١١٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "».
وَفِي لَفْظٍ: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: "التَّحِيَّاتُ للهِ"». وَذَكَرَهُ إِلَى آَخِرِهِ.
وَفِيهِ: «فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
وَفِيهِ: «فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ».
قوله: «كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ» قال في [تحفة الأحوذي] (٧/ ٤٣٣):
«كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ إِلَخْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُصَافَحَةِ الْمَسْنُونَةِ عِنْدَ التَّلَاقِي بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ أَخْذِ الْيَدِ عِنْدَ الِاهْتِمَامِ بِالتَّعْلِيمِ كَمَا يَصْنَعُهُ الْأَكَابِرُ عِنْدَ تَعْلِيمِ الْأَصَاغِرِ فَيَأْخُذُونَ بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ أَوْ بِالْيَدَيْنِ يَدَ الْأَصَاغِرِ» اهـ.
[ ٤ / ١٤٦ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤١٥):
«فأذن للعبد في هذه الحال بالثناء على الله ﵎ بأبلغ أنواع الثناء وهو التحيات لله والصلوات والطيبات.
وعادتهم إذا دخلوا على ملوكهم أن يحيوهم بما يليق بهم وتلك التحية تعظيم لهم وثناء عليهم والله أحق بالتعظيم والثناء من كل أحد من خلقه فجمع العبد في قوله: "التحيات والصلوات والطيبات" أنواع الثناء على الله وأخبر أنَّ ذلك له وصفًا وملكًا وكذلك الصلوات كلها لله فهو الذي يصلى له وحده لا لغيره وكذلك الطيبات كلها من الكلمات والأفعال كلها له فكلماته طيبات وأفعاله كذلك وهو طيب لا يصعد إليه إلَّا طيب والكلم الطيب إليه يصعد فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه له ملكًا ووصفًا ومنه مجيئها وابتداؤها وإليه مصعدها ومنتهاها والصلاة مشتملة على عمل صالح وكلم طيب والكلم الطيب إليه يصعد والعمل الصالح يرفعه فناسب ذكر هذا عند انتهاء الصلاة وقت رفعها إلى الله تعالى.
سر السلام على النبي لما أتى بهذا الثناء على الله تعالى التفت إلى شأن الرسول الذي حصل هذا الخير على يديه فسلم عليه أتم سلام معرف باللام التي
[ ٤ / ١٤٧ ]
للاستغراق مقرونًا بالرحمة والبركة هذا هو أصح شيء في السلام عليه فلا تبخل عليه بالألف واللام في هذا المقام.
ثم انتقل إلى السلام على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين وبدأ بنفسه لأنَّها أهم، والإنسان يبدأ بنفسه ثم بمن يعول، ثم ختم هذا المقام بعقد الإسلام وهو التشهد بشهادة الحق التي هي أول الأمر وآخره وعندها كل الثناء والتشهد» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٧٤ - ١٧٥):
«والتحيات: جمع تحية، وفسرت التحية بالملك، وفسرت بالبقاء والدوام وفسرت بالسلامة؛ والمعنى: أنَّ السلامة من الآفات ثابت لله، واجب له لذاته. وفسرت بالعظمة، وقيل: إنَّها تجمع ذلك كله، وما كان بمعناه، وهو أحسن.
قَالَ ابن قتيبة: إنَّما قيل: "التحيات" بالجمع؛ لأنَّه كان لكل واحد من ملوكهم تحية يحيا بها، فقيل لهم: قولوا: "التحيات لله" أي: أنَّ ذلك يستحقه الله وحده.
وَقَوْلُهُ: "والصلوات" فسرت بالعبادات جميعها، وقد روي عن طائفة من المتقدمين: أنَّ جميع الطاعات صلاة، وفسرت الصلوات هاهنا بالْدُعَاء، وفسرت بالرحمة، وفسرت بالصلوات الشرعية، فيكون ختام الصلاة بهده الكلمة كاستفتاحها بقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَقَوْلُهُ: "والطيبات"، فسرت بالكلمات الطيبات، كَمَا فِي قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ فالمعنى: إنَّ ما كان من كلام فإنَّه لله، يثنى به عليه ويمجد به.
[ ٤ / ١٤٨ ]
وفسرت "الطيبات" بالأعمال الصالحة كلها؛ فإنَّها توصف بالطيب، فتكون كلها لله بمعنى: أنَّه يعبد بها ويتقرب بها إليه.
فهذا جعله النبي ﷺ بدل قوله: "السلام على الله" وأمَّا سلامهم على جبريل وميكائيل وفلان وفلان من خواص الخلق، فأقرهم النبي ﷺ على ذكر السلام؛ لأنَّ الخلق كلهم يطلب السلام من الله» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٣/ ١٤٦ - ١٥٠):
«قوله: "التحيات لله" التحيات: جمع تحية، والتحية هي: التعظيم، فكل لفظ يدل على التعظيم فهو تحية، و"الـ" مفيدة للعموم، وجمعت لاختلاف أنواعها، أمَّا أفرادها فلا حد لها، يعني: كل نوع من أنواع التحيات فهو لله، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص؛ فلا يستحق التحيات على الإطلاق إلَّا الله ﷿. ولا أحد يحيا على الإطلاق إلَّا الله، وأمَّا إذا حيا إنسان إنسانًا على سبيل الخصوص فلا بأس به. لو قُلْتُ مثلًا: لك تحياتي، أو لك تحياتنا، أو مع التحية، فلا بأس بذلك، قَالَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية لكن التحيات على سبيل العموم والكمال لا تكون إلَّا لله ﷿.
فإذا قَالَ قائل: هل الله بحاجة إلى أن تحييه؟
[ ٤ / ١٤٩ ]
فالجواب: كلا؛ لكنَّه أهل للتعظيم، فأعظمه لحاجتي لذلك لا لحاجته لذلك، والمصلحة للعبد قَالَ تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
قوله: "والصلوات" أي: لله، وهو شامل لكل ما يطلق عليه صلاة شرعًا أو لغةً، فالصلوات كلها لله حقًا واستحقاقًا، لا أحد يستحقها؛ وليست حقًا لأحد سوى الله ﷿، والْدُعَاء أيضًا حق واستحقاق لله ﷿ كما قَالَ تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فكل الصلوات فرضها ونفلها لله، وكل الأدعية لله.
قوله: "والطيبات". الطيبات لها معنيان:
المعنى الأول: ما يتعلق بالله.
المعنى الثاني: ما يتعلق بأفعال العباد.
فما يتعلق بالله فله من الأوصاف أطيبها، ومن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، قَالَ النبي ﷺ: "إنَّ الله طيب، لا يقبل إلَّا طيبًا … " يعني: لا يقول إلَّا الطيب، ولا يفعل إلَّا الطيب، ولا يتصف إلَّا بالطيب، فهو طيب في كل شيء؛ في ذاته وصفاته وأفعاله.
وله أيضًا من أعمال العباد القولية والفعلية الطيب، فإنَّ الطيب لا يليق به إلَّا الطيب ولا يقدم له إلَّا الطيب، وقد قَالَ الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ
[ ٤ / ١٥٠ ]
وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ فهذه سنة الله ﷿.
فهل أنت أيها المصلي تستحضر حين تقول "الطيبات لله" هذه المعاني، أو تقولها على أنَّها ذكر وثناء؟
أغلب الناس على الثاني، لا يستحضر عندما يقول: "الطيبات" أنَّ الله طيب في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله، وأنَّه لا يليق به إلَّا الطيب من الأقوال والأفعال الصادرة من الخلق.
وضد الطيب شيئان: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ لأنَّ الله سبحانه له الأوصاف العليا ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ فلا يمكن أن يكون في أوصافه أو أفعاله أو أقواله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كل أفعاله وأقواله وصفاته كلها طيبة.
أمَّا ما يصدر من الخلق؛ فمنه ما هو طيب، ومنه ما هو خبيث، ومنه ما ليس كذلك، لكن ما الذي يصعد إلى الله ويرفع إلى الله؟
الجواب: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وما ليس بطيب فهو إلى الأرض، لا يصعد إلى السماء.
قوله: "السلام عليك" "السلام" قيل: إنَّ المراد بالسلام: اسم الله ﷿؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الله هو السلام" كما قَالَ ﷿ في كتابه: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ وبناء على هذا القول يكون المعنى: أنَّ الله على
[ ٤ / ١٥١ ]
الرسول ﷺ بالحفظ والكلاءة والعناية وغير ذلك، فكأننا نقول: الله عليك، أي: رقيب حافظ معتن بك، وما أشبه ذلك.
وقيل: السلام: اسم مصدر سلم بمعنى التسليم كما قَالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فمعنى التسليم على الرسول ﷺ: أننا ندعو له بالسلامة من كل آفة.
إذا قَالَ قائل: قد يكون هذا الْدُعَاء في حياته ﵊ واضحًا، لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسلامة وقد مات ﷺ؟
فالجواب: ليس الْدُعَاء بالسلامة مقصورًا في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرسل إذا عبر الناس على الصراط: "اللهم، سلم؛ سلم"، فلا ينتهي المرء من المخاوف والآفات بمجرد موته.
إذًا؛ ندعو للرسول ﷺ بالسلامة من هول الموقف، ونقول أيضًا: قد يكون بمعنى أعم، أي: أنَّ السلام عليه يشمل السلام على شرعه وسنته، وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين؛ كما قَالَ العلماء في قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قَالَوا: إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٣/ ١٥١ - ١٥٣):
[ ٤ / ١٥٢ ]
«قوله: "أيها النبي" منادى حذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبي، وحذفت ياء النداء لكثرة الاستعمال والتخفيف، والبداءة بالكناية لرسول الله ﷺ.
ويقَالَ: النبيء بالهمزة، ويقَالَ: النبي بتشديد الياء بدون همزة.
أمَّا إذا قيل: النبيء بالهمزة، فهو فعيل من النبأ بمعنى الخبر، لكنه فعيل، بمعنى فاعل ومفعول؛ لأنَّه منبئ ومنبأ.
وأمَّا إذا قيل: النبيّ بتشديد الياء بلا همز، فإمَّا أن تكون أصلها مهموزًا وحذفت الهمزة تخفيفًا، وإمَّا أن تكون من "النبوة" وهي الارتفاع وسمي بذلك لارتفاع رتبته ﷺ.
فإن قيل: ألا يمكن أن نقول بأنَّها النبي بالياء من الأمرين جميعًا من النبوة وهو الارتفاع، ومن النبأ وهو الخبر؟
فالجواب: يمكن، لأنَّ القاعدة: أنَّ اللفظ إذا احتمل معنيين لا يتنافيان ولا مرجح لأحدهما على الآخر؛ حمل عليهما جميعًا. ولا شك أنَّ الرسول ﷺ مقامه أرفع المقامات وأنَّه منبأ ومنبئ.
ورحمة الله وبركاته.
[ ٤ / ١٥٣ ]
قوله: "ورحمة الله" "رحمة" معطوفة على "السلام عليك" يعني: ورحمة الله عليك، فيكون عطف جملة على جملة والخبر محذوف، ويجوز أن يكون من باب عطف المفرد على المفرد، فلا يحتاج إلى تقدير الخبر.
والرحمة إذا قرنت بالمغفرة أو بالسلام صار لها معنى، وإن أفردت صار لها معنى آخر، فإذا قرنت بالمغفرة، أو بالسلام صار المراد بها: ما يحصل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أفردت شملت الأمرين جميعًا، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله ﷺ بالسلام دعوت له بالرحمة؛ ليزول عنه المرهوب ويحصل له المطلوب.
فإن قَالَ قائل: لماذا بدأ بالسلام قبل الرحمة؟
فالجواب: أنَّ التخلية قبل التحلية.
التخلية: السلامة من النقائص، والتحلية: ذكر الأوصاف الكاملة، فنبدأ بطلب السلامة أولًا، ثم بطلب الرحمة.
قوله: "وبركاته" جمع بركة، وهي الخير الكثير الثابت، لأنَّ أصلها من "البِركة" بكسر الباء "والبركة" مجتمع الماء الكثير الثابت.
والبركة هي: النماء والزيادة في كل شيء من الخير، فما هي البركات التي تدعو بها للرسول ﵊ بعد موته؟ ففي حياته ممكن أن يبارك له في طعامه، في كسوته، في أهله، في عمله.
[ ٤ / ١٥٤ ]
فأمَّا البركة بعد موته: فبكثرة أتباعه وما يتبع فيه، فإذا قدرنا أنَّ شخصًا أتباعه مليون رجل، وصار أتباعه مليونين فهذه بركة.
وإذا قدرنا أنَّ الأتباع يتطوعون بعشر ركعات، وبعضهم بعشرين ركعة صار في الثاني زيادة.
إذًا؛ نحن ندعو للرسول ﷺ بالبركة وهذا يستلزم كثرة أتباعه، وكثرة عمل أتباعه؛ لأنَّ كل عمل صالح يفعله أتباع الرسول ﵊ فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٣/ ١٥٤ - ١٥٥):
«قوله: "السلام علينا". نقول في السلام كما قلنا في الأول.
وأما علينا فـ"نا" لا شك أنَّه لا يراد بها الشخص نفسه فقط، وإنَّما يراد بها الشخص ومن معه، فمن الذي معه؟
قيل: المصلون. وقيل: الملائكة. وقيل: المراد جميع الأمة المحمدية. وهذا القول الأخير أصح، فكما دعونا لنبينا محمد ﵊ بالسلام؛ ندعو أيضًا لأنفسنا بالسلام؛ لأننا أتباعه.
قوله: "وعلى عباد الله الصالحين". هذا تعميم بعد تخصيص؛ لأنَّ عباد الله الصالحين هم كل عبد صالح في السماء والأرض؛ حي أو ميت من الآدميين والملائكة والجن.
[ ٤ / ١٥٥ ]
وعباد الله هم الذين تعبدوا لله: أي تذللوا له بالطاعة امتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي، وأفضل وصف يتصف به الإنسان هو أن يكون عبدًا لله، ولهذا ذكر الله وصف رسوله بالعبودية في أعلى مقاماته.
في الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ والمعراج ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾، والإسراء والمعراج من أفضل ما يكون من المقامات للرسول ﷺ.
ووصفه بذلك في مقام الدفاع عنه ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.
ووصفه بذلك في مقام التنزيل عليه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾.
فالحاصل: أنَّ أشرف وصف للإنسان أن يكون عبدًا لله - أسأل الله أن يحقق ذلك لعباده المؤمنين - لا عبدًا لهواه، إذا سمع أمر ربه قَالَ: سمعنا وأطعنا، وإذا سمع نهيه، قَالَ: سمعنا وتجنبنا، وإذا سمع خبرًا قَالَ: سمعنا وصدقنا وقبلنا.
وعباد الله الصالحون هم الذين صلحت سرائرهم وظواهرهم.
فصلاح السرائر: بإخلاص العبادة لله، والظواهر: بمتابعة رسول الله ﷺ.
[ ٤ / ١٥٦ ]
هؤلاء هم الصالحون، وضد ذلك عباد الله الفاسدون، إمَّا بالسرائر، وإمَّا بالظواهر، فالمشرك فاسد السريرة، والمبتدع فاسد الظاهر؛ لأنَّ بعض المبتدعة يريد الخير، لكنَّه فاسد الظاهر لم يمش على الطريق الذي رسمه رسول الله ﵊.
والمشرك فاسد الباطن، ولو عمل عملًا ظاهره الصحة والصلاح مثل المرائي».
إلى أن قَالَ ﵀ (٣/ ١٥٦):
«قوله: "أشهد أن لا إله إلَّا الله". الشهادة هي الخبر القاطع، فهي أبلغ من مجرد الخبر. لأنَّ الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قطع، كأنَّما يشاهد الإنسان بعينيه ما شهد به» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٧٨):
«ولم يخرج الْبُخَارِيّ في التشهد غير تشهد ابن مسعود، وقد أجمع العلماء على أنَّه أصح أحاديث التشهد» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذهب إليه أكثر علماء الحديث واختاره من الأئمة الأربعة الإمام أحمد وأبو حنيفة.
واختار الإمام الشافعي تشهد ابن عباس ولفظه: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ فَكَانَ يَقُولُ: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
[ ٤ / ١٥٧ ]
السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"». رواه مُسْلِم (٤٠٣).
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٧٠) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولَانِ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ لِلَّهِ، الصَلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». قَالَ: «لَقَدْ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُهُنَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يُعَلِّمُهُنَّ النَّاسَ». قَالَ: «وَلَقَدْ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُهُنَّ كَذَلِكَ». قُلْتُ: فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ؟ قَالَ: «لَا» اهـ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
واختار الإمام مالك ﵀ تشهد عمر بن الخطاب ﵁.
وقد روى تشهده مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٠٣) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وهو يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ، يَقُولُ: «قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وله حكم الرفع.
[ ٤ / ١٥٨ ]
قُلْتُ: وقد أخرجه مِنْ طَرِيقِه الشافعي في [مُسْنَدِهِ] (١١٧٥)، ورواه أيضًا عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٦٧)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٠٩)، وغيرهم مِنْ طَرِيقِ معمر عن الزهري به.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٤٧٧) حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ، رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ وسعيد هو ابن منصور ويعقوب هو الإسكندراني.
قُلْتُ: وليس في حديث الزهري ذكر التسمية ولا المباركات.
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٦٩) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، مِثْلَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي أَوَّلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، وَيَجْعَلُ مَكَانَ الزَّاكِيَاتِ الْمُبَارَكَاتِ».
ورواه الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٩٨٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٦٥٥) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، التَّحِيَّاتُ الزَّاكِيَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ،
[ ٤ / ١٥٩ ]
السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عَبَّادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». قَالَ عُمَرُ: «ابْدَءُوا بِأَنْفُسِكُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَسَلِّمُوا عَلَى عَبَّادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ».
قال الْحَاكِمُ ﵀: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِأَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ عَلَى مَا شَرَطْنَا فِي الشَّوَاهِدِ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَى سَنَدِهَا» اهـ.
قُلْتُ: وهذا منقطع بين عروة وعمر.
ورواه البيهقي [الْكُبْرَى] (٢٦٦١) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، كِلَاهُمَا، حَدَّثَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِيُسَلِّمَ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ يَتَشَهَّدَ فِي وَسَطِهَا فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ التَّحِيَّاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ الْمُبَارَكَاتُ لِلَّهِ أَرْبَعٌ أَيُّهَا النَّاسُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، التَّشَهُّدُ أَيُّهَا النَّاسُ قَبْلَ السَّلَامِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، وَلَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ: السَّلَامُ عَلَى جَبْرَئِيلَ السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ السَّلَامُ عَلَى مَلَائِكَةِ اللهِ " إِذَا قَالَ: " السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَقَدْ سَلَّمَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ».
[ ٤ / ١٦٠ ]
وَلَمْ يَخْتَلِفْ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ وَلَا حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِلَّا أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَالَ: الزَّاكِيَّاتُ، وَقَالَ هِشَامٌ: الْمُبَارَكَاتُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَا أَرَى إِلَّا أَنَّ هِشَامًا كَانَ أَحْفَظَهُمَا لِلُزُومِهِ قَالَ الشَّيْخُ كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَمَعْمَرٌ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ التَّسْمِيَةَ، وَقَدِّمُوا كَلِمَتَيِ التَّسْلِيمَ عَلَى كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ التسمية لا تثبت في تشهد عمر وأنَّ رواية الزهري في ذلك أرجح لموافقتها لسائر أحاديث التشهد الصحيحة وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ومن أنواع التشهد الواردة في السنة تشهد أبي موسى الأشعري ﵁ ولفظه:
«التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». رواه مُسْلِم (٤٠٤)
قُلْتُ: ورواه أبو داود (٩٧٥) مِنْ طَرِيقِ سليمان التيمي عن قتادة وقَالَ في التشهد بعد أشهد أن لا إله إلا الله زاد
«وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».
[ ٤ / ١٦١ ]
قُلْتُ: ولم يذكر ذلك أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، ولا سعيد بن أبي عروبة وهو من أثبت الناس في قتادة وحديثه عند النسائي (١٠٦٤)، وابن ماجه (٩٠١)، ولا هشام الدستوائي وحديثه عند أحمد (١٩٦٨٠)، والنسائي (١٢٨٠)، وابن ماجه (٩٠١)، ولا همام وحديثه عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (١٥٧٧) وحديثهم أصح.
وقَالَ الحافظ الدارقطني ﵀ فِي [سُنَنِهِ] (٣/ ٤٨٠/ ١٣٤٨):
«زاد فيه على أصحاب قتادة: "وحده لا شريك له" وخالفه هشام وسعيد وأبان وأبو عوانة وغيرهم عن قتادة» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٧/ ٢٥٢ - ٢٥٣):
«يرويه قتادة واختلف عنه؛ فرواه سعيد بن أبي عروبة، وهشام، وأبان، وأبو عوانة، ومعمر، وعدي بن أبي عمارة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان، عن أبي موسى، وألفاظهم متقاربة.
ورواه سليمان التيمي، عن قتادة بهذا الإسناد فزاد عليهم في الحديث: "وإذا قرأ فأنصتوا"، حدث به عن سليمان كذلك معتمر، وجرير بن عبد الحميد، والثوري، وزاد معتمر عليهما فذكر أنَّه يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، ولم يذكر هذا سواه». وذكر أنواعًا أخرى من الاختلاف وصوب رواية الجماعة.
قُلْتُ: وتشهد أبي موسى من التشهدات المرفوعة.
ومن التشهدات تشهد ابن عمر.
[ ٤ / ١٦٢ ]
فروى أبو داود (٩٧٣) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ». قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: زِدْتَ فِيهَا "وَبَرَكَاتُهُ". «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: زِدْتُ فِيهَا: "وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
قُلْتُ: أبو بشر هو جعفر بن إياس، وهو ابن أبي وحشية اليشكري وقد كان شعبة يضعف حديثه عن مجاهد.
وقد أعل الحديث الأمام الْبُخَارِيّ ﵀. قَالَ الإمام الترمذي ﵀ فِي [الْعِلَلِ الْكَبِيْر] (١/ ١٢٦):
«وأوقفه ابن أبي عدي، سألت محمدًا عن هذا الحديث فقَالَ: روى شعبة عن أبي بشر، عن مجاهد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وروى سيف، عن مجاهد، عن أبي معمر، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ محمد: وهو المحفوظ عندي» اهـ.
وقَالَ البيهقي ﵀ فِي [سُنَنِهِ الْكُبْرَى] (٢/ ١٣٩):
«وكان محمد بن إسماعيل الْبُخَارِيّ يرى رواية سيف عن مجاهد عن أبي معمر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ هي المحفوظة دون رواية أبي بشر والله تعالى أعلم» اهـ.
[ ٤ / ١٦٣ ]
قُلْتُ: سيف هو ابن سليمان المخزومي ثقة ثبت. وحديثه أصح مِنْ حَدِيْثِ أبي بشر.
وحديث سيف عن مجاهد في الصحيحين.
وروى مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٠٤)، واللفظ له وعبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٧٣) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، شَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» يَقُولُ هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَيَدْعُو إِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ بِمَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّشَهُّدَ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ، قَالَ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَلى يَمِينِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عَنْ يَسَارِهِ، رَدَّ عَلَيْهِ اهـ.
قُلْتُ: وسنده صحيح كما ترى.
ومن التشهدات تشهد عائشة ﵂.
وقد رواه مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٠٥)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٦٦٤) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ إِذَا تَشَهَّدَتِ: «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ
[ ٤ / ١٦٤ ]
أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْ وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه مالك في [الْمُوَطَأ] (٢٠٦) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ،، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَتْ تَقُولُ إِذَا تَشَهَّدَتْ: «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
ورواه البيهقي في [سنن الْكُبْرَى] (٢٨٤٢) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ وَتُشِيرُ بِيَدِهَا تَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَّاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
قُلْتُ: رواية ابن جريج هذه تخالف رواية الإمام مالك في تأخير الشهادتين، وفي التسليم على النبي ﷺ بضمير الغائب. وليس في حديثه ذكر للفظة: «وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».
[ ٤ / ١٦٥ ]
وقد تابع ابن جريج عائذ بن حبيب وهو صدوق في الحديث مع تشيعه روى حديثه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠١٠).
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو ثبوت الحديث بالوجهين.
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٦٥٧) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ يَقُولُ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ فِي وَسَطِهَا وَفِي آخِرِهَا قَوْلًا وَاحِدًا: "بِسْمِ اللهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَّاتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ"».
قُلْتُ: ذكر التسمية أول التشهد شاذ شذ به ابن إسحاق.
ورواه الخطيب في [المتفق والمفترق] (٧٤٧) أخبرني الحسن بن محمد بن الحسن الخلال عن صالح بن صالح بن دينار قَالَ علمني القاسم بن محمد التشهد وقَالَ علمتني عائشة ﵂ قَالَتْ هذا تشهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عَبَّادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». قَالَ: إني قُلْتُ للقاسم بسم الله التحيات لله قَالَ بسم الله على كل حال.
[ ٤ / ١٦٦ ]
قُلْتُ: لا يصح رفع هذا الحديث كما روى ذلك يحيى بن سعيد، وصالح هذا لم أعرفه.
قُلْتُ: ومن جملة التشهدات تشهد أبي سعيد الخدري.
روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٠٨) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، قَالَ: سَأَلْنَا أَبَا سَعِيدٍ عَنِ التَّشَهُّدِ، فَقَالَ: «التَّحِيَّاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «كُنَّا لَا نَكْتُبُ شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ وَالتَّشَهُّدَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وخالد هو الحذاء، وأبو المتوكل هو الناجي علي بن داود.
ومن جملة التشهدات تشهد جابر بن عبد الله.
روى النسائي (١١٧٥)، وابن ماجه (٩٠٢) مِنْ طَرِيقِ أَيْمَنٍ وَهُوَ ابْنُ نَابِلٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: "بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ"».
[ ٤ / ١٦٧ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل عنعنة أبي الزبير.
ورواه النسائي أيضًا برقم (١٢٨١) وقَالَ: «لا نعلم أحدًا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية وأيمن عندنا لا بأس به والحديث خطأ وبالله التوفيق» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التلخيص] (١/ ٦٣٧ - ٦٣٨):
«كذا روى النسائي وابن ماجه والترمذي في "العلل" والْحَاكِمُ ورجاله ثقات إلَّا أنَّ أيمن بن نابل راويه عن أبي الزبير أخطأ في إسناده وخالفه الليث وهو من أوثق الناس في أبي الزبير فقَالَ عن أبي الزبير عن طاووس وسعيد بن جبير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حمزة الكناني قوله: عن جابر خطأ ولا أعلم أحدًا قَالَ في التشهد بسم الله وبالله إلَّا أيمن وقَالَ الدارقطني: ليس بالقوي خالف الناس ولو لم يكن إلَّا حديث التشهد وقَالَ يعقوب بن شيبة فيه ضعف.
وقَالَ الترمذي: سألت الْبُخَارِيّ عنه فقَالَ خطأ وقَالَ الترمذي وهو غير محفوظ.
وقَالَ النسائي لا نعلم أحدًا تابعه وهو لا بأس به لكن الحديث خطأ وقَالَ البيهقي: هو ضعيف.
وقَالَ عبد الحق أحسن حديث أبي الزبير ما ذكر فيه سماعه ولم يذكر السماع في هذا.
قُلْتُ: ليس العلة فيه من أبي الزبير فأبو الزبير إنَّما حدث به عن طاووس وسعيد بن جبير لا عن جابر ولكن أيمن بن نابل كأنه سلك الجادة فأخطأ وقد جمع أبو الشيخ ابن حبان الحافظ جزءًا فيما رواه أبو الزبير عن غير جابر يتبين للناظر فيه أن جل رواية أبي الزبير إنَّما هي عن جابر وأورد الْحَاكِمُ في "الْمُسْتَدْرَكِ" حديثًا ظاهره
[ ٤ / ١٦٨ ]
أنَّ أيمن توبع عن أبي الزبير فقَالَ: حدثنا أبو علي الحافظ ثنا عبد الله بن قحطبة ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا معتمر ثنا أبي عن أبي الزبير به
قَالَ الْحَاكِمُ: سمعت أبا علي يوثق ابن قحطبة إلا أنه أخطأ فيه لأن المعتمر لم يسمعه من أبيه إنما سمعه من أيمن انتهى
وقَالَ أبو محمد البغوي والشيخ في "المهذب" ذكر التسمية في التشهد غير صحيح وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
ومن جملة التشهد تشهد ابن الزبير.
وقد رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٢٢٢٩)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٨٩)، و[الْأَوْسَطِ] (٣١١٦) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ أَبَا الْوَرْدِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: «إِنَّ تَشَهُّدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَانَ يَتَشَهَّدُ بِهِ: "بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي"».
قَالَ البزار: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ فِي تَشَهُّدِ النَّبِيِّ ﷺ، إِلَّا عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَبُو الْوَرْدِ فَلَا نَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ لَهِيعَةَ وَغَيْرُهُ اهـ.
[ ٤ / ١٦٩ ]
قُلْتُ: ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (١٥٧٨) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ أَبَا أَسْلَمَ الْمُؤَذِّنَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ. فذكره.
قُلْتُ: وجعله مِنْ حَدِيْثِ أبي أسلم المؤذن.
وابن لهيعة ضعيف الحديث، وأبو أسلم المؤذن وأبو الورد لم أعرفهما.
وقد سبق ما هو أصح من هذا عن ابن الزبير عند ذكرنا لتشهد ابن عباس.
ومن جملة التشهدات تشهد سلمان الفارسي.
رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٢٥٣٥)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٠٤٨) مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمةُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْعَبْسِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، عَنِ التَّشَهُّدِ فَقَالَ: أُعَلِّمُكَ كَمَا عَلَّمَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَلَّمَنِي التَّشَهُّدَ حَرْفًا حَرْفًا: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا سَلْمَانُ قُلْهَا فِي صَلَاتِكَ وَلَا تَزِدْ فِيهَا حَرْفًا وَلَا تَنْقُصْ مِنْهَا حَرْفًا».
قُلْتُ: هذا حديث شديد الضعف مُسْلِمة بن الصلت قَالَ فيه أبو حاتم: متروك الحديث، وعمر بن يزيد الأزدي قَالَ فيه ابن عدي: منكر الحديث.
[ ٤ / ١٧٠ ]
ومن جملة التشهدات تشهد علي بن أبي طالب.
رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (٢٨٣٧)، و[الْأَوْسَطِ] (٢٩١٧) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ، ح وَحَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ حَمْدَانَ الْحَنَفِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ الصَّيْرَفِيُّ، قَالَا: ثنا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الْبَهْزِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ تَشَهُّدِ عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ: هُوَ تَشَهُّدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قُلْتُ: فَتَشَهُّدُ عَبْدِ اللهِ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُخَفِّفَ عَلَى أُمَّتِهِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ تَشَهَّدَ عَلِيٌّ بِتَشَهُّدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ الْغَادِيَاتُ الرَّائِحاتُ الزَّاكِيَاتُ الطَّاهِرَاتُ لِلَّهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عمرو بن هاشم لين الحديث والبهزي لم أعرفه.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٤٧٦) حَدَّثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي التَّشَهُّدِ: بِسْمِ اللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ».
قُلْتُ: هذا الحديث شديد الضعف من أجل الحارث وهو الأعور.
ومن جملة التشهدات تشهد معاوية.
رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٦٢٥٦)، وفي [مُسْنَدِ الْشَّامِيِيْنَ] (١٠٥٩) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الْحِمْصِيُّ، ثنا جَدِّي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ، ح
[ ٤ / ١٧١ ]
وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ الْحِمْصِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ الْمَقْرَائِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عَبَّادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ إبراهيم بن العلاء الحمصي قَالَ فيه أبو داود ليس بشيء.
ومن جملة التشهدات تشهد سمرة بن جندب.
روى أبو داود (٩٧٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَمَّا بَعْدُ، أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، أَوْ حِينَ انْقِضَائِهَا، فَابْدَءُوا قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَقُولُوا: «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالْمُلْكُ لِلَّهِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَلَى الْيَمِينِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَلَى قَارِئِكُمْ، وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى كُوفِيُّ الْأَصْلِ كَانَ بِدِمَشْقَ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «دَلَّتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ» اهـ.
[ ٤ / ١٧٢ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ محمد بن داود بن سفيان مجهول، وجعفر بن سعد جهله ابن حزم وابن القطان وذكره ابن حبان في "الثقات". وقَالَ عبد الحق في "الأحكام": ليس ممن يعتمد عليه. وقَالَ ابن عبد البر: ليس بالقوى. وخبيب مجهول، وسليمان بن سمرة قَالَ فيه ابن القطان: حاله مجهولة.
ومن جملة التشهدات تشهد أبي بكر الصديق.
روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٠٧) حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَانَ يُعلِّمُهُمُ التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ فِي الْكِتَابِ: «التَّحِيَّاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف زيد العمي.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب التشهد.
قُلْتُ: وقد ذهب إلى وجوب التشهدين الإمام أحمد وإسحاق رحمهما الله، وهي رواية عن الإمام مالك وأبي حنيفة على خلاف المشهور. وذهب الإمام مالك وأبو حنيفة في المشهور عنهما رحمهما الله إلى أنَّهما سنتان، وذهب الإمام الشافعي ﵀ إلى أنَّ الأول سنة والآخر واجب.
[ ٤ / ١٧٣ ]
قُلْتُ: التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة في مذهب الإمام الشافعي وأحمد.
والذي يظهر لي إلى أنَّه من واجبات الصلاة ولا يصل إلى حد الركنية فإنَّه لا دليل على الركنية فيما أعلم. وغاية الأوامر تدل على الوجوب لا على الركنية وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد اختلف العلماء في أقل الواجب في التشهد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٣٦):
«فصل: وبأي تشهد تشهد مما صح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جاز.
نص عليه أحمد فقَالَ: تشهد عبد الله أعجب إلي، وإن تشهد بغيره فهو جائز؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما علمه الصحابة مختلفًا دل على جواز الجميع، كالقراءات المختلفة التي اشتمل عليها المصحف.
قَالَ القاضي: وهذا يدل على أنَّه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح تشهده، فعلى هذا يجوز أن يقَالَ: أقل ما يجزئ: "التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أو أنَّ محمدًا رسول الله ".
وقد قَالَ أحمد في رواية أبي داود: إذا قَالَ: "وأنَّ محمدًا عبده ورسوله".
ولم يذكر "وأشهد" أرجو أن يجزأه.
قَالَ ابن حامد: رأيت بعض أصحابنا يقول: لو ترك واوًا أو حرفًا أعاد الصلاة؛ لقول الأسود: فكنا نتحفظه عن عبد الله كما نتحفظ حروف القرآن.
[ ٤ / ١٧٤ ]
والأول أصح؛ لما ذكرنا، وقول الأسود يدل على أنَّ الأولى والأحسن الإتيان بلفظه وحروفه، وهو الذي ذكرنا أنَّه المختار، وعلى أنَّ عبد الله كان يرخص في إبدال فظات من القرآن، فالتشهد أولى، فقد روي عنه أنَّ إنسانًا كان يقرأ عليه: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. فيقول: طعام اليتيم.
فقَالَ له عبد الله: قل طعام الفاجر.
فأمَّا ما اجتمعت عليه التشهدات كلها فيتعين الإتيان به، وهذا مذهب الشافعي» اهـ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٠):
«والمحققون من أصحابنا على أنَّه يجوز التشهد بجميع أنواع التشهدات المروية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كما نص عليه أحمد.
وقَالَ طائفة، منهم: القاضي أبو يعلى في كتابه "الجامع الْكَبِيْر": إذا أسقط من التشهد ما هو ساقط في بعض الروايات دون بعض صحت صلاته، وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح.
وقيل لأحمد: لو قَالَ في تشهده: "أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله" هل يجزئه؟ قَالَ: أرجو.
وقد ورد مثل ذلك في بعض روايات حديث أبي موسى، وهو في بعض نسخ "صحيح مُسْلِم"، وهي رواية لأبي داود والنسائي» اهـ.
[ ٤ / ١٧٥ ]
قُلْتُ: قوله: (وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح) عبارة مشكلة، ولعل صوابها: وإن أسقط ما هو ثابت في جميعها لم تصح.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [الْمَجْمُوعِ] (٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩):
«وأمَّا أقل التشهد فقَالَ الشافعي وأكثر الأصحاب أقله "التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وقَالَ جماعة: "وأن محمدًا رسوله" كذا نقله الرافعي عن العراقيين والروياني. وقَالَ البغوي: "وأشهد أن محمدًا رسوله" قَالَ ونقله ابن كج والصيدلاني فاسقطا قوله: "وبركاته" وقَالَا: "واشهد أن محمدًا رسول الله" قُلْتُ: وكذا رأيت نص الشافعي في "الأم" كما نقله الصيدلاني وكذا نقله الشيخ أبو حامد في تعليقه عن "الأم" وقَالَ ابن سريج أقله "التحيات لله سلام عليك أيها النبي سلام علي عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله" واسقط بعضهم في الحكاية عن ابن سريج لفظ "السلام" الثاني فقَالَ: "السلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين" واسقط بعضهم "الصالحين" واختاره الإمام أبو عبد الله الحليمي من كبار أصحابنا المتقدمين والصحيح الأول لأنَّه تكرر في الأحاديث ولم يسقط في شيء من الروايات الصحيحة فيجب الإتيان به كله، ولهذا قَالَ الشافعي والأصحاب: يتعين لفظة "التحيات" لثبوتها في جميع الروايات بخلاف المباركات وما بعدها، ومما يدل لسقوط لفظة: "وأشهد" رواية أبي موسى السابقة، وأمَّا إسقاط "الصالحين" فخطأ لأنَّ الشرع لم يرد بالسلام على
[ ٤ / ١٧٦ ]
كل العباد هنا بل خص به الصالحين فيتعين أن يكون إسقاط "علينا" خطأ أيضًا لأنَّ المتكلم لا يدخل في الصالحين فلا يجوز حذفه فالحاصل أنَّ في قوله: "ورحمة الله وبركاته" ثلاثة أوجه:
أصحها: وجوبهما، والثاني: حذفهما، والثالث: وجوب الأول دون الثاني.
وفي "علينا والصالحين" ثلاثة أوجه:
أصحها: وجوبهما، والثاني: حذفهما، والثالث: وجوب "الصالحين" دون علينا وفي الشهادة الثانية ثلاثة أوجه: أحدها: وأشهد أن محمدًا رسول الله.
والثاني: وهو الأصح "وأنَّ محمدًا رسول الله". والثالث: "وأنَّ محمدًا رسوله" وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: تنكير السلام وهو قوله: «سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». جاء في بعض ألفاظ حديث ابن عباس رواه أحمد (٢٦٦٥)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (١١٧٤)
وجاء أيضًا في بعض ألفاظ حديث أبي موسى رواه النسائي (١٠٦٤).
ووقع في بعض روايات تشهد ابن عباس عند أحمد (٢٦٦٥): «وأنَّ محمدًا رسول الله». من غير لفظ الشهادة.
وهكذا جاء في حديث عائشة في [الْمُوَطَأ] (٢٠٥).
[ ٤ / ١٧٧ ]
وجاء أيضًا في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد (٤١٨٩)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٧٥٤).
وفي حديث أبي موسى الأشعري عند النسائي في [السنن الْكُبْرَى] (٦٥١)، وأبي يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٧٢٢٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٦٥٢، ٣٧٧٤).
قُلْتُ: ولفظة: «الزاكيات». لم تأت في كثير من التشهدات، ولفظة: «الطيبات». جاءت في سائر التشهدات إلَّا تشهد ابن عمر الموقوف عليه.
فتبين من هذا أنَّ التشهدات لم تتفق على ذكر الطيبات، والزاكيات، وتعريف السلام، ولفظ الشهادة في قوله:
«وأشهد أنَّ محمدًا …» وذكر لفظة: «عبده». ولفظة: «السلام عليكم» آخر التشهد. جاء في بعض الروايات في حديث عائشة دون سائر التشهدات.
وجاء في تشهد ابن عمر الموقوف عليه «شهدت» بدل «أشهد».
وجاء في تشهد عائشة تقديم التشهد على السلام.
وأمَّا ما جاء في بعض التشهدات من حذف كاف الخطاب في السلام على النبي ﷺ واستبدال ذلك بضمير الغيبة فهو من اجتهادات بعض الصحابة كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى.
وأمَّا زيادة التسمية في أوله فقد جاء في تشهد ابن عمر الموقوف عليه، لكن قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِي ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٢/ ١٤٣):
[ ٤ / ١٧٨ ]
«وأمَّا الرواية فيها عَنِ ابْنِ عُمَرَ فهي وإن كانت صحيحة فيحتمل أن تكون زيادة من جهة ابن عمر فقد روينا عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديث التشهد ليس فيه ذكر التسمية وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وجاءت في تشهد عمر بن الخطاب وقد اختلف في إثباتها في تشهده فأثبتها هشام بن عروة ولم يثبتها الزهري.
والذي يظهر لي أنَّ حديث الزهري أصح لأنَّ حديثه موافق لسائر الأدلة الصحيحة في التشهد.
وجاءت أيضًا في تشهد عائشة، وجابر، وعبد الله بن الزبير، وعلي ولا يصح ذلك عنهم.
وروى ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (١٤٧٩) حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: «سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: بِسْمِ اللهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ. فَانْتَهَرَهُ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وسعيد هو ابن منصور، وداود هو ابن أبي هند.
وقد جاء في حديث أبي موسى ما يدل على عدم التسمية في التشهد وذلك في قول النبي ﷺ: «وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ …». وهو عند مُسْلِم كما سبق.
[ ٤ / ١٧٩ ]
٢ - أنَّ التشهد يقَالَ كما ورد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لقول ابن مسعود ﵁: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرَآنِ».
٣ - أنَّه يسلم على النبي ﷺ بكاف الخطاب.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٧٦):
«والسلام على النبي بلفظ: "السلام عليك أيها النبي"، وهكذا في سائر الروايات؛ ولذلك كان عمر يعلم الناس في التشهد على المنبر بمحضر من الصحابة.
وقد اختار بعضهم أن يقَالَ بعد زمان النَّبِيَّ ﷺ: "السلام على النبي"، وقد ذكر الْبُخَارِيّ في موضع آخر من "كتابه" أنَّهم كانوا يسلمون على النبي ﷺ بعد موته في التشهد كذلك، وهو رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعائشة» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن مسعود رواه الْبُخَارِيّ (٦٢٦٥) عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرَآنِ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". وَهْوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَامُ يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ».
[ ٤ / ١٨٠ ]
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٧٥) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: «أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يُسَلِّمُونَ وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».
قُلْتُ: وسنده صحيح.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٣/ ١٥٠ - ١٥٢):
«وَقَوْلُهُ: "السلام عليك" هل هو خبر أو دعاء؟ يعني: هل أنت تخبر بأنَّ الرسول مُسْلِم، أو تدعو بأنَّ الله يسلمه؟
الجواب: هو دعاء تدعو بأنَّ الله يسلمه، فهو خبر بمعنى الْدُعَاء قوة رجاء الإجابة أمر واقع.
ثم هل هذا خطاب للرسول ﵊ كخطاب الناس بعضهم بعضًا؟
الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصلاة به؛ لأنَّ هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين. ولأنَّه لو كان كذلك لجهر به الصحابة حتى يسمع النبي ﷺ، ولرد ﵈ كما كان كذلك عند ملاقاتهم إياه، ولكن كما قَالَ شيخ الإسلام في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم": لقوة استحضارك للرسول ﵊ حين السلام عليه، كأنَّه أمامك تخاطبه.
[ ٤ / ١٨١ ]
ولهذا كان الصحابة يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلد وهو في بلد آخر، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلد غير بلده وفي عصر غير عصره.
وأمَّا ما ورد في "صحيح الْبُخَارِيّ" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أنَّهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول ﷺ: "السلام على النبي ورحمة الله وبركاته" فهذا من اجتهاداته ﵁ التي خالفه فيها من هو أعلم منه؛ عمر بن الخطاب ﵁، فإنَّه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ وقَالَ في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله" كما رواه مالك في "الْمُوَطَأ" بسند من أصح الأسانيد، وقَالَه عمر بمحضر الصحابة ﵃ وأقروه على ذلك.
ثم إنَّ الرسول ﵊ علمه أمته، حتى إنَّه كان يعلم ابن مسعود، وكفه بين كفيه من أجل أن يستحضر هذا اللفظ، وكان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن، وهو يعلم أنَّه سيموت؛ لأنَّ الله قَالَ له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ولم يقل: بعد موتي قولوا: السلام على النبي، بل علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن بلفظها. ولذلك لا يعول على اجتهاد ابن مسعود، بل يقَالَ: "السلام عليك أيها النبي"» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤١٧ - ٤١٨)
[ ٤ / ١٨٢ ]
«أمَّا السؤال السادس والعشرون وهو ما الحكمة في كون السلام وقع بصيغة الخطاب والصلاة بصيغة الغيبة.
فجوابه يظهر مما تقدم فإنَّ الصلاة عليه طلب وسؤال من الله أن يصلي عليه فلا يمكن فيها إلَّا لفظ الغيبة إذ لا يقَالَ اللهم صل عليك، وأمَّا السلام عليه فأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلًا له منزلة المواجه لحكمة بديعة جدًا وهي أنَّه لما كان أحب إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه وأولى به منها وأقرب وكانت حقيقته الذهنية ومثاله العلمي موجودًا في قلبه بحيث لا يغيب عنه إلَّا شخصه كما قَالَ القائل:
مثالك في عيني وذكرك في فمي … ومثواك في قلبي فأين تغيب
ومن كان بهذه الحال فهو الحاضر حقًا وغيره وإن كان حاضرًا للعيان فهو غائب عن الجنان فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه أولى من سلام الغيبة تنزيلًا له منزلة المواجه المعاين لقربه من القلب وحلوله في جميع أجزائه بحيث لا يبقى في القلب جزء إلَّا ومحبته وذكره فيه كما قيل:
لو شق عن قلبي يرى وسطه ذكرك …» اهـ.
٤ - وفيه دليل على جواز الْدُعَاء بالرحمة للنبي ﷺ.
٥ - واحتج بقوله: «السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ». من قَالَ من أهل العلم إنَّ الداعي يبدأ بالْدُعَاء لنفسه قبل أن يدعو لغيره.
[ ٤ / ١٨٣ ]
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٧٦):
«وفي هذا مستند لمن أستجب لمن يدعوه لغيره أن يبدأ بالْدُعَاء لنفسه قبله، وهو قول علماء الكوفة، وخالفهم آخرون» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الترمذي (٣٣٨٥)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٣١٠) مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وذكر الله عن نوح ﵇ أنه قَالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح/ ٢٨].
وعن خليله إبراهيم ﵇ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
وعن موسى الكليم أنَّه قَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف/ ١٥١].
قُلْتُ: وحديث أبي هذا ليس على عمومه فقد روى الْبُخَارِيّ (٣١٥٠)، ومُسْلِم (١٠٦٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِئَةً مِنَ الإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي
[ ٤ / ١٨٤ ]
الْقِسْمَةِ قَالَ رَجُلٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ"».
وروى الْبُخَارِيّ (٢٦٥٥)، ومُسْلِم (٧٨٨) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «﵀ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا».
وغير ذلك من الأحاديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [النكت] (١/ ٨٩):
«وإذا جاز الإفراد فلأن يجوز التقديم عند الاجتماع من باب أولى» اهـ.
٦ - واستدل بقوله: «فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ». على جواز الْدُعَاء بما شاء الإنسان من أمر الدنيا والآخرة.
٧ - واحتج به على أبي حنيفة في قوله: لا يجوز إلَّا بالدعوات الواردة في القرآن والسنة.
٨ - واحتج به الجمهور في قولهم بعدم وجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٢/ ١٤٠):
[ ٤ / ١٨٥ ]
«واستدل به جمهور العلماء على أنَّ الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ليست واجبة، ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وبعض أصحاب مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى وجوبها في التشهد الأخير، فمن تركها بطلت صلاته» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح هو وجوب الصلاة بعد التشهد الأخير للأمر بذلك.
قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب/ ٥٦].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣٤٦ - ٣٤٩):
«ووجه الدلالة أنَّ الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول الله وأمره المطلق على الوجوب ما لم يقم دليل على خلافه.
وقد ثبت أنَّ أصحابه ﵃ سألوه عن كيفية هذه الصلاة المأمور بها فقَالَ: "قولوا: اللهم صل على محمد". الحديث. وقد ثبت أنَّ السلام الذي علموه هو السلام عليه في الصلاة وهو سلام التشهد فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلين واحد.
يوضحه أنَّه علمهم التشهد أمرًا لهم به فيه وفيه ذكر التسليم عليه فسألوه عن الصلاة عليه فعلمهم إياها ثم شبهها بما علموه من التسليم عليه وهذا يدل على أنَّ الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة.
[ ٤ / ١٨٦ ]
يوضحه أنَّه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة لا فيها لكان كل مُسْلِم منهم إذا سلم عليه يقول له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ومن المعلوم أنَّهم لم يكونوا يتقيدون في السلام عليه بهذه الكيفية بل كان الداخل منهم يقول السلام عليكم وربما قَالَ السلام على رسول الله وربما قَالَ السلام عليك يا رسول الله ونحو ذلك وهم لم يزالوا يسلمون عليه من أول الإسلام بتحية الإسلام وإنَّما الذي علموه قدر زائد عليها وهو السلام عليه في الصلاة.
يوضحه حديث أبي إسحاق: "كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا" وقد صحح هذه اللفظة جماعة من الحفاظ منهم ابن خزيمة وابن حبان والْحَاكِمُ والدارقطني والبيهقي وقد تقدم في أول الكتاب وما أعلت به والجواب عن ذلك. وإذا تقرر أنَّ الصلاة المسؤول عن كيفيتها هي الصلاة عليه في نفس الصلاة وقد خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في القرآن ثبت أنَّها على الوجوب ويضاف إلى ذلك أمر النبي بها ولعل هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد رَحِمَهُ اللهُ تعالى بقوله: كنت أتهيب ذلك ثم تبينت فإذا هي واجبة وقد تقدم حكاية كلامه.
وعلى هذا الاستدلال أسئلة:
أحدها: أنَّ قوله: "والسلام كما علمتم" يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يراد به السلام عليه في الصلاة.
والثاني: أن يراد به السلام من الصلاة نفسها قَالَه ابن عبد البر.
[ ٤ / ١٨٧ ]
الثاني: أنَّ غاية ما ذكرتم إنَّما يدل دلالة اقتران الصلاة بالسلام والسلام واجب في التشهد فكذا الصلاة ودلالة الاقتران ضعيفة
الثالث: أنا لا نسلم وجوب السلام ولا الصلاة وهذا الاستدلال منكم إنَّما يتم بعد تسليم وجوب السلام عليه.
والجواب عند هذه الأسئلة:
أما الأول ففاسد جدًا فإنَّ في نفس الحديث ما يبطله وهو أنَّهم قَالَوا: "هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه فكيف الصلاة عليك". لفظ الْبُخَارِيّ في حديث أبي سعيد ﵁.
وأيضًا فإنَّهم إنَّما سألوا النبي عن كيفية الصلاة والسلام المأمور بهما في الآية لا عن كيفية السلام من الصلاة.
وأمَّا السؤال الثاني فسؤال من لم يفهم وجه تقرير الدلالة فإنَّا لم نحتج بدلالة الاقتران وإنَّما استدللنا بالأمر بها في القرآن وبينا أنَّ الصلاة التي سألوا النبي أن يعلمهم إياها إنَّما هي الصلاة التي في الصلاة.
وأمَّا السؤال الثالث ففي غاية الفساد فإنَّه لا يعترض على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول منازعيكم فيها مبطلًا لدليل صحيح لا معارض له في مسألة أخرى وهل هذا إلَّا عكس طريقة أهل العلم فإنَّ الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال
[ ٤ / ١٨٨ ]
ويعترض بها على من خالف موجبها فتقدم على كل قول اقتضى خلافها لا أنَّ أقوال المجتهدين تعارض بها الأدلة وتبطل مقتضاها وتقدم عليها.
ثم إنَّ الحديث حجة عليكم في المسألتين فإنَّه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه فيجب المصير إليه» اهـ.
قُلْتُ: روى الْبُخَارِيّ (٣٣٦٩)، ومُسْلِم (٤٠٧) عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وروى الْبُخَارِيّ (٦٣٥٧)، ومُسْلِم (٤٠٦) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ: «فَقُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وروى الْبُخَارِيّ (٣٣٧٠) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ بَلَى فَأَهْدِهَا لِي فَقَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ
[ ٤ / ١٨٩ ]
الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد».
وروى الْبُخَارِيّ (٦٣٥٨)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ».
وروى مُسْلِم (٤٠٥) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ».
وروى أحمد (٢٣٩٨٢)، وأبو داود (١٤٨٣)، والترمذي (٣٤٧٧) مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الْرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
[ ٤ / ١٩٠ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: - أَوْ لِغَيْرِهِ - «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل أبي هانئ حميد بن هانئ فإنَّه حسن الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣٥٢):
«الاعتراض الثالث أنَّ الذي أمره أن يصلي فيه ويدعو بعد تحميد الله غير معين فلم قُلْتُم أنَّه بعد التشهد.
وجواب هذا أنَّه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله ثم الصلاة على رسوله ثم الْدُعَاء إلَّا في التشهد آخر الصلاة فإنَّ ذلك لا يشرع في القيام ولا الركوع ولا السجود اتفاقًا فعلم أنَّه إنَّما أراد به آخر الصلاة حال جلوسه في التشهد» اهـ.
قُلْتُ: بل هذا ابن مسعود راوي حديث الباب جاء عنه ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٤٣)، والْحَاكِمُ في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٩٩٠)، والبيهقي في [سُنَنِهِ الْكُبْرَى] (٢٦٩٩) مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ١٩١ ]
وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والمراد بالخبر ها هنا الأمر.
فلم يفهم ﵀ مِنْ حَدِيْثِهِ السابق عدم وجوب الصلاة.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٦٤):
«وهذا أقوى شيء يحتج به للشافعي فإنَّ ابن مسعود ذكر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ علمهم التشهد في الصلاة وأنَّه قَالَ: "ثم ليتخير من الْدُعَاء ما شاء" فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الْدُعَاء دل على أنَّه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والْدُعَاء واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي مثل ما ذكر عياض قَالَ: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي ﷺ ليس فيه ذكر الصلاة عليه» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي [تفسيره] (٣/ ٢٣٠٧ - ٢٣٠٨):
«ومن ها هنا ذهب الشافعي، ﵀، إلى أنَّه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وقد شَرَع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يُشنع على الإمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنَّه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماع على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم، فيما نقله القاضي عياض. وقد تَعَسَّف القائل في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك، وقَالَ ما لم يحط به
[ ٤ / ١٩٢ ]
علمًا، فإنَّه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود، وأبو مسعود البدري، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضًا، وإليه ذهب الإمام أحمد أخيرًا فيما حكاه عنه أبو زُرْعَة الدمشقي، به. وبه قَالَ إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن الموّاز المالكي، ﵏، حتى إنَّ بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقَالَ في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، وحتى إنَّ بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن حكاه البَنْدَنيجِيّ، وسُلَيم الرازي، وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي. والصحيح أنَّه وجه، على أنَّ الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه ظواهر الحديث، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
والغَرَض أنَّ الشافعي، ﵀، لقوله بوجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة سَلَفٌ وَخَلَفٌ كما تقدم، لله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديمًا ولا حديثًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
[ ٤ / ١٩٣ ]
٩ - ويدل الحديث على عدم وجوب الاستعاذة من أربع. وهو قول جماهير العلماء خلافًا لطاووس.
وقد روى مُسْلِم (٥٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
قُلْتُ: وأغرب ابن حزم فأوجب ذلك بعد التشهد في الجلستين فقَالَ ﵀ فِي [المحلى] (٣/ ٢٧١):
«ويلزمه فرض أن يقول إذا فرغ من التشهد في كلتا الجلستين: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال" وهذا فرض كالتشهد ولا فرق» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا إيجاب ذلك فقد سبق الكلام فيه.
وأمَّا حمل الحديث على الجلستين فيرده ما رواه مُسْلِم (٥٨٨) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
١٠ - وفي قوله: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: "التَّحِيَّاتُ للهِ"». ما يدل على عدم استفتاح التشهد بالتسمية وذلك أنَّ الأصل عدم الفصل بين الشرط وجوابه. وقد سبق القول في هذه المسألة قريبًا.
[ ٤ / ١٩٤ ]
وهذا اللفظ الذي ذكره المصنف لم أقف عليه في الصحيح لكن رواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (١٥٦٦) بلفظ: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَلْيَقُلْ».
ورواه أبو نعيم في [الْمُسْنَدِ المستخرج على صحيح مُسْلِم] (٨٩٢) بلفظ:
«إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ فِي [الْأَوْسَطِ] (٣/ ٢١١):
«وكان أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد، وهشام، يقولون: بسم الله خير الأسماء. وكان طاووس يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، التحيات. وقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّه سمع رجلًا يقول: بسم الله، التحيات لله. فانتهره» اهـ.
وقَالَ ﵀ (٣/ ٢١٢): «وكل من لقيناه من أهل العلم يرون أن يبدأ بالتشهد على ما جاءت به الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ. وفي حديث أبي موسى دليل على صحة هذا القول، وقد ذكرته في هذا الكتاب، وهذا قول أهل المدينة، وأهل الكوفة، والشافعي، وأصحابه، ولو سمى الله من أراد التشهد لم يكن عليه شيء، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
١١ - وفي قوله «فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ». ما يدل على أنَّ للعموم صيغة، ومن صيغ العموم في هذا الحديث الجمع المضاف في قوله: «وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٤/ ٩٤٠):
[ ٤ / ١٩٥ ]
«وتأمل قوله في التشهد وقد علمهم أن يقولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ثم قَالَ: "فإذا قُلْتُم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض" كيف قرر بهذا عموم اسم الجمع المضاف وأغنانا عن طريق الأصوليين وتعسفها» اهـ.
١٢ - وَقَوْلُهُ: «فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ». محمول على آخر الصلاة فإنَّه موطن الْدُعَاء.
ويشكل على هذا ما رواه أحمد (٤١٦٠)، والنسائي (١١٦٣) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عُلِّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وَجَوَامِعَهُ، وَخَوَاتِمَهُ، فَقَالَ: «إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الْدُعَاء أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَلْيَدْعُ بِهِ رَبَّهُ ﷿».
قُلْتُ: وهذا إسناد ظاهره الصحة. لكنه شاذ بهذا اللفظ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد تابع أبا الأحوص في ذلك الأسود بن يزيد إلَّا أنَّه لم يذكر الْدُعَاء في آخره وحديثه عند الترمذي (٢٨٩)، والنسائي (١١٦٢)، وعلقمة بن قيس، وحديثه عند النسائي (١١٦٦) رواه مِنْ طَرِيقِ أبي إسحاق حدثه عن الأسود وعلقمة عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فذكره.
[ ٤ / ١٩٦ ]
والذي يظهر لي أنَّ اللفظ للأسود دون علقمة فقد روى الحديث النسائي (١١٦٧) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ: إِذَا صَلَّيْنَا فَعَلَّمَنَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ، جَوَامِعَ الْكَلَامِ فَقَالَ لَنَا: قُولُوا: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عَبَّادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
ورواه أحمد (٤٠٠٦) مِنْ طَرِيقِ القاسم بن مخيمرة عن علقمة به.
قُلْتُ: وقد خالف أبو الأحوص في روايته لهذا الحديث عن ابن مسعود جمعًا من أصحاب ابن مسعود منهم:
١ - شقيق ين سلمة وحديثه في الْبُخَارِيّ (٨٣١)، ومُسْلِم (٤٠٢)
٢ - عبد الله بن سخبرة أبو معمر وحديثه في الْبُخَارِيّ (٦٢٦٥)، ومُسْلِم (٤٠٢)
٣ - أبو عبد الرحمن السلمي وحديثه عند الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٩٧٨٧)
٤ - عمير بن سعيد وحديثه عند الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٩٧٩٦)
ورواه الترمذي (١١٠٥)، والنسائي (١١٦٤) من طريق قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الحَاجَةِ قَالَ: التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا
[ ٤ / ١٩٧ ]
النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». الحديث.
قُلْتُ: وهذا خلاف حديث شعبة عن أبي إسحاق. وقد تابع شعبة في ذلك إسرائيل وحديثه في [الْمُسْنَدِ] (٢٦٧٧) لأحمد إلَّا أنَّه ليس في حديثه الْدُعَاء بعد التشهد.
قُلْتُ: وقد تابع الأعمش في ذلك يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى حديثه ابن ماجه (١٨٩٢).
ومعمر وحديثه في [الْمُصَنَّفِ] (٣٠٦٣) لعبد الرزاق، وفي [مسند] أحمد (٣٨٧٧).
وسفيان وحديثه في [مسند] أحمد (٣٩٢١)، وعند النسائي في [الْكُبْرَى] (٧٤٨)
وفطر بن خليفة عند ابن أبي شيبة في [مُسْنَدِهِ] (٤٢٢)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٩٧٧٥).
وعمرو بن قيس الملائي عند الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٦٨٣).
وزهير بن معاوية عند ابن أبي شيبة في [مُسْنَدِهِ] (٤٢٣)، وعلي بن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٢٥٤٩).
ورواه الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٩٧٧٧) عن جماعة من الرواة عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا
[ ٤ / ١٩٨ ]
النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْآخَرُونَ نَحْوُهُ اهـ.
قُلْتُ: وقد رواه سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
أخرجه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٢٠٥٠).
ورواه أحمد (٤٣٨٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْ تَشَهُّدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِهَا، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِهَا، فَكُنَّا نَحْفَظُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ أَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ: إِذَا جَلَسَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، وَفِي آخِرِهَا عَلَى وَرِكِهِ الْيُسْرَى: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
[ ٤ / ١٩٩ ]
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، قَالَ: «ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ نَهَضَ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ تَشَهُّدِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهَا دَعَا بَعْدَ تَشَهُّدِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ ثُمَّ يُسَلِّمَ».
ورواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٣٦٤) وحدثني عبيد الله بن سعد الزهري، قَالَ: حدثنا عمي، قَالَ: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق. به.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من أجل ابن إسحاق، ووالد يعقوب هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري. وعم عبيد الله هو يعقوب بن إبراهيم.
والحديث يدل على أنَّ محل الْدُعَاء بعد التشهد الآخر.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٦٣):
«والظاهر: أن قوله "على وركه" يعود إلى قوله: "وفي آخرها خاصة"» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الحديث الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٩٧٨٩) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقَاشِيُّ، ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَشَهَّدُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَكُنَّا نَحْفَظُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا نَحْفَظُ حُرُوفَ الْقُرْآنِ الْوَاوَاتِ وَالْأَلِفَاتِ، قَالَ: إِذَا جَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْيُسْرَى قَالَ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ يَدْعُو إِلَهَهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ».
[ ٤ / ٢٠٠ ]
قُلْتُ: حديث عبد الأعلى كما ترى مخالف لحديث إبراهيم بن سعد والذي يظهر لي ثبوت الحديث بالوجهين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وروى أبو يعلى (٤٣٧٣) دَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَزِيدُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى التَّشَهُّدِ».
قُلْتُ: هذا حديث ظاهره الصحة وأبو الجوزاء ذكر ابن عبد البر وابن عدي أنَّه لم يسمع من عائشة.
لكن روى الحديث مُسْلِم (٤٩٨) مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ».
[ ٤ / ٢٠١ ]
ورواه أبو داود الطيالسي (١٦٥١)، ومِنْ طَرِيقِه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٦١٧) حدثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي، بصري ثقة صدوق عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عَنْ عَائِشَةَ به.
قُلْتُ: وعبد الرحمن هذا حسن الحديث. وقد يقَالَ أنَّ هذا هو المحفوظ في الحديث، ويحتمل ثبوت الحديثين. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وروى أحمد (٣٦٥٦، ٣٨٩٥، ٤٠٧٤، ٤١٥٥، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠)، وأبو داود (٩٩٧)، والترمذي (٣٦٦)، والنسائي (١١٧٦) مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ»، قَالَ: قُلْنَا: حَتَّى يَقُومَ؟ قَالَ: «حَتَّى يَقُومَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود فإنَّ مرسلاته عن أبيه مقبولة.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [شَرْحِ عِلَلِ الْتِرْمِذي] ص (١٨٢):
«قَالَ ابن المديني - في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه -: "هو منقطع، وهو حديث ثبت". قَالَ يعقوب بن شيبة: "إنَّما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في الْمُسْنَدِ - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر"» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٨٧) - بعد ذكره لهذا الحديث -:
[ ٤ / ٢٠٢ ]
«وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلَّا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قَالَه ابن المدني وغيره» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مما يدل على الاقتصار على مجرد التشهد في وسط الصلاة وألَّا يزيد على ذلك شيئًا فإنَّ الزيادة تنافي مدلول هذا الحديث. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ويشهد لذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٣٤)
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «كَانَ أَبُو بَكْرٍ، إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ، يَعْنِي، حَتَّى يَقُومَ».
قُلْتُ: هذا إسناد منقطع بين تميم وأبي بكر.
وروى أيضًا (٣٠٣٥) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ، «صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الْجَمْرِ حَتَّى يَقُومَ».
قُلْتُ: وفي إسناده رجل مبهم لكنه يتقوى بما قبله.
والرَّضف: الحجارة المُحْماة على النار، واحدتُها رَضْفة.
ومما يدل أيضًا على أنَّ محل الْدُعَاء بعد الفراغ من التشهد الأخير ما رواه مُسْلِم (٥٨٨) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» ..
[ ٤ / ٢٠٣ ]
١٣ - الأحسن أن يتخير المصلي الأدعية الثابتة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقد وردت عدة أدعية في هذا الموطن منها:
١ - وروى مُسْلِم (٧٧١) عن علي ﵁ قَالَ - في حديث الاستفتاح الطويل في قيام الليل -: «ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"».
٢ - ما رواه أحمد (١٨٩٩٥)، وأبو داود (٩٨٧) واللفظ له، والنسائي (١٣٠١) مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الْأَدْرَعِ، حَدَّثَهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ، وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اَللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ: فَقَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ» ثَلَاثًا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٣ - وروى الْبُخَارِيّ (٨٣٢)، ومُسْلِم (٥٨٩) عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أخبرته أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مَا
[ ٤ / ٢٠٤ ]
أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ».
قُلْتُ: هذا الْدُعَاء وارد قبل السلام وإن لم يأت التصريح بذلك في الحديث لكن يدل على ذلك الحديث الآتي بعد هذا. وقد بوَّب على هذا الحديث الإمام الْبُخَارِيّ بقوله: «باب الْدُعَاء قبل السلام».
٤ - وروى مُسْلِم (٥٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
٥ - روى أبو داود (١٥٢٤) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِم، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ، عَنْ الصُّنَابِحِيّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
٦ - وروى أحمد (١٢٦٣٢، ١٣٥٩٥)، وأبو داود (١٤٩٥) النسائي (١٣٠٠) مِنْ طَرِيقِ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ أَخِي أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا - يَعْنِي - وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ وَتَشَهَّدَ دَعَا، فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
وليس في حديث أبي داود ذكر للتشهد.
قُلْتُ: خلف بن خليفة اختلط في آخر عمره، وقد جاء الحديث بأصح من هذا الإسناد من غير ذكر للتشهد.
فروى أحمد (١٢٢٢٦)، وابن ماجه (٣٨٥٨) مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ أبو خزيمة هو العبدي، البصري، قيل اسمه نصر بن مرداس، وقيل صالح بن مرداس وهو حسن الحديث.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
قُلْتُ: وهذا أحسن إسناد لهذا الحديث.
وروى أحمد (١٣٨٢٤) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي عَيَّاشٍ زَيْدِ بْنِ صَامِتٍ الزُّرَقِيِّ وَهُوَ يُصَلِّي، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، يَا مَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
قُلْتُ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تعجيل المنفعة] (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩):
«إسحاق بن إبراهيم الرازي ختن سلمة بن الفضل الأبرش روى عن سلمة وغيره وعنه أحمد زاد في الإكمال فيه نظر
قُلْتُ: وروى عنه أيضًا الحسن بن علي بن مهران ومحمد بن منصور القهستاني قَالَ بن أبي حاتم عن أبيه سمعت يحيى بن معين أثنى عليه خيرًا» اهـ.
قُلْتُ: وابن إسحاق مدلس وقد عنعن، وعبد العزيز بن مُسْلِم لا يعرف حاله.
وروى الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٨٥٧)، وابن مندة في [التوحيد] (٣٠٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ رِفَاعَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
[ ٤ / ٢٠٧ ]
سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
قُلْتُ: عياض بن عبد الله الفهري ضعيف الحديث.
وروى الطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٤٥٨٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو مُسْلِم الْكَشِّيُّ، قَالَا: ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكُ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».
قُلْتُ: أبان بن أبي عياش متروك الحديث.
وروى الطبراني في [مُسْنَدِ الْشَّامِيِيْنَ] (٢٧) حَدَّثَنَا سَلَامَةُ بْنُ نَاهِضٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السَّكْسَكِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَوْ غَيْرِهِ - الشَّكُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، الْمَنَّانُ بَدِيعُ
[ ٤ / ٢٠٨ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
قُلْتُ: عمرو بن بكر السكسكي متروك الحديث.
* * *
[ ٤ / ٢٠٩ ]
١١٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
الحديث جاء في الصحيحين بذكر آل إبراهيم، وفي رواية للبخاري ذكر إبراهيم وآل إبراهيم. وسيأتي ذكره عند ذكر صيغ الصلوات.
معنى قوله: «اللَّهُمَّ». أي يا الله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٤٣):
«لا خلاف أنَّ لفظة "اللهم" معناها يا الله ولهذا لا تستعمل إلَّا في الطلب فلا يقَالَ: اللهم غفور رحيم بل يقَالَ اللهم اغفر لي وارحمني» اهـ.
قُلْتُ: اختلف النحاة في الميم المشددة من آخر الاسم على أقوال ذكرها العلامة ابن القيم في الكتاب المشار إليه فقَالَ سيبويه: زيدت عوضًا من حرف النداء ولذلك لا يجوز عنده الجمع بينهما في اختيار الكلام فلا يقَالَ: يا اللهم إلَّا فيما ندر.
والضمة التي على الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد.
[ ٤ / ٢١٠ ]
وإعراب «اللَّهُمَّ» منادى مفرد علم بياء النداء المحذوفة المعوض عنها بالميم المشددة.
وقيل الميم عوض عن جملة محذوفة والتقدير يا الله أمنَّا بخير أي اقصدنا ثم حذف الجار والمجرور وحذف المفعول فبقي في التقدير يَا أَللَّهُ أُمَّ، ثم حذفوا الهمزة لكثرة دوران هذا الاسم في الْدُعَاء على ألسنتهم فبقي يا اللهم وهذا قول الفراء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٤٤):
«ورد البصريون هذا بوجوه:
أحدها: أنَّ هذه تقادير لا دليل عليها ولا يقتضيها القياس فلا يصار إليها بغير دليل.
الثاني: أنَّ الأصل عدم الحذف فتقدير هذه المحذوفات الكثيرة خلاف الأصل.
الثالث: أنَّ الداعي بهذا قد يدعو بالشر على نفسه وعلى غيره فلا يصح هذا التقدير فيه» اهـ.
قُلْتُ: وذكر ﵀ أوجهًا أخرى.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٤٧):
«وقيل زيدت الميم للتعظيم والتفخيم كزيادتها في زرقم لشديد الزرقة وابنم في الابن وهذا القول صحيح ولكن يحتاج إلى تتمة وقائله لحظ معنى صحيحًا لا بد من بيانه وهو أنَّ الميم تدل على الجمع وتقتضيه ومخرجها يقتضي ذلك وهذا مطرد
[ ٤ / ٢١١ ]
على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى كما هو مذهب أساطين العربية وعقد له أبو الفتح بن جني بابًا في "الخصائص" وذكره عن سيبويه واستدل عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى ثم قَالَ: ولقد كنت برهة يرد علي اللفظ لا أعلم موضوعه وآخذ معناه من قوة لفظه ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبًا منه فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني فقَالَ: وأنا كثيرًا ما يجري لي ذلك ثم ذكر لي فصلًا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ …» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ ص (١٥٠ - ١٥٢):
«فنقول الميم حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه فوضعته العرب علمًا على الجمع فقَالَوا للواحد أنت فإذا جاوزوه إلى الجمع قَالَوا أنتم. وقَالَوا للواحد الغائب هو فإذا جاوزوه إلى الجمع قَالَوا هم. وكذلك في المتصل يقولون ضربت وضربتم وإياك وإياكم وإياه وإياهم ونظائره نحو به وبهم ويقولون للشيء الأزرق أزرق فإذا اشتدت زرقته واستحكمت قَالَوا زرقم ويقولون للكبير الأست ستهم.
وتأمل الألفاظ التي فيها الميم كيف تجد الجمع معقودًا بها مثل لمَّ الشيء يلمه إذا جمعه ومنه لمَّ الله شعثه أي جمع ما تفرق من أموره ومنه قولهم دار لمومة أي تلم الناس وتجمعهم ومنه ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ جاء في تفسيرها يأكل نصيبه ونصيب صاحبه وأصله من اللم وهو الجمع كما يقَالَ لفه يلفه ومنه ألم بالشيء إذا قارب الاجتماع
[ ٤ / ٢١٢ ]
به والوصول إليه ومنه اللمم وهو مقاربة الاجتماع بالكبائر ومنه الملمة وهي النازلة التي تصيب العبد ومنه اللمة وهي الشعر الذي قد اجتمع وتقلص حتى جاوز شحمة الأذن ومنه تم الشيء وما تصرف منها ومنه بدر التم إذا كمل واجتمع نوره ومنه التوأم للولدين المجتمعين في بطن ومنه الأم وأم الشيء أصله الذي تفرع منه فهو الجامع له وبه سميت مكة أم القرى والفاتحة أم القرآن واللوح المحفوظ أم الكتاب.
قَالَ الجوهري: أم الشيء أصله ومكة أم القرى وأم مثواك صاحبة منزلك يعني التي تأوي إليها وتجتمع معها وأم الدماغ الجلدة التي تجمع الدماغ ويقَالَ لها أم الرأس وَقَوْلُهُ تعالى في الآيات المحكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ والأمة الجماعة المتساوية في الخلقة والزمان قَالَ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
وقَالَ النبي ﷺ: "لولا أنَّ الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها"
ومنه الإمام الذي يجتمع المقتدون به على اتباعه ومنه أم الشيء يؤمه إذا اجتمع قصده وهمه إليه ومنه رم الشيء يرمه إذا أصلحه وجمع متفرقة.
قيل ومنه سمي الرمان لاجتماع حبه وتضامه. ومنه ضم الشيء يضمه إذا جمعه، ومنه هم الإنسان وهمومه وهي إرادته وعزائمه التي تجتمع في قلبه.
[ ٤ / ٢١٣ ]
ومنه قولهم للأسود أحم وللفحمة السوداء حممة وحمم رأسه إذا اسود بعد حلقه كل هذا لأنَّ السواد لون جامع للبصر لا يدعه يتفرق ولهذا يجعل على عيني الضعيف البصر لوجع أو غيره شيء أسود من شعر أو خرقة ليجمع عليه بصره فتقوى القوة الباصرة وهذا باب طويل فلنقتصر منه على هذا القدر.
وإذا علم هذا من شأن الميم فهم ألحقوها في آخر هذا الاسم الذي يسأل الله سبحانه به في كل حاجة وكل حال إيذانًا بجميع أسمائه وصفاته فالسائل إذا قَالَ: اللهم إني أسألك كأنَّه قَالَ أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم إيذانًا بسؤاله تعالى بأسمائه كلها كما قَالَ النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ما أصاب عبدًا قط هم ولا حزن فقَالَ اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحًا" قَالَوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قَالَ: "بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن".
فالداعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته كَمَا فِي الاسم الأعظم اللهم إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد لا إله إلَّا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم» اهـ.
[ ٤ / ٢١٤ ]
وَقَوْلُهُ: «صَلَّ». الصلاة في اللغة تأتي بمعنى الْدُعَاء وبمعنى العبادة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٥٥):
«وأصل هذه اللفظة في اللغة يرجع إلى معنيين:
أحدهما: الْدُعَاء والتبريك.
والثاني: العبادة» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ ص (١٥٦):
«فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة وهو الْدُعَاء والْدُعَاء دعاء عبادة ودعاء مسألة والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقية لا مجازًا ولا منقولة لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوهما فهذا غايته تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه ولهذا لا يوجب نقلًا ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا صلاة الله على عبده فأحسن ما قيل في معناها ما ذكره الإمام الْبُخَارِيّ عن أبي العالية أنه قَالَ: «صَلَاةُ اللَّهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ».
وصله إسماعيل القاضي في [فضل الصلاة على النبي ﷺ] (٩٥) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]
[ ٤ / ٢١٥ ]
ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ اللَّهِ ﷿ عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ الْدُعَاء».
وفيه أبو جعفر الرازي ضعيف.
وَقَوْلُهُ: «عَلَى مُحَمَدٍ». سمي بذلك لكثرة أخلاقه وفضائله المحمودة التي استحق بها أن يحمد أكثر من غيره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٩٣):
«لنرجع إلى المقصود وهو أنَّه سمي محمدًا وأحمد لأنَّه يحمد أكثر مما يحمد غيره وأفضل مما يحمد غيره فالاسمان واقعان على المفعول وهذا هو المختار وذلك أبلغ في مدحه وأتم معنى ولو أريد به معنى الفاعل لسمي الحماد وهو كثير الحمد كما سمي محمدًا وهو المحمود كثيرًا فإنه كان أكثر الخلق حمدًا لربه فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى حمادًا كما أنَّ اسم أمته الحمادون
وأيضًا فإنَّ الاسمين إنَّما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدًا وأحمد فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة ويحمده أهل السماء والأرض فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوت عد العادين سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «وَعَلَى آَلِ مُحَمَدٍ». اختلف في معنى الآل على قولين: قيل بمعنى الأهل ورد ذلك العلامة ابن القيم ﵀.
[ ٤ / ٢١٦ ]
والقول الآخر: مشتق من آل يؤول إذا رجع فآل الرجل هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه ويؤولهم أي يسوسهم فيكون مآلهم إليه ومنه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢٠٤ - ٢٠٥):
«وقيل بل أصله أول وذكره صاحب الصحاح في باب الهمزة والواو واللام قَالَ وآل الرجل أهله وعياله وآله أيضًا اتباعه وهو عند هؤلاء مشتق من آل يؤول إذا رجع فآل الرجل هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه ويؤولهم أي يسوسهم فيكون مآلهم إليه ومنه الإيالة وهي السياسة فآل الرجل هم الذين يسوسهم ويؤولهم ونفسه أحق بذلك من غيره فهو أحق بالدخول في آله ولكن لا يقَالَ إنَّه مختص بآله بل هو داخل فيهم وهذه المادة موضوعة لأصل الشيء وحقيقته ولهذا سمي حقيقة الشيء تأويله لأنَّها حقيقته التي يرجع إليها» اهـ.
قُلْتُ: واختلف في آل النبي ﷺ من هم فذهب أكثر العلماء إلى أنَّهم من تحرم عليهم الصدقة واختلفوا فيمن تحرم عليهم الصدقة فذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه إلى أنَّهم بنو هاشم وبنو المطلب.
وذهب أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى إلى أنَّهم بنو هاشم خاصة.
والقول الثاني: لأهل العلم أنَّهم أزواجه وذريته خاصة.
والقول الثالث: أنَّ آله اتباعه إلى يوم القيامة وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله ﵄ ورجحه الشيخ محيي الدين النووي في "شَرْحِ مُسْلِم".
[ ٤ / ٢١٧ ]
والقول الرابع: أنَّ آله هم الأتقياء من أمته.
واحتج من قَالَ أنَّهم من تحرم عليهم الصدقة بما رواه الْبُخَارِيّ (١٤٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ فَجَعَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، ﵄ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ: لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ"».
قُلْتُ: والحديث رواه مُسْلِم (١٠٦٩) من غير ذكر الآل ولكن بلفظ: «كِخْ كِخْ ارْمِ بِهَا أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟».
واحتجوا أيضًا بما رواه مُسْلِم (٢٤٠٨) عن يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ قَالَ انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِم إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا
رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ وَغَزَوْتَ مَعَهُ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«يَا ابْنَ أَخِي وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَقَدُمَ عَهْدِي وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ثُمَّ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ
[ ٤ / ٢١٨ ]
وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ". فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: "وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي". فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ قَالَ وَمَنْ هُمْ قَالَ هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ قَالَ نَعَمْ».
واحتجوا بما رواه مُسْلِم (١٠٧٢) عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ قَالَ: «اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَا وَاللَّهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَاهُ فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ قَالَ فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَا تَفْعَلَا فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ. فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا فَوَاللَّهِ لَقَدْ نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْكَ. قَالَ عَلِيٌّ: أَرْسِلُوهُمَا فَانْطَلَقَا وَاضْطَجَعَ
[ ٤ / ٢١٩ ]
عَلِيٌّ. قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَبَقْنَاهُ إِلَى الْحُجْرَةِ فَقُمْنَا عِنْدَهَا حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِآذَانِنَا ثُمَّ قَالَ: "أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ". ثُمَّ دَخَلَ وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. قَالَ: فَتَوَاكَلْنَا الْكَلَامَ ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُ النَّاسِ وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ فَجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّيَ إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ. قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلًا حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ. قَالَ: وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ تُلْمِعُ عَلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَنْ لَا تُكَلِّمَاهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ". وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: فَجَاآهُ: فَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: "أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ". لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فَأَنْكَحَهُ، وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ: "أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ" لِي فَأَنْكَحَنِي وَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: "أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنْ الْخُمُسِ" كَذَا وَكَذَا».
قَالَ الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُسَمِّهِ لِي.
قُلْتُ: وهذا الحديث يدل على أنَّ بني هاشم من أل البيت.
واحتج من قَالَ هم أزواجه وذريته خاصة بما رواه الْبُخَارِيّ (٣٣٦٩)، ومُسْلِم (٤٠٧) عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، ﵁، أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
[ ٤ / ٢٢٠ ]
قُلْتُ: هذا لفظ الْبُخَارِيّ ولفظ مُسْلِم: «وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ». بزيادة "عَلَى".
ووجه الشاهد أنَّه جاء في سائر أحاديث الصلاة ذكر آل محمد بدل قوله:
«وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ».
قَالَوا: فأحد اللفظين يفسر الآخر.
واحتجوا بما رواه الْبُخَارِيّ (٦٤٦٠)، ومُسْلِم (١٠٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا».
هذا لفظ الْبُخَارِيّ، ولفظ مُسْلِم: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢١٦):
«ومعلوم أنَّ هذه الدعوة المستجابة لم تنل كل بني هاشم ولا بني المطلب لأنَّه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة وإلى الآن وأمَّا أزواجه وذريته فكان رزقهم قوتًا وما كان يحصل لأزواجه بعده من الأموال كنَّ يتصدقن به ويجعلنَّ رزقهنَّ قوتًا وقد جاء عائشة ﵂ مال عظيم فقسمته كله في قعدة واحدة فقَالَت لها الجارية: لو خبأت لنا درهمًا نشتري به لحمًا. فقَالَت: لها لو ذكرتني فعلت» اهـ.
واحتجوا أيضًا بما رواه الْبُخَارِيّ (٥٣٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ».
[ ٤ / ٢٢١ ]
وروى الْبُخَارِيّ (٥٤١٦)، ومُسْلِم (٢٩٧٠) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، - قَالَتْ: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢١٧):
«قَالَوا: ومعلوم أنَّ العباس وأولاده وبني المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها» اهـ.
واحتجوا أيضًا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/ ٣٣] والآيات في سياق ذكر أزواج النبي ﷺ فدل ذلك أنَّ أزواج النبي ﷺ من أهل البيت.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢٢٠ - ٢٢١):
«وأمَّا القول الثالث وهو: أنَّ آل النبي أمته وأتباعه إلى يوم القيامة فقد احتج له بأنَّ آل المعظم المتبوع هم أتباعه على دينه وأمره قريبهم وبعيدهم.
قَالَوا: واشتقاق هذه اللفظة تدل عليه فإنَّه من آل يؤول إذا رجع ومرجع الأتباع إلى متبوعهم لأنَّه إمامهم وموئلهم
قَالَوا: ولهذا كان قوله تعالى: ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ المراد به أتباعه وشيعته المؤمنون به من أقاربه وغيرهم.
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ المراد به أتباعه.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
واحتجوا أيضًا بأنَّ واثلة بن الأسقع روى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دعا حسنًا وحسينًا فأجلس كل واحد منهما على فخذه وأدنى فاطمة ﵂ من حجرة وزوجها ثم لف عليهم ثوبه ثم قَالَ: "اللهم هؤلاء أهلي" قَالَ واثلة فقُلْتُ يا رسول الله وأنا من أهلك. فقَالَ: "وأنت من أهلي" رواه البيهقي. قَالَوا: ومعلوم أنَّ واثلة بن الأسقع من بني ليث بن بكر بن عبد مناة وإنَّما هو من أتباع النبي ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: حديث واثلة رواه أحمد في [فضائل الصحابة] (١٠٧٧)، والْبُخَارِيّ في [التاريخ الْكَبِيْر] (٢٦٤٦)، والطبراني في [الْمُعْجَمِ الْكَبِيْر] (٢٦٠٤، ١٧٦٢٦)، والطحاوي في [مشكل الآثار] (٧٧٣)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٦٩٧٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢٦٩٠، ٢٦٩١) مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ شَدَّادٍ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَنْ عَلِيٍّ فِي مَنْزِلِهِ، فَقِيلَ لِي ذَهَبَ يَأْتِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ جَاءَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلْتُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْفِرَاشِ، وَأَجْلَسَ فَاطِمَةَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَلِيًّا عَنْ يَسَارِهِ، وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي»، قَالَ وَاثِلَةُ: فَقُلْتُ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَهْلِكَ؟ قَالَ: «وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِي»، قَالَ وَاثِلَةُ: إِنَّهَا لَمِنْ أَرْجَى مَا أَرْتَجِي.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
واحتج أصحاب القول الرابع بقول الله ﷿ لنوح ﵇: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود/ ٤٦].
قَالَوا: فأخرجه الله ﷿ من أهله لأنَّه لم يكن صالحًا تقيًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (٢٢٢ - ٢٢٣):
«وأجاب عنه الشافعي ﵀ بجواب جيد وهو أنَّ المراد أنَّه ليس من أهلك الذين أمرنا بحملهم ووعدناك نجاتهم لأنَّ الله سبحانه قَالَ له قبل ذلك: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم.
قُلْتُ: ويدل على صحة هذا أنَّ سياق الآية يدل على أنَّ المؤمنين به قسم غير أهله الذين هم أهله لأنَّه قَالَ سبحانه: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ﴾ فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل وهم الأهل والاثنان من كل زوجين.
واحتجوا أيضًا بحديث واثلة بن الأسقع المتقدم قَالَوا وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به وكأنَّه جعل واثلة في حكم الأهل تشبيهًا بمن يستحق هذا الاسم» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢٢٣):
[ ٤ / ٢٢٤ ]
«والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني، وأمَّا الثالث والرابع فضعيفان لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد رفع الشبهة بقوله: "إنَّ الصدقة لا تحل لآل محمد".
وَقَوْلُهُ: "إنَّما يأكل آل محمد من هذا المال"
وَقَوْلُهُ: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعًا فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه ولا يجوز العدول عن ذلك.
وأمَّا تنصيصه على الأزواج والذرية فلا يدل على اختصاص الآل بهم بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم لما روى أبو داود مِنْ حَدِيْثِ نعيم المجمر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ في الصلاة على النبي ﷺ: "اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم" فجمع بين الأزواج والذرية والأهل وإنَّما نص عليهم بتعيينهم ليبين أنَّهم حقيقيون بالدخول في الآل وأنَّهم ليسوا بخارجين منه بل هم أحق من دخل فيه وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام وعكسه تنبيها على شرفه وتخصيصًا له بالذكر من بين النوع لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه» اهـ.
قُلْتُ: حديث أبي هريرة هذا رواه أبو داود (٩٨٤) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ يَسَارٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو مُطَرِّفٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ
[ ٤ / ٢٢٥ ]
بْنِ كَرِيزٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، عَنِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى، إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ حبان بن يسار صدوق لكنه اختلط، أبو مطرف عبيد الله بن طلحة لم يوثقه معتبر.
ورواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٨١٥٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ عَبْدَةٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ».
وهذا اللفظ لا نحفظه إلَّا مِنْ حَدِيْثِ داود عن نعيم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وقد رواه الدولابي في [الكنى والأسماء] (٧٠٧)، والعقيلي في [الضعفاء الْكَبِيْر] (٥٠١) مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ يَسَارٍ الْكِلَابِيُّ أَبُو رَوْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ طَلْحَةَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحَنَفِيَّةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فذكره وجعله من مسند علي.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٥٧):
«ورواية موسى أرجح ويحتمل أن يكون لحبان فيه سندان» اهـ.
قُلْتُ: وقد أعل الحديث أبو حاتم بعلة أخرى فقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ في [الْعِلَلِ] (١/ ٧٦):
«وسألت أبي عن حديث؛ رواه داود بن قيس، عن نعيم المجمر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنه قيل له: قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟.
ورواه مالك، عن نعيم المجمر، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبي مسعود، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ أبي: حديث مالك أصح، وحديث داود خطأ.
قيل لأبي: إن موسى بن إسماعيل، أبا سلمة، قد روى عن حبان بن يسار، قَالَ: حدثنا أبو مطرف عبيد الله بن طلحة بن كريز، قَالَ: حدثني محمد بن علي الهاشمي يعني أبا جعفر، عن المجمر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
فقُلْتُ لأبي: قد تابع هذا داود بن قيس.
قَالَ: مالك أحفظ، والحديث حديث مالك» اهـ.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
قُلْتُ: ويغني عنه ما رواه أحمد (٢٣٢٢١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: وَكَانَ أَبِي يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ولعل العطف من قبيل عطف الخاص على العام، أو لعدوم دخولهنَّ في الآل أصالة وإنَّما بسبب النكاح. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
والذي يظهر لي من ذلك هو أنَّ آل النبي ﷺ هم أزواجه وذريته ومن حرمت عليه الصدقة وهم كل من انتسب إلى هاشم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: «عَلَى إِبْرَاهِيْمَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢٦٧):
«وهذا الاسم من النمط المتقدم فإنَّ إبراهيم بالسريانية معناه أب رحيم، والله سبحانه جعل إبراهيم الأب الثالث للعالم فإنَّ أبانا الأول آدم والأب الثاني نوح وأهل الأرض كلهم من ذريته كما قَالَ تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾» اهـ.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
قُلْتُ: وهنا مسألة مشهورة وهي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفضل من إبراهيم فكيف طلب له من الصلاة ما لإبراهيم مع أنَّ المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مختصر الفتاوى المصرية] (٩٠ - ٩١):
«فإن قيل قوله: "كما صليت على آل إبراهيم" يشعر بفضيلة إبراهيم لأنَّ المشبه دون المشبه به
قيل: الجواب أنَّ محمدًا داخل في آل إبراهيم لأنَّه في الأصح أحق من غيره من الأنبياء بالدخول فيدخل عمومًا في آل إبراهيم ثم أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا ثم لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم والباقي له فيطلب له من الصلاة هذا القدر العظيم فيحصل له به أعظم ما لإبراهيم وغيره ويظهر به من فضيلته على كل من النبيين ما هو اللائق به ﷺ.
وجواب ثان: وهو أنَّ آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم في آل محمد فإذا طلب له من الصلاة مثل ما صلى على هؤلاء حصل لآله ما يليق بهم فإنَّهم دون الأنبياء وبقيت الزيادة لمحمد فحصل له بذلك مزية ليست لإبراهيم ولا لغيره وهذا حسن أيضًا» اهـ.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
قُلْتُ: وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ أجوبة للناس في ذلك متعددة ورد عليها ثم قَالَ ﵀ فِي كتابه [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٢٩٠ - ٢٩١):
«وأحسن منه أن يقَالَ: محمد هو من آل إبراهيم بل هو خير آل إبراهيم كما روى علي بن أبي طلحة عن أبي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
قَالَ ابن عباس ﵄ محمد من آل إبراهيم وهذا نص فإنَّه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله فدخول رسول الله أولى فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم متناولًا للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم.
ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا وهو فيهم ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم ويبقى الباقي كله له وتقرير هذا أنَّه يكون قد صلى عليه خصوصًا وطلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم وهو داخل معهم ولا ريب أنَّ الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا وتظهر حينئذ فائدة التشبيه وجريه على أصله وأنَّ المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره فإنَّه إذا كان المطلوب بالْدُعَاء إنَّما هو مثل المشبه به وله أوفر نصيب منه صار له من المشبه
[ ٤ / ٢٣٠ ]
المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره.
فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كل من آله وفيهم النبيون ما هو اللائق به وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له وهي من موجباته ومقتضياته فصلى الله عليه وعلى آله تسليمًا كثيرًا وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ».
أَقُولُ: البركة تدل على معنى الزيادة والنماء والثبوت والاستقرار ومنه برك البعير إذا استقر على الأرض، ومنه المبرك لموضع البروك. والبركة بكسر الباء سميت بذلك لإقامة الماء فيها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣٠٨):
«فهذا الْدُعَاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم وإدامته وثبوته له ومضاعفته وزيادته هذا حقيقة البركة» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٣١٦ - ٣١٧):
[ ٤ / ٢٣١ ]
«فالحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا وإن لم يحمده غيره فهو حميد في نفسه والمحمود من تعلق به حمد الحامدين وهكذا المجيد والممجد والْكَبِيْر والمكبر والعظيم والمعظم والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله فإنَّ الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود فمن أحببته ولم تثن عليه لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه محبًا له وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير فإنَّ هذه هي أسباب المحبة وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل كان الحمد والحب أتم وأعظم والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما والإحسان كله له ومنه فهو أحق بكل حمد وبكل حب من كل جهة فهو أهل أن يحب لذاته ولصفاته ولأفعاله ولأسمائه ولإحسانه ولكل ما صدر منه ﷾ وأما المجد فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال والحمد يدل على صفات الإكرام والله ﷾ ذو الجلال والإكرام» اهـ.
إلى أن قَالَ ﵀ (٣١٨): «ولما كانت الصلاة على النبي وهي ثناء الله تعالى عليه وتكريمه والتنويه به ورفع ذكره وزيادة حبه وتقريبه كما تقدم كانت مشتملة على الحمد والمجد فكأنَّ المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده فإنَّ الصلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد هذا حقيقتها فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له وهما أسماء الحميد والمجيد وهذا كما تقدم أنَّ الداعي يشرع له أن يختم
[ ٤ / ٢٣٢ ]
دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه أو يفتتح دعاءه به وتقدم أن هذا من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾».
إلى أن قَالَ ﵀ ص (٣٢٠):
«فلما كان المطلوب للرسول حمدًا ومجدًا بصلاة الله عليه ختم هذا السؤال باسمي الحميد والمجيد وأيضًا فإنَّه لما كان المطلوب للرسول حمدًا ومجدًا وكان ذلك حاصلًا له ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذينك الوصفين للرب بطريق الأولى إذ كل كمال في العبد غير مستلزم للنقص فالرب أحق به.
وأيضًا فإنَّه لما طلب للرسول حمدًا ومجدًا بالصلاة عليه وذلك يستلزم الثناء عليه ختم هذا المطلوب بالثناء على مرسله بالحمد والمجد فيكون هذا الْدُعَاء متضمنًا لطلب الحمد والمجد للرسول والإخبار عن ثبوته للرب ﷾» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - وجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الآخر وقد مضى الكلام على هذه المسألة في شرح الحديث السابق.
قُلْتُ: وإنَّما تشرع الصلاة بعد التشهد الآخر لا الْأَوْسَطِ ويدل على ذلك عدة أدلة منها:
الدليل الأول: ما رواه أحمد (٤٣٨٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْ تَشَهُّدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ
[ ٤ / ٢٣٣ ]
وَفِي آخِرِهَا، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِهَا، فَكُنَّا نَحْفَظُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ أَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: فَكَانَ يَقُولُ: إِذَا جَلَسَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، وَفِي آخِرِهَا عَلَى وَرِكِهِ الْيُسْرَى: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، قَالَ: «ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ نَهَضَ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ تَشَهُّدِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهَا دَعَا بَعْدَ تَشَهُّدِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ ثُمَّ يُسَلِّمَ».
قُلْتُ: وهو حديث حسن وقد مضى الكلام فيه في شرح الحديث السابق.
ووجه الشاهد من الحديث أنَّ ابن مسعود بيَّن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان ينهض في وسط الصلاة بعد الفراغ من تشهده وهذا يدل على أنَّه لم يكن يقرأ في تشهده هذا الصلاة على النبي ﷺ ولا الْدُعَاء.
فإن قيل: ولم يذكر ابن مسعود ﵁ الصلاة بعد التشهد الأخير أيضًا.
فالجواب: أنَّه لم يذكر ذلك ولم ينفه وقد دلت الأدلة على إثباته فيؤخذ بها.
وقد أثبت الصلاة على النبي ﷺ في هذا الموطن عبد الله بن مسعود نفسه فيما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٠٤٣)، والْحَاكِمُ في [مُسْتَدْرَكِهِ] (٩٩٠)، والبيهقي في [سُنَنِهِ الْكُبْرَى] (٢٦٩٩) مِنْ طَرِيقِ أَبِي
[ ٤ / ٢٣٤ ]
إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. كما سبق.
الدليل الثاني: ما رواه أحمد (٢٣٩٨٢)، وأبو داود (١٤٨٣)، والترمذي (٣٤٧٧)
مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الْرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: - أَوْ لِغَيْرِهِ - «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ كما سبق بيانه.
ووجه الشاهد من الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر من أراد أن يدعو - أي بعد تشهده - أن يبدأ بالحمد والثناء على الله ﷿ ثم يأتي بالصلاة على النبي ﷺ. وقد سبق أن بيَّنا في شرح الحديث السابق أنَّ الْدُعَاء لا يكون بعد التشهد الْأَوْسَطِ فإذا كان هذا الْدُعَاء الوارد في الحديث بعد التشهد الآخر فلازم ذلك أن تكون الصلاة كذلك.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
الدليل الثالث: ما رواه أحمد (٣٦٥٦، ٣٨٩٥، ٤٠٧٤، ٤١٥٥، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠)، وأبو داود (٩٩٧)، والترمذي (٣٦٦)، والنسائي (١١٧٦)
مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ»، قَالَ: قُلْنَا: حَتَّى يَقُومَ؟ قَالَ: «حَتَّى يَقُومَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ كما سبق بيان ذلك في شرح الحديث الماضي.
ووجه الشاهد من الحديث أنَّه يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يطيل الجلوس في التشهد الْأَوْسَطِ ولازم ذلك أنَّه لم يكن يقرأ فيه الصلاة ولا يدعو في هذا الموطن فإنَّ ذلك ينافي التخفيف.
وإذا تبيَّن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يقرأ الصلاة بعد التشهد الْأَوْسَطِ وقد دلت الأدلة على الأمر بها فلم يبق لها محل لقراءتها إلَّا بعد التشهد الآخر.
٢ - واحتج به من قَالَ بوجوب الصلاة على الآل:
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٤/ ١٢٤):
«والواجب عند أصحابنا اللهم صل على محمد وما زاد عليه سنة ولنا وجه شاذ أنَّه يجب الصلاة على الآل وليس بشيء وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (٤٦٤):
«واختلف موجبوا الصلاة على النبي ﷺ في وجوبها على آله على قولين مشهورين لهم وهي طريقتان للشافعية:
[ ٤ / ٢٣٦ ]
إحداهما: أنَّ الصلاة واجبة على النبي ﷺ وفي وجوبها على الآل قولان للشافعي هذه طريقة إمام الحرمين والغزالي.
والطريقة الثانية: أنَّ في وجوبها على الآل وجهين وهي الطريقة المشهورة عندهم والذي صححوه إنَّها غير واجبة عليهم.
واختلف أصحاب أحمد في وجوب الصلاة على آله وفي ذلك وجهان لهم وحيث أوجبوها فلو أبدل لفظ الآل بالأهل فقَالَ: اللهم صل على محمد وعلى أهل محمد ففي الإجزاء وجهان.
وحكى بعض أصحاب الشافعي الإجماع على أنَّ الصلاة على الآل مستحبة لا واجبة ولا يثبت في ذلك إجماع» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٦٦):
«واختلف في إيجاب الصلاة على الآل ففي تعينها أيضًا عند الشافعية والحنابلة روايتان والمشهور عندهم: لا، وهو قول الجمهور وادعى كثير منهم فيه الإجماع وأكثر من أثبت الوجوب من الشافعية نسبوه إلى الترنجي ونقل البيهقي في "الشعب" عن أبي إسحاق المروزي وهو من كبار الشافعية قَالَ: أنا اعتقد وجوبها. قَالَ البيهقي: وفي الأحاديث الثابتة دلالة على صحة ما قَالَ» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ الواجب من الصلاة ما اتفقت عليه الصلوات كما ذكرنا نحو ذلك في الواجب في التشهد.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٤٧):
«والأولى أن يأتي بالصلاة على النبي ﷺ على الصفة التي ذكر الخرقي.
لأنَّ ذلك في حديث كعب بن عجرة، وهو أصح حديث روي فيها.
وعلى أي صفة أتى بالصلاة عليه مما ورد في الأخبار، جاز، كقولنا في التشهد، وظاهره أنَّه إذا أخل بلفظ ساقط في بعض الأخبار، جاز، لأنَّه لو كان واجبًا لما أغفله النبي ﷺ» اهـ.
قُلْتُ: ولا يعرف ما اتفقت عليه الصلوات إلَّا بتتبع طرقها وألفاظها وها أنا أسوق لك ذلك بمشيئة الله تعالى فأَقُولُ: وردت الصلوات بعدة صيغ منها:
١ - حديث كعب بن عجرة ﵁.
رواه الْبُخَارِيّ (٣٣٧٠)، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ بَلَى فَأَهْدِهَا لِي فَقَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد».
[ ٤ / ٢٣٨ ]
ورواه الْبُخَارِيّ (٤٧٩٧)، ومُسْلِم (٤٠٦) بذكر آل إبراهيم دون إبراهيم في الموطنين.
وقَالَ الإمام مُسْلِم ﵀: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ الْأَعْمَشِ وَعَنْ مِسْعَرٍ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ كُلُّهُمْ عَنْ الْحَكَمِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَمْ يَقُلْ اللَّهُمَّ» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء ذلك أيضًا عند أحمد (١٨١٥٢)، وأبي داود (٩٧٨)، والترمذي (٤٨٣)، والنسائي (١٢٨٨).
٢ - حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
رواه الْبُخَارِيّ (٣٣٦٩، ٦٣٦٠)، ومُسْلِم (٤٠٧) عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: وفي رواية مُسْلِم: «وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ». بزيادة "عَلَى". في الموضعين.
٣ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
رواه الْبُخَارِيّ (٤٧٩٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا التَّسْلِيمُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ».
قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: «عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» اهـ.
ورواه الْبُخَارِيّ (٦٣٥٨) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي قَالَ:
«قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ».
٤ - حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
رواه مُسْلِم (٤٠٥) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ».
٥ - حديث طلحة بن عبيد الله.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
رواه أحمد (١٣٩٦)، والنسائي (١٢٩٠) مِنْ طَرِيْقِ إِسْحَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ:
«قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٍ ضَعِيْفٌ محمد بن بشر لا يعرف حاله.
ورواه النسائي أيضًا (١٢٩١) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ من هذا الوجه. وشريك هو ابن أبي نمر.
وقد رواه ابن قانع في [معجم الصحابة] (٢٦١)، وابن أبي عاصم في [الآحاد والمثاني] (٢٠٠٠)، وفي [الصلاة على النبي] (١٨) مِنْ طَرِيْقِ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ، ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُوسَى
[ ٤ / ٢٤١ ]
بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ، أَخٍ لِبَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «صَلُّوا عَلَيَّ وَقُولُوا اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: يعقوب بن حميد هو ابن كاسب فيه ضعف، لكنه متابع تابعه يحيى بن معين عند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٢٣٧)، وعلي بن المديني عند إسماعيل القاضي في [فضل الصلاة على النبي] (٦٩).
ورواه النسائي (١٢٩٢) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ خَارِجَةَ قَالَ: أَنَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «صَلُّوا عَلَيَّ وَاجْتَهِدُوا فِي الْدُعَاء، وَقُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ».
قُلْتُ: وإسناده صحيح.
ورواه أحمد (١٧١٤)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٧٦٧٢، ١٠١٩٣) مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنْ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، دَعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ حِينَ عَرَّسَ عَلَى ابْنِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عِيسَى، كَيْفَ بَلَغَكَ فِي الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ مُوسَى: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ خَارِجَةَ عَنِ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٢٤٢ ]
وَسَلَّمَ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَنَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَفْسِي: كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: «صَلُّوا وَاجْتَهِدُوا، ثُمَّ قُولُوا: اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: وحديث أحمد مِنْ طَرِيقِ عيسى بن يونس عن عثمان.
وحديث النسائي مِنْ طَرِيقِ عبد الواحد بن زياد وهما ثقتان.
والذي يظهر لي أنَّ حديث عثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة أصح وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦ - حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ.
روى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٣١٠٣)، ومِنْ طَرِيقِه أحمد (٢٣٢٢١) حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: وَكَانَ أَبِي يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ وقد سبق.
٧ - حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
روى البزار في [مُسْنَدِهِ] (٨١٥٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: أَخْبَرنِي سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ».
وهذا اللفظ لا نحفظه إلَّا مِنْ حَدِيْثِ داود عن نعيم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. لكن الحديث معل وقد سبق الكلام فيه عند كلامنا على معنى الآل.
ورواه أبو داود (٩٨٤) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ يَسَارٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو مُطَرِّفٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، عَنِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى، إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ حبان بن يسار صدوق لكنه اختلط، أبو مطرف عبيد الله بن طلحة لم يوثقه معتبر.
وقد رواه الدولابي في [الكنى والأسماء] (٧٠٧)، والعقيلي في [الضعفاء الْكَبِيْر] (٥٠١) مِنْ طَرِيقِ عمرو بن عاصم الكلابي، قَالَ: حدثنا حبان بن يسار الكلابي
[ ٤ / ٢٤٤ ]
أبو روح قَالَ: حدثنا عبد الرحمن بن طلحة الحراني قَالَ: سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فذكره وجعله من مسند علي.
وهو معل أيضًا وقد مضى الكلام فيه.
وروى الشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٢٧٨)، ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [معرفة السنن والآثار] (٩٤١): أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ يَعْنِي: فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: «تَقُولُونَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ».
قُلْتُ: هذا حديث شديد الضعف إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى متروك الحديث.
وروى الْبُخَارِيّ في [الأدب المفرد] (٦٤١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ،
[ ٤ / ٢٤٥ ]
وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، شَهِدْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالشَّهَادَةِ، وَشَفَعْتُ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة سعيد بن عبد الرحمن.
٨ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
رواه أبو يعلى (٥٢٦٧)، والشاشي في [مُسْنَدِهِ] (٦٠٠)، والبيهقي في [الدعوات] (١٥٧)، وفي [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (١٤٥٣) مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسِنُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعَرَضُ عَلَيْهِ، قَالُوا: فَعَلِّمْنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قُولُوا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، إِمَامِ الْخَيْرِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ، اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لاختلاط المسعودي واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي.
وروى الْحَاكِمُ في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٩٩١) ومِنْ طَرِيقِه البيهقي في [السنن الْكُبْرَى] (٤١٣٦) حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ، ثنا
[ ٤ / ٢٤٦ ]
يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثنا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ، وَبَارَكْتَ، وَتَرَحَّمْتَ، عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ في إسناده رجل مبهم.
٩ - حديث عبد الله بن عباس ﵁.
روى ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (٨٠٧) نَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ أَبِي غَرْزَةَ الْغِفَارِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، نا حَبِيبُ بْنُ حَسَّانَ بْنِ الْأَشْرَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَرَفْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قُلْتُ: هذا حديث شديد الضعف حبيب بن حسان بن الأشرس صوابه ابن أبي الأشرس متروك الحديث.
وهناك أحاديث أخرى ضعيفة لكن نكتفي بما ذكرناه.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
وبهذا يتبين أنَّ ذكر آل النبي ﷺ لم يذكر في الصلاة في حديث أبي سعيد فلا يجب قوله، وهكذا قوله: «إنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ». لم تأت في حديث أبي سعيد. وهكذا كلمة: «اللهمَ». عند الْدُعَاء بالبركة لم تأت في أكثر أحاديث الصلاة. وهكذا الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم لم يأت في أكثر أحاديث الصلاة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - وفي الحديث جواز الصلاة على غير الأنبياء فأمَّا آل النبي ﷺ تبعًا للنبي ﷺ فتشرع إجماعًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (٤٦٥ - ٤٦٦):
«وهل يصلى على آله منفردين عنه فهذه المسألة على نوعين:
أحدهما أن يقَالَ اللهم صل على آل محمد فهذا يجوز ويكون داخلًا في آله فالإفراد عنه وقع في اللفظ لا في المعنى.
الثاني أن يفرد واحد منهم بالذكر فيقَالَ اللهم صل على علي أو على حسن أو حسين أو فاطمة ونحو ذلك فاختلف في ذلك وفي الصلاة على غير آله من الصحابة ومن بعدهم فكره ذلك مالك وقَالَ لم يكن ذلك من عمل من مضى وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وبه قَالَ طاووس
وقَالَ ابن عباس لا ينبغي الصلاة إلَّا على النبي ﷺ.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
قَالَ إسماعيل بن إسحاق حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قَالَ حدثنا عبد الرحمن بن زياد حدثني عثمان بن حنيف عن عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قَالَ: لا تصلح الصلاة على أحد إلَّا على النبي ولكن يدعى للمُسْلِمين والمُسْلِمات بالاستغفار.
وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز.
قَالَ أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان قَالَ كتب عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن ناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة وإن القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ فإذا جاءك كتابي فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمُسْلِمين عامة ويدعو ما سوى ذلك.
وهذا مذهب أصحاب الشافعي ولهم ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه منع تحريم.
والثاني: وهو قول الأكثرين أنَّه منع كراهية تنزيه.
والثالث: أنَّه من باب ترك الأولى وليس بمكروه حكاها النووي في الأذكار قَالَ والصحيح الذي عليه الأكثرون أنَّه مكروه كراهة تنزيه.
ثم اختلفوا في السلام هل هو في معنى الصلاة فيكره أن يقَالَ السلام على فلان أو قَالَ فلان ﵇ فكرهه طائفة منهم أبو محمد الجويني ومنع أن يقَالَ عن علي ﵇ وفرق آخرون بينه وبين الصلاة فقَالَوا السلام يشرع في حق كل
[ ٤ / ٢٤٩ ]
مؤمن حي وميت وحاضر وغائب فإنَّك تقول بلغ فلانًا مني السلام وهو تحية أهل الإسلام بخلاف الصلاة فإنَّها من حقوق الرسول ولهذا يقول المصلي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يقول الصلاة علينا وعلى عباد الله الصالحين فعلم الفرق».
إلى أن قَالَ ﵀ ص (٤٦٩ - ٤٧٠):
«وخالفهم في ذلك آخرون فقَالَوا: تجوز الصلاة على غير النبي وآله
قَالَ القاضي أبو الحسين بن الفراء في رؤوس مسائله وبذلك قَالَ الحسن البصري وخصيف ومجاهد ومقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان وكثير من أهل التفسير قَالَ وهو قول الإمام أحمد نص عليه في رواية أبي داود وقد سئل أينبغي أن يصلي على أحد إلَّا على النبي قَالَ أليس قَالَ علي لعمر ﵄ صلى الله عليك قَالَ وبه قَالَ إسحاق بن راهويه وأبو ثور ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم وحكى أبو بكر بن أبي داود عن أبيه ذلك قَالَ أبو الحسين وعلى هذا العمل» اهـ.
قُلْتُ: وأقوى حجج المجيزين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب/ ٤٣].
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة/ ١٠٣].
[ ٤ / ٢٥٠ ]
وروى الْبُخَارِيّ (١٤٩٧)، ومُسْلِم (١٠٧٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى».
وروى مُسْلِم (٢٨٧٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا» - قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ - قَالَ: وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى الله عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ﷿، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ، قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ - قَالَ حَمَّادٌ وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْنًا - وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ: خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ. قَالَ فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْفِهِ، هَكَذَا».
وروى أحمد (١٥٣١٦)، وأبو داود (١٥٣٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ امْرَأَةً، قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: صَلَّي عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وقد فصل القول في هذه المسألة العلامة ابن القيم ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (٤٨١ - ٤٨٢) فقَالَ: «وفصل الخطاب في هذه المسألة أنَّ الصلاة على غير النبي
[ ٤ / ٢٥١ ]
ﷺ إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم فان كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي ﷺ وجائزة مفردة.
وأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموما الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضًا فيقَالَ: اللهم صل على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين.
وإن كان شخصًا معينًا أو طائفة معينة كره أن يتخذ الصلاة عليه شعارًا لا يخل به ولو قيل بتحريمه لكان له وجه ولا سيما إذا جعلها شعارًا له ومنع منها نظيره أو من هو خير منه وهذا كما تفعل الرافضة بعلي ﵁ فإنهم حيث ذكروه قَالَوا ﵊ ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه فهذا ممنوع لا سيما إذا اتخذ شعارًا لا يخل به فتركه حينئذ متعين.
وأمَّا أن صلى عليه أحيانًا بحيث لا يجعل ذلك شعارًا كما صلي على دافع الزكاة وكما قَالَ ابن عمر للميت صلى الله عليه وكما صلى النبي ﷺ على المرأة وزوجها وكما روي عن علي من صلاته على عمر فهذا لا بأس به.
وبهذا التفصيل تتفق الأدلة وينكشف وجه الصواب والله الموفق» اهـ.
٤ - ويدل الحديث أنَّ من جملة التهادي التهادي بالعلم بل هو من أنفس الهدايا.
* * *
[ ٤ / ٢٥٢ ]
١١٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يدعو: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِم: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ».
يدل الحديث على استحباب هذا الْدُعَاء في الصلاة وموطنه بعد التشهد الآخر لما رواه مُسْلِم (٥٨٨) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
قُلْتُ: ولا يجب هذا الْدُعَاء وقد مضى القول في ذلك في شرح حديث ابن مسعود في التشهد.
قوله: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ». التعوذ يدل على معنى التحرز والتحصن بالله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧):
«اعلم أنَّ لفظ عاذ وما تصرف منها يدل على التحرز والتحصن والنجاة وحقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه ولهذا يسمى المستعاذ به معاذًا كما يسمى ملجأً ووزرًا.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
وفي الحديث أنَّ ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ فوضع يده عليها قَالَتْ: أعوذ بالله منك فقَالَ لها: "قد عذت بمعاذ الحقي بأهلك".
فمعنى أعوذ ألتجيء وأعتصم وأتحرز وفي أصله قولان:
أحدهما: أنَّه مأخوذ من الستر.
والثاني: أنَّه مأخوذ من لزوم المجاورة.
فأمَّا من قَالَ: إنَّه من الستر قَالَ: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها عُوَّذ بضم العين وتشديد الواو وفتحها فكأنَّه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها سموه عُوَّذًا فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجن به منه.
ومن قَالَ هو لزوم المجاورة قَالَ: العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه عوذ لأنَّه اعتصم به واستمسك به فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به واعتصم به ولزمه والقولان حق والاستعاذة تنتظمهما معًا فإنَّ المستعيذ مستتر بمعاذه متمسك به معتصم به قد استمسك قلبه به ولزمه كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفًا وقصده به فهرب منه فعرض له أبوه في طريق هربه فإنَّه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه وفرَّ إليه وألقى نفسه بين يديه واعتصم به واستجار به والتجأ إليه» اهـ.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
قُلْتُ: والاستعاذة تكون في الشر النازل والمتوقع النزول والدليل على ذلك ما رواه مُسْلِم (٢٢٠٢) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».
قُلْتُ: وأمَّا الاستغاثة فتكون من الشر النازل.
وَقَوْلُهُ: «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ رَحِمَهُ اللهُفي [شَرْحِ مُسْلِم] (٥/ ٨٥):
«ومعنى فتنة المحيا والممات الحياة والموت، واختلفوا في المراد بفتنة الموت فقيل فتنة القبر، وقيل: يحتمل أن يراد بها الفتنة عند الاحتضار، وأمَّا الجمع بين فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وعذاب القبر فهو من باب ذكر الخاص بعد العام ونظائره كثيرة» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إغاثة اللهفان] (٢/ ١٥٩ - ١٦١):
«ولفظ الفتنة في كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذي لم يفتتن صاحبه بل خلص من الافتتان ويراد بها الامتحان الذي حصل معه افتتان.
فمن الأول قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾.
ويطلق على ما يتناول الأمرين كقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، ومنه قول موسى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي﴾ أي امتحانك وابتلاؤك تضل بها من وقع فيها وتهدي من نجا منها.
وتطلق الفتنة على أعم من ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ مقاتل: أي بلاء وشغل عن الآخرة. قَالَ ابن عباس: فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى.
وقَالَ الزجاج أعلمهم الله ﷿ أنَّ الأموال والأولاد مما يفتنون به وهذا عام في جميع الأولاد فإنَّ الإنسان مفتون بولده لأنَّه ربما عصى الله تعالى بسببه وتناول الحرام لأجله ووقع في العظائم إلَّا من عصمه الله تعالى.
ويشهد لهذا ما روى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يخطب فجاء الحسن والحسين ﵄ وعليهما قميصان أحمران يعثران فنزل النبي ﷺ إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر وقَالَ: "صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما".
[ ٤ / ٢٥٦ ]
وقَالَ ابن مسعود ﵁: لا يقولنَّ أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة فإنَّه ليس منكم أحد إلَّا وهو مشتمل على فتنة لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضلات الفتن.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ وهذا عام في جميع الخلق امتحن بعضهم ببعض فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم وامتحن المرسل إليهم بالرسل وهل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم وامتحن العلماء بالجهال هل يعلمونهم وينصحونهم ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ولوازم ذلك وامتحن الجهال بالعلماء هل يطيعونهم ويهتدون بهم وامتحن الملوك بالرعية والرعية بالملوك وامتحن الأغنياء بالفقراء والفقراء بالأغنياء وامتحن الضعفاء بالأقوياء والأقوياء بالضعفاء والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة وامتحن المالك بمملوكه ومملوكه به وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم وامتحن المأمورين بهم ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل وقَالَوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ هؤلاء وقَالَوا لنوح ﵇: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ قَالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم فيكون مثله وقَالَ: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء …» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣): «مدار المستعاذات على الآلام وأسبابها، ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبي ﷺ جميعها مدارها على هذين الأصلين فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إمَّا مؤلم وإمَّا سبب يفضي إليه فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع وأمر بالاستعاذة منهن وهي عذاب القبر وعذاب النار فهذان أعظم المؤلمات وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وهذان سببا العذاب المؤلم فالفتنة سبب العذاب وذكر الفتنة خصوصًا وعمومًا وذكر نوعي الفتنة لأنَّها إمَّا في الحياة وإمَّا بعد الموت ففتنة الحياة قد يتراخى عنها العذاب مدة وأمَّا فتنة الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ فعادت الاستعاذة إلى الألم والعذاب وأسبابها وهذا من أكد أدعية الصلاة حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يدع به في التشهد الأخير وأوجبه ابن حزم في كل تشهد فإن لم يأت به بطلت صلاته» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
[ ٤ / ٢٥٨ ]
١ - استحباب الاستعاذة من هذه الأربع.
٢ - إثبات الاستعاذة بالله.
٣ - إثبات عذاب القبر.
٤ - إثبات عذاب جهنم.
قُلْتُ: وسميت جهنم بذلك لبعد قعرها. قَالَ العلامة ابن منظور ﵀ فِي [لِسَانِ الْعَرَبِ] (١٢/ ١١٢): «الجِهنَّامُ القَعْرُ البعيد وبئر جَهَنَّمٌ وجِهِنَّامٌ بكسر الجيم والهاء بعيدة القَعْر وبه سميت جَهَنَّم لبُعْدِ قَعْرِها» اهـ.
٥ - إثبات الفتنة في الحياة.
٦ - إثبات فتنة القبر.
* * *
[ ٤ / ٢٥٩ ]
١١٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: أنَّه قَالَ لِرَسِولِ اللهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي. قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًَا. وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ. فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ. وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٠٨ - ٢٠٩):
«وَقَوْلُهُ: "فاغفر لي مغفرة من عندك" فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون إشارة إلى التوحيد المذكورة كأنَّه قَالَ: لا يفعل هذا إلَّا أنت فافعله أنت.
والثاني: - وهو الأحسن -: أن يكون إشارة إلى طلب المغفرة متفضل بها من عند الله تعالى ولا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب وهذا تبرؤ من الأسباب والإدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبًا عقليًا» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب هذا الْدُعَاء في الصلاة وهو يعم الْدُعَاء في السجود وبعد التشهد الأخير.
٢ - هذا الْدُعَاء العظيم من جوامع الأدعية.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ١٣١ - ١٣٢):
«وقَالَ الكرماني هذا الْدُعَاء من الجوامع لأنَّ فيه الاعتراف بغاية التقصير وطلب غاية الإنعام فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها والرحمة إيصال الخيرات ففي الأول طلب الزحزحة عن النار وفي الثاني طلب إدخال الجنة وهذا هو الفوز العظيم» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ الْدُعَاء في الصلاة أوكد من خارجها ولهذا كان سؤال الصديق من النبي ﷺ أن يعلمه دعاءً فيها.
٤ - وفيه استحباب أن يقدم الداعي بين يدي طلبه للمغفرة هضم النفس والاعتراف بالتقصير.
٥ - وفيه أنَّ الله ﷿ وحده هو المنفرد بمغفرة الذنوب كما قَالَ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
خلافًا لما يزعمه بعض الصوفية من أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ له حق في مغفرة الذنوب.
وبهذا يعلم ضلال الأبيات التي كان يرددها حسن البناء - مؤسس حزب الإخوان المُسْلِمين- في المولد التي فيها:
هذا الحبيب مع الأحباب قد حضرا … وسامح الكل فيما قد مضى وجرى.
[ ٤ / ٢٦١ ]
٦ - اشتمل هذا الحديث على أكمل أنواع الطلب.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٢٤٧):
«فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنَّه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضي للإجابة وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [الْوَابِلِ الْصَيِّبِ] ص (١٢٠):
«فجمع في هذا الْدُعَاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله والتوسل إلى ربه ﷿ بفضله وجوده وأنَّه المنفرد بغفران الذنوب ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معًا فهكذا أدب الْدُعَاء وآداب العبودية» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] ص (١٥٣):
«والْدُعَاء ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
والثاني: أن تسأله بحاجتك وفقرك وذلك فتقول أنا العبد الفقير المسكين البائس الذليل المستجير ونحو ذلك.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
والثالث: أن تسأل حاجتك ولا تذكر واحدًا من الأمرين فالأول أكمل من الثاني والثاني أكمل من الثالث فإذا جمع الْدُعَاء الأمور الثلاثة كان أكمل.
وهذه عامة أدعية النبي ﷺ.
وفي الْدُعَاء الذي علمه صديق الأمة ﵁ ذكر الأقسام الثلاثة فإنه قَالَ في أوله: "ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا" وهذا حال السائل ثم قَالَ: "وإنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت" وهذا حال المسؤول ثم قَالَ: "فاغفر لي" فذكر حاجته وختم الْدُعَاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه» اهـ.
قُلْتُ: وسؤال الله ﷿ بصيغة الخبر أعظم من الطلب المجرد وهو كثير في دعاء الأنبياء.
قَالَ الله تعالى في شأن آدم ﵇: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف/ ٢٣].
وقَالَ الله تعالى في شأن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود/ ٤٧].
وقَالَ الله تعالى في شأن يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣،٣٤].
[ ٤ / ٢٦٣ ]
وقَالَ الله تعالى في شأن موسى ﵇: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص/ ٢٤].
وقَالَ الله تعالى في شأن يونس ﵇: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء/ ٨٧، ٨٨].
وقَالَ الله تعالى في شأن أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء/ ٨٣].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٢٤٥ - ٢٤٦):
«فوصف نفسه ووصف ربه بوصف يتضمن سؤال رحمته بكشف ضره وهي صيغة خبر تضمنت السؤال. وهذا من باب حسن الأدب في السؤال والْدُعَاء فقول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه: أنا جائع أنا مريض حسن أدب في السؤال. وإن كان في قوله: أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو بصيغة الطلب طلب جازم من المسئول فذاك فيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال وهذا فيه الرغبة التامة والسؤال المحض بصيغة الطلب» اهـ.
٧ - وفيه ختم الْدُعَاء بالاسم المناسب لمضمون الْدُعَاء.
٨ - وفيه إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور والرحيم.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
٩ - وفيه ما يدل على أنَّ أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، وذلك أنَّه لو كانت أعلامًا لما روعي في الْدُعَاء الاسم المناسب لمضمون الْدُعَاء فلما روعي ذلك دل ذلك على أنَّ لها معاني وليست أعلامًا محضة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
* * *
١٢٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلَّا يَقُولُ فِيهَا:
«سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». وفي لفظ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
قوله: «سُبْحَانَكَ». التسبيح هو التنزيه، وسبحان منصوب على المصدر والفعل محذوف وهو أُسبح، والتقدير: أُسبح سبحانًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [شِفَاءِ الْعَلِيْلِ] ص (١٨٠):
«وأصل اللفظة من المباعدة من قولهم سبحت في الأرض إذا تباعدت فيها ومنه: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فمن أثنى على الله ونزهه عن السوء فقد سبحه» اهـ.
وقَالَ ﵀ فِي [طَرِيْقِ الْهِجْرَتِيْنِ] ص (٢٣٦):
«ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عمَّا وصفه به أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد ما في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده وحمده من تمام تسبيحه ولهذا كان التسبيح والتحميد قرينين» اهـ.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
وَقَوْلُهُ: «وَبِحَمْدِكَ». تحتمل عدة معاني:
منها: أنَّ الواو للحال والتقدير أسبح الله متلبسًا بحمدي له.
ومنها: أنَّ الواو عاطفة والتقدير أسبح الله وأتلبس بحمده.
ومنها: الباء للمقارنة والواو زائدة أي أسبحه تسبيحًا مقرونًا بحمده.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِم] (٢/ ٢٣٢):
«وَقَوْلُهُ: وبحمدك أي وبحمدك سبحتك، ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي. ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله تعالى، وأن كل الأفعال له وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] ص (٢٠٩):
«وَقَوْلُهُ: "وبحمدك" قيل معناه: وبحمدك سبحت وهذا يحتمل أن يكون فيه حذف أي بسبب حمد الله سبحت ويكون المراد بالسبب ههنا: التوفيق والإعانة على التسبيح» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب هذا الذكر في الركوع والسجود.
٢ - أنَّ التسبيح يكون بأي لفظ يدل عليه ولا يجب أن يقول: سبحان ربي العظيم في الركوع ولا سبحان ربي الأعلى في السجود.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
وأمَّا ما رواه أحمد (١٧٤٥٠)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧) مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ: عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ عم موسى وهو إياس بن عامر لم يوثقه معتبر، وموسى بن أيوب اختلف فيه قول ابن معين فتارة يقول: فيه منكر الحديث، وتارة يوثقه، وقد وثقه أيضًا أبو داود.
وهكذا ما رواه أبو داود (٨٨٦)، والترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٩٠) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْهُذَلِيِّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ إسحاق بن يزيد الهذلي مجهول، عون بن عبد الله لا يصح له سماع من ابن مسعود.
٣ - استحباب الثناء على الله تعالى قبل الْدُعَاء.
٤ - مشروعية الْدُعَاء في الركوع.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
٥ - استحباب ختم الأعمال بالاستغفار. وذلك أنَّ الله ﷿ أمر نبيه أن يستغفر الله ﷿ عند ختم الرسالة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٦/ ٤١٧ - ٤١٨):
«وقد كان عمر يسأل ويسأل عن معاني الآيات الدقيقة وقد سأل أصحابه عن قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذكروا ظاهر لفظها. ولما فسرها ابن عباس بأنَّها إعلام النبي ﷺ بقرب وفاته قَالَ: ما أعلم منها إلَّا ما تعلم. وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها. فإنَّه لما أمر بالاستغفار عند ظهور الدين والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة علموا أنَّه إعلام بقرب الأجل مع أمور أخر وفوق كل ذي علم عليم» اهـ.
قُلْتُ: وقد كَانَّ النَّبِيُّ ﷺ يختم الصلاة بالاستغفار. ويختم مجلسه أيضًا بالاستغفار.
* * *
[ ٤ / ٢٦٩ ]