٢٢٥ - عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلَتْهُ عَنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيهِ جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ قَالَ: وَكَانَ نَاسٌ كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ. فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: كَأَنَّ إنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثَتْهُ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب حج التمتع.
قُلْتُ: ويدل على ذلك أيضًا أمر النبي ﷺ أصحابه به، فمن ذلك ما رواه مسلم (١٢١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» مَرَّتَيْنِ «لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ».
[ ٧ / ٣٤٦ ]
وروى مسلم (١٢١٦) عَنْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ ﵄، أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، وَأَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً» قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ قَالَ: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» فَفَعَلُوا.
وروى مسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ، قَالَ: «أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ؟» «وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا».
قُلْتُ: وقد بيَّن الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ حقيقة التمتع فَقَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٣٥): «والذي ذهب إليه الجمهور أنَّ التمتع أن يجمع الشخص الواحد بينهما في سفر واحد في أشهر الحج في عام واحد وأن يقدم العمرة، وأن لا يكون مكيًا فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعًا» اهـ.
قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ التمتع الموجب للدم يشترط فيه أربعة شروط:
[ ٧ / ٣٤٧ ]
الأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإن أحرم بها في غير أشهره، لم يكن متمتعًا، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج، أو في غير أشهره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥٠) فقال:
«ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنَّ من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة، وحل منها قبل أشهر الحج، أنَّه لا يكون متمتعًا، إلَّا قولين شاذين، أحدهما عن طاووس، أنَّه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج، ثم أقمت حتى الحج، فأنت متمتع.
والثاني عن الحسن، أنَّه قال: من اعتمر بعد النحر، فهي متعة.
قال: ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين» اهـ.
قُلْتُ: والعبرة في العمرة بالإحرام فمن أحرم قبل أشهر الحج، ثم طاف وسعى وتحلل في أشهر الحج، وحج من عامه فليس بمتمتع. وهذا مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي، وهو الصحيح.
وقال الشافعي في القول الآخر: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه. فإذا أحرم قبل أشهر الحج وطاف في أشهره، ثم حج من عامه فهو متمتع.
وقال بعض العلماء عمرته في الشهر الذي يحل فيه. وهو قول مالك.
واشترط أبو حنيفة للمتمتع أن يدرك أربعة أشواط من الطواف في أشهر الحج.
الشرط الثاني: أن يحج من عامه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥١):
[ ٧ / ٣٤٨ ]
«فإن اعتمر في أشهر الحج، ولم يحج ذلك العام، بل حج من العام القابل، فليس بمتمتع.
لا نعلم فيه خلافًا، إلَّا قولًا شاذًا عن الحسن، في من اعتمر في أشهر الحج، فهو متمتع، حج أو لم يحج.
والجمهور على خلاف هذا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ وهذا يقتضي الموالاة بينهما، ولأنَّهم إذا أجمعوا على أنَّ من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك، فليس بمتمتع، فهذا أولى لأنَّ التباعد بينهما أكثر» اهـ.
الشرط الثالث: أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرًا بعيدًا تقصر في مثله الصلاة. وهذا مذهب أحمد وغيره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥١ - ٢٥٢):
«وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات، فلا دم عليه.
وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره، بطلت متعته، وإلَّا فلا.
وقال مالك: إن رجع إلى مصره، أو إلى غيره أبعد من مصره، بطلت متعته، وإلَّا فلا.
وقال الحسن: هو متمتع وإن رجع إلى بلده. واختاره ابن المنذر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾.
[ ٧ / ٣٤٩ ]
ولنا، ما روي عَنْ عُمَرَ ﵁ أنَّه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع. فإن خرج ورجع، فليس بمتمتع. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ نحو ذلك.
ولأنَّه إذا رجع إلى الميقات، أو ما دونه، لزمه الإحرام منه، فإن كان بعيدًا فقد أنشأ سفرًا بعيدًا لحجه، فلم يترفه بأحد السفرين، فلم يلزمه دم، كموضع الوفاق.
والآية تناولت المتمتع، وهذا ليس بمتمتع؛ بدليل قول عمر» اهـ.
قُلْتُ: أثر عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣١٦٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ».
قُلْتُ: فيه العمري الكبير عبد الله وهو ضعيف الحديث.
وقول عمر: «فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ» محمول على الرجوع إلى المصر.
ويؤيد ذلك أنَّ ابن حزم رواه في [الْمُحَلَّى] (٧/ ١٥٩) بلفظ: «إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا».
والصحيح أنَّ التمتع ينقطع بالرجوع إلى المصر لما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣١٧٢) حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ تَمَتَّعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلُوا مِنْهَا بِحَجٍّ، فَسَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ مُتَمَتِّعُونَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وعبد الكريم هو الجزري، ويزيد هو ابن صهيب.
[ ٧ / ٣٥٠ ]
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣١٦١) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، ذَاكَ مَنْ أَقَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ».
وروى أيضًا (١٣١٦٢) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ مثله.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وهو محمول على الرجوع إلى الأهل فإنَّ هذا هو حقيقة الرجوع من السفر.
والمعنى يقتضي ذلك، وذلك أنَّه إذا سافر من مكة إلى غير بلده فما زال في سفرته الأولى، ولا تنقطع سفرته إلَّا باستقرار في بلده.
الشرط الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥٣):
«ولا خلاف بين أهل العلم، في أنَّ دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام، إذ قد نص الله تعالى في كتابه بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥٤):
«فصل: "وحاضروا المسجد الحرام" أهل الحرم، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر. نص عليه أحمد. وروي ذلك عن عطاء. وبه قال الشافعي.
[ ٧ / ٣٥١ ]
وقال مالك: أهل مكة. وقال مجاهد: أهل الحرم.
وروي ذلك عن طاووس.
وقال مكحول، وأصحاب الرأي: من دون المواقيت؛ لأنَّه موضع شرع فيه النسك، فأشبه الحرم.
ولنا، أنَّ حاضر الشيء من دنا منه، ومن دون مسافة القصر قريب في حكم الحاضر؛ بدليل أنَّه إذا قصده لا يترخص رخص السفر، فيكون من حاضريه.
وتحديده بالميقات لا يصح؛ لأنَّه قد يكون بعيدًا، يثبت له حكم السفر البعيد إذا قصده، ولأنَّ ذلك يفضي إلى جعل البعيد من حاضريه، والقريب من غير حاضريه، في المواقيت قريبًا وبعيدًا.
واعتبارنا أولى؛ لأنَّ الشارع حد الحاضر بدون مسافة القصر، بنفي أحكام المسافرين عنه، فالاعتبار به أولى من الاعتبار بالنسك؛ لوجود لفظ الحضور في الآية» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم خاصة.
٢ - أنَّ حج التمتع من سنة النبي ﷺ. والمراد بذلك السنة القولية التي رغب بها، وإلَّا فإنَّ النَّبِيَّ صل الله عليه وسلم كان قارنًا.
٣ - أنَّ التمتع مشروع لغير المحصر.
قُلْتُ: وفي المسألة نزاع ضعيف في اختصاص التمتع بالمحصر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٣٠):
[ ٧ / ٣٥٢ ]
«ونقل ابن أبي حاتم عن ابن الزبير أنَّه كان لا يرى التمتع إلَّا للمحصر ووافقه علقمة وإبراهيم، وقال الجمهور: لا اختصاص بذلك للحصر» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ٩٤):
«والوجه الرابع: ما ذهب إليه ابن الزبير أنَّ التمتع هو تمتع المحصر وهو محفوظ عن ابن الزبير من وجوه منها ما رواه وهيب قال حدثنا إسحاق بن سويد قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب ويقول:
يا أيها الناس إنَّه والله ليس التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ولكن التمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج الرجل حاجًا فيحبسه عدو أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج فيأتي البيت ويطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحل ثم يتمتع بحله إلى العام المقبل ثم يحل ويهدي» اهـ.
٤ - الاستبشار بالرؤية الصالحة الموافقة للحق.
٥ - أنَّ الهدي يكون من بهيمة الأنعام.
٦ - جواز الاشتراك في الهدي، وهو مخصوص بالإبل، والبقر، ويجزئ الاشتراك فيهما عن سبعة.
وذلك لما رواه مسلم (١٣١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ».
٧ - مشروعية التكبير عند استعظام أمر من الأمور.
[ ٧ / ٣٥٣ ]
فائدة/ الكراهة المنقولة عَنْ عُمَرَ بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵄ للتمتع إنَّما أرادا بذلك إرشاد الناس إلى الأحسن لهم وهو إفراد العمرة بسفرة والحج بسفرة، فإنَّ الناس كانوا يجمعون بينهما بسفرة واحدة فخشيا ﵄ أن يهجر الناس البيت طوال العام فلا يعتمرون إلَّا في أشهر الحج فأرشدا الناس إلى ما هو خير لهما.
وهذا الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان هو الأفضل والأكمل في قول أكثر العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٣٧ - ٣٨): «ومذهب أحمد أيضًا أنَّه إذا أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهذا الإفراد أفضل له من التمتع. نص على ذلك في غير موضع. وذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى في تعليقه وغيره. وكذلك مذهب سائر العلماء حتى أصحاب أبي حنيفة فإنَّهم نصوا على أنَّ العمرة الكوفية أفضل من القران مع أنَّ القران عندهم أفضل» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٨٥):
«فالتحقيق في هذه المسألة: أنَّه إذا أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهو أفضل من القران والتمتع الخاص بسفرة واحدة، وقد نص على ذلك أحمد وأبو حنيفة مع مالك والشافعي وغيرهم. وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر. وكان عمر
[ ٧ / ٣٥٤ ]
يختاره للناس وكذلك علي ﵁ وقال عمر وعلي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالا: إتمامهما أن تهل بهما من دويرة أهلك» اهـ.
* * *
[ ٧ / ٣٥٥ ]
٢٢٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى. فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ الْحُلَيْفَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ. وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا، وَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ. وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
[ ٧ / ٣٥٦ ]
١ - احتج به من قال: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حج متمتعًا.
والصحيح أنَّ المراد بالتمتع ها هنا هو تمتع القران، وقد جاء في الباب أكثر من عشرين حديثًا جميعها تدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان قارنًا.
وفي هذا الحديث ما يدل على ذلك وهو سوق الهدي مع قول ابن عمر: «فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ». وقوله: «فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ». وقول النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ». وهذا هو حقيقة القران.
قُلْتُ: والقارن إمَّا أن يهل بالعمرة والحج من الميقات، أو يهل بعمرة مفردة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يطوف بالبيت، وليس لمن أهل بالحج مفردًا أن يدخل عليه العمرة ويصير قارنًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٥٥٦ - ٥٥٩):
«الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَيَصِيرَ قَارِنًا؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ "وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ عُثْمَانَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ،
[ ٧ / ٣٥٧ ]
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: "أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ الْحَجَّ عَامَ حَجَّتِ الْحَرُورِيَّةُ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، إِذًا أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ بِقَدِيدٍ، وَانْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا مَرَّةً قَبْلَ التَّعْرِيفِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ جَمَعَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ طَافَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ هُوَ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ نَافِعٌ أَنَّهُ اكْتَفَى لِلْقِرَانِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لَمْ يَطُفْ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَ سَعْيَيْنَ.
[ ٧ / ٣٥٨ ]
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ الْحَجَّ، فَقُلْتُ: أَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ فَأَلْقَى عَلِيًّا، فَأَقْتَدِي بِهِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَلِيٌّ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا، فَأَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَأَدْرَكْتُ عَلِيًّا فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ لِأَقْتَدِيَ بِكَ، وَقَدْ سَبَقْتَنِي فَأَهْلَلْتَ بِالْحَجِّ، أَفَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ؟
فَقَالَ: لَا؛ إِنَّمَا ذَاكَ لَوْ كُنْتَ أَهْلَلْتَ بِعُمْرَةٍ. فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ عَادَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَجَّتِهِ، ثُمَّ أَقَامَ حَرَامًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ" رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ.
وَيَجُوزُ إِضَافَةُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِكُلِّ مُحْرِمٍ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ إِنْ أَضَافَهُ إِلَيْهَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَقَعَ الطَّوَافُ عَنِ الْقِرَانِ، وَكَانَ قَارِنًا، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْإِفَاضَةُ تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ فَخَشِيَ فَوْتَهُ، إِمَّا بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَةً وَقَدْ حَاضَتْ فَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَتُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَتَصِيرُ قَارِنَةً، وَتَتْرُكُ طَوَافَ الْقُدُومِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُفْرِدَةً، أَوْ بِأَنْ يُوَافِيَ مَكَّةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ إِتْمَامِ الْعُمْرَةِ وَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» اهـ.
٢ - وفيه استحباب سوق الهدي من الحل.
[ ٧ / ٣٥٩ ]
ولا يشترط في هدي التمتع أن يجمع فيه بين الحل والحرم ولا أن يعرف به في عرفة لعدم الدليل على اشتراط ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٨٤ - ١٨٥):
«فصل: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، لكن يستحب ذلك.
روي هذا عن ابن عباس، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلَّا ما عرف به، ونحوه عن سعيد بن جبير.
وقال مالك: أحب للقارن أن يسوق هديه من حيث يحرم، فإن ابتاعه من دون ذلك، مما يلي مكة بعد أن يقفه بعرفة، جاز.
وقال في هدي المجامع: إن لم يكن ساقه، فليشتره من مكة، ثم ليخرجه إلى الحل، وليسقه إلى مكة.
ولنا، أنَّ المراد من الهدي نحره، ونفع المساكين بلحمه، بهذا لا يقف على شيء مما ذكروه، ولم يرد بما قالوه دليل يوجبه، فيبقى على أصله» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩):
«مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمر كان يقول الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسُوقُ هَدْيَهُ حَتَّى يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ ثُمَّ يَدْفَعَ به معهم إذا دفعوا فإذا قدم منى نَحَرَهُ.
[ ٧ / ٣٦٠ ]
وَوَقْفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِمَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُدْخِلْهُ مِنَ الْحِلِّ وَاجِبٌ لَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ على قول ابن عُمَرَ الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ عَلَى عَرَفَةَ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى وَنَحَرَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى الْحِلِّ فَعَلَيْهِ الْبُدْنُ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْهَدْيِ قَدْ سَاقَهُ مِنَ الْحِلِّ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَقِفْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَحَسْبُهُ فِي الْهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ.
وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يقول نحو قول بن عُمَرَ لَا يَصْلُحُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَّا مَا عُرِّفَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَأَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَقُولُ: إِنْ شِئْتَ فَعَرِّفْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تعرف.
وروي ذلك عن بن عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقْفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ لِمَنْ شَاءَ إِذَا لَمْ يَسُقْهُ مِنَ الحل.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَاقَ هَدْيَهُ مِنَ الْحِلِّ.
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ التَّقْلِيدَ سُنَّةٌ فَكَذَلِكَ التَّعْرِيفُ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَدْيِهِ مِنَ الْحِلِّ.
[ ٧ / ٣٦١ ]
وَأَمَّا حُجَّةُ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ ذَلِكَ فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَدْخَلَ هَدْيَهُ مِنَ الْحِلِّ وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" وَالْهَدْيُ إِذَا وَجَبَ بِاتِّفَاقٍ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُجْزِئَ إِلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ سُنَّةٍ تُوجِبُ غَيْرَ ذَلِكَ وَالْفِعْلُ مِنْهُ ﷺ عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ عَلَى الْوُجُوبِ فِي مِثْلِ هَذَا.
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْحَاجَّ وَالْمُعْتَمِرَ يَجْمَعَانِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَكُنْ لَهُ الْهَدْيُ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْهَدْيُ هَدْيًا لِأَنَّهُ يُهْدِي مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ كَمَا يُهْدِي مِنْ مِلْكٍ مَلَكَهُ إِلَى اللَّهِ ﷿.
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ يَقُولُونَ: اسْمُ الْهَدْيِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهَدِيَّةِ فَإِذَا أُهْدِيَ إِلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ فَقَدْ أَجْزَأَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ جَاءَ.
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: إِنَّمَا الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَأَمَّا مَا اشْتُرِيَ بِمِنًى فهو جزور.
وعن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: عَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالبدن.
وكان بن سِيرِينَ يَكْرَهُ شِرَاءَ الْبَدَنَةِ إِذَا لَمْ تُوقَفْ بعرفة.
وروى الثوري وبن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا اسْتَطَعْتُمْ فَعَرِّفُوا بِهِ وَمَا لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَاحْبِسُوهُ وَاعْقِلُوهُ بِمِنًى» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٠٧) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: «الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ».
[ ٧ / ٣٦٢ ]
ورواه وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٩٧٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَا هَدْيَ إِلَّا مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
والأظهر ما ذهب إليه ابن عباس وعائشة ﵄ من عدم وجوب التعريف والجمع بين الحل والحرم لعدم الدليل على وجوب ذلك، والأظهر أنَّ ذلك مما يستحب للسنة والآثار.
وظاهر مذهب ابن عمر وجوب التعريف حتى في حق من قدم بالهدي من بلده أو من الحل.
وستأتي هذه المسألة أيضًا في شرح حديث جابر في باب فسخ الحج إلى العمرة.
٣ - وفيه أنَّ من ساق الهدي فلا يحل له أن يتحلل بعمرة، وإنَّما يبقى على إحرامه حتى يتحلل من حجه وعمرته في يوم النحر.
وقد اختلف العلماء في المتمتع إذا ساق الهدي هل له أن يتحلل وينحر الهدي قبل يوم النحر أو لا؟ على أقوال:
الأول: أنَّ من معه هدي، فليس له أن يتحلل وينحر هديه قبل يوم النحر، ويجب عليه أن يدخل العمرة على الحج ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا. وهذا مذهب أحمد في المشهور المنصوص عنه ومذهب أبي حنيفة.
[ ٧ / ٣٦٣ ]
الثاني: له التحلل ونحر الهدي قبل يوم النحر، وهو مذهب مالك والشافعي. ويستحب نحره عند المروة.
والثالث: وهي رواية عن أحمد، في من قدم متمتعًا في أشهر الحج، وساق الهدي، قال: إن دخلها في العشر، لم ينحر الهدي حتى ينحره يوم النحر، وإن قدم قبل العشر، نحر الهدي.
الرابع: أنَّه يحل له التقصير من شعر رأسه خاصة، ولا يمس من أظفاره وشاربه شيئًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٦٨ - ٤٧١):
«فصل: وأمَّا من ساق الهدي ففيه ثلاث روايات: إحداهن: لا ينحر هديه ولا يحل من إحرامه بتقصير ولا غيره إلى يوم النحر سواء قدم من مكة في العشر أو قبله. قال في رواية حنبل:
إذا قدم في أشهر الحج وقد ساق الهدي لا يحل حتى ينحره والعشر أوكد إذا قدم في العشر لم يحل لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قدم في العشر ولم يحل، وهذه الرواية هي المشهورة عند أصحابنا فيمنع من الإحلال والنحر سواء كان مفردًا للحج أو متمتعًا أو قارنًا وهذا مما استفاض عن رسول الله ﷺ وقد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن عمر وعائشة: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدى من ذي الحليفة وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس
[ ٧ / ٣٦٤ ]
مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدى ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وذكر الحديث إلى أن قال: ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر متفق عليه.
وعَنْ عَائِشَةَ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فمنَّا من أهل بعمرة ومنَّا من أهل بحج فقدمنا مكة فقال رسول الله ﷺ: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحل ومن أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى يحل نحر هدية ومن أهل بالحج فليتم حجه. متفق عليه.
وقد تقدمت الأحاديث عن ابن عباس وجابر والبراء وغيرهم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر جميع أصحابه أن يحلوا إلَّا من ساق الهدى.
وفي رواية لابن عباس: أهل النبي ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل النبي ﷺ ولا من ساق الهدى من أصحابه وحل بقيتهم وكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدى فلم يحل. رواه مسلم.
وعن أسماء قالت: قال رسول الله ﷺ: من كان معه هدي فليقم على إحرامه ومن لم يكن معه هدي فليحل. ولم يكن معي هدي فحللت وكان مع الزبير هدي فلم يحل رواه مسلم.
[ ٧ / ٣٦٥ ]
فهذه الأحاديث نصوص في أنَّ من ساق الهدي لا يحل إلى يوم النحر سواء كان متمتعًا أو مفردًا أو قارنًا لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ منع كل من ساق الهدي من الإحلال وقد كان فيهم المتمتع والمفرد والقارن ولم يستثن المتمتع ولو جاز الحل للمتمتع لوجب استثناؤه وبيان ذلك لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولأنَّه جعل سوق الهدي هو المانع من الإحلال ولم يعلق المنع بغيره فعلم أنَّه مانع في حق المتمتع كما أنَّه مانع من الفسخ في حق المفرد والقارن إذ لو كان هناك مانع آخر لبينه، ولأنَّ كل من جاز له الفسخ سواء كان خاصًا في حق الصحابة أو عامًا للمسلمين إلى يوم القيامة بمنزلة المتمتع في جواز الإحلال فلما منع أصحاب الهدي من الاحلال علم أنَّ سوق الهدي مانع من الاحلال حيث يجوز الحل لغير السائق، ولأنَّ حديث عائشة نص خاص في المتمتع إذا ساق الهدي لا يحل حتى ينحر هديه ويقضي حجته.
وأيضًا فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] والحلق هو أول التحلل بمنزلة السلام من الصلاة ولذلك قال النبي ﷺ: "إنِّي لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر".
[ ٧ / ٣٦٦ ]
وقال لأصحابه: "من ساق الهدي فلا يحل إلى يوم النحر". فعلم أنَّ الإحلال والنحر لا يكون إلَّا يوم النحر فعلم أنَّه لا يجوز الإحلال حتى يحل نحر الهدي ولا يحل نحر الهدي إلَّا يوم النحر كما بينه النبي ﷺ وذلك لأنَّ الهدي من أسباب التحلل وتقليده له وسوقه بمنزلة الاحرام للرجل ونحره بمنزلة الاحلال للرجل، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والمحل مشتق من الحل وذاك بإزاء الحرم فعلم أنَّه ذو حرم وإنَّما ينقضي الإحرام يوم النحر لأنَّ المتمتع إنَّما يتم نسكه بالحج» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس لا مزيد عليه.
٤ - وفيه استحباب أن يبدأ القارن بالعمرة قبل الحج في إهلاله فيقول مثلًا لبيك اللهم عمرة وحجًا.
واستحب ذلك الإمام مالك ﵀ للقارن.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٠٥):
«قال أحمد: إن شئت لبيت بالحج، وإن شئت لبيت بالحج والعمرة، وإن شئت بعمرة، وإن لبيت بحج وعمرة بدأت بالعمرة، فقُلْتُ: لبيك بعمرة وحجة» اهـ.
ويدل عليه أيضًا ما رواه البخاري (١٥٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ
[ ٧ / ٣٦٧ ]
بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ».
٥ - استحباب فسخ الحج إلى عمرة لمن لم يسق الهدي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٤٩):
«والفسخ فيه ثلاثة أقوال معروفة: قيل هو واجب كقول ابن عباس وأتباعه وأهل الظاهر والشيعة. وقيل: هو محرم كقول معاوية وابن الزبير ومن اتبعهما كأبي حنيفة ومالك والشافعي. وقيل: هو جائز مستحب وهو مذهب فقهاء الحديث أحمد وغيره والأمر به معروف عن غير واحد من الصحابة والتابعين» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح استحباب الفسخ لهذا الحديث ولغيره من أحاديث الباب.
وأمَّا وقت الفسخ فهو قبل الوقوف بعرفة، ويشرع الفسخ بعد طواف القدوم وسعي الحج للقارن والمفرد ولا يلزم إعادة طواف وسعي للعمرة على الصحيح.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٢١٨) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ، يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ، عَلَى الْمِشْجَبِ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: بِيَدِهِ
[ ٧ / ٣٦٨ ]
فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
[ ٧ / ٣٦٩ ]
كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ: مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً».
وهذا فيه أنَّ أمرهم بالفسخ بعد السعي ولم يأمرهم بإعادة الطواف والسعي من أجل العمرة.
فَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧):
«وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ: لِلْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ أَنْ يَفْسَخَا نُسُكَهُمَا إلَى الْعُمْرَةِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَا وَقَفَا بِعَرَفَةَ، وَلَا سَاقَا هَدْيًا، فَلَمْ
[ ٧ / ٣٧٠ ]
يُفْصِحُوا بِوَقْتِ الْفَسْخِ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: جَوَازُ الْفَسْخِ، سَوَاءٌ طَافَا وَسَعَيَا أَوْ لَا، إذَا لَمْ يَقِفَا بِعَرَفَةَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يَغُرَّنَّك كَلَامُ ابْنِ مُنَجَّى، فَإِنَّهُ قَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ شَرْطٌ فِي اسْتِحْبَابِ الْفَسْخِ. قَالَ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَقْتَضِي الْفَسْخَ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَافَ وَسَعَى ثُمَّ فَسَخَ: يَحْتَاجُ إلَى طَوَافٍ وَسَعْيٍ لِأَجْلِ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يُرِدْ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ "إذَا" ظَرْفٌ لَأَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ وَقْتَ طَوَافِهِ. أَيْ وَقْتَ جَوَازِ طَوَافِهِ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ مُنَجَّى، وَغَفَلَ عَنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَالْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحِ وَكَلَامِ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَأْبَى ذَلِكَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافًا ثَانِيًا. كَمَا زَعَمَ ابْنُ مُنَجَّى. انْتَهَى.
قُلْت: قَالَ فِي الْكَافِي: يُسَنُّ لَهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا هَدْيٌ أَنْ يَفْسَخَا نِيَّتَهُمَا بِالْحَجِّ، وَيَنْوِيَا عُمْرَةً، وَيَحِلَّا مِنْ إحْرَامِهِمَا بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَتَقْصِيرٍ؛ لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَوْلُ ابْنِ مُنَجَّى " إنَّ الْأَخْبَارَ تَقْتَضِي الْفَسْخَ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ " لَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ ظَاهِرَهَا: أَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الطَّوَافِ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ، فَإِنَّهُ كَالنَّصِّ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْفَسْخِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ طَوَافِهِمْ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَهُمَا أَنْ يَفْسَخَا نِيَّتَهُمَا بِالْحَجِّ. زَادَ الْمُصَنِّفُ: إذَا طَافَا وَسَعَيَا.
[ ٧ / ٣٧١ ]
فَيَنْوِيَانِ بِإِحْرَامِهِمَا ذَلِكَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فَإِذَا فَرَغَا مِنْهَا وَحَلَّا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ، لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ» اهـ.
٦ - وجوب الهدي على المتمتع.
ومن وجد الهدي وأخره عن أيام النحر فعليه دمان دم الهدي ودم التأخير على الصحيح ولو كان معذورًا لفتوى ابن عباس ولا يعلم له مخالف.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٤٩ -):
«فَصْلٌ:
وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ فَلَمْ يُهْدِ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ الذَّبْحِ: فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ مَنْصُوصَاتٍ: - إِحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِ هَدْيُ مُتْعَتِهِ، وَهَدْيٌ آخَرُ لِتَفْرِيطِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِ الذَّبْحِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - إِذَا تَمَتَّعَ فَلَمْ يُهْدِ إِلَى قَابِلٍ يُهْدِي هَدْيَيْنِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِذَا صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمَيْنِ، كَذَلِكَ نَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - فِي مُتَمَتِّعٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى جَازَ أَيَّامَ النَّحْرِ: صَامَ عَشَرَةً إِذَا رَجَعَ وَعَلَيْهِ دَمٌ قَدْ فَرَّطَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَتَّى جَازَ يَوْمَ النَّحْرِ: فَعَلَيْهِ دَمَانِ؛ دَمُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ، وَدَمٌ لِمَا فَرَّطَ، قِيلَ لَهُ: تَقُولُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِ دَمَانِ؛ دَمٌ لِمَا عَلَيْهِ، وَدَمٌ لِمَا أَخَّرَهُ. وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ اعْتَمَدَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ فِي الْمَعْذُورِ.
[ ٧ / ٣٧٢ ]
قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمَعْذُورَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ إِذَا لَمْ يَجِدْ ثَمَنًا يَشْتَرِي بِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى هَاهُنَا عَلَيْهِ هَدْيَانِ وَهَذِهِ حَالَةُ عُذْرٍ.
وَذَلِكَ لِمَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ تَمَتَّعَ فَلَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُهْدِ، قَالَ: " عَلَيْهِ دَمَانِ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَاهُ النَّجَّادُ، وَلَفْظُهُ: عَنْ ابْنِ بَذِيمَةَ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " تَمَتَّعْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَنْحَرَ وَأَخَّرْتُ هَدْيِي فَمَضَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَهْدِ هَدْيَيْنِ؛ هَدْيًا …، وَهَدْيًا لِمَا أَخَّرْتَ ".
وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ الذَّبْحَ فِي وَقْتِهِ نُسُكٌ وَاجِبٌ فَمَتَى فَوَّتَ الْوَقْتَ فَقَدْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ: فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعَكْسُهُ تَأْخِيرُ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ إِلَى وَقْتٍ يَجُوزُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَوَّتَ نَفْسَ الْحَجِّ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، فَكَذَلِكَ إِذَا فَوَّتَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهِ الَّتِي يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا: يَجِبُ أَنْ تَجِبَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ إِلْحَاقًا لِأَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ بِأَصْلِهَا، فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلَى الْأَقْيِسَةِ.
وَلِأَنَّ مَا وَقَّتَهُ بِنَذْرِهِ إِذَا فَوَّتَ وَقْتَهُ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَمَا وَقَّتَهُ الشَّرْعُ أَحْرَى أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ بِتَفْوِيتِ وَقْتِهِ. وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا بِتَفْوِيتِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَجِبَ فِيهِ كَفَّارَةٌ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَقَطْ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِي مُتَمَتِّعٍ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ -: يَبْعَثُ بِالدَّمِ إِذَا كَانَ سَاهِيًا وَالْعَامِدُ: عَلَيْهِ دَمٌ
[ ٧ / ٣٧٣ ]
وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَهَذَا الَّذِي نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ إِلَى وَقْتِ جَوَازِ فِعْلِهِ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ دَمٌ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوُقُوفَ إِلَى اللَّيْلِ، وَالطَّوَافَ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، وَالْمَعْنَى بِجَوَازِ فِعْلِهِ أَجْزَاهُ، فَأَمَّا حِلُّ التَّأْخِيرِ: فَلَا، قَالَ الْقَاضِي: وَلِأَنَّهُ دَمٌ أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ، فَلَا يَجِبُ بِتَأْخِيرِهِ دَمٌ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْحِلَاقِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ؛ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ عَنْ وَقْتِهَا إِذَا شُرِعَ قَضَاؤُهَا: لَا يُوجِبُ إِلَّا الْقَضَاءَ بِدَلِيلِ تَأْخِيرِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: إِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَمْدًا فَعَلَيْهِ هَدْيَانِ. قَالَ حَرْبٌ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمٌ فَدَفَعَ نَفَقَتَهُ إِلَى رَجُلٍ وَغَابَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَذْبَحُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ؟ قَالَ: يَبْعَثُ بِدَمٍ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ دَمَانِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَبْعَثَ بِدَمٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَكَأَنَّهُ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ إِذَا وَجَدَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ - فِي مُتَمَتِّعٍ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ وَلَمْ يُهْدِ: يُجَزِّئُ عَنْهُ دَمٌ وَاحِدٌ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَلَيْهِ دَمَانِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ.
قَالَ الْقَاضِي: الْعُذْرُ مِثْلُ أَنْ تَضِيقَ النَّفَقَةُ وَلَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِي وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْعُذْرُ مِثْلُ أَنْ تَضِيعَ النَّفَقَةُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعُذْرُ مِثْلُ النِّسْيَانِ وَنَحْوِهِ.
[ ٧ / ٣٧٤ ]
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوْ سَهَا عَنِ الْهَدْيِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ لَزِمَهُ إِنْفَاذُ هَدْيٍ يُنْحَرُ بِالْحَرَمِ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةَ: إِذَا أُخِّرَتْ عَنْ وَقْتِهَا تَعَذَّرَ، وَشُرِعَ قَضَاؤُهَا: لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ مِثْلَ الصَّوْمِ إِذَا أَفْطَرَ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، وَالصَّلَاةِ إِذَا أَخَّرَهَا لِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ، بِخِلَافِ مَنْ أَخَّرَهَا تَأْخِيرًا مُحَرَّمًا، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلَى كَفَّارَةٍ مَاحِيَةٍ. وَالْعُذْرُ هُنَا: مِثْلُ النِّسْيَانِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُسْقِطُ. فَأَمَّا ضِيقُ النَّفَقَةِ وَضَيَاعُهَا، أَوْ عَدَمُ النَّعَمِ - كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ - فَهَذَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْهَدْيِ، وَيَجْعَلُ فَرْضَهُ الصَّوْمَ، فَإِذَا لَمْ يَصُمْ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ وَإِنْ صَامَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِدًا حِينَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَتَرَكَ الصَّوْمَ لِذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الذَّبْحِ: ضَاعَتِ النَّفَقَةُ، أَوْ عُدِمَتِ النَّعَمُ، أَوْ كَانَ قَدْ ابْتَاعَ هَدْيًا فَظَلَّ: فَهُنَا هُوَ مَعْذُورٌ بِتَرْكِ الصَّوْمِ وَالذَّبْحِ.
وَبِكُلِّ حَالٍ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَلَمْ يُهْدِ سَوَاءً كَانَ مُوسِرًا، أَوْ مُعْسِرًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ» اهـ.
قُلْتُ: المشهور عند المالكية أنَّ من أخر هديه عن أيام النحر فليس عليه دم إلَّا إذا أخرجه عن ذي الحجة.
٧ - أنَّ من لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
[ ٧ / ٣٧٥ ]
٨ - أنَّ لمن لم يجد الهدي أن يصوم من وقت الإحرام بالعمرة إذا كان متمتعًا؛ لأنَّ العمرة قد دخلت في الحج، لما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ». فالشارع في عمرة التمتع هو شارع في أول الحج، ولهذا يقال لمجموع العمرة مع الحج: حج التمتع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٥٢):
«وعمرة المتمتع بمنزلة التوضؤ للمغتسل فالمغتسل للجنابة إذا توضأ كان وضوءه بعض اغتساله الكامل كذلك عمرة المتمتع عند أحمد بعض حجة الكامل، ولهذا يجوز عنده للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة من حين يحرم بالعمرة وقد قال الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فهو من حين أحرم بالعمرة دخل في الحج كما أنَّ المغتسل من حين توضأ دخل في الغسل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢١٩):
«والمتمتع من حين يحرم بالعمرة فهو داخل في الحج، كما قال النبي ﷺ: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". ولهذا، يجوز له أن يصوم الأيام الثلاثة من حين يحرم بالعمرة، فدل على أنَّه في تلك الحال في الحج.
وأمَّا إحرامه بالحج بعد ذلك، فكما يبدأ الجنب بالوضوء، ثم يغتسل بعده. وكذلك كان النبي ﷺ يفعل، إذا اغتسل من الجنابة. وقال للنسوة في
[ ٧ / ٣٧٦ ]
غسل ابنته: "ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها". فغسل مواضع الوضوء بعض الغسل» اهـ.
قُلْتُ: مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة جواز صيام الثلاثة الأيام منذ الإحرام بعمرة التمتع، وعن أحمد أنَّه إذا حل من العمرة. ووقت الاختيار عندهما أن يصومها بعد الإحرام بالحج بحيث يكون آخرها يوم عرفة، ويستحب له أن يقدم الإحرام بالحج إلى يوم السابع حتى يتم صيام الأيام الثلاثة.
وقال مالك، والشافعي: لا يجوز إلَّا بعد إحرام الحج.
والمختار عند الشافعي أن يكون آخرها يوم التروية؛ لأنَّ صوم يوم عرفة بعرفة غير مستحب.
٩ - وظاهر الحديث وجوب صيام الثلاثة الأيام في الحج فلو صامها في غير الحج فلا يجزؤه ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ١٣٩):
«وفي قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ٢٩٦] أبين البيان أنَّه لا يجزئه صيامها في غير الحج، وهذا يرد أيضًا ما روى عن علي والحسن وعطاء» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ١٠١):
«وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا سَبِيلَ لِلْمُتَمَتِّعِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ يَجِدُ الْهَدْيَ فَلَا يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر فقال مَالِكٌ يَصُومُهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ
[ ٧ / ٣٧٧ ]
عَشَرَةَ أَيَّامٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ وَأَجْزَاهُ وَإِنْ وَجَدَ هَدْيًا بَعْدَ رُجُوعِهِ وَقَبْلَ صَوْمِهِ أَهْدَى قَبْلَ أَنْ يَصُومَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْحَجِّ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ بَعْدُ وَكَانَ عَلَيْهِ هَدْيَانِ هَدْيٌ لِمُتْعَتِهِ أَوْ قِرَانِهِ وَهَدْيٌ لِتَحَلُّلِهِ مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ وَلَا صِيَامٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْحَجِّ وَلَا سَبِيلَ إِلَى الصِّيَامِ بَعْدُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُقْضَى يَوْمُ النَّحْرِ حَتَّى يَهْدِيَ أَوْ يَصُومَ فَإِنْ لَمْ يَهْدِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَيَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فِي بَلَدِهِ وَيَهْدِي إِنْ وَجَدَ.
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالْآخَرُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ من ترك صيام الثلاثة الأيام في الحج وجب عليه الهدي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٧):
«وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "الصَّوْمُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَصُمْ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ". رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ: عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ.
نَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ حَكَاهُ أَحْمَدُ - أَيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يُعْرَفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا: أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ مِنًى، وَذَلِكَ اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى بِحَالٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَوَّزَ لَهُ الِانْتِقَالَ عَنِ الْهَدْيِ بِأَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، فَإِذَا لَمْ يَصُمْهَا فِي وَقْتِهَا: لَمْ يُجْزِهِ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَسَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ قَدْ
[ ٧ / ٣٧٨ ]
يَكُونُ بَاقِيًا، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ فَتَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا أَقْرَبُ، وَلِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ رُخْصَةٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَبَيْنَ الْهَدْيِ، وَفَاتَ وَقْتُ الصَّوْمِ: لَتَعَيَّنَ الْهَدْيُ، فَلَأَنْ يَتَعَيَّنَ الْهَدْيُ إِذَا كَانَ هُوَ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُؤَقَّتَةَ إِذَا فَاتَتْ: فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ إِلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَلَيْسَ فِي قَضَاءِ صَوْمِ الْمُتْعَةِ أَمْرٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَقْضِي فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بَدَلٌ عَنِ الْأَدَاءِ يَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَهُنَا قَدْ أَمْكَنَ إِبْدَالُ الْهَدْيِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الصَّوْمِ فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِبْدَالِ بِصَوْمٍ؛ وَلِأَنَّ الْبَدَلَ إِذَا كَانَ مُؤَقَّتًا فَفَاتَ وَقْتُهُ: رُجِعَ إِلَى الْأَصْلِ؛ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بَدَلٌ عَنِ الْأَدَاءِ فَلَوْ شُرِعَ فِي الْإِبْدَالِ لَكَانَ لِلْبَدَلِ بَدَلٌ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ بَعْدَهُ، وَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا كَامِلَةٌ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَثْبُتُ لِأَيَّامٍ فِي غَيْرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ ثَبَتَتْ لَهَا لَجَازَ التَّأْخِيرُ، وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْعَشَرَةُ كَامِلَةً لَمْ يُجْزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِعَشَرَةٍ كَامِلَةٍ، وَلِأَنَّ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ مِنَ الْمَنَاسِكِ - وَإِنْ كَانَتْ صَوْمًا - كَمَا أَنَّ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مِنَ الْمَنَاسِكِ وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةً، وَلِهَذَا يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ عَنْ غَيْرِهِ. فَإِنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَخْتَصُّ بِالْحَجِّ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَالْمَنَاسِكُ الْمُؤَقَّتَةُ تَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْضِي بِحَالٍ، وَإِذَا لَمْ تُقْضَ: فَمِنْهَا مَا يَجِبُ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الدَّمُ.
[ ٧ / ٣٧٩ ]
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَقْضِيهَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى إِذَا فَاتَ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْمَنْذُورِ الْمُؤَقَّتِ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْهَدْيَ فِي التَّوْقِيتِ سَوَاءٌ، فَإِذَا قُضِيَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ الْآخَرُ، وَيَقْضِيهَا مَعَ صَوْمِ السَّبْعَةِ إِنْ شَاءَ مُتَتَابِعًا وَإِنْ شَاءَ مُتَفَرِّقًا.
وَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ مَعَ الْقَضَاءِ؟ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ؛ - إِحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِ دَمٌ وَهِيَ اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى جَازَ أَيَّامَ النَّحْرِ صَامَ عَشَرَةً إِذَا رَجَعَ وَعَلَيْهِ دَمٌ قَدْ فَرَّطَ.
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ - إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ مِنْ تَمَتُّعٍ، أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ، أَوْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ زَكَاةٍ فَفَرَّطَ فِيهَا حَتَّى ذَهَبَ مَالُهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ هَدْيَيْنِ، وَإِذَا فَرَّطَ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ: صَامَ بَعْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ هَدْيَانِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: مَا تَقَدَّمَ فِي الْهَدْيِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ خَرَّجَهَا شَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي تَأْخِيرِ الْهَدْيِ، وَاخْتَارَ هُوَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ مَعَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا يَجِبُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ دَمٌ بِخِلَافِ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَتَأْخِيرُ الْمَنَاسِكِ فِي الْجُمْلَةِ قَدْ يُوجِبُ دَمًا.
[ ٧ / ٣٨٠ ]
وَالصَّوَابُ طَرِيقَةُ شَيْخِهِ؛ فَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْقَاضِي مَنْصُوصَةً فِي خِلَافِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ، وَلَعَلَّهُ خَرَّجَهَا فِي كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ، ثُمَّ وَجَدَهَا مَنْصُوصَةً، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنْ فِقْهِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْهَدْيِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: لَا دَمَ بِحَالٍ قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - إِنْ لَمْ يَصُمْ فِي الْحَجِّ فَلْيَصُمْ إِذَا انْصَرَفَ، وَلَا يَرْجِعْ إِلَى الدَّمِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الصِّيَامَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ قَدْ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُ قَضَائِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا.
فَعَلَى هَذَا إِذَا أَيْسَرَ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ فَهَلْ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يُهْدِيَ وَلَا يَصُومَ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ الصِّيَامُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ فَاتَ وَقْتُهُ، وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي وجوب هديين عليه الأول لتمتعه والآخر لأنَّه لم يصم في الحج ولم يهد في وقت الهدي.
ولا يظهر لي وجوب التفرق بين الثلاثة الأيام والسبعة وإن فرق فلا بأس.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٤/ ٥٧ - ٥٨):
[ ٧ / ٣٨١ ]
«فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ، وَلَا السَّبْعَةَ الْأَيَّامِ حِينَ رَجَعَ حَتَّى اسْتَقَرَّ بِبَلَدِهِ وَاسْتَوْطَنَ، فَعَلَيْهِ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ، وَبَيْنَ صِيَامِ السَّبْعَةِ، وَفِي وُجُوبِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، لِأَنَّ وُجُوبَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا كَانَ فِي الْأَدَاءِ بِجِهَةِ الزَّمَانِ، وَمَا كَانَ مُسْتَحَقًّا فِي الْأَدَاءِ بِجِهَةِ الزَّمَانِ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ فِي الْقَضَاءِ لِفَوَاتِ الزَّمَانِ، كَمَا أَنَّ تَتَابُعَ رَمَضَانَ مُسْتَحَقٌّ فِي الْأَدَاءِ لِتَتَابُعِ الزَّمَانِ، غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فِي الْقَضَاءِ لِفَوَاتِ الزَّمَانِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ تَابَعَ صِيَامَ الثَّلَاثَةِ وَصِيَامَ السَّبْعَةِ أَجْزَأَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا وَاجِبَةٌ، لِأَنَّ وُجُوبَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا كَانَ فِي الْأَدَاءِ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ لَا مِنْ جِهَةِ الزَّمَانِ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجِعْتُمْ﴾ (البقرة: ١٩٥) فَجَعَلَ السَّبْعَةَ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَالرُّجُوعُ فِعْلٌ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ الْحَجِّ، أَوِ الرُّجُوعُ إِلَى الْوَطَنِ، وَمَا كَانَ مُسْتَحَقًّا فِي الْأَدَاءِ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ، لَمْ يَبْطُلِ اسْتِحْقَاقُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ مَضَى ذَلِكَ الْفِعْلُ، كَمَا أَنَّ تَتَابُعَ صَوْمِ الظِّهَارِ، وَمُسْتَحَقٌّ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ، فَلَمْ يَبْطُلِ اسْتِحْقَاقُ تَتَابُعِهِ بِمُضِيِّ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَعَلَى هَذَا فِي قَدْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَقَلِّ مَا تَكُونُ بِهِ التَّفْرِقَةُ، وَذَلِكَ يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ فِي الصَّوْمِ ضِدَّ الْمُتَابَعَةِ، فَلَمَّا بَطَلَتِ الْمُتَابَعَةُ بِإِفْطَارِ يَوْمٍ ثَبَتَتِ التَّفْرِقَةُ بِإِفْطَارِ يَوْمٍ وَاحِدٍ.
[ ٧ / ٣٨٢ ]
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، إنَّ قَدْرَ التَّفْرِقَةِ فِي الْقَضَاءِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِهِ فِي الْأَدَاءِ؛ لأنَّه لما وجبت الفرقة فِي الْقَضَاءِ لِثُبُوتِهَا فِي الْأَدَاءِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدْرُ التَّفْرِقَةِ فِي الْقَضَاءِ قِدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّفْرِقَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي القضاء قدر ما يقع عليه اسم التفرقة، كَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْأَدَاءِ قَدْرُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّفْرِقَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي القضاء قدر ما يقع عليه اسم التفرقة، كَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْأَدَاءِ قَدْرُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّفْرِقَةِ، فَعَلَى هَذَا الْأَدَاءِ أَصْلَانِ، فِي كُلِّ أَصْلٍ مِنْهُمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ جَوَازُ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ يَجُوزُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ لَا يَجُوزُ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: صِيَامُ السَّبْعَةِ هَلْ يَجُوزُ إِذَا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ؟ أَوْ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْإِمْلَاءِ: إِذَا رَجَعَ مِنْ حَجِّهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ، إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ، كَانَ قَدْرُ التَّفْرِقَةِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِمَا، فَتَكُونُ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِيَوْمٍ، إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَيَصُومَ السَّبْعَةَ إِذَا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ، لِيَقَعَ بِهَذَا الْيَوْمِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ.
[ ٧ / ٣٨٣ ]
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ صِيَامَ مِنًى لَا يَجُوزُ وَإِنَّ صِيَامَ السَّبْعَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْحَجِّ، فَتَكُونُ التَّفْرِقَةُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَأَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِيَوْمٍ، وَقَدْرُ مَسَافَةِ الطَّرِيقِ إِذَا قِيلَ إِنَّ صِيَامَ أَيَّامِ مِنًى يَجُوزُ وَصِيَامُ السَّبْعَةِ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالْأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَقَدْرِ مَسَافَةِ الطَّرِيقِ إِذَا قِيلَ الَّذِي لَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، وَلَا يَصُومُ السَّبْعَةَ إِلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى بَلَدِهِ» اهـ.
١٠ - وفيه وجوب صيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وذلك لمن لم يجد الهدي.
وقد تنازع العلماء في وقت صيامها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٦٢):
«وأمَّا السبعة، فلها أيضًا وقتان؛ وقت اختيار، ووقت جواز.
أمَّا وقت الاختيار، فإذا رجع إلى أهله؛ لما روى ابن عمر، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "فمن لم يجد هديًا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله". متفق عليه.
وأمَّا وقت الجواز، فمنذ تمضي أيام التشريق.
قال الأثرم: سئل أحمد، هل يصوم في الطريق أو بمكة؟ قال: كيف شاء. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك.
وعن عطاء، ومجاهد: يصومها في الطريق. وهو قول إسحاق.
وقال ابن المنذر: يصومها إذا رجع إلى أهله؛ للخبر.
[ ٧ / ٣٨٤ ]
ويروى ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وهو قول الشافعي. وقيل عنه كقولنا، وكقول إسحاق» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الآية والحديث أنَّ صيام السبعة الأيام واجبة عند الرجوع إلى الأهل، وقد يقال: يدخل في ذلك مبدأ الرجوع وهو الشروع فيه. والله أعلم.
١١ - وفيه فصل النزاع لخلاف العلماء في معنى الرجوع في قول الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، وأنَّ المراد بذلك الرجوع إلى الأهل، خلافًا لمن زعم أنَّ المراد به الرجوع من الحج، وهو العود إلى حاله قبل الإحرام من الإحلال.
١٢ - وظاهره جواز تفريق الصيام وتتابعه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٦٣):
«فصل: ولا يجب التتابع، وذلك لا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا. وهذا قول الثوري، وإسحاق، وغيرهما.
ولا نعلم فيه مخالفًا» اهـ.
١٣ - وفيه استحباب المبادرة بالطواف بالبيت إثر القدوم إلى مكة مباشرة.
١٤ - وفيه استحباب استلام الحجر الأسود في الطواف.
١٥ - وفيه استحباب الرمل في الثلاثة الأشواط الأول من أول طواف يقدم فيه القادم إلى البيت.
١٦ - وفيه استحباب صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم.
[ ٧ / ٣٨٥ ]
قُلْتُ: ويجوز فعلهما في غير ذلك المكان؛ لما رواه البخاري (١٦٢٦) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﵂ ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ». فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٨٧):
«"فلم تصل حتى خرجت" أي: من المسجد أو من مكة فدل على جواز صلاة الطواف خارجًا من المسجد إذ لو كان ذلك شرطًا لازمًا لما أقرها النبي ﷺ على ذلك» اهـ.
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٢٠) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى عُمَرُ طَوَافَهُ، نَظَرَ فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ طَلَعَتْ. فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوًى. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وقد رواه البخاري معلقًا.
قُلْتُ: ويستحب إذا وصل إلى المقام أن يقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
[ ٧ / ٣٨٦ ]
ويقرأ في الركعة الأولى بسورة "الإخلاص"، وفي الأخرى بسورة "الكافرون"، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله في حديثه الذي وصف فيه حجة الوداع: «… حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ …».
١٧ - وفيه الأمر بالطواف حول البيت وهو ركن في الحج والعمرة.
١٨ - وفيه مشروعية السعي بين الصفا والمروة، وقد تنازع العلماء فيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٠٩ - ١١٠):
«فصل: واختلفت الرواية في السعي، فروي عن أحمد أنَّه ركن، لا يتم الحج إلَّا به.
وهو قول عائشة، وعروة، ومالك، والشافعي؛ لما روي عَنْ عَائِشَةَ، قالت: طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون - يعني بين الصفا والمروة - فكانت سنة، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. رواه مسلم.
وعن حبيبة بنت أبي تجراة، إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين، ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، حتى إنِّي لأقول:
[ ٧ / ٣٨٧ ]
إنِّي لأرى ركبتيه. وسمعته يقول: "اسعوا، فإنَّ الله كتب عليكم السعي". رواه ابن ماجه.
ولأنَّه نسك في الحج والعمرة، فكان ركنا فيهما، كالطواف بالبيت.
وروي عن أحمد أنَّه سنة، لا يجب بتركه دم. روي ذلك عن ابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وابن سيرين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه، فإنَّ هذا رتبة المباح، وإنما ثبت سنيته بقوله: من شعائر الله.
وروي أنَّ في مصحف أبي وابن مسعود: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما".
وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن رتبة الخبر؛ لأنَّهما يرويانه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولأنَّه نسك ذو عدد لا يتعلق بالبيت، فلم يكن ركنًا كالرمي.
وقال القاضي: هو واجب. وليس بركن، إذا تركه وجب عليه دم. وهو مذهب الحسن، وأبي حنيفة، والثوري.
وهو أولى؛ لأنَّ دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب، لا على كونه لا يتم الحج إلَّا به.
وقول عائشة في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة.
وحديث بنت أبي تجراة، قال ابن المنذر: يرويه عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا في حديثه.
[ ٧ / ٣٨٨ ]
ثم إنَّه يدل على أنَّه مكتوب، وهو الواجب.
وأمَّا الآية فإنَّها نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام، لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية، لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة. كذلك قالت عائشة» اهـ.
أقول: لا ينزل السعي عن الوجوب، والقول بركنيته له حظ من النظر لاسيما في العمرة فإنَّها عبارة عن طواف وسعي، فالقول بعدم ركنيته في العمرة فيه نظر.
١٩ - وفيه الأمر بالتقصير، والأمر به يدل على أنَّه نسك من الأنساك وليس مجرد إطلاق من محظور، وهذا هو الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٨٨):
«فصل: والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، في ظاهر مذهب أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي.
وعن أحمد أنَّه ليس بنسك، وإنَّما هو إطلاق من محظور كان محرمًا عليه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل، كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام.
فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه، ويحصل الحل بدونه».
إلى أن قال ﵀ (١٨٨ - ١٨٩):
[ ٧ / ٣٨٩ ]
«والرواية الأولى أصح، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر به، فروى ابن عمر، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "من لم يكن معه هدي، فليطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وليقصر، وليحلل".
وعن جابر، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا".
وأمره يقتضي الوجوب.
ولأنَّ الله تعالى وصفهم به، بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾.
ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به، كاللبس وقتل الصيد، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ترحم على المحلقين ثلاثًا، وعلى المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك، لما دخله التفضيل، كالمباحات، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم، ولم يخلوا به، ولو لم يكن نسكًا لما داوموا عليه، بل لم يفعلوه إلَّا نادرًا، لأنَّه لم يكن من عادتهم، فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل، فيفعلوه لفضله» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٢٠٨):
«(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَلْقِ هَلْ هُوَ نُسُكٌ؟ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ نُسُكٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ
[ ٧ / ٣٩٠ ]
وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ أَحَدٌ غَيْرَ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَلَكِنْ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا» اهـ.
وقد استنكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٥٤١) من نسب للإمام أحمد أنَّ الحلق أو التقصير إطلاق من محظور حيث قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَلَطٌ عَلَى الْمَذْهَبِ لَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا بَلْ كَلَامُهُ كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ ذَلِكَ مَنْ تَوَهَّمَهُ حَيْثُ لَمْ يُوقِفِ التَّحَلُّلَ عَلَيْهِ، أَوْ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدِ النُّسُكَ بِالْوَطْءِ قَبْلَهُ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ لَهَا مَأْخَذٌ آخَرُ، ثُمَّ هُوَ خَطَأٌ فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح أنَّهما نسك من الأنساك لأمور منها:
أولًا: دعاء النبي ﷺ بالرحمة على من فعلهما كما روى البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ».
ثانيًا: قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ووجه الشاهد من الآية أنَّ الله ﷿ جعل الحلق والتقصير علامة النسك وعبَّر عنه بهما وهذا يدل على أنَّهما من النسك بل من
[ ٧ / ٣٩١ ]
واجبات النسك وذلك أنَّ إطلاق العبادة على جزء من أجزائها يدل على وجوب ذلك الجزء.
وذكر الحلق والتقصير دون بقية واجبات العمرة يدل على فائدة ذكرها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ حَيْتُ قَالَ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٥٤٣): «وَفِيهِ أَيْضًا تَنْبِيهٌ عَلَى تَمَامِ النُّسُكِ; لِأَنَّ الْحَلْقَ وَالتَّقْصِيرَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّمَامِ; لِئَلَّا يَخَافُوا أَنْ يَصُدُّوا عَنْ إِتْمَامِ الْعُمْرَةِ كَمَا صَدُّوا عَنْ إِتْمَامِهَا عَامَ أَوَّلٍ» اهـ.
ثالثًا: أنَّ النبي ﷺ والصحابة الكرام ﵃ حافظوا على ذلك وفعلوه عند التحلل من الحج والعمرة ولم يتركوه في مرة من المرات ومثل هذه المحافظة لا تكون لغير النسك.
رابعًا: أنَّ حلق الرأس لا يدخل في النظافة كتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، وليس من الزينة ففعله من انتفاء ذلك عنه يدل على أنَّه من النسك ففعل لأجل ذلك، ولولا أنَّه فُعل لكونه نسكًا لكان فعله عبثًا.
خامسًا: أنَّ هذه الأمور مرغب فيها قبل الحج والعمرة وبعدهما، وأمَّا الحلق فلم يرغب فيه إلَّا عند التحلل منهما فدل ذلك أنَّه من الأنساك.
سادسًا: أنَّ الحلق والتقصير يحصل بهما التحلل والتحلل من جملة العبادة كالتحلل بالسلام من الصلاة.
[ ٧ / ٣٩٢ ]
سابعًا: أنَّ وضع النواصي نوع من الذل والخضوع؛ ولهذا كانت العرب إذا أرادت المن على الأسير، جزت ناصيته وأرسلته، وأعمال الحج مبناها على الخضوع والذل فدل ذلك على أنَّهما من النسك.
وقد ذكر معنى ما سبق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
والحلق أو التقصير من واجبات الحج على الصحيح وبه قال جمهور العلماء الذين جعلوه نسكًا.
والصحيح عند كثير من الشافعية أنَّه من الأركان.
٢٠ - وفيه أنَّ تحلل المتمتع بالتقصير أولى من الحلق، وذلك محمول على ما إذا قرب وقت الحج حتى يفضل شيء من الشعر يتحلل به في حجه، وأمَّا إذا بعد وقت الحج فالأفضل الحلق لابتداء الله تعالى به في قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، ولما رواه البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ».
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ» مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، قَالَ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ».
قُلْتُ: وبهذا أفتى الشافعي.
[ ٧ / ٣٩٣ ]
٢١ - وفيه أنَّ نحر هدي التمتع والقران في يوم النحر.
وهذا مذهب أكثر العلماء، وهو مذهب الإمام مالك، وأحمد، وأبو حنيفة غير أنَّ الإمام أحمد ذهب إلى أنَّه لا يذبح إلَّا بعد طلوع الشمس ومضى مقدار صلاة العيد، وعند مالك يبتدئ الذبح بعد رمي جمرة العقبة، وعند أبي حنيفة يبتدئ من أول اليوم.
وذهب الشافعي ﵀ إلى جواز نحر الهدي قبل يوم النحر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ١٨٣ - ١٨٤):
«أمَّا حكم المسألة فقد سبق أنَّ دم التمتع واجب بإجماع المسلمين ووقت وجوبه عندنا الإحرام بالحج بلا خلاف.
وأمَّا وقت جوازه فقال أصحابنا: لا يجوز قبل الشروع في العمرة بلا خلاف لأنَّه لم يوجد له سبب ويجوز بعد الاحرام بالحج بلا خلاف ولا يتوقت بوقت كسائر دماء الجبران لكن الأفضل ذبحه يوم النحر وهل تجوز إراقته بعد التحلل من العمرة وقبل الاحرام بالحج فيه قولان مشهوران وحكاهما جماعة وجهين والمشهور قولان وذكرهما المصنف بدليلهما، أصحهما الجواز فعلي هذا هل يجوز قبل التحلل من العمرة فيه طريقان:
أحدهما: لا يجوز قطعًا وهو مقتضى كلام المصنف وكثيرين ونقله صاحب البيان عن أصحابنا العراقيين ونقل الماوردي اتفاق الأصحاب عليه.
[ ٧ / ٣٩٤ ]
والثاني: فيه وجهان أصحهما لا يجوز، والثاني: يجوز لوجود بعض السبب حكاه أصحابنا الخراسانيون وصاحب البيان.
فالحاصل في وقت جوازه ثلاثة أوجه: أحدها بعد الاحرام بالعمرة، وأصحها بعد فراغها، والثالث بعد الاحرام بالحج.
(فرع) في مذاهب العلماء في وقت وجوب دم التمتع.
ذكرنا أنَّ مذهبنا وجوبه بالإحرام بالحج وبه قال أبو حنيفة وداود، وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفات.
وقال مالك: لا يجب حتى يرمى جمرة العقبة.
وأمَّا جوازه فذكرنا أنَّه يجوز عندنا بعد الإحرام بالحج بلا خلاف وفيما قبله خلاف.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز قبل يوم النحر واستدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومعناه فعليه ما استيسر وبمجرد الإحرام يسمى متمتعًا فوجب الدم حينئذ؛ ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ ولأنَّ شروط التمتع وجدت فوجب الدم والله أعلم.
قال العلماء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ أي بسبب العمرة لأنَّه إنَّما يتمتع بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة بسبب العمرة. قالوا: والتمتع هنا التلذذ
[ ٧ / ٣٩٥ ]
والانتفاع يقال تمتع به أي أصاب منه وتلذذ به والمتاع كل شيء ينتفع به والله أعلم.
واحتج به مالك وأبو حنيفة في أنَّ دم التمتع لا يجوز قبل يوم النحر بالقياس على الأضحية.
واحتج أصحابنا عليهما بالآية الكريمة ولأنهما وافقا على جواز صوم التمتع قبل يوم النحر أعني صوم الأيام الثلاثة فالهدى أولي، ولأنَّه دم جبران فجاز بعد وجوبه وقبل يوم النحر كدم فدية الطيب واللباس وغيرهما يخالف الأضحية لأنَّه منصوص على وقتها والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّه لا يجوز نحر الهدي قبل يوم النحر ويدل عليه حديث الباب، وما رواه البخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩) عَنْ حَفْصَةَ ﵃، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
وروى البخاري (١٦٥١)، ومسلم (١٢١٥) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ».
[ ٧ / ٣٩٦ ]
قُلْتُ: لو كان النحر جائزًا قبل يوم النحر لنحر وتحلل ولم يعتذر بسوق الهدي.
ويدل عليه أيضًا ما رواه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا».
قُلْتُ: ولو كان نحر الهدي جائزًا قبل يوم النحر لأذن لهم بنحره وأن يتحللوا من عمرتهم.
ولأنَّ الله علق حل الحلق ببلوغ الهدي محله فقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولو جاز النحر قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر.
٢٢ - وفيه أنَّ التحلل التام إنَّما يكون بعد طواف الإفاضة.
قُلْتُ: وهذا التحلل الثاني، وأمَّا التحلل الأول فيبيح كل شيء إلَّا النساء، ويدل عليه ما رواه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».
قُلْتُ: وظاهر هذا الحديث أنَّ التطيب كان بعد الحلق.
[ ٧ / ٣٩٧ ]
والذي يدل عليه الحديث أنَّ التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة والحلق، وأمَّا الآخر فيحصل بمجموع الثلاثة، وهل يحصل التحلل الأول بالإفاضة مع الحلق، أو الرمي، فيه نظر، ويمكن أن يقال: كون الإفاضة يحصل بها التحلل التام فمن باب أولى أن يحصل بها التحلل الناقص إذا أضيفت مع الحلق، أو الرمي. وبه قال الشافعي، وأحمد.
والتحلل الأول: يكون باثنين من ثلاثة أنساك في يوم النحر وهي: رمي جمرة العقبة، والحلق، والطواف، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وذهب مالك وأحمد في رواية إلى أنَّه يحصل برمي جمرة العقبة.
والصحيح مذهب الجمهور للحديث السابق وهو ما رواه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».
وظاهر هذا الحديث أنَّ التطيب كان بعد الحلق، فإنَّه لو كان تحلل قبل الحلق لقالت: «ولحله قبل أن يحلق».
ولما رواه الحميدي في [مُسْنَدِه] (٢٢٣)، ومِنْ طَرِيْقِه الخطيب في [الْفَقِيْهِ وِالْمُتَفَقِهِ] (٣٧٢)، ورواه الشافعي في [الْمُسْنَد] (٧٧٩)، و[اخْتِلَافِ الْحَدِيْثِ] (١٧٢)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (٢٧٨٧) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَرُبَّمَا، قَالَ: عَنْ أَبِيهِ، وَرُبَّمَا، قَالَ: قَالَ عُمَرُ:
[ ٧ / ٣٩٨ ]
«إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ وَذَبَحْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٦١٢٠) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ، يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ: حِينَ أَحْرَمَ، وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».
قُلْتُ: وأصل الحديث رواه البخاري (٥٩٣٠)، ومسلم (١١٨٩) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالقَاسِمَ، يُخْبِرَانِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالإِحْرَامِ».
رواية البخاري مِنْ طَرِيْقِ عثمان بن الهيثم عن ابن جريج.
ورواية مسلم مِنْ طَرِيْقِ محمد بن بكر بن عثمان البرساني عن ابن جريج.
وليس في حديثهما كما ترى ذكر جمرة العقبة.
وتابعهما محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، وحديثه رواه أحمد (٢٥٦٨٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٣٧٦).
هشام بن سليمان المخزومي عند أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٦٥١).
[ ٧ / ٣٩٩ ]
وسعيد بن سالم عند أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٦٥١).
فهؤلاء خمسة من أصحاب ابن جريج خالفوا روح بن عبادة في ذكره لجمرة العقبة، وحديثهم هو المحفوظ، ولعله من أجل ذلك اقتصر الشيخان على أصل الحديث دون الزيادة، والله أعلم.
على أنَّ هذه الزيادة فيها: «وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». وقبل الطواف في البيت يكون الحلق أو التقصير، فيحمل التطيب في هذا الحديث على ما بعد الحلق أو التقصير، إذ لو كان قبل ذلك لقالت: قبل أن يحلق. والله أعلم.
وهكذا ما رواه أحمد (٢٠٩٠)، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ». فَقَالَ رَجُلٌ: وَالطِّيبُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ» أَفَطِيبٌ ذَاكَ أَمْ لَا؟.
ورواه أحمد (٣٢٠٤)، وابن ماجة (٣٠٤١) مِنْ طَرِيْقِ وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي وزاد ابن ماجة يحيى بن سعيد القطان جميعهم عن سفيان عن سلمة بن كهيل به موقوفًا على ابن عباس.
ورواه النسائي (٣٠٨٤) مِنْ طَرِيْقِ يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن سلمة بن كهيل به موقوفًا على ابن عباس.
[ ٧ / ٤٠٠ ]
ورواه أحمد (٣٤٩١) مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن هارون عن سفيان الثوري به موقوفًا.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٥٣٧) مِنْ طَرِيْقِ محمد بن كثير العبدي عن سفيان وهو الثوري به موقوفًا.
ورواه أبو يعلى في [مُعْجَمِهِ] (٣٢٧) مِنْ طَرِيْقِ خالد بن الحارث بن عبيد عن سفيان الثوري به موقوفًا.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤٠٣٩) مِنْ طَرِيْقِ أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد عن سفيان الثوري به موقوفًا.
والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٣٧٨) مِنْ طَرِيْقِ ابن وهب عن سفيان الثوري به موقوفًا.
قُلْتُ: هذا هو المحفوظ في حديث ابن عباس.
والموقوف لا يصح للانقطاع بين الحسن العرني وابن عباس. فإنَّه لم يسمع من ابن عباس كما قال ذلك الإمام أحمد، وقال أبو حاتم: لم يدركه.
٢٣ - وفيه تقديم الطواف بالبيت على السعي.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في تقديم السعي على الطواف فأجازه عطاء في أحد قوليه، وداود الظاهري، وأجازه أحمد في رواية في حق الناسي، ولم يصححه الجمهور.
[ ٧ / ٤٠١ ]
وحجة من أجاز ذلك ما رواه البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
قُلْتُ: ولا يصح الاحتجاج بذلك على صحة تقديم السعي على الطواف إلَّا بعد ثبوت أنَّ هناك من الصحابة من قدم في ذلك اليوم السعي على الطواف، وهذا مما لا ينقل من وجه يثبت.
وقول عبد الله بن عمرو: «فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ"». لا يدل على عموم جواز التقديم والتأخير في كل شيء، وإنَّما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجيب من قدم أو أخر في ذلك اليوم بنفي الحرج، فهو مخصوص بالأشياء التي سئل عنها ولا يعم غيرها، وقد بينت تلك الأمور المسئول عنها في بعض الأحاديث، وهي تقديم الحلق على النحر، وتقديم النحر على الرمي، كما في هذا الحديث، وهكذا الرمي مساءً فيما ما رواه البخاري (١٧٣٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ
[ ٧ / ٤٠٢ ]
قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
وهذا يشعر أنَّه أخر الرمي إلى بعد انقضاء النحر، والحلق، والطواف، والسعي. والله أعلم.
وهكذا تقديم الطواف على الرمي فيما رواه الدارمي (١٨٧٩)، وابن حبان (٣٨٧٨) مِنْ طَرِيْقِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رَمَى، ثُمَّ قَعَدَ لِلنَّاسِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُفْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أبو داود (٢٠١٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمَنْ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ: «لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ، إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ
[ ٧ / ٤٠٣ ]
وَهَلَكَ».
فظاهر إسناده الصحة، وجرير هو ابن عبد الحميد، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان، وذكر السعي في هذا الحديث غير محفوظ، وهذه اللفظة لم يذكرها بعض الرواة عن زياد بن علاقة كمحمد بن جحادة، وحديثه عند ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢٩٥٥).
وقد جاء الحديث عن جماعة من الثقات رووا الحديث عن زياد بن علاقة، ولم يذكروا في حديثهم السعي ولا غيره، وإنَّما أوردوه بنحو: أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: «عِبَادَ اللَّهِ، وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ».
ومن هؤلاء:
١ - سفيان بن عيينة، وحديثه عند ابن ماجة (٣٤٣٦).
٢ - شعبة بن الحجاج، وحديثه عند أحمد (١٨٤٧٧).
٣ - مسعر بن كدام، وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٧٥٥٤).
٤ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، وحديثه عند الطيالسي (١٣٢٨).
٥ - مسلم بن إبراهيم الأزدي، وحديثه عند البغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (١٤٧).
٦ - الأعمش، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠).
[ ٧ / ٤٠٤ ]
٧ - زهير بن معاوية الجعفي، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٦٩)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٣٢٢٦)، وابن الجعد في [مُسْنَدِه] (٢٥٨٦).
٨ - وأبو حمزة محمد بن ميمون السكري، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠).
٩ - وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٦٩).
١٠ - المطلب بن زيادة، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠).
١١ - أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وحديثه عند البخاري في [الْأِدَبِ الْمُفْرَدِ] (٢٩١)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٦٧).
١٢ - سماك بن حرب، وحديثه عند والطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٧٩).
١٣ - علقمة بن مرثد، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨١).
١٤ - يحيى بن أيوب، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨٢).
١٥ - مالك بن مغول، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨٤)، و[الصَّغِيْرِ] (٥٥٩).
١٦ - شيبان بن عبد الرحمن، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨٥).
١٧ - محمد بن قيس، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨٧)، وأبي
[ ٧ / ٤٠٥ ]
نعيم في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٢٥٨٦).
وخالف جريرًا أسباط بن محمد، فروى عن الشيباني، ولم يذكر في حديثه السعي، وحديثه عند ابن أبي عاصم في [الآحَادِ وَالْمَثَانِي] (١٤٦٩)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢٢٦٧)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤٠٧٤)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥١٩٧، ٣٧٢٩٨)، و[مُسْنَدِه] (٧٨٣).
قال الحافظ الدارقطني ﵀ في [سُنَنِه] (٣/ ٢٨٢/ رقم ٢٥٦٥):
«لم يقل سعيت قبل أن أطوف إلَّا جرير عن الشيباني» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٥٩):
«وقوله: سعيت قبل أن أطوف، في هذا الحديث ليس بمحفوظ. والمحفوظ: تقديم الرمي، والنحر، والحلق بعضها على بعض» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [السَّيْلِ] (ص: ٣٢٦)
«وأمَّا ما وقع في حديث أسامة عند أبي داود بلفظ: "سعيت قبل أن أطوف"، فقد قال الحفاظ: إنَّه ليس بمحفوظ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي أنَّ هذه اللفظة ليست بمحفوظة في الحديث. والله أعلم.
والذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم صحة تقديم السعي على الطواف. والله أعلم.
[ ٧ / ٤٠٦ ]
وهناك من تأول ذلك على معنى تقديم السعي بعد طواف القدوم على طواف الإفاضة أي أنَّه لم يؤخر السعي إلى بعد طواف الإفاضة وإنَّما قدمه بعد طواف القدوم وهذا مشروع للمفرد والقارن.
وتأوله بذلك الخطابي وغيره.
٢٤ - وفيه البداءة بالصفا عند السعي.
قُلْتُ: فلو بدأ بالمروة لم يجزئ ذلك الشوط له حتى يصل إلى الصفاء فيبتدئ في حقه الشوط منه، ولا يحسب ما قبل ذلك، وقد اتفق على ذلك الأئمة الأربعة.
* * *
[ ٧ / ٤٠٧ ]
٢٢٧ - عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ فَقَالَ؟: «إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان قارنًا، والأدلة في إثبات ذلك متكاثرة، ومن أحسن من قرر هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله في مصنفاتهما.
٢ - أنَّ من ساق الهدي يحرم عليه التحلل من عمرته قبل يوم النحر.
٣ - استحباب تلبيد الرأس للمحرم القارن من أجل تأخر زمن التحلل، واستحب التلبيد للحفاظ على الشعر من الأوساخ والقمل.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣٦٠) -في معنى التلبيد-: «هو جمع الشعر في الرأس بما يلزق بعضه ببعض كالخطمي والصمغ لئلا يتشعث ويقمل في الإحرام» اهـ.
٤ - استحباب تقليد الهدي حتى يتميز عن غيره إذا اختلط به، وحتى يرد إن فقد.
قُلْتُ: ويجوز التقليد بالنعال وغيرها، وقد روى مسلم (١٢٤٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ،
[ ٧ / ٤٠٨ ]
ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ».
وروى البخاري (١٧٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، قَالَ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا، يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ، وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.
ويجوز التقليد أيضًا بالعهن، لما رواه البخاري (١٧٠٥)، ومسلم (١٣٢١) عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي».
وهذا في هديه الذي أرسله ﵊ من المدينة إلى مكة وهو حلال في المدينة، ويدل على رواية مسلم: «أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالًا، يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ».
وفي رواية للبخاري (١٦٩٩)، ومسلم (١٣٢١) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، أَوْ قَلَّدْتُهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى البَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ».
٥ - مشروعية التحلل من العمرة لمن لم يسق الهدي.
٦ - وفيه أنَّ نحر الهدي لا يكون إلَّا في يوم النحر، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخبر أنَّه لا يحل حتى ينحر، ومعلوم أنَّ الإحلال إنَّما يكون في يوم النحر،
[ ٧ / ٤٠٩ ]
فلازم ذلك أنَّ نحر الهدي إنَّما يكون في يوم النحر، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء خلافًا للشافعي فإنَّه أجاز نحر الهدي قبل ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٣١ - ٣٣٢):
«وذكر بعض أصحابنا رواية أنَّه إذا قدم قبل العشر جاز أن يذبحه قبله وإن قدم فيه لم يذبحه إلى يوم النحر.
وهذه الحكاية غلط فإنَّه من لم يسق الهدي لم يختلف أنَّه لا يذبح إلى يوم النحر ومن ساقه فقد اختلف عنه فيه لكن الخلاف هو في جواز نحر الهدي المسوق وفي تحلل المحرم، أمَّا الهدي الواجب بالمتعة فلا بل عليه أن ينحره يوم النحر. قال في رواية يوسف بن موسى فيمن قدم متمتعًا وساق الهدي فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل وعليه هدي آخر وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه ولم يحل.
قال القاضي: فقد نص على أنَّه إذا نحر قبل العشر كان عليه هدي آخر يعني في يوم النحر ولم يعتد بما ذبح قبله.
لأنَّ الله يقول: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ﴾ وما بعد الغاية يخالف ما قبلها فاقتضى ذلك أنَّ بعد بلوغ الهدي محله يجوز الحلق والحلق إنَّما يجوز يوم النحر فعلم أنَّ الهدي إنَّما يبلغ محله يوم النحر. والآية عامة في هدي المحصر وغيره لعموم لفظها وحكمها» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق الكلام على هذه المسألة في شرح الحديث الماضي.
* * *
[ ٧ / ٤١٠ ]
٢٢٨ - عَنْ عُمَرَان بن حصين ﵁، قَالَ: «أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ».
قَالَ الْبُخَارِيُّ يُقَالُ: «إنَّهُ عُمَرُ».
وَلِمُسْلِمٍ: «نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ». وَلَهُمَا بِمَعْنَاهُ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب حج التمتع.
٢ - أنَّ حج التمتع من الأحكام المحكمة التي لم تنسخ.
٣ - وفيه جواز نسخ القرآن بالقرآن.
٤ - وفيه أنَّ عمران ممن يرى جواز نسخ القرآن بالسنة لقوله: «وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ»، وفي ذلك نزاع بين أهل العلم.
[ ٧ / ٤١١ ]
ومن منع من ذلك احتج بقول الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾. وهذا مذهب الشافعي وأحمد في أصح الروايتين، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية.
قُلْتُ: وما قالوه هو ظاهر القرآن، فإنَّ قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي بآية خير منها، ولو أراد الحكم لقال: "منه"، أو "مثله". ولأنَّ السنة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله.
٥ - وفيه جواز الإنكار على الفضلاء.
* * *
[ ٧ / ٤١٢ ]