٢٠٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ﷿. ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ».
وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ. فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ».
الاعتكاف في اللغة: الحبس والمكث واللزوم، وفي الشرع المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة سمي بذلك لملازمة المسجد.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
٢ - استحباب المداومة على العمل حتى الموت.
وقد روى البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم (٢٨١٨) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
٣ - التفرغ من أشغال الدنيا في العشر الأواخر من رمضان التماسًا لليلة القدر.
[ ٦ / ٦١٤ ]
٤ - مشروعية اعتكاف النساء في المسجد إذا أمنت الفتنة.
٥ - احتج به من قال باستحباب دخول المعتكف معتكفه من بعد صلاة غداة يوم عشرين.
والذي ذكره المؤلف هي رواية للبخاري (٢٠٤١)، ورواه البخاري أيضًا (٢٠٣٣) بلفظ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ …».
وفي مسلم (١١٧٢) «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ …».
وحجة من ذهب إلى أنَّ ذلك كان صبيحة عشرين ما رواه البخاري (٨١٣)، ومسلم (١١٦٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ» وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ.
[ ٦ / ٦١٥ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٧٩): «ويشبه والله أعلم أن يكون دخوله معتكفه صبيحة العشرين قبل الليلة الحادية والعشرين؛ فإنَّه ليس في حديث عائشة أنَّه كان يدخل معتكفه صبيحة إحدى وعشرين، وإنَّما ذكرت أنَّه كان يدخل المعتكف بعد صلاة الفجر، مع قولها: "إنَّه أمر بخبائه فضرب، ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر"، والعشر صفة لليالي لا للأيام، فمحال أن يريد الاعتكاف في الليالي العشر وقد مضت ليلة منها، وإنَّما يكون ذلك إذا استقبلها بالاعتكاف، وقد ذكرت أنَّه اعتكف عشرًا قضاءً للعشر التي تركها، وإنَّما يقضي عشرًا من كان يريد أن يعتكف عشرًا، وفي حديث أبي سعيد: "أنَّه لما كان صبيحة عشرين؛ أمر الناس بالرجوع إلى المسجد"؛ فقد علم من عادته أنَّه يدخل المعتكف نهارًا، يستقبل العشر الذي يعتكفه، ويؤيد ذلك أنَّه لم يكن يدخل معتكفه إلَّا بعد صلاة الفجر، وقد مضى من النهار جزء، مع أنَّه لم يكن يخرج من منزله إلى المسجد حتى يصلي ركعتي الفجر في بيته، وهذا لا يكون مستوعبًا للنهار أيضًا» اهـ.
قُلْتُ: واللفظ الذي أورده الْمُصَنَّفِ من حديث عائشة ﵂: «فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ». عند البخاري (٢٠٤١)، ويمكن أن يحمل قوله: "اعْتَكَفَ" على معنى سيعتكف، كما في قول الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، بمعنى سيأتي أمر الله؛ ولهذا قال:
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. وعبَّر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهًا على تحقق وقوعه.
وإنَّما قلت هذا جمعًا بين هذه الرواية، وسائر ألفاظ الحديث. والله أعلم.
[ ٦ / ٦١٦ ]
٦ - احتج به من ذهب إلى أنَّ المعتكف يدخل معتكفه من نهار أول أيام العشر.
قَالَ الْإِمَامُ التِّرمِذِيُّ ﵀ فِي [سُنَنِه] (٣/ ١٥٧): «والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم يقولون: إذا أراد الرجل أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه وهو قول أحمد وإسحق بن إبراهيم. وَقَالَ بعضهم: إذا أراد أن يعتكف فلتغب له الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها من الغد وقد قعد في معتكفه وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٢٠٧):
«احتج به من يقول: يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وبه قال الأوزاعي والثوري، والليث في أحد قوليه، وَقَالَ مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد: يدخل فيه قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر أو اعتكاف عشر، وأولوا الحديث على أنَّه دخل المعتكف، وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاته الصبح، لا أنَّ ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد» اهـ.
وَقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٦٠): «وهو قول الأوزاعي وأبي ثور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والليث بن سعد في أحد قوليه، وحكاه الترمذي عن أحمد بن حنبل، وحكاه النووي في شَرْحِ مُسْلِمٍ عن الثوري وصححه ابن العربي» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق أن ذكرنا توجيهًا آخر لهذا الحديث في الفقرة السابقة.
٦ - مشروعية تخصيص المعتكف لنفسه مكانًا معينًا في المسجد.
[ ٦ / ٦١٧ ]
٧ - ويؤخذ من قولها: «ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». على أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في المسجد، إذ لو كان مشروعًا في البيوت لا اعتكفن في بيوتهن.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٧٢):
«واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلَّا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول الشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه. وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأنَّ التطوع في البيوت أفضل.
وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأمَّا النفل ففي كل مسجد وَقَالَ الجمهور بعمومه من كل مسجد إلَّا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأنَّ الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك. وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا وأومأ إليه الشافعي في القديم. وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة» اهـ.
وَقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٦٨): «لا شك في أنَّ اعتكافه ﵊ كان في مسجده وكذا اعتكاف أزواجه فأخذ منه اختصاص الاعتكاف بالمساجد وأنَّه لا يجوز في مسجد البيت وهو الموضع المهيأ للصلاة فيه لا في حق الرجل ولا في حق المرأة إذ لو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لما في ملازمة المسجد من المشقة لا سيما في حق النساء، وفي الصحيح عن نافع، وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد. وبهذا
[ ٦ / ٦١٨ ]
قال مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور، وَقَالَ أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو قول قديم للشافعي.
قال ابن قدامة: وحكي عن أبي حنيفة أنَّها لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة والكوفيين مطلقًا أنَّهم قالوا: لا تعتكف إلَّا في مسجد بيتها ولا تعتكف في مسجد جماعة، ثم حكى عن أصحاب أبي حنيفة أنَّ لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها وجوزه بعض المالكية والشافعية للرجل أيضًا في مسجد بيته، وهذا يرد على الْخَطَّابِي في قوله: لم يختلفوا أنَّ اعتكافه في بيته غير جائز.
ثم اختلف الجمهور المشترطون للمسجد العام، فقال مالك والشافعي وجمهورهم يصح الاعتكاف في كل مسجد. قال أصحابنا ويصح في سطح المسجد ورحبته. وَقَالَ أحمد بن حنبل: يختص بمسجد تقام فيه الجماعة الراتبة إلَّا في حق المرأة فيصح في جميع المساجد، وَقَالَ أبو حنيفة بمسجد تصلى فيه الصلاة كلها أي في حق الرجل، وَقَالَ الزهري وآخرون يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة وهو رواية عن مالك، وقالت طائفة يختص بالمساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى حكي ذلك عن حذيفة بن اليمان، وَقَالَ سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي وهو بمعنى الذي قبله ولهذا جعلهما ابن عبد البر قولًا واحدًا، وَقَالَ عطاء لا يعتكف إلَّا في مسجد مكة والمدينة حكاه الْخَطَّابِي» اهـ.
[ ٦ / ٦١٩ ]
قُلْتُ: الصحيح من أقوال العلماء أنَّ الاعتكاف لا يصح إلَّا في المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، والمساجد اسم جنس محلى بالألف واللام، فيفيد العموم.
والمراد بالمساجد التي تقام فيها الصلوات؛ فإنَّه إذا اعتكف في المساجد التي لا تقام فيها الصلوات فلا يخلو إمَّا أن يترك صلاة الجماعة، وصلاة الجماعة من الواجبات والاعتكاف من العبادات المستحبة، فلا يجوز للشخص أن يفعل مستحبًا يؤدي به إلى تضييع واجب من الواجبات؛ وإمَّا أن يخرج من معتكفه إلى المساجد التي تقام فيها الجماعات، فيكثر خروجه من أجل ذلك.
وقد نقل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ إجماع الصحابة على أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في مسجد جماعة، فقال ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٢٨): «وأيضًا فإنَّه إجماع الصحابة».
إلى أن قال ﵀ (٢/ ٧٣٤ - ٧٣٥): «وهذا قول عامة التابعين، ولم ينقل عن صحابي خلافه؛ إلَّا قول من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة، وبمسجد نبي.
فقد أجمعوا كلهم على أنَّه لا يكون في مسجد لا جماعة فيه.
وأيضًا؛ المسجد موضع السجود ومحله، وهذا الاسم إنَّما يتم له ويكمل إذا كان معمورًا بالسجود وبالصلاة فيه، أمَّا إذا كان خرابًا معطلًا عن إقام الصلاة فيه؛ فلم يتم حقيقة المسجد له، وإنَّما يسمى مسجدًا بمعنى أنَّه مهيأ للسجود معد له؛
[ ٦ / ٦٢٠ ]
كما قد تسمى الدار الخالية مسكنًا ومنزلًا، ويصان مما تصان منه المساجد؛ لأنَّه مسجد، وإن لم يتم المقصود فيه.
وبهذا يعلم أنَّ قوله: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: إنَّما يفهم منه المواضع التي فيها الصلاة والسجود» اهـ.
قُلْتُ: ولا يشترط في المسجد أن تقام فيه الجمعة، والأحسن أن يكون كذلك، وخروج المعتكف للجمعة خروج نادر لا يتكرر.
وقد جاء حديث فيه قصر الاعتكاف على المساجد الثلاثة، وهو ما رواه روى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٣٥٧) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ أنبأ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ بْنِ سَهْلٍ الْفَازِيُّ، ثنا مَحْمُودُ بْنُ آدَمَ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ:
«قَالَ حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁: عُكُوفًا بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِي مُوسَى وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" أَوْ قَالَ: "إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ" فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَعَلَّكَ نَسِيتَ وَحَفِظُوا أَوْ أَخْطَأْتَ وَأَصَابُوا». الشَّكُّ مِنِّي.
قُلْتُ: محمود بن آدم المروزي: «كان ثقة صدوقًا» كما في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٨/ ٢٩١) لا بن أبي حاتم ﵀، وقد تابعه سعيد بن منصور كما روى ذلك ابن الجوزي في [التَّحْقِيْقِ] (٢/ ١٠٩/ برقم ١١٨١)؛ لكنه مروي عنده على الشك ولفظه: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ قَالَ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ»، ومحمد بن الفرج وحديثه عند الإسماعيلي في [مُعْجَمِهِ] (٣٣٦)؛ لكن في الإسناد إليه العباس بن
[ ٦ / ٦٢١ ]
أحمد الوشاء قال فيه الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (١٢/ ١٥١): «وكان أحد الشيوخ الصالحين» اهـ.
قُلْتُ: وهذا لا يكفي في رفع جهالته، وهشام بن عمار وحديثه رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٧٧١)، لكن في الإسناد إليه محمد بن سنان الشيزري قال فيه الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ في [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٥٧٥): «صاحب مناكير. يتأتى فيه».
وخالفهما في رفع الحديث: عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٠١٦)، ومن طريقه رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٣٩٧)، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان المخزومي، وهو ثقة، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وهو حسن الحديث. روى حديثهما الفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (١٣٣٤) فرووه عن سفيان موقوفًا من كلام حذيفة.
قُلْتُ: الوقف هو المحفوظ من حديث حذيفة؛ فإنَّ من رفعه لا يخلو حديثه من ثلاثة أمور:
الأول: أن لا يصح الإسناد إليه كمحمد بن الفرج، وهشام بن عمار.
الثاني: أن يحصل الشك في حديثه كما في رواية سعيد بن منصور.
الثالث: أن يكون من رفعه ثقة لا مطعن فيه ولا في الإسناد إليه، كمحمود بن آدم المروزي.
وأمَّا حديث من أوقفه فليس في حديثهم ذلك، فهذا مما يرجح الوقف على الرفع، وأضف إلى ذلك أنَّ الحديث رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٠١٤)، ومن طريقه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٣٩٦)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ]
[ ٦ / ٦٢٢ ]
(٩٧٦٢) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: جَاءَ حُذَيْفَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ:
«أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ نَاسٍ عُكُوفٍ بَيْنَ دَارِكَ، وَدَارِ الْأَشْعَرِيِّ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا، وَأَخْطَأْتَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: "مَا أُبَالِي أَفِيهِ أَعْتَكِفُ، أَوْ فِي بُيُوتِكُمْ هَذِهِ، إِنَّمَا الِاعْتِكَافُ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" وَكَانَ الَّذِينَ اعْتَكَفُوا فَعَابَ عَلَيْهِمْ حُذَيْفَةُ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ الْأَكْبَرِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وإبراهيم النخعي وإن لم يدرك ابن مسعود وحذيفة إلَّا أنَّ مرسله عن ابن مسعود جيد؛ فقد قال ﵀: «إذا قُلْتُ: عن عبد الله يعني ابن مسعود فاعلم أنَّه عن غير واحد وإذا سميت لك أحدًا فهو الذي سميت» اهـ.
رواه الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١/ ٥٨ - ٥٩).
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٣٩٥) حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَلَا تَعْجَبْ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَ دَارِكَ، وَدَارِ أَبِي مُوسَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُعْتَكِفُونَ، قَالَ: «فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا، وَأَخْطَأْتَ أَوْ حَفِظُوا، وَنَسِيتَ»، قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ».
قُلْتُ: المغيرة بن مقسم كان مدلسًا لا سيما عن إبراهيم النخعي.
[ ٦ / ٦٢٣ ]
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٣٩٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَعْوَرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَلَا تَعْجَبْ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَ دَارِكَ، وَدَارِ أَبِي مُوسَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُعْتَكِفُونَ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُمْ أَصَابُوا، وَأَخْطَأْتَ».
قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأة ضعيف ومدلس وقد عنعن.
ومما يدل على عدم صحة المرفوع أنَّه يعارض عموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإنَّ "أل" في المساجد استغراقية تفيد العموم.
وأمَّا قَوْلُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِي ﵀ في [الصَّحِيْحَةِ] (٦/ ٦٧٠):
«وهذا الحديث الصحيح، والآية عامة، والحديث خاص، ومقتضى الأصول أن يحمل العام على الخاص، وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها» اهـ. فليس هذا بصحيح؛ فإنَّ هذا ليس هذا من قبيل التخصيص؛ وذلك أنَّ التخصيص إخراج بعض أفراد العام بحكم يخالف حكم العام مع بقاء العام على عمومه، وهذا لا يستقيم هنا فإنَّ الآية تدل على جواز الاعتكاف في سائر المساجد، وأمَّا الحديث ففيه حصر الاعتكاف في المساجد الثلاثة، فإذا أخذنا بالحديث لم نخصص الآية؛ بل نكون حينئذ أبطلنا عموم الآية بالكلية، ثم الحكم بين العام والخاص لا بد أن يختلف؛ كأن يقول القائل: أكرم الطلاب، ثم يقول: لا تكرم زيدًا، فالحكم في العام الإكرام، والحكم في الخاص عدم الإكرام؛ فأمَّا الآية فالحكم فيها مشروعية الاعتكاف، وهكذا هو في الحديث غير أنَّ الآية عممت
[ ٦ / ٦٢٤ ]
الاعتكاف في جميع المساجد، والحديث قصره على الثلاثة المساجد؛ فالتعارض حاصل بين الآية، والحديث، والجمع بينهما على فرض صحة الحديث أن يحمل النفي في الحديث على نفي الكمال: أي: لا اعتكاف كامل إلَّا في المساجد الثلاثة وذلك لمضاعفة الصلوات فيها؛ وبناءً على هذا الجمع يصح الاعتكاف في سائر المساجد؛ لكنه في المساجد الثلاثة أكمل من غيره. والله أعلم.
٨ - ويؤخذ من قولها: «ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». على أنَّ الاعتكاف من الأحكام المحكمة التي لم تنسخ.
٩ - واحتج بعض العلماء باعتكاف النبي ﷺ في رمضان أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا بصوم، ولا حجة في ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٦٤): «وأمَّا اعتكاف النبي ﷺ صائمًا؛ فلأنَّه كان يتحرى أفضل الأحوال في اعتكافه، ولهذا كان يعتكف العشر الأواخر، مع أنَّ اعتكاف غيرها جائز، وكان يعتكف عشرًا، ولو اعتكف أقل جاز» اهـ.
واحتجوا أيضًا على اشتراط الصوم في الاعتكاف بما رواه أبو داود (٢٤٧٣) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَقُولُ فِيهِ: قَالَتْ: السُّنَّةُ».
[ ٦ / ٦٢٥ ]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح في هذا الحديث أنَّه من كلام من دون عائشة كالزهري، أو غيره، وليس هو من كلام عائشة، فقد روى الْدَارَقُطْنِي (٢٣٦٣) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَجْشَرٍ، ثنا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، ح وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ التُّبَّعِيُّ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَعَنٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَهُنَّ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَتْبَعُ جِنَازَةً وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَمَسُّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرُهَا وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَيَأْمُرُ مَنِ اعْتَكَفَ أَنْ يَصُومَ».
يُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ: وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ إِلَى آخِرِهِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ وَمَنْ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ وَهِمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ لَمْ يَذْكُرْهُ اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٣٢١):
«قد ذهب كثير من الحفاظ إلى أنَّ هذا الكلام من قول من دون عائشة وأنَّ من أدرجه في الحديث وهم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (٦/ ٣٩٥):
«الْأَثَرُ فِيهِ عِنْدَنَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ،
[ ٦ / ٦٢٦ ]
عَنْ عَقِيلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ".
وَالسُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَّا لِحَاجَتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَمَسُّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرُهَا، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ، وَالسُّنَّةُ فِي الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَصُومَ.
قَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ صَدْرَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ إِلَى قَوْلِهِ: وَالسُّنَّةُ فِي الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ، وَلَمْ يُخَرِّجَا الْبَاقِيَ لِاخْتِلَافِ الْحُفَّاظِ فِيهِ، مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَ عَائِشَةَ، فَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: "الْمُعْتَكِفُ لَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يُجِيبُ دَعْوَةً، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصِيَامٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ".
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: "الْمُعْتَكِفُ لَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً".
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: "لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ"، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٣٣٠):
[ ٦ / ٦٢٧ ]
«ولم يقل أحد في حديث عائشة هذا السنة إلَّا عبد الرحمن بن إسحاق ولا يصح هذا الكلام كله عندهم إلَّا من قول الزهري في صوم المعتكف ومباشرته وسائر الحديث» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٤٦):
«لم يقل أحد في حديث عائشة هذا السنة إلَّا عبد الرحمن بن إسحاق ولا يصح الكلام عندهم إلَّا من قول الزهري وبعضه من كلام عروة، وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "المعتكف لا يجيب دعوة ولا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة"» اهـ.
قُلْتُ: ومما يدل على أنَّ الزهري ﵀ ليس عنده في ذلك سنة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما اجتهاد منه رآه ما رواه الدارمي (١٦٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، وَعَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، قَالَ: كَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعِنْدَهُ ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: قُلْتُ عَلَيْهَا صِيَامٌ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إِلَّا بِصِيَامٍ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا؟ قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَنْ عُثْمَانَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ عُمَرُ: مَا أَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا. فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ طَاوُسًا وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، فَسَأَلْتُهُمَا، فَقَالَ طَاوُسٌ: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا إِلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا». قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيِي.
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[ ٦ / ٦٢٨ ]
وأمَّا ما رواه الطيالسي في [مُسْنَدِه] (٦٩)، ومن طريقه أبو داود في [السُّنَنِ] (٢٤٧٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵁، جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً، أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «اعْتَكِفْ وَصُمْ».
قُلْتُ: زيادة الصيام في هذا الحديث منكرة من منكرات عبد الله بن بديل.
قال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الْكَامِلِ] (٤/ ٢١٤):
«ولا أعلم ذكر في هذا الإسناد ذكر الصوم مع الاعتكاف إلَّا من رواية عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار …».
إلى أن قال ﵀: «وعبد الله بن بديل له غير ما ذكرت مما فقلنا عليه من الزيادة في متن أو في إسناد ولم أر للمتقدمين فيه كلاما فأذكره» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [سُنَنِه] (٣/ ١٨٦):
«سمعت أبا بكر النيسابوري يقول هذا حديث منكر لأنَّ الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم وابن بديل ضعيف الحديث» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْعِلَلِ] (٢/ ٢٦ - ٢٧):
«يرويه عبد الله بن بديل المكي وكان ضعيفًا، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر. ولم يتابع عليه، ولا يعرف هذا الحديث عن أحد من أصحاب عمرو بن دينار.
[ ٦ / ٦٢٩ ]
ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فلم يذكر فيه الصيام، وهو أصح من قول ابن بديل، عن عمرو.
وروي هذا الحديث عن سعيد بن بشير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عمر نذر أن يعتكف في الجاهلية ويصوم، فقال له النبي ﷺ: "أوف بنذرك". فإن كان سعيد بن بشير ضبط هذا فهو عنه صحيح، إذا كان في عقد نذره الصوم مع الاعتكاف» اهـ.
قُلْتُ: سعيد بن بشير ضعيف الحديث، فلا يعتمد عليه في مثل هذه الزيادة المخالفة.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْمَعْرِفَة] (٦/ ٣٩٤):
«وهذا منكر، قد أنكره حفاظ الحديث لمخالفته أهل الثقة والحفظ في روايته، وابن بديل ضعيف الحديث قاله أبو الحسن الْدَارَقُطْنِي» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف في هذه المسألة أهل العلم فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢١٣):
«المشهور في المذهب أنَّ الاعتكاف يصح بغير صوم. روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وعطاء، وطاووس، والشافعي، وإسحاق.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّ الصوم شرط في الاعتكاف. قال: إذا اعتكف يجب عليه الصوم.
وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة. وبه قال الزهري، ومالك، وأبو حنيفة، والليث، والثوري، والحسن بن يحيى» اهـ.
[ ٦ / ٦٣٠ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٨٨):
«ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلَّا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلَّا مع الصوم. فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: أنَّ الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية» اهـ.
قُلْتُ: ولشيخ الإسلام قول آخر كما سيأتي.
والذي يظهر لي عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف وذلك لعدة أمور:
الأول: أنَّه لم يصح حديث باشتراط ذلك، ولا بد في إثبات الشرطية إلى دليل.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٦١): «ولأنَّه ليس في اشتراط الصوم كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، والحكم إنَّما يثبت بواحدة من هذه من هذه الجهات؛ بخلاف نفي الاشتراط؛ فإنَّه ثابت بالنفي الأصلي وعدم الدليل الدال على الإيجاب» اهـ.
الثاني: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمر عمر به لما أخبره أنَّه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وفي رواية يومًا، وما جاء من الأمر بذلك لا يثبت كما سبق بيانه؛ ولو كان واجبًا لأمره به.
الثالث: أنَّ القول باشتراط الصوم في الاعتكاف يقتضي عدم صحة الاعتكاف ليلًا إلَّا لمواصل في الصيام.
قُلْتُ: ومع هذا فإنَّ الصوم للمعتكف مستحب اتفاقًا.
[ ٦ / ٦٣١ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٧٥٢): «وقد أجمع الناس على استحباب الصوم للمعتكف، ولأنَّ الصوم أعون له على كف النفس على الفضول؛ فإنَّه مفتاح العبادة، فيجتمع له حبس النفس عن الخروج، وحبسها عن الشهوات، فيتم مقصود الاعتكاف» اهـ.
١٠ - فيه جواز أن يقال رمضان من غير ذكر الشهر، خلافًا للمالكية.
* * *
[ ٦ / ٦٣٢ ]
٢٠٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ. وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا: يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ. فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ».
التَّرْجِيْلُ: تَسْرِيْحُ الشَّعْرِ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - ما كان عليه النبي ﷺ من إكرام شعره.
وقد روى أبو داود (٤١٦٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
٢ - حسن عشرة عائشة ﵂ للنبي ﷺ.
٣ - طهارة بدن الحائض.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٠٢):
«وفي الجملة؛ فبدن الحائض طاهر، وعرقها وسؤرها كالجنب، وحكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد مِنْ العلماء.
[ ٦ / ٦٣٣ ]
وسئل حماد: هل تغسل الحائض ثوبها مِنْ عرقها؟ فقال: إنَّما يفعل ذَلِكَ المجوس.
وحكى بعض الفقهاء عَنْ عبيدة السلماني: أنَّ الحائض لا تقرب الرجل ولا تمس منهُ شيئًا، قال بعضهم: ولا أظنه يصح عَنهُ.
وحكى بعضهم عَنْ أبي يوسف: أنَّ بدن الحائض نجس، وأنَّها إذا أصابت ماء قليلًا نجسته، وَقَالَ بعضهم - أيضًا -: لا يصح هَذا عَنْ أبي يوسف.
ولكن أبو حنيفة وأصحابه يقولون: على بدن الجنب، وأعضاء المحدث نجاسة حكمية، تنتقل إلى الماء الذِي يرتفع به حدثه فيصير نجسًا.
وهذا إنَّما يقولونه في الحائض إذا انقطع دمها وأصابها الماء، فإنَّه ينجس ويرتفع حدثها بذلك وإن لَم تنو رفع الحدث به، على أصلهم المعروف: أنَّ النية لا تشرط للطهارة بالماء» اهـ.
٤ - أنَّه لا يحل للحائض المكث في المسجد؛ إذ لو حلَّ لها ذلك لرجلت له شعره في خبائه الذي كان يعتكف فيه، ولما تكلف إخراج رأسه إليها. وقد سبق الكلام بيان ذلك فيما مضى.
٥ - أنَّه يجوز للمعتكف مباشرة بدن امرأته من غير شهوة.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٧٧):
«وفيه أنَّ مماسة المعتكف للنساء ومماستهن له إذا كان ذلك بغير شهوة لا ينافي اعتكافه وهو كذلك بلا خلاف، فإن كان بشهوة فهو حرام وهل يبطل به الاعتكاف؟ ينظر فإن اقترن به إنزال أبطل الاعتكاف وإلَّا فلا، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وَقَالَ مالك يبطل به الاعتكاف وإن لم ينزل
[ ٦ / ٦٣٤ ]
وأمَّا الجماع في الاعتكاف فهو حرام مفسد له بالإجماع مع التعمد فإن كان ناسيًا، فقال الشافعي لا يفسد الاعتكاف، وَقَالَ مالك وأبو حنيفة وأحمد يفسد» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي عدم بطلان الاعتكاف بالجماع ناسيًا، للأدلة الدالة على عدم المؤاخذة بالنسيان. والله أعلم.
٦ - استحباب الاعتكاف.
٧ - أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في المسجد. وقد سبق الكلام في ذلك.
٨ - إخراج المعتكف لبعض بدنه من المسجد لا يبطل بذلك اعتكافه.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٨١):
«وفيه أنَّ إخراج الرأس من المسجد لا يبطل به الاعتكاف وتقاس به بقية الأعضاء ويترتب عليه في الأيمان لو حلف لا يدخل بيتًا فأدخل فيه بعض أعضائه كرأسه لم يحنث وبهذا صرح أصحابنا، فقالوا: لو أدخل في الدار يده أو رأسه أو إحدى رجليه لم يحنث وكذا لو مد رجليه وأدخلهما الدار وهو خارجها لم يحنث وإنَّما يحنث إذا وضعهما في الدار واعتمد عليهما أو حصل في الدار متعلقًا بشيء وكذا في الحلف على الخروج منها، وَقَالَ البغوي في "فتاويه" فيما لو أدخل رجلًا واحدة إن اعتمد على الخارجة أي كان قواه عليها بحيث لو رفع الداخلة لم يسقط فلم يدخل وإن اعتمد على الداخلة فقد دخل وهو حسن، وَقَالَ شيخنا الإسنوي في "المهمات": لو اضطجع وأخرج بعض بدنه فيحتمل اعتبار الأكثر بالمساحة ويتجه اعتباره بالفعل لاستقراره في الحقيقة عليه فأشبه الاعتماد على الرجل» اهـ.
[ ٦ / ٦٣٥ ]
٩ - أن ترجيل الشعر ليست من الحاجات التي يرخص للمعتكف أن يخرج من معتكفه لأجلها.
١٠ - أنَّ الاعتكاف لا يمنع من ترجيل الشعر.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٧٦):
«وفيه أنَّ الاشتغال بتسريح الشعر لا ينافي الاعتكاف. قال الخطابي: وفي معناه حلق الرأس وتقليم الأظفار وتنظيف البدن من الشعث والدرن انتهى.
ويؤخذ من ذلك جواز فعل سائر الْأُمور المباحة كالأكل والشرب وكلام الدنيا وعمل الصنعة من خياطة وغيرها وبهذا صرح أصحابنا وغيرهم، وعن مالك ﵀ أنَّه لا يشتغل في مجالس العلم ولا يكتبه وإن لم يخرج من المسجد والجمهور على خلافه، وهذا الحديث يرد عليه فإنَّ الاشتغال بالعلم وكتابته أهم من تسريح الشعر» اهـ.
١١ - جواز استخدام الأهل في ترجيل الشعر.
١٢ - جواز خروج المعتكف من معتكفه لحاجة الإنسان من بول، أو غائط، أو اغتسال من جنابة ونحو ذلك.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ في [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٧/ ٣١):
«ولم يختلف العلماء في جواز خروجه خارج المسجد لما لا غنى له عنه؛ من وضوء، وغسل جنابة، أو غائط، وبول وشبهه، إذ لم يمر تحت سقف، واختلفوا إذا دخل تحت سقف» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٧٣):
[ ٦ / ٦٣٦ ]
«وفسرها الزهري بالبول والغائط وقد اتفقوا على استثنائهما واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل ويلتحق بهما القيء والفصد لمن أحتاج إليه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١):
«قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع أهل العلم على أنَّ للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول.
ولأنَّ هذا مما لا بد منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فلو بطل الاعتكاف بخروجه إليه، لم يصح لأحد الاعتكاف، ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يعتكف، وقد علمنا أنَّه كان يخرج لقضاء حاجته، والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط، كنى بذلك عنهما؛ لأنَّ كل إنسان يحتاج إلى فعلهما، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب، إذا لم يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا احتاج إليه، وإن بغته القيء، فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لا بد له منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه وهو عليه، ما لم يطل.
وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه، مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه، فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزمه السعي إليها، فله الخروج إليها، ولا يبطل اعتكافه. وبهذا قال أبو حنيفة.
وَقَالَ الشافعي: لا يعتكف في غير الجامع، إذا كان اعتكافه يتخلله جمعة» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في خروجه من أجل غسل الجمعة.
[ ٦ / ٦٣٧ ]
فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ سَحْنُونُ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْمُدَوَنَةِ الْكُبْرَى] (١/ ٢٩٢): «قال ابن القاسم: وسألت مالكًا عن المعتكف أيخرج من المسجد يوم الجمعة للغسل؟ فقال: نعم لا بأس بذلك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [الْإِنْصَاف] (٣/ ٢٦٤):
«ويخرج لغسل الجنابة وكذا لغسل الجمعة إن وجب وإلَّا لم يجز ولا يجوز الخروج لتجديد الوضوء» اهـ.
قُلْتُ: وليس له الخروج لتجديد الوضوء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٤٣):
«وَإِنْ خَرَجَ عَنْ الْمَسْجِدِ لِلْوُضُوءِ، وَكَانَ تَجْدِيدًا، بَطَلَ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِنْ كَانَ وُضُوءًا مِنْ حَدَثٍ، لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ لِلْمُحْدِثِ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى وُضُوءٍ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٥٠٣):
«"وأمَّا" إذا احتاج إلي الوضوء لغير بول وغائط ومن غير حاجة إلى استنجاء فإن لم يمكنه في المسجد جاز الخروج له ولا يقطع الاعتكاف وإن أمكنه في المسجد فوجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره أصحهما: لا يجوز الخروج له ونقله الْإِمَام عن الأكثرين ثم قال: ولا شك أنَّ هذا الخلاف في الوضوء الواجب يعنى أنَّ التجديد لا يجوز الخروج له وجهًا واحدًا وقد صرح صاحب الشامل بامتناع الخروج لتجديد الوضوء ولم يذكر فيه خلافًا» اهـ.
قُلْتُ: وليس له الخروج لغسل يديه بعد الطعام.
[ ٦ / ٦٣٨ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِيِّ] (١/ ٤٥٤):
«ويغسل يده في طست ليفرغ خارج المسجد ولا يجوز له الخروج لغسل يديه لأنَّه خروج لما له منه بد» اهـ.
وَقَالَ في [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٤٣): «وَيَغْسِلَ يَدَهُ فِي الطَّسْتِ، لِيُفَرَّغَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِغَسْلِ يَدِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا» اهـ.
قُلْتُ: والميضأة والمرحاض أو ما يسمى بدورات المياة ليست من المسجد فليس للمعتكف الخروج إليها إلَّا لما بد له منه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٩/ ٢٠٤):
«الميضأة والمرحاض خارج المسجد» اهـ.
١٣ - أنَّ المعتكف لا يعود مريضًا، وإنَّما يسأل عنه في أثناء مروره، إذا دخل البيت لحاجة الإنسان.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٤٦):
«واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة أنَّ المعتكف لا يخرج من موضع اعتكافه لشهود جنازة ولا لعيادة مريض ولا يفارق موضع اعتكافه إلَّا لحاجة الإنسان ومعانيهم متقاربة جدًا في هذا الباب» اهـ.
١٤ - واحتج بجواز ترجيل الحائض لرأس الحي، على جواز تغسيلها للميت.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٠١ - ٤٠٢):
[ ٦ / ٦٣٩ ]
«واستدل جماعة مِنْ الفقهاء بترجيل الحائض رأس الحي وغسله على جواز غسلها للميت، مِنهُم: أبو ثور، وله في ذَلِكَ حكاية معروفة، إذ سئل عَنْ هَذهِ المسألة جماعة مِنْ أهل الحديث فلم يهتدوا للجواب، فأجاب أبو ثور بالجواز، واستدل بهذا الحديث، وبحديث: "إنَّ حيضتك ليست بيدك".
وحكي عَنْ أحمد - أيضًا - نظير هَذهِ الحكاية بإسناد فيهِ بعض مِنْ لا يعرف.
وممن رخص في تغسيل الحائض والجنب للميت: عطاء والثوري.
ورخص الحسن للجنب أن يغسل الميت، وحكى الْإِمَام أحمد عَنهُ، أنَّهُ قالَ في الحائض: لا تغسل الميت، وعن علقمة أنَّهُ قالَ: تغسله.
وفي "كِتابِ عبد الرزاق"، عَنْ علقمة، أنَّ الحائض لا تغسل الميت.
واختلفت الرواية عَنْ أحمد فيه، فروي عَنهُ أنَّهُ قال: لا بأس بذلك. وروي عَنهُ أنَّهُ رخص دونَ الحائض إلَّا للضرورة.
وقد تقدم عَنهُ رواية أخرى بالرخصة للحائض مطلقًا، وأنَّ في إسنادها نظرًا» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٩٥٩) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُمَا كَانَا «يَكْرَهَانِ أَنْ تُغَسِّلَ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ الْمَيِّتَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٩٦٠) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «أَرْسَلَتْ أُمِّي إِلَى عَلْقَمَةَ تَسْأَلُهُ عَنْ الْحَائِضِ تُغَسِّلُ الْمَيِّتَ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا».
[ ٦ / ٦٤٠ ]
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
لكن رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٥٦) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَرْسَلَتْ أُمِّي إِلَى عَلْقَمَةَ: أَتُمَرِّضُ الْحَائِضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا حُضِرْتِ فَلْتَقُمْ مِنْ عِنْدِكِ» قَالَ: قُلْتُ: تُغَسِّلُنِي إِذَا مِتُّ؟ قَالَ: «لَا».
قُلْتُ: حديث وكيع أصح.
وَقَالَ الْقِرَافِيُّ ﵀ فِي [الذَّخِيْرَةِ] (٢/ ٤٥٠)
«قَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ مَالِكٌ لَا أُحِبُّ لِلْجُنُبِ غُسْلَ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْحَائِضِ» اهـ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد ﵀ فِي [مَسَائِلهِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ] (ص: ٢١٢)
«سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ الْحَائِضِ تُغَسِّلُ الْمَيِّتَ؟ قَالَ: نَعَمْ» اهـ.
قُلْتُ: والحكاية المروية عن أبي ثور رواها الرَّامَهُرْمُزِيُّ في [الْمُحَدِثِ الْفَاصِلِ] (ص: ٢٤٩) حَدَّثَنَا شَيْخُنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ ذَكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأُنْسِيتُ أَنَا اسْمَهُ، وَأَحْسَبُهُ يُوسُفَ بْنَ الصَّاد قَالَ: وَقَفَتِ امْرَأَةٌ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَخَلَفُ بْنُ سَالِمٍ فِي جَمَاعَةٍ يَتَذَاكَرُونَ الْحَدِيثَ، فَسَمِعَتْهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَرَوَاهُ فُلَانٌ، وَمَا حَدَّثَ بِهِ غَيْرُ فُلَانٍ فَسَأَلَتْهُمُ الْمَرْأَةُ عَنِ الْحَائِضِ تَغْسِلُ الْمَوْتَى، وَكَانَتْ غَاسِلَةً، فَلَمْ يُجِبْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، فَأَقْبَلَ أَبُو ثَوْرٍ فَقِيلَ لَهَا: عَلَيْكِ بِالْمُقْبِلِ، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، وَقَدْ دَنَا مِنْهَا، فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: نَعَمْ تَغْسِلُ الْمَيِّتَ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «أَمَا إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي
[ ٦ / ٦٤١ ]
يَدِكِ»، وَلِقَوْلِهَا: «كُنْتُ أُفَرِّقُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَاءِ وَأَنَا حَائِضٌ» قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: فَإِذَا فَرَّقَتْ رَأْسَ الْحَيِّ بِالْمَاءِ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ، فَقَالُوا: نَعَمْ رَوَاهُ فُلَانٌ، وَنَعْرِفُهُ مِنْ طَرِيقِ كَذَا، وَخَاضُوا فِي الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «فَأَيْنَ كُنْتُمْ إِلَى الْآنَ».
ورواها الخطيب البغدادي في [نَصِيْحَةِ أَهْلِ الْحَدِيْثِ] (١٧)، وفي [الْفَقِيْهِ والْمُتَفَقِهِ] (٢/ ١٦٠)، وفي [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (١٩٤٢) من طريق أبي عمر به.
قُلْتُ: فيها رجل مبهم، ولو صح أنَّه يوسف بن الصاد فهو ممن لم أجد له ترجمة، ومثله أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلٍ.
١٥ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٣٢٤):
«وفي ترجيل عائشة شعر رسول الله ﷺ وهو معتكف دليل على أنَّ اليدين من المرأة ليستا بعورة ولو كانتا عورة ما باشرته بهما في اعتكافه ويدلك على ذلك أيضًا أنَّها تنهى في الإحرام عن لباس القفازين وتؤمر بستر ما عدا وجهها وكفيها وتؤمر بكشف الوجه والكفين في الصلاة فدل على أنَّهما غير عورة منها وهو عندنا أصح ما قيل في ذلك» اهـ.
وذكر ذلك أيضًا في [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٤٤).
قُلْتُ: وقد رد عليه الحافظ العراقي ﵀ فيما ذكره عنه ابنه أبو زرعة في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ١٧٨) حيث قال:
«واعترضه والدي ﵀ في شرح الترمذي، فقال: إن كانت المباشرة المنهي عنها تختص بالعورة؛ فلو قبل المعتكف لم يكن بذلك آتيًا لما نهي عنه؛ لأنَّ الوجه ليس بعورة وهو لا يقول به فإنَّ مذهب إمامه أنَّ القبلة مبطلة للاعتكاف» اهـ.
[ ٦ / ٦٤٢ ]
* * *
٢٠٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً. وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ"».
وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ "يَوْمًا ولا لَيْلَةً".
الحديث في الصحيحين من رواية نافع عن ابن عمر.
ورواه البخاري (٣١٤٤) حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ «عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ».
وذكرها مسلم (١٦٥٦) ولم يسق لفظها.
قُلْتْ: حديث نافع عن ابن عمر متصل، والرواية الآخرى مرسلة.
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْإِلْزَامَاتِ والتَّتَبُعِ] (ص: ٢٥٣):
«أخرج البخاري عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: نذرت نذرًا. مرسلًا.
ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر عن أيوب.
ووصله عبيد الله عن نافع» اهـ.
قوله: «نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ». الجاهلية تطلق على ما قبل البعثة غالبًا، وتطلق على ما قبل فتح مكة، وتطلق ويراد بها جاهلية الشخص قبل إسلامه.
[ ٦ / ٦٤٣ ]
وقد روى البخاري (٣٨٤٠) عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي الجَاهِلِيَّةِ: «اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا».
وابن عباس ﵄ ولد بعد البعثة في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين.
وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٧/ ١٤٩).
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ] (١/ ٢٥٨):
«فالناس قبل مبعث الرسول ﷺ كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنَّما أحدثه لهم جاهل وإنَّما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة فأمَّا بعد مبعث الرسول ﷺ قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنَّه في جاهلية وإن كان في دار الإسلام» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - انعقاد نذر الكافر حال كفره، ومثل ذلك أيضًا اليمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٨٧):
«وقول عمر: "إنِّي نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة"، وفي الرواية الأخرى: "يومًا في المسجد الحرام". فقال: "أوف بنذرك"، ظاهره: لزوم نذر الكافر إذا أوجبه على نفسه في حال كفره؛ إذا كان من نوع القرب؛ التي يوجبها المسلمون، غير أنَّه لا يصح منه إيقاعه في حالة كفره لعدم شرط الأداء؛ الذي هو الإسلام.
[ ٦ / ٦٤٤ ]
فأمَّا إذا أسلم وجب عليه الوفاء. وبذلك قال الشافعي، وأبو ثور، والمغيرة المخزومي، والبخاري، والطبري. ورأوا أنَّ قوله ﷺ: "أوف بنذرك". على الوجوب. وذهب مالك، والكوفيون: إلى أنَّه لا يلزمه شيء من ذلك؛ لا عتق، ولا صوم، ولا اعتكاف؛ لعدم تصور نية القربة منهم حالة كفرهم. واعتذروا عن ظاهر الحديث: بأنَّ قول عمر: نذرت في الجاهلية إنَّما يريد: في أيام الجاهلية، لا أنَّه كان هو في الجاهلية. ومنهم من قال: إنَّ هذا الأمر على جهة الندب» اهـ.
قُلْتُ: المشهور عند الشافعية أنَّ نذر الكافر لا يصح.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزيُ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ] (١/ ٥٤):
«إِنْ قَالَ قَائِل: نذر الْكَافِر مطرح، فَكيف أثبت لَهُ الرَّسُول حكمًا؟
فَالْجَوَاب: أَنْ أَصْحَابنَا اخْتلفُوا فِي هَذَا، فَمنهمْ من منع وَقَالَ: مَتى كَانَ نذر الْكَافِر على وفَاق حكم الْإِسْلَام فَهُوَ صَحِيح. وَمِنْهُم من تَأَول فَقَالَ: معنى قَوْله: فِي الْجَاهِلِيَّة، أَي وَنحن بِمَكَّة قبل فتحهَا وَأَهْلهَا جَاهِلِيَّة، فعلى هَذَا لَا يكون ناذرًا فِي الْكفْر. ثمَّ إِنْ عندنَا وَعند الشَّافِعِي أَنْ يَمِين الْكَافِر صَحِيحَة، وَإِذا حنث وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، خلافًا لأبي حنيفَة. قَالَ الْخطابِيّ: إِذا جَازَ إِيلَاء الْكَافِر وَأخذ بِحكمِهِ فِي الْإِسْلَام جَازَت يَمِينه وظهاره» اهـ.
قُلْتُ: هذه تأويلات مخالفة لظاهر الحديث، والصحيح ما سبق.
وَقَالَ العلامة الْخَطَّابِي ﵀ في [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٦١):
[ ٦ / ٦٤٥ ]
«وفيه دليل على أنَّه مؤاخذ بموانع الأحكام التي كانت مباديها في حال الكفر فلو حلف في الجاهلية وحنث في الإسلام لزمته الكفارة وهذا على أصل الشافعي ومذهبه، وعند أبي حنيفة لا تلزمه الكفارة بالحنث» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (١١/ ١١٧):
«وَيَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحُ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْهَادِي، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ وَلَوْ كَافِرًا بِعِبَادَةٍ. نُصَّ عَلَيْهِ» اهـ.
قُلْتُ: وحجة أبي حنيفة على أنَّ يمين الكافر لا تنعقد قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].
وتأول ذلك غيره أنَّه لا عهد لهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ ﵀ فِي [زَادِ الْمَسِيْرِ] (٢/ ٢٤٠):
«﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ أي: لا عهود لهم صادقة هذا على قراءة من فتح الألف، وهم الأكثرون. وقرأ ابن عامر ﴿إِنَّهُمْ لا إِيْمانَ لَهُمْ﴾ بالكسر وفيها وجهان ذكرهما الزجاج:
أحدهما: أنَّه وصف لهم بالكفر ونفي الإيمان.
والثاني: لا أمان لهم، تقول: آمنته إيمانًا، والمعنى:
فقد بطل أمانكم لهم بنقضهم» اهـ.
[ ٦ / ٦٤٦ ]
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٣/ ١٣٨٦ - ١٣٨٨):
«وَالْمُرَادُ بِالْأَيْمَانِ هُنَا الْعُهُودُ لَا الْقَسَمُ بِاللَّهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقَاسِمْهُمْ بِاللَّهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِنَّمَا عَاهَدَهُمْ، وَنُسْخَةُ الْكِتَابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيهَا قَسَمٌ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَعَاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إِلَى الْآخَرِ، ثُمَّ صَارَ مُجَرَّدُ الْكَلَامِ بِالْعَهْدِ يُسَمَّى يَمِينًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ الْيَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ الْعَهْدُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ هِيَ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] وَلَمَّا كَانَ الْحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ
يَمِينًا، فَاسْمُ الْيَمِينِ جَامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَإِنْ كَانَ نَذْرًا، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ "النَّذْرُ حَلْفَةٌ" وَلِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] فَالنَّهْيُ عَنْ نَقْضِ الْعُهُودِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَسَمٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَسَمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].
مَعْنَاهُ: تَتَعَاهَدُونَ وَتَتَعَاقَدُونَ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ مَنْ طَعَنَ فِي دِينِنَا بَعْدَ أَنْ عَاهَدْنَاهُ عَهْدًا يَقْتَضِي أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهُوَ إِمَامٌ فِي الْكُفْرِ لَا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الْآيَةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْكُفْرِ، وَهُوَ مَنْ خَالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا صُولِحَ عَلَيْهِ» اهـ.
[ ٦ / ٦٤٧ ]
قُلْتُ: الصحيح هو صحة يمين الكافر كما تدل على ذلك آية الوصية في السفر، وحديث القسامة في شأن أيمان اليهود.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلافِ الأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (٢/ ٣٦٩):
«وَاخْتلفُوا فِي يَمِين الْكَافِر هَلْ تَنْعَقِد؟
فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا تَنْعَقِد يَمِينه سَوَاء حنث حَال كفره أَوْ بعد إِسْلَامه، وَلَا يَصح مِنْهُ كَفَّارَة.
وَقَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ: تَنْعَقِد يَمِينه وَتلْزَمهُ الْكَفَّارَة بِالْحِنْثِ فيهمَا فِي الموضوعين» اهـ.
٢ - جواز الاعتكاف في غير رمضان.
٣ - جواز الاعتكاف بغير صوم؛ فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يأمره بذلك، وما جاء من أمر النبي ﷺ له بالصوم فلا يصح، وقد سبق بيان ذلك.
٤ - أنَّ المسجد الحرام يتعين بالنذر؛ لأنَّه أفضل المساجد على الإطلاق، وأمَّا من نذر الاعتكاف في المسجد النبوي أو في بيت المقدس، فله أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لكونه أفضل منهما.
ويدل على ذلك ما رواه أبو داود (٣٣٠٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «شَأْنُكَ إِذَنْ».
[ ٦ / ٦٤٨ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وما سوى ذلك من المساجد لا تتعين لاستوائها.
٥ - وجوب الإيفاء بالنذر.
٦ - واحتج به لمذهب الْإِمَام مالك في بعض الروايات من أنَّ أقل الاعتكاف يوم وليلة.
وهذا مبني على أنَّ نذر عمر كان يومًا وليلة، وأنَّ من ذكر الليلة أراد مع يومها، ومن ذكر اليوم أراد بليلته. ولا حجة في الحديث على ذلك كما هو ظاهر.
٧ - وفيه رد على ما ذهب إليه الْإِمَام مالك في رواية من أنَّ أقل الاعتكاف عشرة أيام.
وقد اختلف العلماء في أقل الاعتكاف، والصحيح أنَّه لا يقدر بمقدار معين لعدم الدليل في ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٤٩١):
«"فرع" في مذاهب العلماء في أقل الاعتكاف. قد ذكرنا أنَّ الصحيح المشهور من مذهبنا أنَّه يصح كثيره وقليله ولو لحظة وهو مذهب داود والمشهور عن أحمد ورواية عن أبي حنيفة.
وَقَالَ مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه أقله يوم بكماله بناء على أصلهما في اشتراط الصوم.
[ ٦ / ٦٤٩ ]
دليلنا أنَّ الاعتكاف في اللغة يقع علي القليل والكثير ولم يحده الشرع بشيء يخصه فبقى علي أصله، وأمَّا الصوم فقد سبق الكلام فيه وبينا أنَّه لم يثبت في اشتراط الصوم شيء صريح» اهـ.
٨ - وفي الحديث حجة لمن قال: إنَّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وهو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة.
* * *
[ ٦ / ٦٥٠ ]
٢٠٦ - عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂ قَالَتْ: «كَانَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُعْتَكِفًا. فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا. فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - فَمَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْرَعَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَلَى رِسْلِكُمَا إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ". فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ. وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا- أَوْ قَالَ شَيْئًا"».
وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً. ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ». ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ.
قولها: «وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٧٩): «أي الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد لأنَّ أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية وكانت بيوت أزواج النبي ﷺ حوالي أبواب المسجد» اهـ.
وقولها: «ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي». أي أريد أن أرجع إلى بيتي، فقام النبي ﷺ ليردني.
[ ٦ / ٦٥١ ]
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
٢ - أنَّ الاعتكاف يكون في المسجد.
٣ - مشروعية زيارة المرأة لزوجها وهو معتكف في المسجد.
٤ - مشروعية كلام المعتكف مع الزائر.
٥ - مشروعية الكلام في المسجد بما يباح منه.
وقد روى (٦٧٠) عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، «كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ».
وأمَّا حديث: «الحَدِيثُ فِي الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطبَ». فلا أصل له.
٦ - أنَّ خروج المعتكف من المسجد من أجل إيصال أهله إلى بيتها إن خشى من سيرها بمفردها مما لا يبطل الاعتكاف، وهو من الأعذار المبيحة لخروج المعتكف من معتكفه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ١٤٠):
«قُلْتُ: وفيه أنَّه خرج من المسجد معها ليبلغها منزلها وفي هذا حجة لمن رأى أنَّ الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب وأنَّه لا يمنع المعتكف من إتيان معروف» اهـ.
[ ٦ / ٦٥٢ ]
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٨٠٣ - ٨٠٤) - بعد ذكره لهذا الحديث -:
«وهذا صريح بأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خرج معها من المسجد، وأنَّ قولها: "حتى بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة" تعني بابًا غير الباب الذي خرج منه؛ فإنَّ حجر أزواج النبي ﷺ كانت شرقي المسجد وقبلته، وكان للمسجد عدة أبواب، أظنها ستة، فيمر على الباب بعد الباب، والرجلان رأيا النبي ﷺ ومعه المرأة خارج المسجد؛ فإنَّه لو كان في المسجد؛ لم يحتج إلى هذا الكلام.
وقوله: "لا تعجلي حتى أنصرف معك"، وقيامه معها ليقلبها: دليل على أنَّ مكانها كان بينه وبين المسجد مسافة يخاف فيها من سير المرأة وحدها ليلًا، وذلك والله أعلم قبل أن يتخذ حجرتها قريبًا من المسجد، ولهذا قال: "كان مسكنها في دار أسامة".
وهذا كله مبين لخروجه من المسجد؛ فإنَّ خروجه إلى مجرد باب المسجد لا فائدة فيه ولا خصوص لصفية فيه لو كان منزلها قريبًا دون سائر أزواجه، فهذا خروج للخوف على أهله، فيلحق به كل حاجة.
ولا يجوز أن يقال: اعتكافه كان تطوعًا وللمتطوع أن يدع الاعتكاف؛ لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يحفظ اعتكافه مما ينقصه، ولهذا كان لا يدخله إلَّا لحاجة، ويصغي رأسه إلى عائشة لترجله، ولا يدخل.
[ ٦ / ٦٥٣ ]
ولأنَّه لو ترك الاعتكاف ساعة؛ لم يكن قد اعتكف العشر الأواخر، وهو ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر.
ثم إنَّه كان يقضي هذا الاعتكاف إذا فاته؛ فكيف يفسده أو يترك منه شيئًا؟!
على أنَّ أحدًا من الناس لم يقل: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قد كان ترك اعتكافه بخروجه مع صفية؛ فإنَّ العمدة في صفة الاعتكاف فرضه ونفله على اعتكافه ﷺ، كيف وقد كان إذا عمل عملًا أثبته» اهـ.
قُلْتُ: وقد تأول كثير من العلماء الحديث على أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يخرج من المسجد، ومنهم الْإِمَام البخاري، وما قاله شيخ الإسلام هو الصواب إن شاء الله، وقد قال أيضًا ﵀ في [الرَّدِ عَلى الأَخْنَائِي] (١٢٤):
«ولو كان منزلها متصلًا بالمسجد لم يحتج إلى شيء من ذلك فإنَّ المسجد لم يكن فيه ما يخافه ولكن خرج معها من المسجد ليوصلها إلى مسكنها والرجلان مرا به في الطريق لم يكن مرورهما في المسجد فإنَّ المسجد لم يكن طريقًا بالليل، ولو رأياه في المسجد لم يحتج أن يقول ما قال بل رأياه ومعه امرأة خارجًا من المسجد، فقال ما قال لئلا يقذف الشيطان في قلوبهما شيئًا من الظن السيئ فيهلكا بذلك» اهـ.
٧ - استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس.
٨ - جريان الشيطان من ابن آدم مجرى الدم.
٩ - وأخذ من هذا بعض العلماء أنَّ الشيطان يطلع على بعض ما في القلوب، من إرادات النفوس وشهواتها، ولولا ذلك لما جرى من ابن أدم مجرى الدم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦): «فإنَّه سبحانه هو وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد كما ثبت في
[ ٦ / ٦٥٤ ]
الصحيحين: "إذا هم العبد بحسنة فلم يعملها قال الله لملائكته: اكتبوها له حسنة فإن عملها قال: اكتبوها له عشر حسنات وإذا هم بسيئة". إلى آخر الحديث. فالملائكة يعلمون ما يهم به من حسنة وسيئة و"الهم" إنَّما يكون في النفس قبل العمل. وأبلغ من ذلك أنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو يوسوس له بما يهواه فيعلم ما تهواه نفسه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٥/ ٥٠٨): «فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة وليس ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به وقد روي عن ابن عيينة أنَّهم يشمون رائحة طيبة فيعلمون أنَّه هم بحسنة ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنَّه هم بسيئة وهم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك بل ما في قلب ابن آدم يعلمونه بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه؛ بل الشيطان يلتقم قلبه فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس؛ ويعلم هل ذكر الله أم غفل عن ذكره ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي فيزينها له. وقد ثبت في "الصحيح" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حديث ذكر صفية ﵂: "إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"» اهـ.
١٠ - مشروعية إضافة البيت إلى من يسكنها وإن لم يملكها.
١١ - مشروعية خلوة المعتكف بأهله في المسجد.
١٢ - مشروعية قول سبحان الله عند التعجب، واستعظام الأمر.
١٣ - ويدل الحديث على دخول الجني في بدن الإنسي.
[ ٦ / ٦٥٥ ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧): «وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وفي الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"» اهـ.
* * *
[ ٦ / ٦٥٦ ]