهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مُظْهِرِينَ لِلتَّشَيُّعِ وَكَانُوا بَاطِنِيَّةً مَلَاحِدَةً وَكَانَ بِسَبَبِ ذَلِكَ قَدْ كَثُرَتْ الْبِدَعُ وَظَهَرَتْ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يُصَلُّوا إلَّا خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُونَهُ لِأَجْلِ
[ ٢ / ٦١١ ]
ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحَهَا مُلُوكُ السُّنَّة مِثْلُ صَلَاحِ الدِّينِ وَظَهَرَتْ فِيهَا كَلِمَةُ السُّنَّةِ الْمُخَالِفَةُ لِلرَّافِضَةِ ثُمَّ صَارَ الْعِلْمُ وَالسُّنَّةُ يَكْثُرُ بِهَا وَيَظْهَرُ. فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الْمَسْتُورِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الصَّلَاةَ مُحَرَّمَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ خَلْفَ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُونَ فُجُورَهُ كَمَا صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي معيط وَكَانَ قَدْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَصَلَّى مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا وَجَلَدَهُ عُثْمَانُ بْنُ عفان عَلَى ذَلِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالَتَا بعون يُصَلُّونَ خَلْفَ ابْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْإِلْحَادِ وَدَاعِيًا إلَى الضَّلَالِ» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٥٥):
«وَأَمَّا "الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ" فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ. فَإِذَا لَمْ تَجِدْ إمَامًا غَيْرَهُ كَالْجُمُعَةِ الَّتِي لَا تُقَامُ إلَّا بِمَكَانِ وَاحِدٍ وَكَالْعِيدَيْنِ وَكَصَلَوَاتِ الْحَجِّ خَلْفَ إمَامِ الْمَوْسِمِ فَهَذِهِ تُفْعَلُ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا تَدَعُ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا يَرَى الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ فَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ خَلْفَ الْفَاجِرِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا؛ لِئَلَّا يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ غَيْرِ الْمُبْتَدِعِ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ بِلَا رَيْبٍ لَكِنْ إنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَفِي صَلَاتِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ. وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَحْمَد فَفِي مَذْهَبِهِمَا النِّزَاعُ وَتَفْصِيلٌ» اهـ.
- ومن ذلك الفاسق:
[ ٢ / ٦١٢ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٥٨):
«الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهَا: فَقِيلَ لَا تَصِحُّ. كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا.
وَقِيلَ: بَلْ تَصِحُّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُمَا» اهـ.
قلت: الصحيح هو صحة الصلاة خلف الفاسق.
فقد صلى الصحابة كابن مسعود خلف الوليد بن عقبة وكان يشرب الخمر، وصلى ابن عمر وغيره خلف الحجاج مع ظهور ظلمه وفسقه.
- ومن ذلك العبد:
والأكثر على مشروعية إمامته وهو الصحيح، وذهب مالك إلى أنَّ العبد لا يصلي بالحر إلَّا إذا كان الحر أميًَّا وهو قارئ.
- ومن ذلك الأخرس:
والأكثر على عدم صحة إمامته.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٣):
«فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَخْرَسِ بِمِثْلِهِ، وَلَا غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ، تَرْكًا مَأْيُوسًا مِنْ زَوَالِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ، كَالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» اهـ.
وقال العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير على متن المقنع] (٢/ ٣٨):
[ ٢ / ٦١٣ ]
«فأمَّا إمامته بمثله فقياس المذهب صحتها قياسًا على الأمي والعاجز عن القيام يؤم مثله وهذا في معناهما والله أعلم.
وقال القاضي وابن عقيل: لا تصح لأنَّ الأمي غير مأيوس من نطقه والأول أولى» اهـ.
قلت: وصحح العلامة ابن عثيمين ﵀ إمامته مطلقًا إذا كان يسمع فقال في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٨):
«قوله: "ولا أخرس" أي: ولا تصحُّ إمامةُ الأخرسِ. وظاهرُ كلامِهِ حتى بمثلِه، والأخرسُ هو الذي لا يستطيعُ النُّطقَ، وهو نوعان:
١ - خَرَسٌ لازمٌ.
٢ - خَرَسٌ عارضٌ.
فاللازم: أن يكون ملازمًا للمرءِ مِنْ صغرِه، والعارضُ هو الذي يحدثُ للمرءِ إما بحادثٍ، أو بمرضٍ، أو بغير ذلك.
وإذا كان لازمًا؛ فالغالبُ أنَّه لا يَسمَعُ، وانتفاءُ السَّمْعِ سابقٌ على الخَرَسِ؛ لأنَّه إذا كان لا يَسمَعُ لا يمكن أن يتكلَّمَ؛ إذ لا يَسمَعُ شيئًا يقلِّدُه حتى يتكلَّم مثلَه، ولهذا إذا وُلِدَ الصَّبيُّ أصمَّ، ولم يفتحِ الله أذنيهِ فإنَّه يبقى أخرس.
أمَّا الطارئ؛ فقد يكون الأخرسُ سميعًا، لكن طرأ عليه عِلَّةٌ منعته مِنْ الكلام.
وكلا النوعين لا يصحُّ أن يكون إمامًا، لا بمثلِه ولا بغيرِه؛ لأنَّه لا يستطيع النُّطقَ بالرُّكنِ كقراءة الفاتحةِ، ولا بالواجبات كالتشهد الأول، ولا بما تنعقدُ به الصَّلاةُ، وهو تكبيرةُ الإِحرامِ؛ فيكون عاجزًا عن الأركانِ والواجباتِ، فلا يصحُّ أن يكون إمامًا لمن هو قادرٌ على ذلك، وهذا التعليلُ قد يكون متوجِّهًا بالنسبةِ
[ ٢ / ٦١٤ ]
لكونه إمامًا لِمَنْ هو قادرٌ على النُّطقِ، لكن بالنسبة لمَن هو عاجزٌ عن النُّطقِ، فهذا التَّعليلُ يكون عليلًا؛ وذلك لأنَّ العاجزَ عن النُّطقِ لا يفوقُه ولا يفضُله بشيء، فلماذا لا يصحُّ أن يكون إمامًا له؟
ولهذا كان القولُ الراجحُ: أنَّ إمامةَ الأخرسِ تصحُّ بمثلِه وبمَن ليس بأخرس؛ لأنَّ القاعدةَ عندنا: أنَّ كلَّ مَنْ صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه. لكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون إمامًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ يقول: "يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ" وهذا لا يقرأ، لكن بالنسبة للصِّحَّةِ فالصحيحُ، أنَّها تصحُّ» اهـ.
قلت: مذهب الحنابلة والشافعية عدم صحة إمامة الأخرس مطلقًا، وأجازت الحنفية والمالكية إمامته بمثله، وهذا الأظهر، وأمَّا إمامته بالقادر على النطق فلا يظهر صحتها، وذلك أنَّ الإمام يتحمل القراءة عن المؤتم في مواضع كحال الجهر، وكالمسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا، فإذا كان الإمام قد سقطت عنه القراءة فكيف يتحملها عن غيره.
- ومنها إمامة الأصم:
والأظهر صحة إمامته، ومنع من ذلك بعض الحنابلة وعللوا ذلك بأنَّه إذا سها لا يمكن تنبيهه.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٣ - ١٤٤):
«فَصْلٌ: وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْأَصَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَلَا شُرُوطِهَا، فَأَشْبَهَ الْأَعْمَى؛ فَإِنْ كَانَ أَصَمَّ أَعْمَى صَحَّتْ إمَامَتُهُ لِذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَهَا لَا يُمْكِنُ تَنْبِيهُهُ بِتَسْبِيحٍ وَلَا إشَارَةٍ،
[ ٢ / ٦١٥ ]
وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ احْتِمَالُ عَارِضٍ لَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ، كَالْمَجْنُونِ حَالَ إفَاقَتِهِ» اهـ.
- ومن ذلك إمامة الأمي بالقارئ:
والأكثر على منع إمامة الأمي بالقارئ، وفي إمامة الأمي بالأمي نزاع.
قال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (١/ ٣٥٤):
«قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ مَعَ حُضُورِ الْقَارِئِ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ. فَإِنْ أَمَّ أُمِّيًّا مِثْلَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا صَلَّى الْأُمِّيُّ بِقَوْمٍ يَقْرَءُونَ وَبِقَوْمٍ أُمِّيِّينَ فَصَلَاتُهُمْ كُلُّهُمْ فَاسِدَةٌ. وخالفه أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ: صَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ تَامَّةٌ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: صَلَاتَهُمْ كُلُّهُمْ جَائِزَةٌ لِأَنَّ كُلًّا مُؤَدٍّ فَرْضَهُ وَذَلِكَ مِثْلُ الْمُتَيَمِّمِ يُصَلِّي بِالْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ وَالْمُصَلِّي قَاعِدًا يُصَلِّي بِقَوْمٍ قِيَامٍ صَلَاتُهُمْ مُجْزِئَةٌ فِي قَوْلِ مَنْ خَالَفَنَا لأنَّ كلًا مؤد فرضي نفسه.
قلت: وقد يحتج لهذا القول بقول ﵇: "أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَإِنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَيْسَتْ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يقول: إذا كانت امرأته تقرأ كبر هي وَتَقْرَأُ هِيَ فَإِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَبَّرَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَهِيَ خَلْفَهُ تُصَلِّي وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ قَتَادَةَ» اهـ.
وقال العلامة المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٢٦٨):
[ ٢ / ٦١٦ ]
«قَوْلُهُ: "وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأُمِّيِّ" هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ تَصِحُّ، وَقِيلَ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَارِئِ خَلْفَهُ فِي النَّافِلَةِ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٤):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَإِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا أَعَادَ الْقَارِئُ وَحْدَهُ".
الْأُمِّيُّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ غَيْرَهَا، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يُحْسِنُهَا أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَيَصِحُّ لِمِثْلِهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَلِذَلِكَ خَصَّ الْخِرَقِيِّ الْقَارِئَ بِالْإِعَادَةِ فِيمَا إذَا أَمَّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ مَعَ جَمَاعَةٍ أُمِّيِّينَ حَتَّى إذَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْقَارِئِ بَقِيَ خَلْفَ الْإِمَامِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا. فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أُمِّيٌّ وَاحِدٌ، وَكَانَا خَلْفَ الْإِمَامِ أَعَادَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ صَارَ فَذًّا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا قَصَدَ بَيَانَ مَنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالِائْتِمَامِ بِالْأُمِّيِّ، وَهَذَا يَخُصُّ الْقَارِئَ دُونَ الْأُمِّيِّ، وَيَجُوزُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ؛ لِكَوْنِهِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، أَوْ كَوْنِهِمَا جَمِيعًا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ مَعَهُمْ أُمِّيٌّ آخَرُ، وَإِنْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِكَوْنِهِ فَذًّا، فَمَا فَسَدَتْ لِائْتِمَامِهِ بِمِثْلِهِ، إنَّمَا فَسَدَتْ لِمَعْنًى آخَرَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ. وَقِيلَ عَنْهُ: يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ الْقَارِئُ بِالْأُمِّيِّ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ دُونَ صَلَاةِ الْجَهْرِ. وَقِيلَ عَنْهُ: يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ، فَجَازَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ، كَالْقَاعِدِ بِالْقَائِمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ مَعَهُ الْقَارِئُ لَزِمَتْهُ الْقِرَاءَةُ عَنْهُ، لِكَوْنِ الْإِمَامِ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ، فَعَجَزَ عَنْهَا، فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ» اهـ.
[ ٢ / ٦١٧ ]
قلت: الأظهر مذهب الجمهور وهو صحة إمامة الأمي بالأمي.
وأمَّا إمامة الأمي بالقارئ فالأظهر عدم صحتها كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وأحمد والشافعي في المشهور عنهما، وذلك أنَّ الإمام يتحمل قراءة المؤتم في مواضع، فإذا كان الإمام يقرأ قراءة غير مجزئة فكيف يتحمل قراءة القارئ المحسن للقراءة.
وهذه المسألة شبيهة بإمامة الأخرس، وقد مضى القول فيها.
- ومن ذلك الصبي:
وقد اختلف العلماء في إمامته.
والصحيح صحة إمامته، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٤٣٠٢) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: أَلَا تَلْقَاهُ فَتَسْأَلَهُ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ، فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِي صَدْرِي، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمُ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: "صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا"، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ:
[ ٢ / ٦١٨ ]
أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَزَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ».
قلت: ولا يقال: لعل النبي ﷺ لم يعلم بذلك، فإنَّه لو لم يعلم بذلك فقد علمه الله تعالى، والزمن زمن وحي، ولا يقر الله تعالى العباد على خطإ في زمن الوحي.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٧٣ - ١٧٦):
«إمامه الغلام الَّذِي لَمْ يحتلم.
وفيها أقوال:
أحدها: أنَّها جائزة فِي الفرض وغيره، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وإسحاق وأبي ثور.
وخرجه طائفة من أصحابنا رِوَايَة عَنْ الإمام أحمد من صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، عَلَى رِوَايَة عَنْهُ، وفيه نظر؛ فإنَّ المتنفل أهل للأمامة فِي الجملة بخلاف الصبي.
وحكاه ابن المنذر عَنْ الْحَسَن.
وروى حرب بإسناده، عَنْ الزُّهْرِيّ، قَالَ: لَمْ يزل الغلمان يصلون بالناس إذا عقلوا الصلاة وقرءوا فِي رمضان، وإن لَمْ يحتلموا.
وروى أبو نعيم فِي "كِتَاب الصلاة": حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ ابن جريج، عَنْ عَطَاء، قَالَ: لا بأس أن يؤم الغلام قَبْلَ أن يحتلم.
وروى وكيع بإسناده، عَنْ الأشعث بن قيس، أَنَّهُ قدم غلامًا، فَقِيلَ لَهُ.
فَقَالَ: إني لَمْ أقدمه، إنَّما قدمت القرآن.
[ ٢ / ٦١٩ ]
ولعل الغلام هاهنا أريد بِهِ العبد، لا الصبي.
والقول الثاني: أَنَّهُ لا يؤم الصبي حَتَّى يحتلم، روي ذَلِكَ عَنْ ابن عَبَّاس، خرجه عَنْهُ بإسناد فِيهِ مقال.
وخرجه الأثرم - أَيْضًا - بإسناد منقطع عَنْ ابن مَسْعُود، قَالَ: لا يصلي خلف الغلام حَتَّى تجب عَلِيهِ الحدود.
وَقَالَ النخعي: كانوا يكرهون أن يؤم الغلام قَبْلَ أن يحتلم.
قَالَ ابن المنذر: كره إمامة من لَمْ يبلغ: عَطَاء والشعبي ومجاهد ومالك والثوري وأصحاب الرأي.
وقد روينا عَنْ ابن عَبَّاس، قَالَ: لا يؤم الغلام حَتَّى يحتلم.
وكرهه - أَيْضًا - الضحاك.
والقول الثالث: يؤمهم فِي النفل دون الفرض، روي ذَلِكَ عَنْ الْحَسَن، ذكره وكيع، عَنْ الربيع بن صبيح، عَنْهُ، قَالَ: لا بأس أن يؤمهم فِي رمضان إذا أحسن الصلاة قَبْلَ أن يحتلم، وَهُوَ رِوَايَة عَنْ أحمد.
والقول الرابع: حكاه ابن المنذر عَنْ الأوزاعي، قَالَ: لا يؤم الغلام فِي الصلاة المكتوبة حَتَّى يحتلم، إلَّا أن يكون ليس معهم من القرآن شيء، فإنَّه يؤمهم المراهق.
وعن الزُّهْرِيّ، قَالَ: إن اضطروا إليه أمهم.
وقد أوما أحمد إلى هَذَا القول؛ فإنه قَالَ - فِي رِوَايَة أَبِي طالب -: لا يصلي بهم حَتَّى يحتلم، لا فِي المكتوبة ولا فِي التطوع. قيل لَهُ: فحديث عَمْرِو بن سَلَمَة، أليس أم بهم وَهُوَ غلام؟ فَقَالَ: لعله لَمْ يكن يحسن يقرأ غيره.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
ونقل عَنْهُ جَعْفَر بن مُحَمَّد فِي حَدِيْث عَمْرِو بن سَلَمَة، قَالَ: كَانَ هَذَا فِي أول الإسلام من ضرورة، فأما اليوم فلا.
وكذلك نقل عَنْهُ أبو داود، قَالَ: لعله كَانَ فِي بدء الإسلام.
وهذا يشير إلى نسخ حكمه بالكلية.
ومن أصحابنا من أجاز إمامته فِي قيام رمضان، إذا لَمْ يوجد قارئ غيره؛ فإن أحمد أجاز إمامة المرأة فِي ذَلِكَ، والغلام أولى، وفيه نظر - أَيْضًا -؛ فإنَّ المرأة من أهل التكليف ووجوب الصلاة، بخلاف الصبي.
ولهذا اختلف أصحابنا فِي إمامة الغلام إذا بلغ عَشَرَ سنين، وقلنا: تجب الصلاة عَلِيهِ، كما هُوَ رِوَايَة عَنْ أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، منهم: أبو بَكْر عَبْد العزيز وأبو الحسن التميمي وأبو الْحَسَن الجزري وأبو حفص البرمكي، وحكي عَنْ ابن حامد - أَيْضًا.
فاختلفوا: هَلْ يصح أن يؤم فِي الصلاة المفروضة حينئذٍ، أم لا؟ عَلَى وجهين:
أحدهما: أَنَّهُ لا يؤم فيها - أَيْضًا -، قاله أبو حفص البرمكي والقاضي أبو يعلى والأكثرون.
والثاني: يصح، قاله أبو الخَطَّاب.
قَالَ القاضي وأصحابه: إذا قلنا: لا يصح أن يؤم فِي فرض فلا فرق بَيْن فروض الأعيان وفروض الكفايات كالجنائز.
وقد استدل البخاري لصحة إمامة العبد والمولى وولد الزنا والأعرابي والصبي بعموم قَوْلِ النَّبِيّ ﷺ: "يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله".
[ ٢ / ٦٢١ ]
وقد خرجه فِي موضع آخر مسندًا من حَدِيْث عَمْرِو بن سَلَمَة، عَنْ أَبِيه، عَنْ النَّبِيّ ﷺ.
وخرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي مَسْعُود الأنصاري، وقد سبق.
وقد استدل بِهِ بنو جرم فِي عهد النَّبِيّ ﷺ عَلَى إمامه الصبي، حَتَّى قدموا عَمْرِو بن سَلَمَة أخذًا بعمومه.
وقد أجاب بعضهم بأنَّه لَمْ ينقل أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بلغه ذَلِكَ وأقر عَلِيهِ.
وهذا يرجع إلى أنَّ مَا عمل فِي زمن النَّبِيّ ﷺ ولم ينقل أَنَّهُ بلغة، فهل يكون حجة، أم لا؟ وفيه اخْتِلَاف مشهور.
والمخالف فِي ذَلِكَ يَقُول: عموم هَذَا الحَدِيْث لا بد من تخصيصه؛ فإنَّ المرأة لَوْ كَانَتْ أقرأ القوم لَمْ تؤمهم مَعَ وجود قارئ غيرها إجماعًا، وعند عدمه - أَيْضًا - عِنْدَ الأكثرين، فلذلك نخص مِنْهُ الصبي؛ لأنَّه ليس من أهل التكليف، والكلام إنَّما توجه إلى من يدخل تَحْت التكليف، فيتوجه إليه الخَطَّاب. والله ﷾ أعلم» اهـ.
قلت: أثر ابن عباس لا يصح، وقد رواه عبد الرزاق في [مصنفه] (١٨٧٢، ٣٨٤٧)، والبيهقي في [الكبرى] (٥٨٥٨) من طريق إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ بنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به.
قلت: إبراهيم متروك، وداود روايته عن عكرمة منكرة.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠):
[ ٢ / ٦٢٢ ]
«"فَرْعٌ" فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ لِلْبَالِغِينَ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا صِحَّتُهَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الحسن البصري واسحق ابن رَاهْوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ: وَكَرِهَهَا عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَؤُمُّ فِي مَكْتُوبَةٍ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ غَيْرُهُ فَيَؤُمُّهُمْ الْمُرَاهِقُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إنْ اُضْطُرُّوا إلَيْهِ أَمَّهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِالْجَوَازِ أَقُولُ. وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ تَصِحُّ إمَامَةُ الصَّبِيِّ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ.
وَقَالَ دَاوُد: لَا تَصِحُّ فِي فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لا تصح في الفرض وفي النفل رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: قَالَ أَبُو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد واسحق: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي مَكْتُوبَةٍ وَيَجُوزُ فِي النَّفْلِ. قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ» اهـ.
- ومن ذلك إمامة ولد الزنا:
فقد حصل النزاع فيها، والصحيح الصحة من غير كراهة إذا توفرت فيه صفات الإمامة.
قال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (١/ ٣٥٥):
«وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَى فَقَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا رَاتِبًا وَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ إِذَا كَانَ مَرْضِيًّا وَهُوَ
[ ٢ / ٦٢٣ ]
قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَتُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْرَهُ أَنْ يُنَصَّبَ إِمَامًا رَاتِبًا مَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ وَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَجْزَأَهُ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ لَا أَقُولُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَى وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِ أَبَوَيْهِ شي وَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إِذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يَؤُمُّ لِدُخُولِهِ فِي جُمْلَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ".
وقال أبو عمر: ليس في شي مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي شَرْطِ الْإِمَامَةِ مَا يدل على مراعاة نسب وإنَّما فيها دلالة عَلَى الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاحِ فِي الدِّينِ» اهـ.
- ومن ذلك إمامة المرأة:
والصحيح عدم صحة إمامتها مطلقًا، وذلك أنَّ المرأة لا يشرع لها أن تصف مع الرجال فضلًا عن أن تؤمهم، ولما رواه البخاري (٤٤٢٥) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً». ويدخل في عمومه ولاية الصلاة.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ١٤٦ - ١٤٧):
«وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهَا الرَّجُلُ بِحَالٍ، فِي فَرْضٍ وَلَا نَافِلَةٍ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهَا. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْمُزَنِيّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الرِّجَالَ فِي التَّرَاوِيحِ، وَتَكُونَ وَرَاءَهُمْ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا"، وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ، كَالْمَجْنُونِ. وَحَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ إنَّمَا أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا، كَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا، وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ فِي الْفَرَائِضِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا، وَالْأَذَانُ إنَّمَا يُشْرَعُ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَؤُمُّهُمْ فِي الْفَرَائِضِ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالتَّرَاوِيحِ وَاشْتِرَاطَ تَأَخُّرِهَا تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ الْأُصُولَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَلَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِأُمِّ وَرَقَةَ، لَكَانَ خَاصًّا بِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِغَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ، فَتَخْتَصُّ بِالْإِمَامَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
وَأَمَّا الْخُنْثَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَلَا يَؤُمُّ خُنْثَى مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ امْرَأَةً وَالْمَأْمُومُ رَجُلًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّهُ امْرَأَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا. قَالَ الْقَاضِي: رَأَيْت لِأَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ أَنَّ الْخُنْثَى لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَامَ مَعَ الرِّجَالِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَإِنْ قَامَ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ وَحْدَهُ أَوْ ائْتَمَّ بِامْرَأَةٍ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَإِنْ أَمَّ الرِّجَالَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً.
وَإِنْ أَمَّ النِّسَاءَ فَقَامَ وَسَطَهُنَّ احْتَمَلَ أَنَّهُ رَجُلٌ، وَإِنْ قَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَفِي صُورَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ
[ ٢ / ٦٢٥ ]
فِي صَفِّ الرِّجَالِ مَأْمُومًا؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَامَتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا وَلَا صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٥٥):
«وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ وَسَائِرُ النَّوَافِلِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ﵏ وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ تَصِحُّ صَلَاةُ الرِّجَالِ وَرَاءَهَا حَكَاهُ عَنْهُمْ القاضى أبو الطيب والعبدري وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الرِّجَالِ وَرَاءَهَا إلَّا أَبَا ثَوْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وفي رواية لأحمد جواز إمامتها في النافلة.
قال العلامة الماوردي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٢٦٤):
«وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٤٦)
«وتجوز إمامة المرأة بالنساء ويجوز على رواية عن أحمد أن تصلي بالرجال نافلة وتكون وراءهم وهي بعيدة» اهـ.
قلت: حديث أم ورقة لا يصح، وقد سبق الكلام عليه في صلاة الجماعة.
والحديث الآخر الذي احتج به ابن قدامة رواه ابن ماجه (١٠٨١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ بُكَيْرٍ أَبُو خَبَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدَوِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
[ ٢ / ٦٢٦ ]
قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ، وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي، وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَلَا زَكَاةَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ».
قلت: هذا حديث شديد الضعف.
قال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ في [التنقيح] (٢/ ٤٧٠):
«وابن جُدعان: تكلَّم فيه غير واحدٍ من الأئمة.
والحمل في هذا الحديث على: عبد الله بن محمد العدويِّ التَّميميِّ، ويكنى أبا الحباب، قال وكيع: يضع الحديث. رواه ابنه سفيان عنه، وقال البخاريُّ: منكر الحديث، لا يتابع في حديثه. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، شيخٌ مجهولٌ.
وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: متروكٌ. وقال ابن حِبَّان: لا يجوز الاحتجاج بخبره.
وقال ابن عَدِيٍّ: له من الحديث شيءٌ يسيرٌ» اهـ.
قلت: ومذهب الإمام مالك عدم صحة إمامة النساء مطلقًا سواء أمت رجالًا أو نساءً.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
- ومن ذلك إمامة العاجز عن بعض أركان الصلاة:
وسيأتي الكلام على ذلك بمشيئة الله تعالى في شرح الحديث الآتي.
٢ - تحريم مسابقة الإمام وأنَّ ذلك من كبائر الذنوب فإنَّ الوعيد بالمسخ لا يكون إلَّا على كبيرة من كبائر الذنوب.
وقد اختلف العلماء في حكم مسابقة الإمام هل تبطل الصلاة أم لا. والصحيح هو بطلان صلاة من تعمد ذلك، فإنَّ النهي يقتضي الفساد.
ومما يدل على ذلك ما رواه مسلم (٤٢٦) عَنْ أَنَسٍ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي».
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٧٨):
«وبكل حال؛ فإذا تعمد المأموم سبق إمامه ففي بطلان صلاته بذلك وجهان لأصحابنا.
وقيل: إنَّ البطلان ظاهر كلام أحمد، وروي عن ابن عمر، وأكثر العلماء على أنَّها لا تبطل، ويعتد له بها إذا اجتمع مع إمامه فيما بعد.
ولو كان سبق الإمام سهوًا حتى أدركه إمامه اعتد له بذلك عند أصحابنا وغيرهم، خلافا لزفر» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨):
[ ٢ / ٦٢٨ ]
«وإذا سبق الإمام سهوًا لم تبطل صلاته لكن يتخلف عنه بقدر ما سبق به الإمام كما أمر بذلك أصحاب رسول الله ﷺ لأنَّ صلاة المأموم مقدرة بصلاة الإمام وما فعله قبل الإمام سهوًا لا يبطل صلاته؛ لأنَّه زاد في الصلاة ما هو من جنسها سهوًا فكان كما لو زاد ركوعًا أو سجودًا سهوًا وذلك لا يبطل بالسنة والإجماع ولكن ما يفعله قبل الإمام لا يعتد به على الصحيح؛ لأنَّه فعله في غير محله لأنَّ ما قبل فعل الإمام ليس وقتًا لفعل المأموم فصار بمنزلة من صلى قبل الوقت أو بمنزلة من كبر قبل تكبير الإمام فإنَّ هذا لا يجزئه عمَّا أوجب الله عليه؛ بل لا بد أن يحرم إذا حل الوقت لا قبله وأن يحرم المأموم إذا أحرم الإمام لا قبله. فكذلك المأموم لا بد أن يكون ركوعه وسجوده إذا ركع الإمام وسجد لا قبل ذلك فما فعله سابقًا وهو ساه عفي له عنه ولم يعتد له به فلهذا أمره الصحابة والأئمة أن يتخلف بمقداره ليكون فعله بقدر فعل الإمام.
وأمَّا إذا سبق الإمام عمدًا ففي بطلان صلاته قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره ومن أبطلها قال: إنَّ هذا زاد في الصلاة عمدًا فتبطل كما لو فعل قبله ركوعًا أو سجودًا عمدًا فإنَّ الصلاة تبطل بلا ريب وكما لو زاد في الصلاة ركوعًا أو سجودًا عمدًا. وقد قال الصحابة للمسابق: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت ومن لم يصل وحده ولا مؤتمًا فلا صلاة له» اهـ.
قلت: ولعلماء الشافعية تفصيل في ذلك.
قال العلامة المرداوي ﵀ في [الحاوي] (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣):
[ ٢ / ٦٢٩ ]
«وَإِذَا سَبَقَ الْمَأْمُومُ إِمَامَهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَرَكَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَسَجَدَ قَبْلَ سُجُودِهِ
فَإِنْ سَبَقَهُ قَاصِدًا لِمُخَالَفَتِهِ مُعْتَقِدًا إِخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْ إِمَامَتِهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْتَمٍّ بِهِ لِمُخَالَفَةِ أَفْعَالِهِ، وَلَا مُنْفَرِدًا عَنْهُ لِاعْتِقَادِ إِمَامَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمًّا وَلَا مُنْفَرِدًا كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً
وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ إِمَامِهِ فَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ كَأَنْ رَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ وَاسْتَدَامَ الرُّكُوعَ مَعَهُ فَقَدْ أَسَاءَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: " أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ رَأْسِ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوَّلَ رَأْسُهُ رَأْسَ حِمَارٍ " وَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مُقْتَدِيًا بِإِمَامِهِ فِي الركن الذي سبقه فيه فَاقْتَضَى أَنْ يُجْزِئَهُ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَهُ، وَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنَيْنِ مِنَ الرَّكْعَةِ كَأَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ ثُمَّ رَكَعَ الْإِمَامُ أَوْ رَفَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ الْإِمَامُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ تَصِحَّ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ إِمَامَهُ فِي مُعْظَمِ فِعْلِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ سَبَقَهُ بِالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَنْ تُجْزِئَهُ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ بِإِجْمَاعٍ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٢٣٤ - ٢٣٨):
«قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ ويحرم عليه أن يتقدمه بشئ مِنْ الْأَفْعَالِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِ سَبْقِهِ بِرُكْنٍ.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ نَصَّهُ وَقَرَّرَهُ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالُوا: وَالْمُتَابَعَةُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى أَثَرِ الْإِمَامِ بِحَيْثُ يَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ لِكُلِّ فِعْلٍ مُتَأَخِّرًا عَنْ ابْتِدَاءِ
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الْمَأْمُومِ وَمُقَدَّمًا عَلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ وَكَذَلِكَ يُتَابِعُهُ فِي الْأَقْوَالِ فَيَتَأَخَّرُ ابْتِدَاؤُهُ عَنْ أَوَّلِ ابْتِدَاءِ الْإِمَامِ إلَّا فِي التَّأْمِينِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ مُقَارَنَتُهُ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ فَلَوْ خَالَفَهُ فِي الْمُتَابَعَةِ فَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَارِنَهُ فَإِنْ قَارَنَهُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ شَكَّ فِي مُقَارَنَتِهِ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ تَأَخَّرَ فَبَانَ مُقَارَنَتُهُ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا مَعَ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ: تَنْعَقِدُ كَمَا لَوْ قَارَنَهُ فِي الرُّكُوعِ: دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَيُخَالِفُ الرُّكُوعَ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُنَاكَ دَاخِلٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُشْتَرَطُ تَأَخُّرُ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ وَإِنْ قَارَنَهُ فِي السَّلَامِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَصَحُّهُمَا: يُكْرَهُ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ وَإِنْ قَارَنَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَكِنْ يُكْرَهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَتَفُوتُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْإِمَامِ فَإِنْ تَخَلَّفَ بِغَيْرِ عُذْرٍ نَظَرْتَ فَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَفِيهِ وَجْهٌ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَنَّهَا تَبْطُلُ وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ بِالِاتِّفَاقِ لِمُنَافَاتِهِ لِلْمُتَابَعَةِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَمِنْ التَّخَلُّفِ بِلَا عُذْرٍ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ فَيَشْتَغِلَ الْمَأْمُومُ بِإِتْمَامِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ. قَالُوا: وَكَذَا لَوْ اشْتَغَلَ بِإِطَالَةِ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وَأَمَّا بَيَانُ صُورَةِ التَّخَلُّفِ بِرُكْنٍ فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الرُّكْنِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ فَالْقَصِيرُ الِاعْتِدَالُ عَنْ الرُّكُوعِ وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَالطَّوِيلُ مَا عَدَاهُمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَالطَّوِيلُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْقَصِيرِ وَجْهَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ:
أَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَمَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى الْجَزْمِ بِهِ أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ
وَالثَّانِي: لَا بَلْ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ فَإِذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فَرَكَعَ الْمَأْمُومُ وَأَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِهِ فَلَيْسَ مُتَخَلِّفًا بِرُكْنٍ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَطْعًا فَلَوْ اعْتَدَلَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: لَا تَبْطُلُ وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِهِمَا فَقِيلَ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ أَمْ لَا إنْ قُلْنَا مَقْصُودٌ بَطَلَتْ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَارَقَ رُكْنًا وَاشْتَغَلَ بِرُكْنٍ آخَرَ مَقْصُودٍ وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ وَقِيلَ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ بِرُكْنٍ يُبْطِلُ أم لا وان قلنا لا يُبْطِلُ فَقَدْ تَخَلَّفَ بِرُكْنِ الرُّكُوعِ تَامًّا فَتَبْطُلُ صلاته، وإن قلنا فَمَا دَامَ فِي الِاعْتِدَالِ لَمْ يُكْمِلْ الرُّكْنَ الثَّانِي فَلَا تَبْطُلُ فَلَوْ هَوَى إلَى السُّجُودِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَأْخَذِ الْأَوَّلِ لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي بَطَلَتْ لِأَنَّ رُكْنَ الِاعْتِدَالِ قَدْ تَمَّ هَكَذَا رتب المسألة إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ إذَا ارْتَفَعَ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَقَدْ حَصَلَ التَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ الْإِمَامُ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ قُلْنَا التَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ مُبْطِلٌ أَمَّا إذَا انْتَهَى الْإِمَامُ إلَى السُّجُودِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ
[ ٢ / ٦٣٢ ]
بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ إنْ اكْتَفَيْنَا بِابْتِدَاءِ الْهُوِيِّ مِنْ الِاعْتِدَالِ وَابْتِدَاءِ الِارْتِفَاعِ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ فَالتَّخَلُّفُ بِرُكْنَيْنِ هُوَ أَنْ يَتِمَّ لِلْإِمَامِ رُكْنَانِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِيمَا قَبْلَهُمَا وَالتَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ أَنْ يُتِمَّ الْإِمَامُ الرُّكْنَ الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِيمَا قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ نَكْتَفِ بِذَلِكَ فَلِلتَّخَلُّفِ شرط آخر وهو أن يلابس بعد تمامها أَوْ تَمَامِهِ رُكْنٌ آخَرُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْبَغَوِيِّ تَرْجِيحُ الْبُطْلَانِ فِيمَا إذَا تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ كَامِلٍ مَقْصُودٍ بِأَنْ اسْتَمَرَّ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى اعْتَدَلَ الْإِمَامُ وَسَجَدَ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّخَلُّفِ بِلَا عُذْرٍ أَمَّا الْأَعْذَارُ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْخَوْفُ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ بَطِئَ الْقِرَاءَةِ لِضَعْفِ لِسَانِهِ وَنَحْوِهِ لَا لِوَسْوَسَةٍ وَالْإِمَامُ سَرِيعَهَا فَيَرْكَعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا جماعة من الخراسانيين منهم والرافعي أَحَدُهُمَا يُتَابِعُهُ وَيَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ بَاقِيهَا فَعَلَى هَذَا إنْ اشْتَغَلَ بِإِتْمَامِهَا كَانَ مُتَخَلِّفًا بِلَا عُذْرٍ وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَسْقُطُ بَاقِيهَا بَلْ يَلْزَمهُ أَنْ يُتِمَّهَا وَيَسْعَى خَلْفَ الْإِمَامِ عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصُودَةٍ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْ الْمُتَابَعَةِ لِتَعَذُّرِ الْمُوَافَقَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَهُ الدَّوَامُ عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاتِهِ وَيَجْرِي عَلَى أَثَرِهِ وَبِهَذَا أَفْتَى الْقَفَّالُ.
وَأَصَحُّهُمَا: يُوَافِقُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَتَدَارَكُ مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَهُمَا كَالْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَمِنْهَا أَخَذُوا التَّقْدِيرَ بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصُودَةٍ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ إنَّمَا هُمَا إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَة وَقَبْل ذَلِكَ
[ ٢ / ٦٣٣ ]
لَا يُوَافِقُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّخَلُّفُ قَبْلَهُ بِالسَّجْدَتَيْنِ وَالْقِيَامِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا يَجْعَلُ التَّخَلُّفَ بِغَيْرِ الْمَقْصُودِ مُؤَثِّرًا وَأَمَّا مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَقْصُودِ وَغَيْرِهِ أَوْ يُفَرِّقُ وَيَجْعَلُ الْجُلُوسَ مَقْصُودًا أَوْ رُكْنًا طَوِيلًا فَالْقِيَاسُ عَلَى أَصْلِهِ التَّقْدِيرُ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ
وَلَوْ اشْتَغَلَ الْمَأْمُومُ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ فراغه من الفاتحة أتمها كبطئ الْقِرَاءَةِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ أَمَّا الْمَسْبُوقُ إذَا قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ فَقَدْ سَبَقَ فِي رُكُوعِهِ وَإِتْمَامِهِ الْفَاتِحَةَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
وَمِنْهَا الزِّحَامُ وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهَا النِّسْيَانُ فَلَوْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ الْفَاتِحَةَ أَوْ شَكَّ فِي قِرَاءَتِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعُودَ لِقِرَاءَتِهَا لِفَوَاتِ مَحِلِّهَا وَوُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ وَلَوْ تَذَكَّرَ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَقَدْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَكَعَ لَمْ تَسْقُطْ الْقِرَاءَةُ بِالنِّسْيَانِ وَفِي وَاجِبِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْكَعُ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ.
وَأَصَحُّهُمَا: تَجِبُ قِرَاءَتُهَا وَبِهِ أَفْتَى الْقَفَّالُ وَعَلَى هَذَا تَخَلُّفُهُ تَخَلُّفُ مَعْذُورٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ لِتَقْصِيرِهِ بِالنِّسْيَانِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْإِمَامِ بِرُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّقَدُّمُ ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ بِرُكْنٍ كَامِلٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَمْ يَرْفَعْ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا لِأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ يَسِيرَةٌ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو
[ ٢ / ٦٣٤ ]
الطَّيِّبِ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا قُلْنَا لَا تَبْطُلُ فَهَلْ يَعُودُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الصَّحِيحُ: الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقِيَامِ وَيَرْكَعَ مَعَهُ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُنَا وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ: وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْعَوْدُ وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَسَوَاءٌ تَعَمَّدَ السَّبْقَ أَمْ سَهَا.
وَالثَّالِثُ: وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ يَحْرُمُ الْعَوْدُ فَإِنْ عَادَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ كَانَ تَقَدُّمُهُ سَهْوًا فَوَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْعَوْدِ وَالدَّوَامِ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى يَرْكَعَ الْإِمَامُ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ الْعَوْدُ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ لَمْ تَبْطُلْ لَكِنْ لَا يُعِيدُ تِلْكَ الرَّكْعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي مُعْظَمِهَا فَيَلْزَمهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا تَخْفَى صُورَةُ التَّقَدُّمِ بِرُكْنَيْنِ مِنْ قِيَاسِ مَا سَبَقَ فِي التَّخَلُّفِ وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ذَلِكَ بِمَا إذَا رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْكَعَ رَفْعَ هُوَ فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْفَعَ سَجَدَ.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ قَالَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَ مِثْلَهُ فِي التَّخَلُّفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ هَذَا بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهِ أَفْحَشُ وَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ وَرَفَعَ وَالْإِمَامُ فِي الْقِيَامِ ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ وَاجْتَمَعَا فِي الِاعْتِدَالِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا فَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فَإِنْ اعْتَدَلَ وَسَجَدَ وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ سَبَقَ بِالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِأَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَجَلَسَ وَسَجَدَ الثَّانِيَةَ وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى فَوَجْهَانِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ التَّقَدُّمَ بِرُكْنٍ لَا يُبْطِلُ كَالتَّخَلُّفِ بِهِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّقَدُّمِ فِي الْأَفْعَالِ.
وَأَمَّا السَّبْقُ بِالْأَقْوَالِ فَإِنْ كَانَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ: وَإِنْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِيهَا ثلاثة أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ: لَا يَضُرُّ بَلْ يَجْزِيَانِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْمُخَالَفَةُ.
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَالثَّالِثُ: لَا تَبْطُلُ لَكِنْ لَا تُجْزِئُ بَلْ يَجِبُ قِرَاءَتُهُمَا مَعَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَوْ بعدها والله أعلم» اهـ.
قلت: الصحيح بطلان الصلاة بتعمد المسابقة أو التأخر بركن واحد، وأمَّا المعذور فلا يضره ذلك وعليه إن تقدم أن يرجع، وإن تخلف فعليه أن يخفف في صلاته حتى يدرك الإمام فإن لم يتمكن من إداركه فعليه أن ينتقل إلى الركن الذي عليه الإمام، ثم إذا سلَّم الإمام قضى ما فاته.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٣٧٩):
«فَصْلٌ: فَإِنْ سَبَقَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ بِرُكْنٍ كَامِلٍ؛ مِثْلُ أَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ الْمَأْمُومِ، لِعُذْرٍ مِنْ نُعَاسٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ عَجَلَةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا سُبِقَ بِهِ، وَيُدْرِكُ إمَامَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْإِمَامُ إذَا سَجَدَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْجُدَ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ سَجْدَةً وَاحِدَةً فَأَتَّبِعُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ. وَهَذَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَإِنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ إمَامَهُ، وَيَقْضِي مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: كَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ، وَأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ إمَامَهُ، وَلَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ رَكَعَ إمَامُهُ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يَشْعُرُ، وَلَمْ يَرْكَعْ حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ، فَقَالَ: يَسْجُدُ مَعَهُ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَكَانَهَا.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْإِمَامُ إذَا سَجَدَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْجُدَ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ فَاتَّبِعْهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَإِنْ كَانَ سَجْدَتَانِ فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى سَبَقَهُ بِرَكْعَتَيْنِ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ.
وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَهُ وَأَدْرَكَ إمَامَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا، فِيمَنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَنْتَظِرُ زَوَالَ الزِّحَامَ ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الْإِمَامِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا فَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ
[ ٢ / ٦٣٧ ]
ﷺ فَعَلَهُ بِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ، حِينَ أَقَامَهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَسَجَدَ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَالصَّفُّ الثَّانِي قَائِمٌ، حَتَّى قَامَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الثَّانِيَةِ، فَسَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَبِعَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْعُذْرِ. فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَدْرَكَهُمْ الْمَسْبُوقُ فِي أَوَّلِ سُجُودِهِمْ سَجَدَ مَعَهُمْ، وَاعْتَدَّ بِهَا. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ، وَأَدْرَكَهُمْ فِي السُّجُودِ حَتَّى يَسْتَوُوا قِيَامًا، فَلْيَتَّبِعْهُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ، ثُمَّ يَقْضِي رَكْعَةً، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَنَحْوِهِ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ.
وَالْأَوْلَى فِي هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، مَا كَانَ عَلَى قِيَاسِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ بِهِ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِائْتِمَامَ بِإِمَامِهِ عَمْدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٣ - وفي الحديث بيان أنَّ الجزاء من جنس العمل، وذلك أنَّ الذي يسابق الإمام في الصلاة لن يخرج من صلاة قبل الإمام فما يفعله من المسابقة يدل على بلادته وضعف عقله فناسب أن يمسخ رأسه رأس حمار.
والصحيح في الحديث أنَّ المسخ فيه حقيقي لا معنوي كما هو ظاهر الحديث، والأصل إبقاء الحديث على ظاهره. والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٨٤):
«ويقوى حمله على ظاهره أنَّ في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد "أن يحول الله رأسه رأس كلب" فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي
[ ٢ / ٦٣٨ ]
ذكروها من بلادة الحمار ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا فرأسه رأس حمار. وإنَّما قلت ذلك لأنَّ الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور فلا يحسن أن يقال له يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدا مع أن فعله المذكور إنَّما نشأ عن البلادة» اهـ.
قال العلامة المباركفوري ﵀ في [تحفة الأحوذي] (٣/ ١٥٢):
«وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى الظَّاهِرِ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ رَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ عَنْ شَيْخٍ مَشْهُورٍ بها فقرأ جملة لكنه كان يجعل بيني وَبَيْنَهُ حِجَابًا وَلَمْ يَرَ وَجْهَهُ فَلَمَّا طَالَتْ مُلَازَمَتُهُ لَهُ وَرَأَى حِرْصَهُ عَلَى الْحَدِيثِ كَشَفَ لَهُ السِّتْرَ فَرَأَى وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ فَقَالَ لَهُ احْذَرْ يَا بُنَيَّ أَنْ تَسْبِقَ الْإِمَامَ فَإِنِّي لَمَّا مَرَّ بِي الْحَدِيثُ اسْتَبْعَدْتُ وُقُوعَهُ فَسَبَقْتُ الْإِمَامَ فَصَارَ وَجْهِي كَمَا تَرَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٨٤):
«وقال ابن بزيزة استدل بظاهره قوم لا يعقلون على جواز التناسخ. قلت: وهو مذهب رديء مبنى على دعاوى بغير برهان» اهـ.
قلت: وبيان هذا المذهب الرديء ما ذكره الحافظ ابن القيم ﵀ في [طريق الهجرتين] ص (٢٥٠):
«وقالت طائفة من التناسخية إنَّ الله خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة ثم أمرهم ونهاهم فمن عصى منهم نسخ روحه في جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل كالدجاج والغنم والإبل والبقر والبراغيث والقمل فما سلط على هذه
[ ٢ / ٦٣٩ ]
البهائم من الآلام فهو للأرواح الآدمية التي أودعت هذه الأجساد فمن كان منهم زانيًا أو زانية كوفئ بأن جعل في بدن حيوان ما يمكنه الجماع كالبغال ومن كان منهم عفيفًا عن الزنا مع ظلمه وغشمه كوفئ بأن جعل في بدن تيس أو عصفور أو ديك ومن كان منهم جبارًا عنيدًا كوفئ بأن جعل في بدن قملة أو قرادة ونحوهما إلى أن يقتص منهم ثم يردون فمن عصى منهم بعد ذلك رده كرر أيضًا عليه ذلك التناسخ هكذا أبدًا حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أبدًا فينتقل إلى الجنة من وقته وقد ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين إلى الإسلام رجل يقال له أحمد بن حايط» اهـ.
وقال أيضًا ﵀ في [الروح] ص (١١٤):
«وإنَّما التناسخ الباطل ما تقوله أعداء الرسل من الملاحدة وغيرهم الذين ينكرون المعاد أنَّ الأرواح تصير بعد مفارقة الأبدان إلى أجناس الحيوان والحشرات والطيور التي تناسبها وتشاكلها فإذا فارقت هذه الأبدان انتقلت إلى أبدان تلك الحيوانات فتنعم فيها أو تعذب ثم تفارقها وتحل في أبدان أخر تناسب أعمالها وأخلاقها وهكذا أبدًا فهذا معادها عندهم ونعيمها وعذابها لا معاد لها عندهم غير ذلك فهذا هو التناسخ الباطل المخالف لما اتفقت عليه الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم وهو كفر بالله واليوم الآخر وهذه الطائفة يقولون إنَّ مستقر الأرواح بعد المفارقة أبدان الحيوانات التي تناسبها وهو أبطل قول وأخبثه» اهـ.
قلت: ومن الطرائف ما قاله العلامة ابن الجوزي ﵀ في [أخبار الحمقى والمغفلين] (ص: ٢٠١):
[ ٢ / ٦٤٠ ]
«حكى لي بعض الإخوان أنَّ بعض المغفلين كان يقود حمارًا، فقال بعض الأذكياء لرفيق له: يمكنني أن آخذ هذا الحمار ولا يعلم هذا المغفل، قال: كيف تعمل ومقوده بيده؟ فتقدم فحل المقود وتركه في رأس نفسه وقال لرفيقه: خذ الحمار واذهب، فأخذه، ومشى ذلك الرجل خلف المغفل والمقود في رأسه ساعة، ثم وقف فجذبه فما مشى، فالتفت فرآه، فقال: أين الحمار؟ فقال: أنا هو، قال: وكيف هذا؟ قال: كنت عاقًا لوالدتي فمسخت حمارًا، ولي هذه المدة في خدمتك، والآن قد رضيت عني أمي فعدت آدميًا، فقال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، وكيف كنت أستخدمك وأنت آدمي! قال: قد كان ذلك، قال: فاذهب في دعة الله، فذهب ومضى المغفل إلى بيته فقال لزوجته: أعندك الخبر؟ كان الأمر كذا وكذا، وكنا نستخدم آدميًا ولا ندري فبماذا نكفر وبماذا نتوب؟ فقالت: تصدق بما يمكن، قال: فبقي أيامًا، ثم قالت له: إنَّما شغلك المكاراة فاذهب واشتر حمارًا لتعمل عليه، فخرج إلى السوق فوجد حماره ينادى عليه، فتقدم وجعل فمه في أذنه وقال: يا مدبر عدت إلى عقوق أمك» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٦٤١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ».
٧٥ - وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، صَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ: أَنْ اجْلِسُوا لَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ"».
قلت: ما ذكره المصنف هو لفظ مسلم مع اختلاف يسير فقد رواه (٤١٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ».
ورواه البخاري (٧٢٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ».
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وفي هذين الحديثين عدة مسائل منها:
١ - وجوب متابعة الإمام. وأنَّها من أعظم واجبات الصلاة، ويدل على ذلك أنَّ ركن القيام يسقط عن المأمومين بعذر المتابعة.
٢ - قوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ». احتج به من قال بوجوب متابعة الإمام حتى في النيات.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٢٤/ ٣٦٧ - ٣٦٩):
«وفي قوله: "فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ" دليل على أنَّه لا يجوز أن يكون الإمام في صلاة ويكون المأموم في غيرها مثل أن يكون الإمام في ظهر والمأموم في عصر أو يكون الإمام في نافلة والمأموم في فريضة وهذا موضع اختلف الفقهاء فيه فقال مالك وأصحابه: لا يجزي أحدًا أن يصلي صلاة الفريضة خلف المتنفل ولا يصلي عصرًا خلف من صلى ظهرًا وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وقول جمهور التابعين بالمدينة والكوفة وحجتهم أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" فمن خالفه في نيته فلم يأتم به وقال: "فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ"، ولا اختلاف أشد من اختلاف النيات إذ هي ركن العمل ومعلوم أنَّ من صلى ظهرًا خلف من يصلي عصرًا أو صلى فريضة خلف من يصلي نافلة فلم يأتم بإمامه وقد اختلف عليه فبطلت صلاته وصلاة الإمام جائزة لأنَّه المتبوع لا التابع واحتجوا من قصة معاذ برواية عمرو بن يحيى عن معاذ بن رفاعة الزرقي عن رجل من بني سلمة أنه شكا إلى رسول الله ﷺ تطويل معاذ بهم فقال له رسول الله ﷺ: "يا معاذ لا تكن فتانًا إما أن تصلي معي
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وإما أن تخفف عن قومك". قالوا وهذا يدل على أن صلاته بقومه كانت فريضته وكان متطوعًا بصلاته مع النبي ﷺ.
قالوا: وصلاة المتنفل خلف من يصلي الفريضة لا يختلفون في جوازها.
وقال الشافعي والأوزاعي وداود والطبري وهو المشهور عن أحمد ابن حنبل بجواز أن يقتدي في الفريضة بالمتنفل ويصلي الظهر خلف من يصلي العصر فإن كل مصل يصلي لنفسه ومن حجتهم أن قالوا: إنَّما أمرنا أن نأتم به فيما ظهر من أفعاله أمَّا النية فمغيبة عنَّا وما غاب عنَّا فإنا لم نكلفه. قالوا وفي هذا الحديث نفسه دليل على صحة ذلك لأنَّه قال: "إنَّما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا كبر فكبروا وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا". فعرفنا أفعاله التي يأتم به فيها وهي الظاهرة إلينا من ركوعه وسجوده وتكبيره وقيامه وقعوده ففي هذه أمرنا أن لا نختلف عليه.
قالوا: والدليل على صحة هذا التأويل حديث جابر في قصة معاذ إذ كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم ينصرف فيؤم قومه في تلك الصلاة هي له نافلة ولهم فريضة وهو حديث ثابت صحيح لا يختلف في صحته قالوا ولا يصح أن يجعل معاذ صلاته مع رسول الله ﷺ نافلة ويزهد في فضل الفريضة معه ﷺ ويدلك على ذلك قول رسول الله ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة" وهذا مانع لكل أحد أن تقام صلاة فريضة لم يصلها فيشتغل بنافلة عنها.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وقد روى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر أنَّ معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء الآخرة ثم ينصرف إلى قومه فيصلي معهم هي له تطوع ولهم فريضة.
قال ابن جريج وحديث عكرمة عن ابن عباس أن معاذًا فذكر مثل حديث جابر سواء.
ومثل ذلك أيضًا حديث أبي بكرة في صلاة الخوف صلى رسول الله ﷺ بطائفة ركعتين ثم بطائفة ركعتين وهو مسافر خائف فعلمنا أنَّه في الثانية متنفل.
وقد أجمعوا أنَّه جائز أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة إن شاء وفي ذلك دليل على أنَّ النيات لا تراعى في ذلك والله أعلم» اهـ.
قلت: وقد أخرج البخاري (٤١٣٩) معلقًا، ومسلم (١٩٤٦) موصولًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَخَافُنِي قَالَ لَا قَالَ فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ قَالَ فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ قَالَ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ».
[ ٢ / ٦٤٥ ]
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٤١٥):
«فذهبت طائفة إلى أنَّه يجوز أن يصلى الرجل نافلة، ويأتم به فيها من يصلى الفريضة، هذا قول عطاء، وطاووس، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، واحتجوا بظاهر هذا الحديث. - يقصد بذلك حديث معاذ في صلاته بقومه العشاء بعد صلاته مع النبي ﷺ
وقالت طائفة: لا يجوز لأحد أن يصلى فريضة خلف من يصلى نافلة، ومن خالفت نيته نية الإمام في شيء من الصلاة لم يعتد بها، هذا قول الزهري، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، واحتجوا بقوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، ولا اختلاف أكثر من اختلاف النيات التي عليها مدار الأعمال» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٣٤):
«وأمَّا قوله ﷺ: "إنَّما جعل الإمام ليؤتم" به فمعناه عند الشافعي وطائفة في الأفعال الظاهرة وإلَّا فيجوز أن يصلى الفرض خلف النفل وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، وقال مالك وأبو حنيفة ﵄ وآخرون لا يجوز ذلك وقالوا معنى الحديث ليؤتم به في الأفعال والنيات ودليل الشافعي ﵁ وموافقيه أنَّ النبي ﷺ صلى بأصحابه ببطن نخل صلاة الخوف مرتين بكل فرقة مرة فصلاته الثانية وقعت له نفلًا وللمقتدين فرضًا، وأيضًا حديث معاذ كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه فيصليها بهم هي له تطوع ولهم فريضة ولهم مما يدل على أنَّ الائتمام إنَّما يجب في الأفعال الظاهرة» اهـ.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٢٧):
«لكن جمهورهم يجيزون اقتداء المتنفل بالمفترض، ولم يجعلوه اختلافًا عليه» اهـ.
٣ - قال الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٣/ ٧٤): «استدل به أيضًا على أنَّه لا يجوز أن يتقدم المأموم على الإمام في الموقف لأنَّه إذا تقدم عليه فهو حينئذ غير مؤتم به وبهذا قال الشافعي والثوري والكوفيون وجوزه مالك والليث وطائفة وأجابوا عن الحديث بأنَّ المراد الإئتمام به في الأفعال لا في الموقف وهو تقييد لا دليل عليه وقد أنكروا على الشافعية تقييد الإئتمام بالأفعال الظاهرة وقيدوه هنا ثم إن إخراج الشافعية النيات عن ذلك ساعده كونه بين في الحديث ما أمر بالإئتمام به فيه فلم يذكر من ذلك النيات وأن النيات لا يمكن الأمر بالمتابعة فيها لكونه لا يطلع عليها وأمَّا إخراج المالكية الموقف عن ذلك فهم مطالبون بالدليل عليه» اهـ.
قلت: واختلف العلماء في التقدم بين يدي الإمام في الصلاة حول الكعبة.
فقال العلامة الكاساني الحنفي ﵀ في [بدائع الصنائع] (١/ ١٢٠):
«وَالْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه -، ثُمَّ صَلَاةُ الْكُلِّ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ أَبْعَدَ، إلَّا صَلَاةَ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي الْإِمَامُ إلَيْهَا بِأَنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِمَامِ بِحِذَائِهِ فَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ، أَوْ كَانَ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ أَوْ يَسَارِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى الصَّفِّ الَّذِي مَعَ الْإِمَامِ وَوَجْهُهُ إلَى
[ ٢ / ٦٤٧ ]
الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى إمَامِهِ لَا يَكُونُ تَابِعًا لَهُ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقَابِلِ لِلْإِمَامِ، وَالْمُقَابِلُ لِغَيْرِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونُ تَابِعًا لَهُ بِخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٣٠٠):
«فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ خَلْفَ الْمَقَامِ وَيَقِفُوا مُسْتَدِيرِينَ بِالْكَعْبَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْإِمَامُ أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إلَيْهَا مِنْهُ وَهُوَ فِي جِهَةِ الْإِمَامِ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ الْقَوْلَانِ الْجَدِيدُ بُطْلَانُهَا وَالْقَدِيمُ صِحَّتُهَا وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ
وَالثَّانِي: فِيهِ الْقَوْلَانِ حَكَاهُ الْأَصْحَابُ عن أبي إسحق الْمَرْوَزِيِّ» اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي ﵀ في [الإنصاف] (٢/ ٢٨١)
«أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: عَدَمَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ قُدَّامَ الْإِمَامِ، وَمُرَادُهُ غَيْرُ حَوْلِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَدَارُوا حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَالْإِمَامُ مِنْهَا عَلَى ذِرَاعَيْنِ، وَالْمُقَابِلُونَ لَهُ عَلَى ذِرَاعٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا: صَحَّتْ إجْمَاعًا. قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ. انْتَهَى.
هَذَا إذَا كَانَ فِي جِهَاتٍ أَمَّا إنْ كَانَ فِي جِهَةٍ، فَلَا يَجُوزُ تَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ» اهـ.
قلت: وإذا كان الإمام والمأمومين داخل البيت حرم على المأمومين أن يقفوا أمام الإمام، وإذا وقفوا خلفه فلهم أن يستقبلوا أي جهة من البيت، وإذا كان
[ ٢ / ٦٤٨ ]
الإمام داخلها والمأمون خارجها لهم أن يستقبلوا أي موضع من الكعبة، ولا يضر استقبالهم لوجه الإمام.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٤/ ٣٠٠):
«وَلَوْ وَقَفَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ جَمِيعًا فِي الْكَعْبَةِ فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ قُدَّامَهُ فِي جِهَتِهِ مُسْتَقْبِلَهَا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ أَوْ بِجَنْبِهِ أَوْ مُسْتَقْبِلَهُ أَوْ ظَهْرُهُ إلَى ظَهْرِهِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَقْرَبَ إلَى الْجِدَارِ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا إنْ كَانَ أَقْرَبَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو اسحق فِيهِ الْقَوْلَانِ وَلَوْ وَقَفَ الْإِمَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَالْمَأْمُومُ خَارِجَهَا جَازَ وَلَهُ التَّوَجُّهُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ وَإِنْ وَقَفَ الْإِمَامُ خَارِجَهَا وَالْمَأْمُومُ فِيهَا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ جَازَ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ لَكِنْ إنْ تَوَجَّهَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إلَيْهَا الْإِمَامُ عَادَ الْقَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٤ - واحتج به من قال بمتابعة الإمام في ترك ما تركة من الأفعال المستحبة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١٥٥ - ١٥٦):
«وأدخل بعضهم - أيضًا - متابعته في ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة، كرفع اليدين، فقال: لا يرفع المأموم يديه إلَّا إذا رفع الإمام، وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة.
والجمهور على خلاف ذلك، وأنَّ المأموم يتابع إمامه فيما يفعله، ويفعل ما تركه من السنن عمدًا أو سهوًا، كرفع اليدين والاستفتاح والتعوذ والتسمية وغير ذلك، فيما لا يفعله بعض الأئمة معتقدًا له، فكل هذا يفعله المأموم، ولا يقتدي بإمامه في تركه» اهـ.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
٥ - واحتج بقوله: «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» على أنَّ المأموم إذا قرأ في صلاته بآية سجدة أن لا يسجد لما في ذلك من مخالفة الإمام، وهذا قول الأكثر وهو الصحيح، وفي رواية لأحمد مشروعية السجود له.
قال العلامة إبراهيم بن مفلح الحنبلي ﵀ [المبدع] (٢/ ٣٥):
«كَمَا لَا يَسْجُدُ مَأْمُومٌ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ فِي وَجْهٍ، وَعَنْهُ: يَسْجُدُ، وَعَنْهُ: فِي نَفْلٍ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ إِذَا فَرَغَ» اهـ.
٦ - واحتج بذلك أيضًا من قال من أهل العلم بأنَّ الأحسن في حق المأموم ترك التخلف اليسير لفعل أمر مستحب.
فقد جاء في [مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية] (٢٢/ ٤٥١ - ٤٥٢):
«وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي مَأْمُومًا وَيَجْلِسُ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الْإِمَامُ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ؟ وَإِذَا جَازَ: هَلْ يَكُونُ مُنْقِصًا لِأَجْرِهِ لِأَجْلِ كَوْنِهِ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي سُرْعَةِ الْإِمَامِ؟
فَأَجَابَ:
جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَهَا؛ لَكِنْ تَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ لِلْحَاجَةِ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ. فَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي: اسْتَحَبَّهَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ: لَمْ يَسْتَحِبَّهَا إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي
[ ٢ / ٦٥٠ ]
الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَمَنْ فَعَلَهَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا؛ لِكَوْنِ التَّأَخُّرِ بِمِقْدَارِ مَا لَيْسَ هُوَ مِنْ التَّخَلُّفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِاسْتِحْبَابِهَا وَهَلْ هَذَا إلَّا فِعْلٌ فِي مَحَلِّ اجْتِهَادٍ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَارَضَ فِعْلُ هَذِهِ السُّنَّةِ عِنْدَهُ وَالْمُبَادَرَةَ إلَى مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ
فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّخَلُّفِ لَكِنَّهُ يَسِيرُ فَصَارَ مِثْلَ مَا إذَا قَامَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهُ الْمَأْمُومُ وَالْمَأْمُومُ يَرَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مِثْلُ أَنْ يُسَلِّمَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ مِنْ الدُّعَاءِ هَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يُتِمُّهُ؟ وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَالْأَقْوَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ التَّخَلُّفِ لِفِعْلِ مُسْتَحَبٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٧ - لا يدخل في الحديث ترك المستحبات التي لا يحصل بفعلها تخلف أو تقدم على الإمام كرفع اليدين في مواضع الرفع إذا ترك ذلك الإمام، وهكذا الضم في قيام القراءة إن ترك ذلك الإمام.
٨ - ويدخل في الحديث متابعة الإمام في ترك الواجب سهوًا.
كما يدل عليه ما رواه البخاري (١٢٢٤)، ومسلم (٥٧٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ سَلَّمَ».
٩ - ويدخل فيه متابعة الإمام في مسائل الاجتهاد.
ومن أمثلة ذلك: متابعة الإمام في سجود التلاوة في الصلاة السرية.
وقد ذهب إلى هذا الحنفية، والمالكية، والحنابلة في أحد الأقوال.
وذهب بعض المالكية إلى ترك اتباعه في ذلك.
[ ٢ / ٦٥١ ]
والمشهور عن الحنابلة التخيير.
والأظهر المتابعة لعموم الحديث، واحتمال السهو في ذلك خلاف الأصل، وإذا جهر بآية السجدة زال هذا الاحتمال.
ومن أمثلة ذلك: متابعة الإمام في السجدات المختلف فيها ومنها السجود في سورة «ص». فقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّها من سجود الشكر، وليست من سجود التلاوة كما هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنَّها من سجود التلاوة، وإلى هذا ذهبت الحنفية، والمالكية، والشافعية في قول، وأحمد في رواية عنه. وهذا الأظهر، وذلك أنَّ السجود سببه التلاوة لآية السجدة.
قلت: وإذا سجدها الإمام فهل يتابعه المؤتم إذا كان لا يراها من سجدات التلاوة في ذلك نزاع بين العلماء:
فالمشهور عند الشافعية ترك متابعته والمأموم بعد ذلك مخير بين المفارقة، أو الانتظار قائمًا.
ولهم قول بمتابعته، وهو الصحيح.
ومن أمثلة ذلك: متابعة الإمام في قنوت الفجر.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (٢/ ٢٩٤):
«وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْنُتُ سَكَتَ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي رِوَايَةٍ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْنُتُ وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ» اهـ.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وقال العلامة ابن هبيرة ﵀ في [اختلاف الأئمة العلماء] (١/ ١٣٠ - ١٣١):
«وَاخْتلفُوا فِي الْقُنُوت فِي الْفجْر.
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: لَا يسن ذَلِك.
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يسن فِيهَا.
ثمَّ اخْتلف أَبُو حنيفَة وَأحمد فِيمَن صلى خلف من يقنت فِي الْفجْر هَلْ يُتَابِعه أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُتَابِعه.
وَقَالَ أَحْمد: يُتَابِعه» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨):
«وَكَذَلِكَ إذَا اقْتَدَى الْمَأْمُومُ بِمَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ أَوْ الْوِتْرِ قَنَتَ مَعَهُ سَوَاءٌ
قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ. وَإِنْ كَانَ لَا يَقْنُتُ لَمْ يَقْنُتْ مَعَهُ» اهـ.
قلت: وإلى هذا ذهب العلامة ابن باز والعثيمين والألباني ﵏ جميعًا.
١٠ - ويدخل في ذلك الزيادة في ركعات الصلاة في مسائل الاجتهاد.
وذلك كإتمام الإمام المسافر بالمسافرين.
وروى البخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ:
«صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ﵁، بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، ﵁، بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ».
وعند أبي داود (١٩٦٠) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ»، زَادَ، عَنْ حَفْصٍ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا زَادَ مِنْ هَا هُنَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَلَوَدِدْتُ أَنْ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ. قَالَ: الْأَعْمَشُ، فَحَدَّثَنِي مُعَاوِيَةَ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا، قَالَ: «الْخِلَافُ شَرٌّ».
١١ - وفي متابعته إلى زاد ركعة في صلاته سهوًا نزاع، والأكثر على عدم المتابعة، وهو الصحيح، ومتابعة الصحابة للنبي ﷺ كانت زمن الوحي، وفي ذلك الوقت يُحتمل الزيادة والنقصان في ركعات الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ٩٢):
«وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِمَامِ إذَا قَامَ إلَى خَامِسَةٍ هَلْ يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ أَوْ يُفَارِقُهُ وَيُسَلِّمُ أَوْ يُفَارِقُهُ وَيَنْتَظِرُهُ أَوْ يُخَيَّرُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؟ عَلَى أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ وَهِيَ رِوَايَاتٌ عَنْ أَحْمَد» اهـ.
١٢ - وقوله: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» يدل على أنَّ المأموم لا يكبر إلَّا بعد تكبير الإمام.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وقد ذهب أكثر العلماء إلى بطلان صلاة المأموم إذا كبر للإحرام قبل الإمام أو معه. وخالف أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، والثوري وقالوا: يكبر في الإحرام مع الإمام.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٣/ ٣٨٩):
«وقد شذ الشافعي فقال: إن كبر للإحرام قبل إمامه، فصلاته تامة» اهـ.
قلت: وهذا نقل غريب عن الشافعي.
١٣ - وقوله: «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا». وقوله: «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». يدل على أنَّ أفعال المأموم تكون عقب فعل الإمام.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٦٠٠):
«والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة من الرفع والوضع بعد فراغ الإمام منه ويكره فعله معه في قول أكثر أهل العلم واستحب مالك أن تكون أفعاله مع أفعال الإمام.
ولنا: ما روى البراء قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده" لم نزل قيامًا حتى نراه قد وضع جبهته في الأرض ثم نتبعه متفق عليه وللبخاري لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجدًا ثم نقع سجودًا بعده. وعن أبي موسى قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم وليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا - إلى قوله - فإذا ركع فاركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول الله ﷺ: فتلك بتلك". رواه
[ ٢ / ٦٥٥ ]
مسلم وفي لفظ: "فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت". وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسا أجمعون". متفق عليه وقوله: "فإذا ركع فاركعوا" يقتضي أن يكون ركوعهم بعد ركوعه فركع وسجد معه أساء وصحت صلاته» اهـ.
قلت: ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (٦٠٣) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - الْمَعْنَى - عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
قلت: هذا حديث صحيح ومصعب بن محمد وثقه ابن معين.
وهذا الحديث يدل على تحريم موافقة الإمام وهو الصحيح، وقد ذهب بعض الحنابلة إلى بطلان صلاة من فعل ذلك كما سيأتي بيان ذلك في كلام الحافظ ابن رجب ﵀ في الحديث الذي بعد هذا.
١٤ - استدل به على أنَّه يستحب للإمام الجهر بقوله سمع الله لمن حمده لأنَّه رتب عليه قول المأمومين ربنا ولك الحمد فدل على أنَّه يجهر به بحيث يسمعه المأموم.
١٥ - استدل به من ذهب إلى أنَّ الإمام يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده، وأنَّ المأموم يقتصر على قوله: ربنا لك الحمد وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وذهب الإمام الشافعي إلى الجمع بين التسميع والتحميد للإمام والمؤتم. وذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الإمام يجمع بينهما، وأمَّا المؤتم فيقتصر على التحميد، وهذا هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة.
فإنَّه قد ثبت عن النبي ﷺ الجمع بينهما فيما رواه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لَمِنْ حَمِدَهُ". حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"» الحديث.
وروى البخاري (٧٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ"».
وروى مسلم (٤٧٦) عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"» ..
وروى مسلم (٤٧٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا
[ ٢ / ٦٥٧ ]
لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"».
وروى مسلم (٤٧٨) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"».
وثبت بهذا الحديث أنَّ المأموم يقتصر على التحميد ولم يأت في حديث صحيح أمر المأموم بالتسميع.
١٦ - الحديث يدل على متابعة الإمام بالجلوس إذا صلى جالسًا.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ كما في [فتح الباري] (٥/ ٨٧):
«وقد اختلف العلماء في صلاة القادر على القيام خلف الجالس:
فقالت طائفة: لا يجوز ذلك بالكلية، هذا قول محمد بن الحسن والحسن بن حي ومالك - في ظاهر مذهبه - والثوري - في رواية عنه.
وتعلق بعضهم بحديث مرسل، رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحد بعدي جالسًا".
وجابر، لا يحتج بما يسنده، فكيف بما يرسله؟! وقد طعن في حدثيه هذا الشافعي وابن أبي شيبة والجوزجاني وابن حبان وغيرهم.
وروى سيف بن عمر الضبي: ثنا سعيد بن عبد الله الجمحي، عن أبيه، عن محمد بن مسلمة، قال: دخلت على رسول الله ﷺ في شكوى اشتكاه، وحضرت الصلاة، فصلى بنا جالسًا ونحن قيام، فلما انصرف
[ ٢ / ٦٥٨ ]
قال: "إذا صلى إمامكم جالسًا فصلوا جلوسًا"، وكنا نفعل ذلك حتى حج حجته، فنهى فيها أن يؤم أحد قومًا وهو جالس.
خرجه القاضي محمد بن بدر في "كتاب المناهي".
وهو حديث باطل، وسيف هذا مشهور بالكذب.
وقالت طائفة: يجوز أن يصلي القادر على القيام خلف الإمام الجالس العاجز عن القيام بكل حال، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر وابن المبارك والثوري ومالك - وفي رواية عنهما - والأوزاعي والشافعي وغيرهما.
واختلف الرواية عن الإمام أحمد في ذلك، فالمشهور عنه: أنَّه لا يجوز أن يأتم القادر على القيام بالعاجز عنه، إلَّا أن يكون العاجز إمام الحي، ويكون جلوسه لمرض يرجى برؤه، ويأتمون به جلوسًا، كما سيأتي إن شاء الله.
ونقل عنه الميموني، أنَّه لا يجوز ذلك إلَّا خلف الإمام الأعظم خاصة، إذا كان مرضه يرجى برؤه.
وروي عنه ما يدل على جواز الائتمام بالجالس مطلقًا، لكن إن كان إمام الحي ورجي زوال علته صلوا وراءه جلوسًا، وإن كان غير ذلك صلوا وراءه قيامًا.
واختلف القائلون بجواز اقتداء القادر على القيام بالجالس: هل يصلي وراءه جالسًا، أو قائمًا؟
فقالت طائفة: يصلي وراءه قائمًا، هذا قول المغيرة وحماد وأبي حنيفة والثوري وابن المبارك ومالك والشافعي وأبي ثور.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
واعتمدوا على أقيسة أو عمومات، مثل قوله: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا".
وتبعهم على ذلك طائفة من المحدثين كالحميدي والبخاري، وادعوا نسخ أحاديث الأمر بالجلوس لصلاة النبي ﷺ في مرض موته قاعدًا والناس خلفه قيامًا، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري، وحكاه عن الحميدي.
وقال آخرون: بل يصلي القادر على القيام خلف الإمام الجالس جالسًا، هذا هو المروي عن الصحابة، ولا يعرف عنهم اختلاف في ذلك.
وممن روي عنه ذلك من الصحابة: أسيد بن حضير وقيس بن قهد وجابر بن عبد الله وأبو هريرة ومحمود بن لبيد. ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك، بل كانوا يفعلون ذلك في مساجدهم ظاهرًا، ولم ينكر عليهم عملهم صحابي ولا تابعي.
روى سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، أنَّ أسيد ابن الحضير كان يؤم قومه بني عبد الأشهل في مسجدهم، ثم اشتكى، فخرج إليهم بعد شكوه، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم، فقال: إني لا استطيع أن أقوم. قالوا: لا يصلي لنا أحد غيرك ما كنت فينا. فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائمًا فاقعدوا، فصلى قاعدًا وصلوا وراءه قعودًا.
خرجه الأثرم وغيره. وهذا إسناد صحيح.
وروى هشام بن عروة، عن كثير بن السائب، عن محمود بن لبيد، قال: كان أسيد بن حضير قد اشتكى عرق النسا، وكان لنا إمامًا، فكان يخرج إلينا فيشير
[ ٢ / ٦٦٠ ]
إلينا بيده أن اجلسوا، فنجلس فيصلي بنا جالسًا ونحن جلوس. خرجه الدارقطني.
وروى قيس بن أبي حازم، عن قيس بن فهد، أنَّ إمامًا لهم اشتكى أيامًا. قال: فصلينا بصلاته جلوسًا.
خرجه أبو القاسم البغوي وذكره البخاري في "تاريخه".
وروى يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّه فعل ذلك مع أصحابه.
وروى وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: الإمام أمير، فإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا.
قال الإمام أحمد: فعله أربعة من الصحابة: أسيد بن حضير وقيس بن قهد، وجابر، وأبو هريرة. قال: ويروى عن خمسة، عن النبي ﷺ: "إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا"، ولا أعلم شيئًا يدفعه.
وهذا من علمه وورعه ﵁، فإنَّه إنَّما دفع ذلك بالنسخ وهي دعوى مردودة، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى.
وكان الإمام أحمد يتورع عن إطلاق النسخ؛ لأنَّ إبطال الأحكام الثابتة بمجرد الاحتمالات مع إمكان الجمع بينها وبين ما يدعى معرضها غير جائز، وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بها كلها وجب ذلك، ولم يجز دعوى النسخ معه، وهذه قاعدة مطردة.
[ ٢ / ٦٦١ ]
وهي: أنا إذا وجدنا حديثًا صحيحًا صريحًا في حكم من الأحكام، فإنَّه لا يرد باستنباط من نص آخر لم يسق لذلك المعنى بالكلية، فلا ترد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حديث النغير، ولا أحاديث توقيت صلاة العصر الصريحة بحديث:
"مثلكم فيما خلا قبلكم من الأمم كمثل رجل استأجر أجراء"- الحديث، ولا أحاديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" بقوله: "فيما سقت السماء العشر".
وقد ذكر الشافعي أنَّ هذا لم يسق لبيان قدر ما يجب منه الزكاة، بل لبيان قدر الزكاة، وما أشبه هذا.
وممن ذهب إلى أنَّ المأموم يصلي جالسًا خلف الإمام الجالس بكل حال من العلماء: الأوزاعي وحماد بن زيد وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان، ونقله إجماعًا قديمًا من السلف، حتى قال في "صحيحه": أول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدًا إذا صلى إمامه جالسًا: المغيرة بن مقسم، وعنه أخذ أبو حنيفة.
وأمَّا دعوى النسخ في هذا فقد بينا أنَّه لا يجوز دعوى بطلان الحكم مع إمكان العمل به ولو بوجه، وسنبين وجه العمل به، والجمع بين ما أدعى عليه التعارض - إن شاء الله تعالى.
ويدل على أنَّ الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ: أنَّ النبي ﷺ علله بعلل لم تنسخ ولم تبطل منذ شرعت.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
ومنها: أنَّه علله بأنَّ الإمام إنَّما جعل إمامًا ليؤتم به ويقتدى به في أفعاله، وقال: "إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
وما قبل الصلاة جلوسًا لم ينسخ منه شيء، فكذلك القعود؛ لأنَّ الجميع مرتب على أنَّ الإمام يؤتم به ويقتدى به.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "إنَّما الإمام جنة، فإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه".
ومعنى كونه جنة: أنَّه يتقى به ويستتر، ولهذا إذا سلمت سترته لم يضر ما مر بين يديه، كما سبق تقريره.
ومنها: أنَّه جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء، وطاعة الأمراء من طاعة الرسول ﷺ، وطاعته من طاعة الله، ومعلوم: أنَّه لم ينسخ من هذه شيء، بل كلها باقية محكمة إلى يوم القيامة.
فخرج الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ كان في نفر من أصحابه، فقال: "ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ ". قالوا: بلى، نشهد أنه رسول الله، قال: "ألستم تعلمون أنَّه من أطاعني أطاع الله، ومن طاعة الله طاعتي؟ ". قالوا: بلى، نشهد أنَّه من أطاعك
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فقد أطاع الله، ومن طاعة الله طاعتك، قال: "فإنَّ من طاعة الله أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم، وإن صلوا قعودًا فصلوا قعودًا".
وفي رواية لهما - أيضًا -" "ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم".
وهذا يصلح أن يكون متمسكًا للإمام أحمد في تخصيصه ذلك بإمام الحي؛ فإنَّ أئمة الحي إنَّما ينصبهم الأئمة غالبًا، وخصه - في رواية عنه - بالأمام الأعظم الذي تجب طاعته.
ومنها: أنَّه جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها، حيث يقومون وملوكهم جلوس، وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك، كما قال ﷺ: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار".
وقال عمر بن عبد العزيز للناس: أيها الناس، إن تقوموا نقم، وإن تجلسوا نجلس، فإنما يقوم الناس لرب العالمين.
وهذا حكم مستقر في الشريعة، لم ينسخ ولم يبدل.
وقد دل على ما ذكرناه: ما خرجه مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، قال: اشتكى رسول الله ﷺ، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: "إن كدتم - آنفًا - تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلوا قيامًا فصلوا قيامًا، وإن صلوا قعودًا فصلوا قعودًا".
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في "صحيحه" من حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر - في هذه القصة - أنَّ النبي ﷺ قال لهم: "إنَّما جعل الإمام ليؤتم به، فإن صلى قائما فصلوا قيامًا، وإن صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، ولا تقوموا وهو جالس كما يفعل أهل فارس بعظامها".
وأمَّا الكلام على دعوى النسخ، على قول من قال: إنَّ أبا بكر كان مأمومًا، فأمَّا على قول من قال: إنَّه كان إمامًا، وكان النبي ﷺ يأتم به، كما تقدم عن مالك وغيره، فلا دلالة في الحديث حينئذ على أنَّ الائتمام بالقاعد بالكلية.
وأمَّا من قال: إنَّ الإمام كان هو النبي ﷺ، كما قاله الشافعي والإمام أحمد والبخاري والأكثرون، فالجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث المتقدمة التي فيها الأمر بالجلوس في الصلاة من وجهين:
أحدهما - وهو الذي ذكره الإمام أحمد -: أنَّ المؤتمين بأبي بكر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة وهو قائم، ثم لما انتقلت منه الإمامة إلى النبي ﷺ انتقلوا إلى الائتمام بقاعد، فاتموا خلفه قيامًا لابتدائهم الصلاة خلف إمام قائم.
فعلى هذا التقرير نقول: إن ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالسًا صلوا وراءه جلوسًا، وإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قيامًا. هكذا قرره الإمام أحمد وأصحابه.
ومنهم من قال: إنَّه تصح هنا صلاة المأمومين خلفه قيامًا إذا جلس في أثناء صلاته لعلة، وسواء كان إمام حي أو لم يكن، بخلاف ابتداء صلاة القائم خلف
[ ٢ / ٦٦٥ ]
الجالس، فإنَّها عند الإمام أحمد إلَّا إذا كان إمام الحي، وجلس لمرض يرجى برؤه خاصة، فإنَّه يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.
وممن قال ذلك من أصحابنا: أبو الفتح الحلواني.
والثاني: أن تحمل أحاديث الأمر بالقعود على الاستحباب، وحديث صلاته في مرضه من غير أمر لهم بالجلوس على جواز أن يأتموا بالقاعد قيامًا، فيكون المأمومون مخيرين بين الأمرين، وإن كان الجلوس أفضل.
وهذا يتخرج على قول من قال: إنَّهم إذا ائتموا بالجلوس قيامًا صحت صلاتهم، وقد اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين.
وظهر لي وجه ثالث في الجمع بين هذه الأحاديث، وهو متجه على قول الإمام أحمد: أنَّ النبي ﷺ كان إمامًا لأبي بكر، وكان أبو بكر إمامًا للناس، فكانت تلك الصلاة بإمامين.
وحينئذ فيقال: لما اجتمع في هذه الصلاة إمامان، أحدهما جالس والآخر قائم صلى المأمومون خلفهما قيامًا اتباعًا لإمامهم القائم؛ فإنَّ الأصل القيام، وقد اجتمع موجب للقيام عليهم، وموجب للقعود أو مبيح له، فغلب جانب القيام؛ لأنَّه الأصل، كما إذا اجتمع في حل الصيد أو الأكل مبيح وحاظر، فإنَّه يغلب الحظر.
وأمَّا أبو بكر فإنَّه إنَّما صلى قائمًا؛ لأنَّه وإن ائتم بقاعد إلَّا أنَّه أم قادرين على القيام، وهو قادر عليه، فاجتمع في حقه - أيضًا - سببان: موجب للقيام، ومسقط له، فغلب إيجاب القيام. والله ﷾ أعلم» اهـ.
١٧ - وفيه أنَّ المريض له أن يصلي جالسًا إذا شق عليه القيام.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
١٨ - وقد يحتج به على مشروعية أداء الجماعة في غير المسجد للمكتوبات، وفي هذا نظر، فليس الحديث صريح بذلك لاحتمال أن يكون الذين صلوا مع النبي ﷺ قد أدوا الجماعة في المسجد ثم صلوا خلفه متنفلين. وعلى كل فالأحاديث الواردة في وجوب صلاة الجماعة في المسجد أصرح دلالة من هذا الحديث فالتمسك بها هو الذي ينبغي لمن كان منصفًا. والله أعلم.
١٩ - احتج بالحديث على صحة إمامة العاجز عن بعض الأركان.
وفي المسألة نزاع بين العلماء.
قال العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة ﵀ في [الشَّرْحُ الكبير على متن المقنع] (٢/ ٤١ - ٤٢):
«فصل: ولا تصح إمامة العاجز عن شيء من أركان الأفعال كالعاجز عن الركوع والسجود بالقادر عليه سواء كان إمام الحي أو لم يكن، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: يجوز لأنَّه فعل أجازه المرض أشبه القاعد يؤم بالقيام، ولنا أنَّه أخل بركن لا يسقط في النافلة فلم يجز الائتمام به للقادر عليه كالقارئ بالأمي.
وأمَّا القيام فهو أخف بدليل سقوطه في النافلة ولأنَّ النبي ﷺ أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس، ولا خلاف أنَّ المصلي خلف المضطجع لا يضطجع فأمَّا إن أمَّ مثله فقياس المذهب صحته لأنَّ النبي ﷺ صلى بأصحابه في المطر بالإيماء والعراة يصلون جماعة بالإيماء، وكذلك حال المسايفة ولأنَّ الأمي تصح إمامته بمثله كذلك هذا» اهـ.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (٤/ ٢٣٦ - ٢٣٨):
«مسألة: العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ؛ هل تصحُّ الصلاةُ خلفَه؟
سبق أنَّ المذهبَ لا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَه إلَّا بمثلِه.
ولكن الصحيحَ: أنَّ الصَّلاةَ خلفَه صحيحةٌ؛ بناءً على القاعدةِ؛ أنَّ مَنْ صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه إلَّا بدليلٍ. لأنَّ هذه القاعدةِ دلَّت عليها النصوصُ العامةُ؛ إلَّا في مسألة المرأةِ، فإنَّها لا تصحُّ أن تكون إمامًا للرَّجُلِ، لأنَّها مِنْ جنسٍ آخرٍ.
وأيضًا: قياسًا على العاجزِ عن القيام، فإنَّ صلاةَ القادرِ على القيامِ خلفَ العاجزِ عنه صحيحةٌ بالنصِّ، فكذلك العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ.
فإن قال قائل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا صَلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعون" ولم يقلْ: إذا صَلَّى راكعًا فاركعوا، وإذا أومأ فأومِئوا؟
قلنا: إنَّ الحديثَ إنما ذَكَرَ القيامَ؛ لأنَّه وَرَدَ في حالِ العجزِ عن القيامِ، فالرَّسولُ ﷺ خاطَبهم حين صَلَّى بهم قاعدًا، فقاموا، ثمَّ أشارَ إليهم فجلسوا، فلهذا ذَكَرَ النَّبيُّ ﷺ القيامَ كمثالٍ؛ لأنَّ هذا هو الواقع.
فعليه نقول: إنَّ القولَ الراجحَ: أنَّ الصلاةَ خلفَ العاجزِ عن الركوعِ صحيحةٌ، فلو كان إمامُنا لا يستطيع الرُّكوعَ لأَلَمٍ في ظهرهِ صلَّينا خلفَه.
ولكن؛ هل إذا رَكَعَ بالإِيماءِ نركعُ بالإِيماءِ؟ أو نركعُ ركوعًا تامًا؟
الظاهر: أننا نركعُ ركوعًا تامًّا؛ وذلك لأنَّ إيماءَ العاجزِ عن الرُّكوعِ لا يغيرُ هيئةَ القيامِ إلَّا بالانحناءِ، بخلافِ القيامِ مع القعودِ.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وأيضًا: القيام مع القعودِ أشارَ النَّبيُّ ﷺ إلى عِلَّتِه بأنَّنا لو قمنا وإمامُنا قاعدٌ كنَّا مشبهين للأعاجمِ الذين يقفون على ملوكهم. ولهذا جاءَ في بعضِ ألفاظِ الحديث: "إنْ كِدْتُم آنفًا لتفعَلُونَ فِعْلَ فارسَ والرُّومِ، يقومونَ على مُلُوكهم وهم قُعودٌ، فلا تفعلُوا، ائْتَموا بأئمتِكُم، إنْ صَلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا". فإذا كان إمامُنا قاعدًا، ونحن قيامٌ، صِرنا قائمين عليه، أمَّا الرُّكوع، إذا عَجَزَ عنه وأومأ وركعنَا فإننا لا نُشبه العَجَمَ بذلك.
وكذلك في العَجْزِ عن السُّجودِ، الصحيحُ: أنَّه تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن السُّجودِ بالقادرِ عليه، وهل المأمومُ في هذه الحالِ يومئُ بالسُّجودِ؟
الجواب: لا، بل يسجدُ سجودًا تامًا.
وكذا العاجزُ عن القعودِ، نصلِّي خلفَه مع قُدرتِنا على القعودِ، كما لو كان مريضًا لا يستطيع القعودَ ويصلِّي على جنبِه.
ولكن هل نضطجعُ؟.
الجواب: لا، لأنَّ الأمرَ بموافقةِ الإِمامِ إنَّما جاءَ في القعودِ والقيامِ، وعلى هذا؛ فنصلِّي جلوسًا وهو مضطجعٌ، وكذلك لو عَجَزَ عن القعودِ بين السجدتين مثلًا، أو عن القعودِ في التشهُّدِ فإننا نصلِّي خلفَه.
إذًا؛ فالصحيحُ: أننا نصلِّي خلفَ العاجزِ عن القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ. وهذا القولُ هو اختيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية ﵀. وهو الصحيحُ؛ بناءً على عموماتِ الأدلةِ كقوله ﷺ: "يؤمُّ القومَ
[ ٢ / ٦٦٩ ]
أقرؤهم لكتابِ الله" وعلى القاعدة التي ذكرناها وهي: أنَّ مَنْ صحّتْ صلاتُه صحّت إمامتُه» اهـ.
قلت: وما رجحه العلامة ابن عثيمين ﵀ هو الذي يظهر رجحانه. والله أعلم.
٢٠ - وفيه أنَّ الإشارة المفهمة في الصلاة لا تبطل الصلاة، ولا تقوم مقام النطق في حق الناطق.
وأمَّا الإشارة من الأخرس إذا كانت مفهمة فإنَّها تقوم مقام نطقه، وتبطل بذلك صلاته.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [بدائع الفوائد] (٤/ ٤٧):
«إذا كانت للأخرس إشارة مفهومة فأشار بها في صلاته فهل تبطل؟.
أجاب ابن الزاغوني: أمَّا الإشارة برد السلام فلا تبطل الصلاة من الآخرس والمتكلم وأمَّا غير ذلك فإنَّه يجري منهما مجرى العمل في الصلاة إن كان يسيرًا عفي عنه وإن كان كثيرا أبطل الصلاة.
وجواب أبي الخطاب إذا كثر ذلك منه بطلت صلاته.
وجواب ابن عقيل إشارته المفهومة تجري مجرى الكلام فإن كانت برد السلام خاصة لم تبطل صلاته وما سوى ذلك تبطل.
قلت: إشارة الآخرس منزلة كلامه مطلقًا وأمَّا تنزيلها منزلة الكلام في غير رد السلام خاصة فلا وجه له وإنَّما كان رد السلام من الناطق بالإشارة غير مبطل في أصح قولي العلماء كما دل على النص أنَّ إشارته لم تنزل منزلة كلامه بخلاف الآخرس فإنَّ إشارته المفهومة ككلام الناطق في سائر الأحكام» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٦٧٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٦ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ المأموم يتابع الإمام، وتكون أفعاله بعد أفعال الإمام لا تكون معه ولا قبله.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٨٩):
«وأكثر العلماء على أنَّ الأفضل للمأموم أن يتابع الإمام، فيركع ويرفع ويسجد ويجلس بعد الإمام في ذلك، وكذلك كان يفعل أبو قلابة وغيره من السلف.
وروى وكيع بإسناده، عن ابن مسعود، قال: لا تبادروا أئمتكم، فإنَّما جعل الإمام ليؤتم به، فيكون أول من يركع وأول من يسجد وأول من يرفع.
وهو مذهب الشافعي وأحمد، ورواية عن مالك.
وإن وافقه في فعله معه كره، وصحت صلاته عند أكثر أصحابنا والشافعية، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك.
ويستثنى من ذلك صورتان:
إحداهما: تكبيرة الإحرام في ابتداء الصلاة، فإذا كبر معه لم تنعقد صلاة المأموم عند ابن المبارك والشافعي وأحمد، وهو قول مالك وأبي يوسف.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وقال أبو حنيفة والثوري والعنبري ومحمد بن الحسن وزفر: تنعقد صلاته بذلك.
وزاد الثوري عليهم، فقال: لو كبر مع إمامه وفرغ من تكبيره قبل فراغ إمامه جاز.
ومن الحنفية من جعل تكبيرة الإحرام شرطًا للصلاة كالطهارة والستارة، ولم يجعلها منها.
والصورة الثانية: إذا سلم مع إمامه، فإنَّه يجوز مع الكراهة عند أكثر أصحابنا والشافعية.
ولهم وجه أخر: أنَّه لا يجوز، وحكي عن مالك.
قال بعض أصحابنا: وهذا قول قوي على قول من يعتبر النية للخروج.
وعن مالك في أصل متابعة المأموم لإمامة ثلاثة روايات:
إحداهن: أنَّه يستحب أن يكون عمله بعد عمل إمامه، معاقبًا له، كقول الشافعي وأحمد.
والثانية: أنَّ عمل المأموم كله مع عمل الإمام: ركوعه وسجوده وخفضه ورفعه، ما خلا الإحرام والتسليم، فإنَّه لا يأتي المأموم بهما إلَّا بعد تكبير الإمام وسلامه.
وقيل: إنَّها أصح الروايات عنه.
والثالثة: أنَّه يكون عمله مع الإمام؛ ما خلا ثلاثة أشياء: التحريم والتسليم والقيام من اثنتين، فإنَّه يكون بعده» اهـ.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
٢ - وفي الحديث أنَّ سجود من خلف الإمام يكون إذا انتهى الإمام إلى السجود.
٣ - احتج بقوله في هذا الحديث: «لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ». بعض المعاصرين على الخرور على اليدين عند السجود بناءً على أنَّ انحناء الظهر لا يكون عند النزول على الركبتين، وليس هذا بصحيح بل انحناء الظهر كما هو موجود عند الخرور على اليدين موجود عند الخرور على الركبتين، والصحيح أنَّ الخرور على الركبتين هو الأحسن وقد كتبت في ذلك رسالة مفردة سميتها: «الدر المنضود في كيفية الخرور إلى السجود».
٤ - وفيه مشروعية نفي الكذب عمَّن اشتهر بالصدق.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٦٣)
«وَقَالَ ابن معين وغيره: إنَّما هُوَ من قَوْلِ أَبِي إِسْحَاق فِي حق عَبْد الله بن يزيد، وقالوا: إن الصَّحَابَة أجل من أن يوصفوا بنفي الكذب.
وهذا ليس بشيء، ونفي الكذب صفة مدح لا ذم، وكذلك نفي سائر النقائص؟ وقد كَانَ عَلِيّ بن أَبِي طالب يَقُول: والله مَا كذبت ولا كذبت، فنفى الكذب عَنْ نفسه، وأشار إلى نفيه عمن أخبره، وَهُوَ رَسُول الله ﷺ.
وقالت عَائِشَة فِي حق عُمَر وابن عُمَر: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلَا مُكَذَّبَيْنِ وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وأبلغ من هَذَا، أنَّ الله تعالى نفى عَنْ نفسه النقائص والعيوب، كالظلم وإرادته، والغفلة والنسيان، وكذلك نفيه للشريك والصاحبة والولد، وليس فِي شيء من ذَلِكَ نقص بوجه مَا.
وأيضًا؛ فعبد الله بن يزيد هُوَ الْخَطْمِيُّ، وَهُوَ معدود من الصَّحَابَة، وله رِوَايَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ، فكيف حسن نفي الكذب عَنْهُ دون البراء، وكلاهما صحابي؟ وإن كَانَ البراء أشهر مِنْهُ، وأكثر رِوَايَة. والله أعلم» اهـ.
٥ - وفيه نظر المؤتم إلى إمامه.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠): «وأكثر العلماء على أنَّه يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده، منهم:
سليمان بن يسار وأبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال مالك: يستحب أن يكون بصره أمام قبلته. قالَ: وأكره ما يصنع الناس من النظر إلى موضع سجودهم وهم قيام.
وحكي عن شريك بن عبد الله، قالَ: ينظر في قيامه إلى موضع قيامه، وإذا ركع إلى قدميه، وإذا سجد إلى أنفه، وإذا قعد إلى حجره.
واستحب ذَلِكَ بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
قالَ أصحابنا: ويستحب إذا جلس للتشهد أن لا يجاوز بصره أصبعه؛ لما روى ابن الزبير، أن النَّبيّ ﷺ كانَ إذا جلس في التشهد أشار بالسبابة، ولم يجاوز بصره إشارته.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
وحكى أصحاب الثوري في كتبهم، عن سفيان، أنَّه قالَ: إذا قام في الصلاة فليكن بصره حيث يسجد إن استطاع، قالَ: وينظر في ركوعه إلى حيث يسجد - ومنهم من قالَ: إلى ركبتيه -، ويكون نظره في سجوده إلى طرف أنفه» اهـ.
وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" فقال: «باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٣٢): «قال الزين بن المنير: نظر المأموم إلى الإمام من مقاصد الإئتمام فإذا تمكن من مراقبته بغير التفات كان ذلك من إصلاح صلاته. وقال ابن بطال: فيه حجة لمالك في أنَّ نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة. وقال الشافعي والكوفيون: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده لأنَّه أقرب للخشوع وورد في ذلك حديث أخرجه سعيد بن منصور من مرسل محمد بن سيرين ورجاله ثقات وأخرجه البيهقي موصولًا وقال المرسل هو المحفوظ وفيه أنَّ ذلك سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ويمكن أن يفرق بين الإمام والمأموم فيستحب للأمام النظر إلى موضع السجود وكذا للمأموم إلَّا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه وأمَّا المنفرد فحكمه حكم الإمام والله أعلم» اهـ.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
قلت: أمَّا المأموم فقد دلت الأدلة على أنَّ نظره إلى إمامه إن كان مشاهدًا له فمن ذلك:
ما رواه البخاري (٧٤٦) عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ قُلْنَا لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْنَا بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ قَالَ: «بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ».
ومن ذلك ما رواه البخاري (٧٤٨)، ومسلم (٩٠٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا"».
ومن ذلك ما رواه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤) عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَقَدِ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَاهُنَا ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَزَلَ
[ ٢ / ٦٧٧ ]
الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي"».
وما رواه أحمد (١١٨٩٥)، وأبو داود (٦٥٠) من طريق حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ السَّعْدِىِّ عَنْ أَبِى نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ». قَالُوا رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِى فَأَخْبَرَنِى أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا». وَقَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِى نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».
قلت: هذا حديث صحيح.
وأمَّا الإمام فقد جاء ما يدل على نظره إلى قبلته فمن ذلك حديث ابن عباس الماضي، وهكذا ما رواه البخاري (٧٤٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَقَا الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ". ثَلَاثًا».
ومن ذلك أيضًا ما رواه البخاري (٧٥٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَهْوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ"».
[ ٢ / ٦٧٨ ]
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٠٧): «وبكل حال؛ فليس في الحديث دليل على الالتفات في الصلاة، إنَّما فيه دليل على جواز نظر المصلي إلى قبلته، ورؤيته ما فيها، وأنَّ ذلك لا ينافي الخشوع كما يحكى عن بعضهم، وأنَّه لا يكره للمصلي أن ينظر في قيامه إلى ما بين يديه، ويزيد رفع بصره عن محل سجوده» اهـ.
وأمَّا القاعد فقد جاء ما يدل على نظره لحجره، وهو ما رواه البخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي"».
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي».
لكن قد يقول قائل: إنَّ الذي حصل للنبي ﷺ هو التفاتة إلى الخميصة، وهذا يدل على أنَّ نظره لم يكن إليها. والله أعلم.
وأمَّا في حال التشهد فقد دلت السنة على النظر إلى الإصبع المسبحة عند الإشارة بها، وجاء في ذلك ما رواه أحمد (١٦١٤٥)، وأبو داود (٩٩٠)، والنسائي (١٢٧٥) من طريق يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ، وَلَمْ يُجَاوِزْ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ».
[ ٢ / ٦٧٩ ]
قلت: هذا حديث حسن.
وما عدى ذلك فلا أعلم في موضع النظر حديث صحيح والأصل قصر النظر لأنَّه أقرب للخشوع وأبعد عن الانشغال، وموضع السجود أقرب المواضع إلى المصلي. والله أعلم.
وقد احتج من ذهب إلى استحباب نظر المصلي إلى موضع سجوده بثلاثة أحاديث.
الحديث الأول: حديث أبي هريرة.
وقد رواه الحاكم في [المستدرك] (٣٤٨٣)، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ، ثنا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ».
قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَوْلَا خِلَافٌ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ فَقَدْ قِيلَ عَنْهُ مُرْسَلًا وَلَمْ يُخْرِجَاهُ اهـ.
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٢٨٣): «وَالصَّحِيحُ هُوَ الْمُرْسَلُ» اهـ.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
قلت: والمرسل رواه البيهقي (٣٣٥٦) من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ. فذكره.
ورواه سعيد بن منصور أصح من رواية والد أبي شعيب وهو الحسن بن أحمد ثقة يغرب.
وقد تابع إسماعيل بن علية على الإرسال حماد بن زيد.
قال الحافظ البيهقي ﵀ في [الكبرى] (٢/ ٢٨٣): «ورواه حماد بن زيد عن أيوب مرسلًا وهذا هو المحفوظ» اهـ.
قلت: وهو مع ذلك فليس بصريح في النظر إلى موضع السجود.
الحديث الثاني: حديث عشرة من أصحاب النبي ﷺ.
وقد رواه ابن عدي في [الكامل] (٤/ ٢٧٠) ومن طريقه البيهقي في [الكبرى] (٣٣٥٨) أنبأ ابْنُ سُلَيْمٍ، ثنا دُحَيْمٌ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قِلَابَةَ الْجَرْمِيَّ يَقُولُ: «حَدَّثَنِي عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِنَحْوٍ مِنْ صَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ قَالَ سُلَيْمَانُ: فَرَمَقْتُ عُمَرَ فِي صَلَاتِهِ فَكَانَ بَصَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ».
قلت: فيه عنعنة الوليد بن مسلم، وصدقة بن عبد الله هو السمين ضعيف الحديث.
الحديث الثالث: حديث عائشة.
[ ٢ / ٦٨١ ]
وقد رواه ابن خزيمة في [صحيحه] (٣٠١٢)، والحاكم في [المستدرك] (١٧٦١)، والبيهقي في [الكبرى] (٩٥٠٧) من طريق أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مَالِكٍ اللَّخْمِيُّ التِّنِّيسِيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، ثنا مُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ، كَانَتْ تَقُولُ:
«عَجَبًا لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ كَيْفَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّقْفِ، يَدَعُ ذَلِكَ إِجْلَالًا لِلَّهِ وَإِعْظَامًا، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ مَا خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا».
قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ٢٩٨): «وسألت أبي عن حديث؛ رواه عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها.
فسمعت أبي يقول: هو حديث منكر» اهـ.
وجاء في ترجمة عمرو بن أبي سلمة من "التهذيب": «قال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل كأنَّه سمعها من صدقة بن عبد الله فغلط فقلبها عن زهير» اهـ.
قلت: فهذه الأحاديث كما ترى لا تقوى على إثبات ذلك. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٦٨٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قلت: ومعنى: «آمين». اللهم استجب لي. وتقرأ «آمين». بالمد والقصر والمد أحسن من القصر، وتقرأ بتخفيف الميم، ولا يجوز أن تقرأ بتشديد الميم لاختلال المعنى بذلك فإنَّها تصير بمعنى قاصدين.
كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الترغيب في التأمين للإمام والمؤتم. خلافًا للإمام مالك ﵀ فقد ذهب إلى أنَّ التأمين يكون للمؤتم دون الإمام. وفي رواية قال: لا يؤمن الإمام في الجهرية. وله رواية قال فيها بالتأمين للإمام.
وقد أوجب التأمين على المأموم العلامة ابن حزم ﵀ فقال في [المحلى] (٢/ ٢٩٣): «وَأَمَّا قَوْلُ: آمِينَ فَإِنَّهُ كَمَا ذَكَرْنَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ نَدْبًا وَسُنَّةً، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ فَرْضًا وَلَا بُدَّ» اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في [نيل الأوطار] (٢/ ٢٥٨):
«وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ عَلَى الْمَأْمُومِ فَقَطْ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ مُقَيَّدًا بِأَنْ يُؤَمِّنَ الْإِمَامُ. وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ فَمَنْدُوبٌ فَقَطْ» اهـ.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
قلت: وهذا قول غريب، ولو كان التأمين واجبًا لوجب على الجميع كما هو الشأن في جميع واجبات الصلاة.
٢ - وفيه فضل التأمين وأنَّه من أسباب مغفرة الذنوب.
ومن أجل هذا حسد اليهود المسلمين عليه فروى ابن ماجه (٨٥٦) عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال: «مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ».
قلت: إسناده حسن.
٣ - وقوله: «إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا». أي إذا أراد أن يؤمن الإمام فأمنوا جمعًا بينها وبين الرواية الأخرى للحديث وهي قول النبي ﷺ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
رواه البخاري (٧٨٢).
ورواه مسلم (٤١٠) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْقَارِئُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ آمِينَ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وفي لفظ له (٤١٥) عن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: «لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا آمِينَ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
[ ٢ / ٦٨٤ ]
ورواه مسلم (٤٠٤) عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذْ قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمْ اللَّهُ فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَتِلْكَ بِتِلْكَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَتِلْكَ بِتِلْكَ وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وتأمين المؤتم بعد تأمين الإمام رواية مذكورة في كتب الحنابلة فقد قال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (٢/ ١١٦): «وإذا فرغ قال آمين (و) يجهر بها الإمام، والمأموم فيما يجهر به (وش) قيل بعده، وقيل معه (م)» اهـ.
٤ - قال العلامة الباجي ﵀ في [المنتقى شرح الموطأ] (١/ ٢٠١):
«وقوله ﷺ: "فإنَّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة" من الإخلاص والخشوع وحضور النية والسلامة من الغفلة. وقيل معنى ذلك أن يكون دعاؤه للمؤمنين كدعاء الملائكة لهم فمن كان دعاؤه على ذلك فقد وافق دعاءهم. وقيل: إنَّ الملائكة الحفظة المتعاقبين يشهدون الصلاة مع المؤمنين
[ ٢ / ٦٨٥ ]
فيؤمنون إذا أمن الإمام فمن فعل مثل فعلهم في حضورهم الصلاة وقولهم آمين عند تأمين الإمام غفر له. وقال بعض الناس معنى الموافقة الإجابة فمن استجيب له كما يستجاب للملائكة غفر له ذنبه.
وهذه تأويلات فيها تعسف لا يحتاج إليه ولا يدل على شيء منها دليل والأولى حمل الحديث على ظاهره ما لم يمنع من ذلك مانع ومعناه: أنَّ من قال آمين عند قول الملائكة آمين غفر له وإلى هذا ذهب الداودي ولا يمتنع أن يكون الباري تعالى يفعل ذلك بمن وافق قوله آمين قول الملائكة آمين» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٦٠):
«وتأمين الملائكة هو على دعاء القارئ، هذا هو الصحيح الذي يفهم من الحديث.
وقد ذكر ابن عبد البر وغيره فيه أقوالًا أخر، مرغوبًا عن ذكرها؛ لبعدها وتعسفها من غير دليل» اهـ.
٥ - واحتج به من قال بأنَّ الإمام يجهر بالتأمين.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٣٩٦):
«ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين» اهـ.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ٢٥٩):
«واختلفوا في الجهر بها على ثلاثة أقوال:
أحدها: يجهر بها الإمام ومن خلفه، وهو قول عطاء والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن أبي شيبة، وعامة أهل الحديث.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
واستدل بعضهم بقوله: "إذا أمن الإمام فأمنوا" فدل على سماعهم لتأمينه وروي عن عطاء، قال: أدركت مائتين من أصحاب محمد، إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. سمعت لهم ضجة بـ"آمين".
خرجه حرب.
والثاني: يخفيها الإمام ومن خلفه، وهو قول الحسن والنخعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأصحابه.
والثالث: يخفيها المأموم كما يخفي سائر الأذكار، ويجهر بها الإمام، وهو قول للشافعي» اهـ.
روى أحمد (١٨٨٦٢)، أبو داود (٩٣٣)، والترمذي (٢٤٨) من طريق سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ حُجْرٍ أَبِي الْعَنْبَسِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَرَأَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قَالَ: «آمِينَ»، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ.
قلت: هذا حديث صحيح.
ومما يدل على جهر المؤتمين بالتأمين ما رواه البيهقي في [الكبرى] (٢٢٤٥٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، ثنا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، ثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِالضَّالِّينَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ الصَّفَّ فَكَانَ إِذَا قَالَ مَرْوَانُ: وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ
[ ٢ / ٦٨٧ ]
أَبُو هُرَيْرَةَ: "آمِينَ، يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَ إِذَا وَافَقَ تَأْمِينُ أَهْلِ الْأَرْضِ تَأْمِينَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُمْ "».
قلت: هذا أثر صحيح، وأبو الحسين هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل، وأبو سهل هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان.
وروى عبد الرزاق في [مصنفه] (٢٦٤٠) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ عَلَى إِثْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى أَنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا آمِينَ دُعَاءٌ».
قلت: هذا أثر صحيح.
٦ - واحتج به بعض علماء الشافعية على أنَّ تأمين المأموم تابع لتأمين الإمام فإذا لم يؤمن الإمام فلا تأمين للمؤتم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٢٦٦):
«وظاهر سياق الأمر أنَّ المأموم إنَّما يؤمن إذا أمن الإمام لا إذا ترك وقال به بعض الشافعية كما صرح به صاحب الذخائر وهو مقتضى إطلاق الرافعي الخلاف وادعى النووي في "شرح المهذب" الاتفاق على خلافه ونص الشافعي في الأم على أنَّ المأموم يؤمن ولو تركه الإمام عمدًا أو سهوًا» اهـ.
قلت: قول النبي ﷺ في الرواية الأخرى: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فَقُولُوا آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». يدل على أنَّ المأموم يؤمن إذا بلغ آخر الفاتحة، وهذا يقتضي أن يؤمن ولو لم يؤمن الإمام. والله أعلم.
٧ - ظاهر الأدلة عدم الفصل بين القراءة والتأمين بسكتة.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وقد استحب الفصل علماء الشافعية.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٣/ ٣٧٣):
«ذكر أصحابنا أو جماعة منهم أنَّه يستحب أن لا يصل لفظة "آمين" بقوله: "ولا الضالين" بل بسكتة لطيفة جدًا ليعلم أنَّ "آمين" ليست من الفاتحة للفصل اللطيف نظائرها في السنة وغيرها ستراها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وممن نص علي استحباب هذه السكتة القاضي حسين في تعليقه وأبو الحسن الواحدي في "البسيط"، والبغوي في "التهذيب" وصاحب "البيان" والرافعي.
وأمَّا قول إمام الحرمين بتبع التأمين القراءة فيمكن حمله علي موافقة الجماعة ويكون معناه لا يسكت طويلًا والله أعلم» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٩٦):
«وظاهر الأحاديث: يدل على أن يوصل التأمين بالفاتحة من غير سكوت» اهـ.
قلت: الصحيح أنَّه لا يستحب أن يزيد على التأمين شيئًا من الذكر خلافًا للشافعي.
٨ - ظاهر الأدلة أنَّ التأمين لا يوصل بذكر آخر ولا دعاء لا في أوله ولا في آخره.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦):
«ولا يستجب أن يصل آمين بذكر آخر، مثل أن يقول: آمين رب العالمين؛ لأنَّه لم تأت به السنة، هذا قول أصحابنا.
وقال الشافعي: هو حسن.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
ولا يستحب أن يقدم على التأمين دعاء؛ لأنَّ التأمين على دعاء الفاتحة، وهو هداية الصراط المستقيم، وهو أهم الأدعية وأجلها.
ومن السلف من استحب ذلك للمأموم، منهم: الربيع بن خثيم والثوري» اهـ.
قلت: كلام الشافعي ﵀ في [الأم] (١/ ١٠٩) ولفظه: «ولو قال مع آمين رب العالمين وغير ذلك من ذكر الله كان حسنًا لا يقطع الصلاة شيء من ذكر الله» اهـ.
قلت: وجاء في الزيادة على التأمين في أوله ما رواه الطبراني في [الكبير] (١٠٧)، والبيهقي في [الكبرى] (٢٤٥٠) من طريق أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّهْشَلِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْيَحْصِبِيِّ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ».
قلت: هذا حديث ضعيف أحمد العطاردي لا يحتج بحديثه.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٨٠٤٩) حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، قَالَ: «كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم إذَا قَالَ الإِمَام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي آمِينَ».
[ ٢ / ٦٩٠ ]
قلت: إسناده صحيح، وأبو يعلى هو المنذر بن يعلى.
وروى ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٧٩٦٨) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: " كَانَ يُسْتَحَبُّ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، أَنْ يُقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي آمِينَ».
قلت: فيه أبو حمزة وهو ميمون الأعور ضعيف لا يحتج به.
* * *
[ ٢ / ٦٩١ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ».
الحديث بهذا اللفظ للبخاري (٧٠٣) لكن ليس عنده لفظة: «وَذَا الْحَاجَةِ». وهذه اللفظة في مسلم (٤٦٧).
وسياق لفظ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ».
قال في [طرح التثريب] (٣/ ١١٦): «إن قلت ما فائدة عطف الضعيف على السقيم وهو بمعناه قلت ليس بمعناه فقد ذكر الجوهري وغيره أنَّ الضعف خلاف للقوة، وأنَّ السقم المرض فدل على أنَّ الضعف أعم من السقم فقد يكون الإنسان قليل القوة من أصل الخلقة لا من سقم عرض له» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الأمر بتخفيف الإمام بالصلاة إذا صلى بالناس.
قال في [طرح التثريب] (٣/ ١١١):
«هذا الأمر بالتخفيف صرح أصحابنا وغيرهم بأنَّه على سبيل الاستحباب وذهب جماعة إلى الوجوب تمسكًا بظاهر الأمر قال ابن حزم الظاهري: يجب على الإمام التخفيف إذا أم جماعة لا يدري كيف طاقتهم.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وقال ابن عبد البر المالكي: في هذا الحديث أوضح الدلائل على أنَّ أئمة الجماعة يلزم التخفيف لأمر رسول الله ﷺ إياهم بذلك ولا يجوز لهم التطويل لأنَّ في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل.
وكذا قال ابن بطال في شرح البخاري: فيه دليل أنَّ أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف لأمر رسول الله ﷺ لهم بذلك انتهى» اهـ.
قلت: وليس المراد بالتخفيف في الصلاة ما يفعله النقارون في صلاتهم بل ذلك مضبوط بما كان يفعله النبي ﷺ فإنَّ قول النبي ﷺ يفسره فعله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ٣١٧ - ٣١٨):
«فينبغي للإمام أن يفعل في الغالب ما كان النبي ﷺ يفعله في الغالب وإذا اقتضت المصلحة أن يطيل أكثر من ذلك أو يقصر عن ذلك فعل ذلك. كما كان النبي ﷺ أحيانًا يزيد على ذلك وأحيانًا ينقص عن ذلك» اهـ.
وقال ﵀: (٢٢/ ٥٩٥ - ٥٩٧):
«فقول من يقول من الفقهاء: إنَّ السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من أصل الشافعي وأحمد ﵄ وغيرهم: هو من جنس قول من يقول: من السنة أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أو نحو ذلك. فإنَّ الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلًا بل
[ ٢ / ٦٩٣ ]
الأحاديث المستفيضة عن النبي ﷺ الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها: تبين أنَّه ﷺ كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك كما تقدم دلالة الأحاديث عليه. ولكن هذا قالوه لما سمعوا أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" ولم يعرفوا مقدار التطويل ولا علموا التطويل الذي نهى عنه لما قال لمعاذ: "أفتان أنت يا معاذ " فجعلوا هذا برأيهم قدرًا للمستحب ومن المعلوم أنَّ مقدار الصلاة - واجبها ومستحبها - لا يرجع فيه إلى غير السنة فإنَّ هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد. إذ النبي ﷺ كان يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم فيجب البحث عمَّا سنه رسول الله ﷺ ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي، وإنَّما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن رسول الله ﷺ، ولا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرد بالرأي والقياس. ومما يبين هذا: أنَّ التخفيف أمر نسبي إضافي ليس له حد في اللغة ولا في العرف؛ إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف هؤلاء ما يستطيله هؤلاء فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير العبادات ولا في كل من العبادات التي ليست شرعية. فعلم أنَّ الواجب على المسلم: أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة …» إلى آخر كلامه ﵀.
وللعلامة ابن القيم ﵀ مبحث نفيس حول ذلك في [حاشيته على السنن] (٣/ ٧٤ - ٨١) قال فيه:
[ ٢ / ٦٩٤ ]
«فصل في سياق صلاة رسول الله ﷺ وبيان اتفاق الأحاديث فيها وغلط من ظن أنَّ التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سراق الصلاة والنقارون لها.
ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: "رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء" لفظ مسلم.
وفي صحيح مسلم أيضًا عن شعبة عن الحكم قال: غلب على الكوفة رجل قد سماه زمن ابن الأشعث فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس فكان يصلي فإذا رفع رأسه من الركوع قلم قدر ما أقول اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. قال الحكم فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال: سمعت البراء بن عازب يقول: "كانت صلاة رسول الله ﷺ وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبًا من السواء"
وروى البخاري هذا الحديث وقال فيه: "ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء".
ولا شك أنَّ قيام القراءة وقعود التشهد يزيدان في الطول على بقية الأركان.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
ولما كان ﷺ يوجز القيام ويستوفي بقية الأركان صارت صلاته قريبًا من السواء.
فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى.
والبراء تارة قرب ولم يحدد فلم يذكر القيام والقعود وتارة استثنى وحدد فاحتاج إلى ذكر القيام والقعود وقد غلط بعضهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود أنَّه استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين فإنَّه كان يخفضهما فلم يكونا قريبًا من بقية الأركان فإنهما ركنان قصيران.
وهذا من سوء الفهم فإنَّ سياق الحديث يبطله فإنَّه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما فكيف يذكرهما مع بقية الأركان ويخبر عنهما بأنَّهما مساويان لها ثم يستثنيهما منها وهل هذا إلَّا بمنزلة قول القائل قام زيد وعمرو وبكر وخالد إلَّا زيدًا وعمرًا وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة صريحة أحدها هذا وقد استدل البراء بن عازب على إصابة أبي عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع بقوله كانت صلاة رسول الله ﷺ وركوعه وإذا رفع رأسه وسجوده وما بين السجدتين قريبًا من السواء.
ولو كان النبي ﷺ يخفف هذين الركنين لأنكر البراء صلاة أبي عبيدة ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتضمن تصويبه.
ومنها ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس قال: "ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه
[ ٢ / ٦٩٦ ]
وسلم في تمام كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان عمر مد في صلاة الفجر".
وكان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم"
رواه مسلم بهذا اللفظ.
ورواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وحميد عن أنس قال: ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام وكان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يكبر ثم يسجد وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم".
فجمع أنس ﵁ في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله ﷺ وإتمامها وأن من إتمامها إطالة الاعتدالين جدًا كما أخبر به.
وقد أخبر أنَّه ما رأى أوجز صلاة منها ولا أتم فيشبه والله أعلم أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام والإتمام إلى الركوع والسجود وركني الاعتدال فهذا تصير الصلاة تامة موجزة فيصدق قوله ما رأيت أوجز منها ولا أتم ويطابق هذا حديث البراء المتقدم وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي ﷺ كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما يفعله أكثر الأئمة ويعتادونه وروايات الصحيحين تدل على ذلك.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: "إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا".
قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه في السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي.
وفي لفظ وإذا رفع رأسه بين السجدتين.
وفي رواية للبخاري من حديث شعبة عن ثابت: "كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ فكان يصلي وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي: وهذا يبين أن إطالة ركني الاعتدالين مما ضيع من عهد ثابت ولهذا قال فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تفعلونه. وهذا والله أعلم مما أنكره أنس مما أحدث الناس في الصلاة حيث قال ما أعلم شيئًا مما كان على عهد رسول الله ﷺ.
قيل: ولا الصلاة قال أو ليس قد أحدثتم فيها ما أحدثتم.
فقول ثابت أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس وقول أنس إنكم قد أحدثتم فيها يبين ذلك أن تقصير هذين الركنين هو مما أحدث فيها ومما يدل على أن السنة إطالتهما أن النبي ﷺ كان يصلي بالليل فقرأ البقرة والنساء وآل عمران وركع نحوًا من قيامه ورفع نحوًا من ركوعه وسجد نحوًا من قيامه وجلس نحوًا من سجوده متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما
[ ٢ / ٦٩٨ ]
بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: "كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وفي صحيح مسلم نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفي.
وزاد بعد قوله: "وملء ما شئت من شيء بعد". "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ" فهذه الأذكار والدعوات ونحوها والله أعلم من التي كان يقولها في حديث أنس أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا قد أوهم لأنه ليس محل سكوت فجاء الذكر مفسرًا في هذه الأحاديث.
وروى النسائي وأبو داود عن سعيد بن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز قال فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات" وإسناده ثقات.
وفي صحيح مسلم عن أبي قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور عليه فلما تفرق الناس عنه قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: مالك في ذلك من خير فأعادها عليه فقال:
[ ٢ / ٦٩٩ ]
"كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى وفي رواية مما يطولها" وفي هذا ما يدل على أن أبا سعيد رأي أن صلاة الناس في زمانه أنقص مما كان رسول الله ﷺ يفعلها.
ولهذا قال للسائل مالك في ذلك من خير.
وفي الصحيحين "أنَّه ﷺ كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة" ومن المتيقن أنَّه ﷺ لم تكن قراءته في الصلاة هذًا بل ترتيلًا بتدبير وتأن.
وروى النسائي بإسناد صحيح عن عائشة: "أنَّ النبي ﷺ قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين". وأصله في الصحيح "أنَّ النبي ﷺ قرأ في المغرب بطولي الطوليين" يريد الأعراف كما جاء مفسرًا في رواية النسائي.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم: "أنَّه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور".
وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أنها سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفًا فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب.
وهذا يدل على أنَّ هذا الفعل غير منسوخ لأنَّه كان في آخر حياته ﷺ.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: "شكا أصحاب النبي ﷺ مشقة السجود عليهم فقال استعينوا بالركب" قال ابن عجلان هو أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طاله السجود وأعيا.
وهذا يدل على أنَّ النبي ﷺ كان يطيل السجود بحيث يحتاج الصحابة إلى الاعتماد على ركبهم وهذا لا يكون مع قصر السجود.
وفي الصحيحين أنَّه ﷺ قال: "إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه".
وأمَّا ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة: "أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكانت صلاته بعد تخفيفًا". فالمراد به والله أعلم أنَّ صلاته كانت بعد الفجر تخفيفًا يعني أنَّه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:
أحدهما: أنَّ مسلمًا روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قال وأنبأني أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد ونحوها.
فجمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وأنَّه كان يقرأ في الفجر بقاف.
الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أنَّ هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي ما زال يصليها.
[ ٢ / ٧٠١ ]
ولم يذكر أحد أنَّه نقص في آخر أمره من الصلاة وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الآمر وأجمع الفقهاء أنَّ السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.
وأمَّا قوله: ولا يصلي صلاة هؤلاء. فيحتمل أمرين أحدهما: أنَّه لم يكن يحذف كحذفهم بل يتم الصلاة.
والثاني: أنَّه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم.
وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر قال: "إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات" وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا صلى على المنبر وقال: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" وقال مالك بن الحويرث وصاحبه "صلوا كما رأيتموني أصلي" وذلك أنَّه ما من فعل في الغالب إلَّا ويسمي خفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف لأنَّه ليس له عادة في العرف كالقبض والحزر والإحياء والاصطياد حتى يرجع فيه إليه بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع إليه في أصلها ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافًا متباينًا لا ينضبط ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لأهل الدرب والسكة ولكل محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عرف غيرهم وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة وجعل السنة تابعة لأهواء الناس فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلَّا إلى فعله ﷺ فإنَّه كان يصلي
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وراء الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلَّا أن يكون منسوخًا.
وفي صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإنَّ من البيان سحرًا".
فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إمَّا أن يكون عامًا في جميع الصلوات وإمَّا أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عامًا فظاهر وإن كان خاصًا بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيمًا وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد والراحة مع قلة الجمع.
وقد روى النسائي في سننه أنَّ النبي ﷺ قرأ في الفجر بالروم. وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة: "أن النبي ﷺ كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من والليل إذا يغشى والعصر كذلك والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها" وقد روى الإمام أحمد والنسائي بإسناد على شرط مسلم عن سليمان ابن يسار عن أبي هريرة قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان" قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح
[ ٢ / ٧٠٣ ]
بطوال المفصل. وفي الصحيحين عن أبي برزة قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة" لفظ البخاري وهذا يدل على أمرين شدة التغليس بها وإطالتها.
فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث معارض بما يدل على نقضه وأنَّ السنة هي التخفيف فروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه علي أنس بن مالك بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفله؟! قال: إنَّها للمكتوبة وإنَّها لصلاة رسول الله ﷺ كان يقول:
"لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قومًا شددوا على أنفسكم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" وسهل بن أبي أمامة وثقه يحيى بن معين وغيره.
وروى له مسلم وفي الصحيحين عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يوجز الصلاة ويكلمها".
وفي الصحيحين أيضًا عنه قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي ﷺ" زاد البخاري: "وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه" وفي سنن أبي داود عن رجل من جهينة: "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح إذا زلزلت في الركعتين كلتيهما فلا
[ ٢ / ٧٠٤ ]
أدري أنسي رسول الله ﷺ أم عمدًا فعل ذلك". وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة: "أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك".
وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "
وفي سنن ابن ماجه عن عمرو بن حريث قال: "كأني أسمع صوت رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الغداة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ".
وفي سنن أبي داود عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطارق وشبههما".
وفي صحيح مسلم عنه أيضًا قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك".
وفي الصحيحين عن البراء: "أن النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون في السفر ".
وفي بعض السنن "عن النبي ﷺ أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين" وفي الصحيحين عن جابر: "أن النبي ﷺ قال لمعاذ أفتان أنت يا معاذ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ".
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وفي الصحيحين عن أبي هريرة: "أنَّ النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" ورواه ابن ماجه من حديث عثمان بن أبي العاص.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة".
فالجواب: أنَّه لا تعارض بحمد الله بين هذه الأحاديث بل هي أحاديث يصدق بعضها بعضًا وأنَّ ما وصفه أنس من تخفيف النبي ﷺ صلاته هو مقرون بوصفه إياها بالتمام كما تقدم وهو الذي وصف تطويله ركني الاعتدال حتى كانوا يقولون قد أوهم ووصف صلاة عمر بن عبد العزيز بأنَّها تشبه صلاة النبي ﷺ مع أنَّهم قدروها بعشر تسبيحات والتخفيف الذي أشار إليه أنس هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود كما جاء مصرحًا به فيما رواه النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: "صليتم" قلنا نعم قال: "يا جارية هلمي لنا وضوءًا ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا" قال زيد وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود وهذا حديث صحيح فإن العطاف بن خالد المخزومي وثقه ابن معين وقال أحمد ثقة صحيح الحديث.
وقد جاء هذا صريحًا في حديث عمران بن حصين لما صلى خلف علي بالبصرة قال: لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله ﷺ وكانت صلاة رسول الله ﷺ معتدلة كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع
[ ٢ / ٧٠٦ ]
والسجود وقد تقدم قول أنس كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وحديث البراء بن عازب أن قيامه ﷺ وركوعه وسجوده كان قريبًا من السواء.
فهذه الأحاديث كلها تدل على معنى واحد وهو أنَّه كان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي ﷺ يفعله غالبًا وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين.
ولهذا أنكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين، وقال كان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة وأنس فقد وصف خفة صلاة النبي ﷺ وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبد العزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين وأحاديثه لا تتناقض والتخفيف أمر نسبي إضافي فعشر تسبيحات وعشرون آية أخف من مائة تسبيحة ومائتي آية فأي معارضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة.
وأمَّا تخفيف النبي ﷺ عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطليها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز.
فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنَّه قرأ في السفر في العشاء بالتين والزيتون وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنِّه كان في السفر
[ ٢ / ٧٠٧ ]
ولذلك رفع الله تعالى الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف والقصر قصران قصر الأركان وقصر العدد فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان.
وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر فإنَّ القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنَّما يشرع عند الخوف والسفر فإن انفرد أحدهما بقي مطلق القصر إمَّا في العدد وإمَّا في القدر ولو قدر أنَّه ﷺ خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وإن الاقتصار على ذلك للعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأمَّا أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنَّه فعل النبي ﷺ في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضًا فلا تضرب سنن رسول الله ﷺ بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إمَّا لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل وهذا اللائق بحاله ﷺ وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وأتم به ﷺ.
وأمَّا حديث معاذ فهو الذي فتن النقارين وسراق الصلاة لعدم علمهم بالقصة وسياقها فإنَّ معاذًا صلى مع النبي ﷺ عشاء الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء فقرأ بهم سورة البقرة هكذا جاء في الصحيحين من
[ ٢ / ٧٠٨ ]
حديث جابر أنَّه استفتح بهم بسورة البقرة فانفرد بعض القوم وصلى وحده فقيل نافق فلان فقال والله ما نافقت ولآتين رسول الله ﷺ فأتاه فأخبره فقال النبي ﷺ حينئذ: "أفتان أنت يا معاذ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى" وهكذا نقول إنَّه يستحب إن يصلي العشاء بهذه السور وأمثالها فأي متعلق في هذا للنقارين وسراق الصلاة ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يؤخر العشاء الآخرة وبعد ما بين بني عمرو بن عوف وبين المسجد ثم طول سورة البقرة فهذا الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم وهو موضع الإنكار وعليه يحمل الحديث الآخر: "يا أيها الناس إن منكم منفرين" ومعلوم أنَّ الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله ﷺ ولا ممن يصلي بقدر صلاته وإنَّما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته فهذا الذي ينفر.
وأمَّا إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلَّا وهم كسالى وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم فإنَّ أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ويسعى في خدمته أعظم السعي فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءًا يسيرًا من الزمان وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكا منه وكأنَّه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه والله المستعان» اهـ.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١١٥):
«فالصلاة التي كان النبي ﷺ يصليها بالناس هي التخفيف الذي أمر به غيره، وإنما أنكر على من طول تطويلًا زائدًا على ذلك» اهـ.
٢ - قوله «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» لم يخص ذلك بالفرائض فيناول الفرائض والنوافل التي يشرع لها الجماعة كالعيد والتراويح ونحوهما لكن يستثنى من ذلك صلاة الكسوف لمشروعية تطويل القراءة فيها.
ويستثنى من ذلك أيضًا ما إذا صلى الإنسان نافلة لنفسه فجاء من يأتم به كما فعل النبي ﷺ مع حذيفة في قيام الليل حيث صلى بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة.
٣ - أنَّه إذا صلى لنفسه منفردًا فليطول ما شاء وهذا يعم الفرض والنفل.
قلت: ويستثنى من النفل ما ثبت عن النبي ﷺ التخفيف فيه فإنَّ سنته في ذلك أكمل.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٥/ ١١٨):
«قال بعض أصحابنا: هذا فيما لم ينقل عن النبي ﷺ إطالته أو تخفيفه، فأمَّا ما نقل عنه إطالته أو تخفيفه فاتباعه فيه أفضل، فالأفضل في ركعتي الفجر والركعتين المفتتح بهما صلاة الليل تخفيفهما، وكذلك الركعتان للداخل - والإمام يخطب - يوم الجمعة» اهـ.
٤ - قال في [طرح التثريب] (٣/ ١١٥ - ١١٦):
«هذا الحكم وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته وهو كون المأمومين فيهم السقيم والضعيف والكبير فإن انتفت هذه العلة فلم يكن في المأمومين أحد من
[ ٢ / ٧١٠ ]
هؤلاء وكانوا محصورين ورضوا بالتطويل طوَّل لانتفاء العلة وبذلك صرح أصحابنا وغيرهم. وقال ابن عبد البر قد بان في هذا الحديث العلة الموجبة للتخفيف وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة لأنَّه وإن علم قوة من خلفه فإنَّه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم ولذلك قال: "فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" لأنَّه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره وقد يحدث لظاهر القوة ومن يعرف منه الحرص على طول الصلاة حادث من شغل وعارض من حاجة وآفة من حدث وبول أو غيره انتهى.
وتبعه عليه ابن بطال فذكر مثل هذا الكلام وهو ضعيف فإنَّ الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم فإذا انحصر المأمومون ورضوا بالتطويل لا نأمر إمامهم بالتخفيف لاحتمال عارض لا دليل عليه وحديث أبي قتادة يرد على ما ذكراه فإنَّه ﵊ قال: "إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه".
فإرادته ﵊ أولا التطويل يدل على جواز مثل ذلك وما تركه إلَّا لدليل قام على تضرر بعض المأمومين به وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه والله أعلم» اهـ.
٥ - قوله: «وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ». أمر استحباب لا إيجاب.
٦ - الأمر بالتخفيف يعم جميع من نوى الإمامة ولو لم يكن إمامًا راتبًا.
قال العلامة أبو زرعة العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٣٤٨):
[ ٢ / ٧١١ ]
«مَا الْمُرَادُ بِصَلَاتِهِ لِلنَّاسِ أَأَنْ يَكُونَ إمَامًا مَنْصُوبًا لِلْإِمَامَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ مِنْ جِهَةِ نَاظِرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي بِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنْ الْإِمَامَةِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ كَوْنِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ نَصَبُوهُ لِلْإِمَامَةِ بِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ شَاءُوا لَغَيَّرُوهُ وَأَقَامُوا غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ بِغَيْرِ تَقْدِيمِ أَحَدٍ أَوْ كَوْنُهُ صَارَ إمَامًا وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ التَّقْدِيمَ لِذَلِكَ مِنْ الْأَوَّلِ بَلْ تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا فَتَابَعَهُ غَيْرُهُ فَنَوَى الْإِمَامَةَ بِهِ أَوْ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ بِهِ بَلْ نَوَى الْمَأْمُومُ الِائْتِمَامَ فَقَطْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ إمَامًا وَلَوْ لَمْ يَنْوِ هُوَ الْإِمَامَةَ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ هَذِهِ احْتِمَالَاتٌ خَمْسَةٌ وَأَرْجَحُهَا عِنْدِي الرَّابِعُ فَمَتَى صَارَ إمَامًا بُنَيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَقَدَّمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّخْفِيفُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ هُوَ الْإِمَامَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّخْفِيفُ بِاقْتِدَاءِ غَيْرِهِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
[ ٢ / ٧١٢ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٧٩ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ"».
قوله: «إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ». قد يكون تأخره عن حضور الجماعة بالكلية ويصلي في بيته، أو على معنى أنَّه يحضرها متأخرًا، ولا يحضرها من أولها.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٩٨):
«قَوْلُهُ: "إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ". أَيْ فَلَا أَحْضُرُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ وَفِي رِوَايَة ابن الْمُبَارَكِ فِي الْأَحْكَامِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ. بِزِيَادَةِ الْقَسَمِ وَفِيهِ جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي بَابِ الْغَضَبِ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: إِنِّي لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ. وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْ تَطْوِيلِهِ اقْتَضَى لَهُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنِ الْمَجِيءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وُثُوقًا بِتَطْوِيلِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ يُطَوِّلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَكَأَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى تَطْوِيلِهِ فَيَتَشَاغَلُ بِبَعْضِ شُغْلِهِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ فَيُصَادِفُ أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ وَتَارَةً لَا يُدْرِكُهُ فَلِذَلِكَ قَالَ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا أَيْ بِسَبَبِ تَطْوِيلِهِ» اهـ.
قلت: الرواية التي ذكرها ﵀ رواها البخاري (٩٠) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ فَمَا
[ ٢ / ٧١٣ ]
رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أمر الإمام بالتخفيف إذا صلى بالناس. وقد سبق الكلام على ذلك في الحديث السابق.
٢ - وفيه الغضب لما ينكر من أمور الدين.
٣ - وفيه الغضب في الموعظة.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه مسلم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ". وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ"».
قلت: والغضب في مثل ذلك من الغضب المحمود، وإنَّما يذم الغضب إذا كان من أجل النفس.
فقد روى البخاري (٦١١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْصِنِي قَالَ: «لَا تَغْضَبْ». فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: «لَا تَغْضَبْ».
[ ٢ / ٧١٤ ]
وروى أحمد في [المسند] (٢٣٢١٩) عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي؟ قَالَ: "لَا تَغْضَبْ"، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وقوله: «لَا تَغْضَبْ» ليس المراد به ترك الغضب بالكلية، وذلك أنَّ الغضب منه ما يحمد، ومنه ما يذم كما سيأتي بيان ذلك، وأيضًا فإنَّ الغضب مما جبل عليه الإنسان، ولو افترض أنَّ هنالك رجلين أحدهما يغضب مما يغضب منه، والآخر لا يغضب مما لا يغضب منه لكان الآخر أكمل الرجلين، وقد اتصف الله تعالى بالغضب على وجه الكمال، وإنَّما المراد لا تعمل بمقتضى الغضب بل عامل الناس بالحلم والعفو والصفح والصبر وكظم الغيض ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة.
٤ - وفيه جواز ذكر الإنسان بهذا ونحوه في معرض الشكوى والاستفتاء.
٥ - قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٤/ ١٨٤):
«قَوْلُهُ "إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا" فِيهِ جَوَازُ التَّأَخُّرِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إِذَا عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْإِمَامِ التَّطْوِيلُ الْكَثِيرُ» اهـ.
٦ - وفيه أنَّ ذكر الإنسان بما يكره في مقام الشكوى والاستفتاء لا يدخل في الغيبة المحرمة.
٧ - وفيه موعظة الناس عند حصول شيء من الأخطاء.
[ ٢ / ٧١٥ ]
٨ - وفيه عدم تسمية صاحب المنكر في الموعظة، وتشرع التسمية عند الحاجة لها. فمن ذلك ما رواه البخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي يَعْنِي فُلَانًا لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ».
ومن ذلك ذكر دعاة أهل البدع بأسمائهم.
٩ - وفيه النهي عن تنفير الناس عن دين الله تعالى.
وقد روى البخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٢) عَنْ أَبِي مُوْسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا».
ومن أجل تأليف الناس وعدم تنفيرهم ترك النبي ﷺ هدم الكعبة وبنائها على أساس إبراهيم ﵊.
فروى البخاري (١٥٨٦)، واللفظ له، ومسلم (١٣٣٣) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ"».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ١٩٥):
«فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ وَهُوَ حِدْثَانُ عَهْدِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْلَامِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّنْفِيرِ لَهُمْ فَكَانَتْ الْمَفْسَدَةُ رَاجِحَةً عَلَى الْمَصْلَحَةِ» اهـ.
[ ٢ / ٧١٦ ]
ومن أجل ذلك ترك النبي ﷺ قتل بعض المنافقين فروى مسلم (١٠٦٣) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ. قَالَ: "وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ. فَقَالَ: "مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ"».
وروى البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ" ثُمَّ قَالَ: "مَا شَأْنُهُمْ". فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ" وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَه"».
[ ٢ / ٧١٧ ]
ومن هذا الباب ما رواه البخاري (٢٢٠) عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
قلت: بقية مسائل الحديث سبقت في الحديث الذي قبله.
فائدة/ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ١٩٨):
«والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته وأما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب لأن قصة معاذ كانت في العشاء وكان الإمام فيها معاذًا وكانت في مسجد بني سلمة وهذه كانت في الصبح وكانت في مسجد قباء ووهم من فسر الإمام المبهم هنا بمعاذ بل المراد به أبي بن كعب كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية وهو بالجيم عن جابر قال: "كان أبي بن كعب يصلي بأهل قباء فاستفتح سورة طويلة فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته فغضب أبي فأتى النبي ﷺ يشكو الغلام وأتى الغلام يشكو أبيًا فغضب النبي ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه ثم قال: إن منكم منفرين فإذا صليتم فاوجزوا فإن خلفكم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة" فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب "مما يطيل بنا فلان" أي: في القراءة واستفيد منه أيضًا تسمية الإمام وبأي موضع كان» اهـ.
قلت: حديث أبي يعلى رواه في [مسنده] (١٧٩٨) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ جَارِيَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ أُبَيٌّ يُصَلِّي بِأَهْلِ قُبَاءَ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً وَدَخَلَ مَعَهُ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَدِ
[ ٢ / ٧١٨ ]
اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ، انْفَتَلَ الْغُلَامُ مِنْ صَلَاتِهِ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يُعَالِجَ نَاضِحًا لَهُ يَسْقِي عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ لَهُ الْقَوْمُ: إِنَّ فُلَانًا انْفَتَلَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَغَضِبَ أُبَيٌّ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَشْكُو الْغُلَامَ، فَأَتَاهُ الْغُلَامُ يَشْكُوهُ إِلَيْهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رُئِيَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَوْجِزُوا، فَإِنَّ خَلْفَكُمُ الضَّعِيفُ وَالْكَبِيرُ وَالْمَرِيضُ وَذَا الْحَاجَةِ».
قلت: أبو الربيع هو سليمان بن داود العتكي ثقة، ويعقوب هو بن عبد الله الأشعري لا بأس به، وعيسى بن جارية مختلف فيه. قال فيه أبو زرعة لا بأس به، وذكره ابن حبان في ثقاته، والأكثر على تضعيفه فقد قال فيه أبو داود: منكر الحديث، وقال النسائي: منكر، وعن النسائي أنَّه قال فيه: متروك. وذكره الساجي والعقيلي في الضعفاء، وقال ابن معين: ليس بذاك وعنده أحاديث مناكير.
والأظهر ضعفه. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٧١٩ ]
قَالَ المؤلف رحمه الله تعالى: